اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مقدادي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد مقدادي. إظهار كافة الرسائل

الشاعر الأردني محمد مقدادي: الحبّ بوصفه وطنًا مضادًّا - قراءة نقدية في ديوان «رجلٌ برسم الحبّ والمنفى»

الشاعر محمد مقدادي مبتسمًا في صورة شخصية، مرتديًا بدلة رسمية، وخلفه إطلالة على مدينة ساحلية عند الغروب.


بقلم: الورّاق الجزائري

 

ديوان محمد مقدادي "رَجلٌ بِرسم الحبّ والمنفى: إلى امرأة ليست من هذا العصر" يُقيمُ عالَمه الشعري على قطبين متقابلين ومتداخلين في آن: الحُبّ والمنفى. فالحب ليس تجربة وجدانية منفصلة عن الاغتراب، والمنفى ليس مكانًا جغرافيًا فحسب؛ إنهما حالتان تتبادلان تشكيل الذات الشاعرة. كلما اشتدّ شعور المتكلم بالوحدة والاقتلاع، اتسعت صورة المرأة حتى تغدو وطنًا ومدينةً وبيتًا وذاكرةً؛ وكلما ابتعدت المرأة أو غابت، عاد العالم إلى صورته القاحلة: شارعًا بلا معنى، وليلًا عَقيمًا، ومدىً من الرَّماد.

تدل العتبة الأولى، «مُتّكأ»، على هذه الوظيفة الوجودية للحب:

أيُّها الحُبّ...
كفى بي...
كفايتي بك.

فالحب هنا ليس موضوعًا للقصيدة بقدر ما هو "متّكأ" للذات في مواجهة الانكسار. ويظهر ذلك بوضوح في افتتاح "ضراعات"، حين يخاطب الشاعر المنفى طالبًا منه صدرًا يتسع كلما ضاق العالم، وكفًّا تنبسط كلما "انقبضت راحة الغيم"، وعينًا تملأ روحه بنور الكواكب التي لا يراها. وتنشأ المفارقة من أن الشاعر يطلب الحنان من المنفى نفسه؛ أي من القوة التي أنتجت احتياجه إلى الحنان. وبذلك يتحول المنفى من مكان خارجي إلى مخاطَب داخلي، ومن حادثة واقعية إلى بنية نفسية ملازمة

.

المرأة بين الحبيبة والوطن

المرأة في الديوان كائن مركّب يتجاوز صفاته الفردية. إنها الحبيبة، لكنها أيضًا الوطن البديل، والمدينة، واللغة، والماء، والخصب، والذاكرة. يقول الشاعر في "فاتحة":

ما حاجتي للناسِ...
ـ كلّ الناس ـ
وهي مدينتي

ثم يصفها بأنها "وطن جديد"، وبأنها كل ما يحتاج إليه من "سفر" و"سهر" و"لغة". وفي "غابة الكستناء" يبلغ التماهي بين المرأة والبلاد ذروته:

وهي البلادُ،
تجوبني...
وأجوبها

لا يعود الوطن هنا مساحة ثابتة يقيم فيها الشاعر، بل كيانًا متحركًا يقيم داخله ويتنقل في أعماقه. وهذا التبادل بين الجسد والجغرافيا من أبرز سمات الديوان؛ فعينا المرأة بحار وسواحل، وضفيرتها غابة، وراحتاها بيت وإيوان، وشرفاتها أمكنة للحج، بينما تتحول ذات الشاعر إلى نهر وحقول وأشرعة وقوافل. وهكذا يذيب الخيال الشعري الحدود بين الإنسان والمكان، حتى يبدو الحب محاولة لإعادة بناء وطن فقده الشاعر في الواقع.

لكن هذا التماهي لا يخلو من مفارقة: فالمرأة التي تمنح الشاعر وطنًا جديدًا هي نفسها التي يمكن أن تعيده إلى المنفى. حُضورها خصب وامتلاء، وغيابها اقتلاع وتصحر. ففي "مزمور الغياب" تأخذ "ليلى" أشجاره ووقاره، وتتركه في "صحراء العمر" باحثًا عن نفسه. وفي "مزمور الغريب" يصبح بعد غيابها غريبًا على "قارعة الأرض"، بلا أب يحنو ولا أم تداوي. لذلك لا يقف المنفى خارج تجربة الحب، بل يسكن قلبها؛ فالعاشق منفي قبل اللقاء، ومهدد بمنفى أشد بعد الفراق.