ماذا لو تحققت الرغبة التي تبدو في ظاهرها بسيطة: أن يحبك الشخص الذي تريده؟ قد يبدو السؤال في البداية رومانسيًا، أو على الأقل حزينًا بما يكفي ليغري فيلمًا معاصرًا بتحويله إلى حكاية حب مشوبة بالفانتازيا. لكن Obsession، من كتابة وإخراج كاري باركر، لا يذهب في هذا الطريق السهل. إنه يبدأ من الحنين العاطفي نفسه، ثم يضغط عليه حتى يكشف ما يختبئ داخله من نزعة تملك، وخوف من الرفض، ورغبة في اختصار العلاقة الإنسانية كلها إلى أمنية سحرية.
هذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، هي ما يمنح الفيلم ثقله. فالرعب هنا لا يعتمد فقط على أداة سحرية غامضة اسمها “One Wish Willow”، بل على السؤال الذي تفتحه هذه الأداة: ماذا يحدث عندما يتحول الحب من اعتراف متبادل إلى رغبة في الامتلاك؟ وماذا يبقى من الشخص الذي نحبه إذا كنا نريده بلا اختيار، وبلا مسافة، وبلا حق في أن يقول لا؟
ما حكاية الفيلم، ببساطة؟
يتتبع الفيلم بير، الشاب الذي يعيش خيبة عاطفية ووحدة مكبوتة، فيلجأ إلى كسر “One Wish Willow” كي يجعل نيكي تحبه “أكثر من أي شيء في العالم”. منذ هذه اللحظة، لا يقدّم Obsession السحر بوصفه هدية، بل بوصفه خطأ أخلاقيًا متجسدًا. فالأمنية لا تقرّب بين شخصين كان يمكن أن تنشأ بينهما علاقة طبيعية، بل تفرض رابطة قسرية تجعل الحب نفسه يتحول إلى سلوك مرضي، لزج، خانق، ومخيف.
المهم هنا أن الفيلم لا يرسم بير كوحش تقليدي منذ البداية. إنه يجعله قريبًا من المتفرج بما يكفي كي نفهم إحباطه، ثم يتركنا نراقب كيف تتضخم تلك المشاعر العادية — الغيرة، الشعور بالنقص، الحاجة إلى الاعتراف — حتى تصير بابًا إلى الكارثة. وهنا يكمن ذكاء الفيلم: الرعب ليس في وجود السحر وحده، بل في أن الرغبة التي أطلقته تبدو مألوفة على نحو مزعج.
لماذا لا يتحدث الفيلم عن الحب، بل عن تملكه؟
الفرق بين الحب والتملك في Obsession ليس تفصيلًا نقديًا جانبيًا، بل هو الفكرة المركزية نفسها. بير لا يتمنى أن تمنحه نيكي فرصة، ولا أن تراه على حقيقته، ولا حتى أن تنشأ بينهما ألفة بطيئة. هو يريد النتيجة فورًا، ويريدها كاملة، ويريدها مطلقة. الصياغة ذاتها — أن تحبه أكثر من أي شيء في العالم — تكشف أن الأمنية لا تطلب علاقة، بل تطلب استحواذًا.
لهذا تصبح نيكي، بعد تحقق الأمنية، محبّة على نحو مرعب. إنها لا تقترب من بير لأن شخصيته أقنعتها أو لأن مشاعرها نمت بحرية، بل لأنها صارت أسيرة قوة تدفعها إلى جعله مركز الكون كله. ومن هنا تنشأ المفارقة التي يعتمد عليها الفيلم: بير يحصل حرفيًا على ما أراده، لكنه يحصل عليه بعد أن يفقد كل ما يجعل الحب حبًا: الحرية، التبادل، التردد، المسافة، وحتى إمكانية الخطأ الإنساني.
بعبارة أخرى، يفضح الفيلم الوهم الرومانسي الذي يتسلل أحيانًا إلى الثقافة الشعبية: أن الحب الكامل هو الحب الذي يبتلع كل شيء. Obsession يرد على هذا الوهم بقسوة. فالحب الذي يبتلع العالم ليس حبًا، بل كارثة.
كيف يورّطنا الفيلم في منظور بير؟
واحدة من نقاط قوة الفيلم أنه لا يقف خارج بير ليحاكمه مباشرة، بل يجعلنا نسكن منطقه أولًا. نحن نرى العالم في البداية من زاوية جرحه العاطفي، ولذلك يبدو له ما يفعله قابلًا للتبرير لحظاتٍ قليلة، أو على الأقل قابلًا للفهم. وهذا ما يمنح التجربة أثرها المزعج: المتفرج لا يراقب الشر من الخارج، بل يكتشف بالتدريج كيف يمكن للرغبة في أن تكون محبوبًا أن تتحول إلى رغبة في أن تمتلك.
من يلتفت إلى هذه الآلية سيجد أن الفيلم يستفيد كثيرًا من أثر زاوية الحكي نفسها، وهي مسألة قريبة مما ناقشناه في مقال الفرق بين الكاتب والراوي؛ فليس كل ما يجعلنا الفيلم نعايشه صادرًا عن حكمه الأخلاقي النهائي، بل عن المسافة التي يختار أن يضعنا فيها من البطل.
كما أن تقلب المسافة بين قربنا من بير وخوفنا منه يذكّر بأهمية منظور السرد في تشكيل التعاطف والمعنى، وهو ما يمكن فهمه أكثر بالعودة إلى حديثنا عن أنواع الراوي في الرواية. صحيح أن Obsession فيلم لا رواية، لكن السؤال الجمالي واحد: من أين نرى الحدث؟ ومن الذي يملك حق تفسيره؟
شرح نهاية فيلم Obsession
في الثلث الأخير، يدفع الفيلم فكرته إلى أقصاها. يحاول بير إصلاح ما فعله، لكن كل محاولة تأتي متأخرة أو ناقصة. حين يعرض الأمر على إيان، لا يتعامل إيان معه بجدية في البداية، ثم يثبت تحقق الأمنية حين يستخدم بدوره “One Wish Willow” لطلب المال. هذه اللحظة ليست تفصيلًا ساخرًا فقط، بل تأكيد على أن الأداة السحرية تعمل فعلًا، وأنها لا تعطي شيئًا من دون ثمن أو دون خلل.
بعد ذلك تتسارع الكارثة: يتساقط من حول بير مزيد من الضحايا، ويصل إلى النقطة التي يفهم فيها أن المسألة لم تعد تتعلق بعلاقة فاشلة أو حب مريض، بل بخراب كامل أصاب حياة نيكي وحياته معًا. لذلك يطلب من نيكي أن تستخدم الأمنية بطريقة تعاكس ما حدث، لكنها ترفض وهي غارقة داخل الصيغة المشوهة من التعلق التي فُرضت عليها.
هنا يلجأ بير إلى ما يظنه المخرج الأخير: أن يموت، كأن موته قد يكون الوسيلة الوحيدة لإنهاء اللعنة التي أطلقها بنفسه. يبتلع الحبوب فعلًا، لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة ويحاول إنقاذ نفسه. وفي هذه النقطة تحديدًا تقع الضربة الأخيرة في الفيلم: نيكي تستعمل “One Wish Willow” مرة أخرى، على نحو يُفهم منه أنها تتمنى أن يحبها بير بالاندفاع نفسه الذي صارت تحبه به.
النتيجة قاسية ومباشرة. يتوقف بير عن مقاومة الموت، ويذهب إليها وقد صار هو أيضًا أسير حب قسري لا حرية فيه. يحتضنان بعضهما، ثم يموت. وعندما يحدث ذلك، تنكسر الدائرة أخيرًا، وتعود نيكي إلى وعيها الحقيقي لتجد نفسها وسط الفوضى والدم والجثث، مدركةً فجأة حجم ما جرى لها وبها.
ما نراه صراحة في النهاية هو موت بير، وانكسار الحالة القسرية التي كانت نيكي تعيشها، وعودتها إلى ذاتها المفزوعة. أما ما يُستنتج منطقيًا فهو أن الأمنية الأخيرة قلبت موقع السيطرة فقط، ولم تُلغِ منطق السيطرة نفسه. لهذا تبدو النهاية ذكية بقدر ما هي مأساوية: الفيلم لا يمنح أحدًا خلاصًا نظيفًا، بل يكشف أن الأذى حين يبدأ من إلغاء إرادة الآخر، فإنه يلوّث الجميع.
ما معنى الأمنية في الفيلم؟
قد يقال إن معنى الفيلم بسيط: احذر ما تتمنى. لكن هذا التلخيص، على صحته الجزئية، لا يكفي. الأمنية في Obsession ليست مجرد حيلة أخلاقية تقليدية تعاقب الطمع، بل أداة تكشف طبيعة الرغبة ذاتها. بير لا يُعاقَب فقط لأنه استخدم السحر، بل لأن أمنيته من الأساس قائمة على تصور فاسد للعلاقة الإنسانية: أن الطرف الآخر يمكن أن يكون موضوعًا لرغبتك، لا ذاتًا حرة تقابلك أو ترفضك.
بهذا المعنى، ترمز “One Wish Willow” إلى الإغراء الذي تعد به كثير من الأوهام العاطفية الحديثة: تجاوز التعقيد، اختصار الطريق، محو الرفض، والحصول على المحبة كما لو كانت شيئًا يمكن امتلاكه. لكن الفيلم يجيب بأن هذا “الاختصار” ليس اختصارًا إلى الحب، بل اختصار إلى العنف.
ولهذا أيضًا تحمل النهاية معنى انعكاسيًا مهمًا. فحين يعيش بير، في لحظاته الأخيرة، الصورة نفسها من الحب القسري الذي فرضه على نيكي، لا يكون الفيلم فقط بصدد معاقبته، بل بصدد جعله يذوق طبيعة ما صنعه. هنا يتحول الرعب إلى درس أخلاقي قاسٍ: لا يمكنك أن تطلب حبًا مسلوب الحرية ثم تتوقع أن يبقى بريئًا.
هل قصة Obsession حقيقية؟ وهل الفيلم مقتبس من رواية؟
لا، الفيلم — بحسب المعلومات الرسمية المتاحة عنه — ليس قائمًا على قصة حقيقية معلنة، ولا على حدث تاريخي معروف، كما أنه ليس اقتباسًا عن رواية مشهورة جرى الإعلان عنها. إنه عمل أصلي كتبه وأخرجه كاري باركر، ولهذا ينبغي التعامل مع “One Wish Willow” والشخصيات والأحداث بوصفها عناصر درامية صُممت لخدمة الفكرة، لا بوصفها إحالة إلى واقعة واقعية بعينها.
هذا لا يقلل من قوة الفيلم، بل ربما يفسرها. فالأعمال الأصلية كثيرًا ما تكون أقدر على تنظيم رموزها بحرية كاملة. هنا لا يلتزم الفيلم بأمانة واقعة سابقة أو بنية نص أدبي سابق، بل يبني عالمه من الداخل، ويتركنا أمام سؤال إنساني أوسع من الحكاية نفسها: ما الحد الفاصل بين الرغبة في أن نكون محبوبين، والرغبة في أن نضمن الحب بالقوة؟
لماذا يظل الفيلم في الذاكرة بعد نهايته؟
لأن Obsession لا يخيفنا من شيء بعيد عنا، بل من شيء قريب جدًا: الحاجة إلى الاعتراف، والخوف من الرفض، والخلط بين القرب والحق في الامتلاك. وهذا ما يجعل الفيلم أكثر من قصة رعب عن أداة مسحورة. إنه يحوّل الرعب إلى مرآة. لا يسألنا فقط: ماذا لو تحققت أمنيتك؟ بل يسألنا قبل ذلك: ماذا تكشف أمنيتك عنك؟
ومن هنا أيضًا تأتي قيمة النهاية. فهي لا تكتفي بإغلاق الحبكة، بل تعيد تعريف ما رأيناه كله. نحن لا نخرج من الفيلم ونحن نفكر في “التويست” وحده، بل في المعنى الذي تركه ذلك الالتفاف الأخير: أن الحب حين يفقد الحرية يفقد روحه، وحين يتحول إلى هوس يدمّر من يحب ومن يُحب معًا.
الخلاصة
ليس Obsession فيلمًا عن أمنية سيئة الحظ فحسب، ولا عن شاب أخطأ في استخدام قوة غامضة ثم دفع الثمن. إنه، في جوهره، فيلم عن ذلك الحد الدقيق الذي تتحول عنده الرغبة من حاجة إنسانية مفهومة إلى شهوة للسيطرة. ومن هذه الزاوية تصبح النهاية منطقية تمامًا: لا يمكن لعلاقة بدأت بمصادرة الإرادة أن تنتج حبًا سليمًا، لأن أصلها نفسه معطوب.
ربما لهذا ينجح الفيلم في إثارة نقاش أكثر مما ينجح في تقديم طمأنينة. فهو لا يريحنا بإدانة بسيطة ولا بعقاب أخلاقي مباشر وحسب، بل يتركنا أمام سؤال أشد قسوة: كم مرة نسمّي التعلق حبًا، بينما هو في الحقيقة خوف من ألا نُختار؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق