هناك لحظة في حياة غاتسبي يبدو فيها أنه امتلك كل شيء. القصر موجود، والسيارة موجودة، والحفلات لا تنتهي، والمال يكفي لاستدعاء عالم كامل إلى حديقته كل ليلة. حتى المرأة التي بنى من أجلها هذه المملكة صارت تقف أمامه من جديد. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يريده فعلًا يظل خارج يده.
وهنا تكمن المفارقة التي جعلت «غاتسبي العظيم» أكثر من قصة حب فاشلة، وجعلت رواية ف. سكوت فيتزجيرالد، ثم فيلم Baz Luhrmann الصادر عام 2013، قادرين على مخاطبة قارئ ومشاهد يعيش بعد زمن غاتسبي بعقود طويلة: ماذا يحدث للإنسان عندما ينجح في امتلاك كل الأدوات التي وعده العالم بأنها ستوصله إلى السعادة، ثم يكتشف أن السعادة نفسها ليست معروضة للبيع؟
إن غاتسبي لا يريد ديزي وحدها. يريد شيئًا أصعب بكثير: يريد أن يعيد بناء الزمن، وأن يمحو السنوات التي عاشتها من دونه، وأن يجعل الماضي يعود لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه حاضرًا يمكن استعادته كاملًا. ولذلك فإن مأساته تبدأ قبل أن يخسر ديزي؛ تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها أن الحلم يمكن امتلاكه إذا دفع ثمنًا كافيًا.
من رواية قصيرة إلى أسطورة أمريكية
نشر ف. سكوت فيتزجيرالد رواية «The Great Gatsby» عام 1925، وجعل أحداثها تدور في صيف 1922، في عالم أميركي خرج من الحرب العالمية الأولى ودخل مرحلة من الثراء والاستهلاك والحفلات والمضاربات عُرفت بعصر الجاز. لم تحقق الرواية في حياة مؤلفها النجاح الذي ستعرفه لاحقًا، لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى واحد من أشهر النصوص في الأدب الأميركي.
والسبب لا يتعلق بقصة غاتسبي وديزي وحدها. ففي أقل من مئتي صفحة تقريبًا استطاع فيتزجيرالد أن يضع الحب والمال والطبقة الاجتماعية والهوية والزمن داخل سؤال واحد: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يعيد اختراع نفسه؟
يبدو غاتسبي في البداية جوابًا مذهلًا عن هذا السؤال. الشاب الفقير جيمس غاتز يختفي تقريبًا، ويولد مكانه جاي غاتسبي: رجل ثري غامض، يمتلك قصرًا هائلًا في لونغ آيلاند، ويقيم حفلات يحضرها مئات الأشخاص الذين لا يعرف معظمهم صاحب البيت نفسه.
لكن هذا التحول الخارجي الهائل يخفي حقيقة قاسية: غاتسبي استطاع تغيير اسمه وملابسه ومنزله وحسابه المصرفي وموقعه الاجتماعي، لكنه لم يستطع تغيير الزمن.
لماذا يقيم غاتسبي كل تلك الحفلات؟
من السهل مشاهدة حفلات الفيلم باعتبارها استعراضًا بصريًا. الموسيقى صاخبة، والشمبانيا تتدفق، والملابس والسيارات والألعاب النارية تجعل عالم غاتسبي يبدو كأنه لا يعرف حدودًا. وقد بالغ باز لورمان عمدًا في هذا البذخ، حتى تصبح الشاشة نفسها شبه مخمورة بالثراء.
لكن المفارقة أن الرجل الذي يقيم الحفلة ليس جزءًا حقيقيًا منها.
يأتي الناس إلى منزله ليشربوا ويرقصوا ويتبادلوا الشائعات عنه. بعضهم لا يعرف من هو، وبعضهم يخترع قصصًا عن ماضيه، بينما يقف غاتسبي في قلب المشهد منتظرًا شخصًا واحدًا قد لا يأتي.
ديزي تسكن على الجانب الآخر من الخليج.
وهكذا تتحول الحفلات من علامة على الامتلاء إلى علامة على الفراغ. كلما ازداد عدد الضيوف، ازدادت وحدة صاحب المنزل. وكلما ازداد صخب الموسيقى، صار انتظار غاتسبي أكثر صمتًا.
إنه لا يحتاج إلى الجمهور، بل يستخدم الجمهور لبناء منارة بشرية هائلة ربما تراها ديزي من بعيد.
الضوء الأخضر: أصغر الأشياء وأكبرها
في الطرف الآخر من الماء يلمع ضوء أخضر صغير قرب منزل ديزي. يمد غاتسبي يده نحوه، في واحدة من أشهر صور الرواية والفيلم.
يمكن قراءة الضوء ببساطة باعتباره علامة على المكان الذي توجد فيه المرأة التي يحبها. لكن قيمته الرمزية تتسع تدريجيًا. إنه المسافة بين ما نملك وما نريد، بين الحاضر والصورة التي صنعناها للمستقبل، وبين الواقع والوعد.
والمفارقة أن الحلم يظل قويًا ما دام بعيدًا.
حين تكون ديزي مجرد ضوء على الضفة الأخرى، يستطيع غاتسبي أن يمنحها كل الصفات التي يريدها. أما حين تدخل منزله وتجلس أمامه وتتكلم وتتردد وتخاف، فإنها تعود إنسانة حقيقية. وهنا تبدأ المشكلة: الإنسان الحقيقي لا يستطيع منافسة الصورة المثالية التي صنعها الخيال خلال سنوات.
هل كان غاتسبي يحب ديزي فعلًا؟
نعم، لكنه سؤال يحتاج إلى تكملة: أي ديزي كان يحب؟
كان يحب المرأة التي عرفها قبل سنوات، لكنه كان يحب أيضًا ما تمثله. ديزي تنتمي إلى العالم الذي حُرم منه في شبابه: المال القديم، والأمان، والمكانة الاجتماعية، والبيوت التي لا يحتاج أصحابها إلى إثبات أنهم أثرياء.
لهذا لا يستطيع غاتسبي الفصل تمامًا بين المرأة والحلم الطبقي. إنه يريد ديزي، لكنه يريد معها اعترافًا بأن رحلته كلها كانت صحيحة، وأن الفتى الفقير الذي أعاد اختراع نفسه استطاع أخيرًا عبور الحاجز والوصول إلى العالم الذي كان ينظر إليه من الخارج.
ومن هنا تصبح خسارة ديزي أكبر من خسارة حبيبة. إذا لم تكن الثروة قادرة على إعادتها، فماذا كانت قيمة كل ما فعله؟
المال القديم والمال الجديد
يضع فيتزجيرالد شخصياته في جغرافيا تحمل معناها الاجتماعي. غاتسبي يعيش في West Egg، المرتبط بالأثرياء الجدد، بينما يعيش توم وديزي بوكانان في East Egg، عالم الثروة الموروثة والطبقة الراسخة.
يمتلك غاتسبي من المال ما يكفي لمنافسة توم، وربما للتفوق عليه في مظاهر الإنفاق، لكن المال وحده لا يمنحه التاريخ العائلي الذي يملكه خصمه.
وهذه نقطة أساسية في تفكيك الحلم الأميركي داخل الرواية. الفكرة المبسطة تقول إن الإنسان يستطيع بالعمل والطموح أن يصعد إلى أي مكان. أما «غاتسبي العظيم» فتضع أمام هذه الفكرة سؤالًا مزعجًا: ماذا لو استطعت أن تصبح ثريًا، لكنك لم تستطع أن تصبح واحدًا منهم؟
إن غاتسبي يستطيع شراء القصر المقابل لقصورهم، لكنه يظل بالنسبة إليهم وافدًا على عالمهم.
لماذا يريد غاتسبي إعادة الماضي؟
هذه هي العقدة الأعمق في الشخصية. غاتسبي لا يكتفي بأن تبدأ ديزي حياة جديدة معه. يريد منها، ضمنيًا وعلنيًا، أن تلغي ما حدث بين الماضي والحاضر. يريد أن يصبح زواجها من توم خطأ يمكن شطبه، وأن يعود الحب القديم كما لو أن السنوات لم تمر.
لكن الماضي لا يعمل بهذه الطريقة.
نحن نستطيع العودة إلى الأماكن، وربما إلى الأشخاص أنفسهم، لكننا لا نعود إليهم بالأعمار نفسها ولا بالوعي نفسه. وكل محاولة لاستعادة لحظة قديمة تصطدم بحقيقة أن الشخص الذي يريد استعادتها قد تغير هو أيضًا.
غاتسبي يرفض هذه الحقيقة. وهنا يتحول إخلاصه للحلم إلى شكل من أشكال العمى. قوته هي نفسها نقطة ضعفه: قدرته الخارقة على الإيمان بما يريد.
غاتسبي العظيم: لماذا هو «عظيم»؟
العنوان نفسه يحمل قدرًا من السخرية والغموض. ما العظمة في رجل بنى ثروته في عالم تحيط به الشبهات، وأقام حياة كاملة حول امرأة متزوجة، وانتهى وحيدًا تقريبًا؟
العظمة هنا لا تحتاج إلى أن تعني الفضيلة.
يمكن فهمها بوصفها حجم القدرة على الحلم. غاتسبي يرتكب أخطاء كبيرة، لكنه يحتفظ بشيء فقدته الشخصيات الأخرى: القدرة على الإيمان بإمكانية حياة مختلفة.
توم وديزي يمتلكان المال من دون حلم حقيقي. إنهما محميان بطبقتهما وثروتهما، وحين تأتي الكارثة يستطيعان الانسحاب وترك الآخرين وسط الحطام. أما غاتسبي، فعلى الرغم من كل أوهامه، يظل قادرًا على المخاطرة بكل شيء من أجل صورة يؤمن بها.
وهذا لا يجعله بريئًا، لكنه يجعله مأساويًا.
ماذا غيّر فيلم 2013 عن الرواية؟
فيلم باز لورمان ليس نقلًا حرفيًا للرواية، على الرغم من احتفاظه بخطها الأساسي وشخصياتها المركزية. ومن أبرز إضافاته الإطار الذي يظهر فيه نِك كارواي بعد الأحداث في مصح، يعاني آثار تجربته وإدمانه الكحول، ثم يبدأ كتابة الحكاية بوصفها جزءًا من العلاج. هذا الإطار ليس موجودًا بهذه الصورة في رواية فيتزجيرالد.
الإضافة تمنح الفيلم وسيلة بصرية لسماع لغة الرواية، إذ تتحول الكتابة نفسها إلى جزء من الصورة، ويصبح نِك ليس مجرد راوٍ يتذكر غاتسبي، بل رجلًا يحاول النجاة من ذكراه بالكتابة.
وهذا تغيير مهم، لأنه يجعل فعل السرد علاجًا من الصدمة، بينما الرواية أكثر التباسًا في علاقتها براويها. نِك في الكتاب ليس كاميرا محايدة؛ إنه يعلن أحكامه ويتراجع عنها، ينجذب إلى غاتسبي وينتقد العالم المحيط به، ويجعلنا نرى الشخصيات من خلال وعيه هو.
ليوناردو دي كابريو وابتسامة غاتسبي
يقدم Leonardo DiCaprio غاتسبي بوصفه رجلًا صنع شخصيته كما صنع قصره. المظهر محسوب، والكلمات محسوبة، والابتسامة جزء من البناء الذي يقدمه للعالم.
لكن الفيلم يكون أكثر إثارة حين تتصدع هذه السيطرة.
لقاؤه الأول بديزي بعد سنوات لا يقدم لنا رجل الأعمال الغامض الذي تتحرك الحفلات باسمه، بل شابًا مرتبكًا يكاد يفقد القدرة على التصرف الطبيعي. فجأة يسقط القناع، ونفهم أن كل هذه الإمبراطورية المادية لم تستطع أن تحمي صاحبها من ارتباك عاشق ينتظر امرأة.
ومن هذه اللحظة يتغير معنى القصر نفسه. لم يعد بيتًا، بل يصبح جهازًا هائلًا لإثبات الجدارة: انظري ماذا أصبحت.
ديزي: حبيبة أم ضحية أم شريكة في الوهم؟
من الظلم اختزال ديزي في صورة المرأة التي خانت حلم غاتسبي. فهي تعيش أيضًا داخل منظومة طبقية واجتماعية تحدد خياراتها، لكن الرواية لا تحولها إلى ضحية بريئة تمامًا.
ديزي تنجذب إلى غاتسبي وإلى ما يمثله من إمكانية، لكنها لا تملك استعداده للمخاطرة. هو مستعد لهدم حياته من أجل الحلم؛ أما هي فتريد الحلم من دون أن تفقد شبكة الأمان التي يوفرها عالمها.
وهنا يكمن الفرق القاسي بينهما.
غاتسبي يعامل الحب بوصفه حقيقة مطلقة، بينما تتعامل ديزي معه داخل شبكة من الخوف والمصلحة والذاكرة والمكانة الاجتماعية. ولهذا لا يستطيع طلبه المستحيل منها أن يتحقق: يريد منها يقينًا لا تملكه أصلًا.
لماذا يبدو الفيلم أكثر بذخًا من عشرينيات القرن الماضي نفسها؟
اختيار باز لورمان البصري ليس محاولة هادئة لإعادة بناء عشرينيات القرن العشرين كما لو كانت مادة في متحف. الفيلم يدفع الألوان والحركة والموسيقى والحشود إلى حافة المبالغة، ويمزج أجواء عصر الجاز بحساسيات موسيقية معاصرة.
وقد يبدو ذلك لأول وهلة بعيدًا عن فيتزجيرالد، لكنه يؤدي وظيفة نقدية مثيرة: يجعل المشاهد يشعر بإغراء العالم قبل أن يرى خواءه.
لو ظهرت الحفلات منذ البداية بوصفها فارغة وقبيحة، لما فهمنا سحرها. يجب أولًا أن نرغب في الدخول إلى بيت غاتسبي، وأن ننظر بانبهار إلى السيارات والملابس والأضواء، قبل أن نكتشف أن صاحب كل ذلك يقف وحيدًا يبحث بعينيه عن امرأة واحدة.
وليس غريبًا أن يكون تصميم الفيلم أحد أكثر عناصره احتفاءً؛ فقد فاز في حفل الأوسكار لعام 2014 بجائزتي تصميم الأزياء وتصميم الإنتاج. البذخ هنا ليس مجرد زينة خارجية، بل جزء من اللغة التي يروي بها الفيلم عالمًا يستطيع أن يجعل الفراغ نفسه يبدو فاتنًا.
هل غاتسبي قصة حقيقية؟
لا. جاي غاتسبي ليس شخصية تاريخية حقيقية، ولا ينبغي التعامل مع الرواية أو الفيلم بوصفهما إعادة سرد لسيرة رجل عاش فعلًا بهذه التفاصيل.
لكن العالم الذي تتحرك فيه الرواية حقيقي تاريخيًا من حيث سياقه العام: الولايات المتحدة في عشرينيات القرن العشرين، الثراء السريع، الحفلات، التحولات الاجتماعية، عصر الحظر، والجريمة المنظمة المرتبطة جزئيًا بتجارة الكحول غير القانونية.
استفاد فيتزجيرالد من هذا المناخ ومن معرفته بعالم الأثرياء والطموح الاجتماعي، لكنه صاغ منه عملًا روائيًا. ولذلك فإن السؤال الأكثر فائدة ليس: «من كان غاتسبي الحقيقي؟»، بل: لماذا بدا غاتسبي حقيقيًا إلى هذا الحد لأجيال متعاقبة من القراء؟
ربما لأن نموذجه لم يختفِ: الإنسان الذي يعتقد أن النسخة الجديدة من نفسه تستطيع شراء ما حُرم منه في النسخة القديمة.
من قتل غاتسبي فعلًا؟
على مستوى الحدث، يقتل جورج ويلسون غاتسبي بعد أن قاده اعتقاد خاطئ إلى تحميله مسؤولية موت ميرتل، ثم يقتل نفسه.
لكن القراءة الأدبية تجعل السؤال أكثر تعقيدًا.
هناك سلسلة كاملة من المسؤوليات والأنانيات والصمت تقود إلى المسبح. توم يوجه ويلسون نحو غاتسبي. ديزي كانت تقود السيارة التي قتلت ميرتل، بينما يتحمل غاتسبي الاستعداد لتحمل المسؤولية عنها. ثم تنسحب ديزي وتوم من الفوضى التي شاركا في صنعها.
لذلك يموت غاتسبي برصاصة رجل واحد، لكنه يسقط داخل عالم كامل يسمح للأقوى بأن يتركوا نتائج أفعالهم للآخرين.
لماذا لا يأتي أحد إلى جنازته؟
لعل هذه من أكثر المفارقات قسوة في الحكاية. الرجل الذي امتلأ منزله بالناس يجد نفسه عند النهاية شبه وحيد.
الحشود كانت تعرف الحفلة، لا صاحبها.
كانت تأتي لتستهلك عالم غاتسبي: موسيقاه وطعامه وشرابه وغموضه. وحين انتهت المنفعة، اختفى الجمهور.
بهذا المعنى، لا تكون الجنازة مجرد خاتمة حزينة لشخصية، بل اختبارًا أخيرًا للعلاقات التي بناها المال. في الحفلات كان عدد الحاضرين دليلًا ظاهريًا على نجاح غاتسبي؛ في الجنازة ينكشف أن العدد لم يكن دليلًا على شيء.
الحلم الأميركي: هل المشكلة في الحلم أم في ثمنه؟
كثيرًا ما تُقرأ «غاتسبي العظيم» بوصفها نقدًا للحلم الأميركي، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكن الرواية أكثر تعقيدًا من القول إن الطموح خطأ أو إن الثراء شر في ذاته.
المشكلة أن غاتسبي يحوّل النجاح من وسيلة إلى آلة لإعادة تشكيل الواقع وفق رغبته. المال لا يعود أداة للحرية، بل يصبح برهانًا يريد أن يقدمه إلى الماضي.
لقد حقق المستحيل تقريبًا: انتقل من الفقر إلى الثروة، صنع اسمًا جديدًا، دخل عالمًا لم يولد فيه، واشترى بيتًا يطل على المرأة التي فقدها.
ومع ذلك يفشل.
وهنا تكمن قسوة الرواية: النجاح لا يضمن تحقيق الحلم، لأن بعض الأحلام تتغير طبيعتها أثناء سعينا إليها. وقد نصل إلى المكان الذي أردناه لنكتشف أن ما كنا نبحث عنه لم يكن موجودًا هناك أصلًا.
لماذا يستحيل امتلاك الحلم؟
لأن الحلم، في تجربة غاتسبي، يعيش على المسافة.
حين يكون الشيء بعيدًا نستطيع أن نمنحه الكمال. نزيل منه تناقضاته ونضيف إليه رغباتنا، حتى يصبح أكبر من الشيء الحقيقي. وحين نصل إليه، لا نلتقي بالحلم؛ نلتقي بالواقع الذي استُخدم لبنائه.
ديزي الحقيقية لا تستطيع أن تكون ديزي التي انتظرها غاتسبي خمس سنوات. والقصر الحقيقي لا يستطيع أن يمنحه الانتماء الكامل. والمال الحقيقي لا يستطيع شراء تاريخ جديد. حتى الضوء الأخضر يفقد شيئًا من سحره عندما تصبح المسافة قابلة للعبور.
ولهذا فإن مأساة غاتسبي ليست أنه لم يصل. المأساة أنه وصل إلى مسافة قريبة بما يكفي ليرى أن الوصول نفسه لا يكفي.
الفيلم والرواية: أيهما يفهم غاتسبي أكثر؟
الرواية تمنح القارئ مساحة أوسع للعيش داخل صوت نِك ولرؤية التناقضات الأخلاقية والاجتماعية من خلال اللغة. أما الفيلم فيحوّل كثيرًا من هذه المعاني إلى صورة: القصر، الضوء الأخضر، الملابس، السيارات، الأمطار، الزهور، المدينة والحشود.
لذلك لا ينبغي النظر إلى الفيلم باعتباره بديلًا من الرواية. العلاقة بينهما أكثر إثارة حين نرى كيف يحاول كل وسيط حل المشكلة نفسها بأدوات مختلفة.
فيتزجيرالد يستطيع بجملة أن يجعل المسافة بين الإنسان وحلمه تبدو تاريخًا كاملًا. لورمان يحتاج إلى الضوء والموسيقى والحركة والمونتاج ووجه دي كابريو وهو يراقب الضفة الأخرى.
والنتيجة أن الرواية أكثر اقتصادًا وغموضًا، بينما الفيلم أكثر صخبًا وحسية. لكن كليهما يقود في النهاية إلى الصورة نفسها: إنسان ينظر إلى شيء قريب جدًا من يده، وبعيد عنها في الوقت ذاته.
الحلم الذي يبتعد كلما اقتربنا منه
بعد انتهاء الحفلات وإطفاء الأضواء واختفاء السيارات، لا يبقى من عالم غاتسبي سوى السؤال الذي صنعه.
كم من الأشياء التي نسعى إليها نريدها فعلًا، وكم منها نريد ما نتخيل أنها ستقوله عنا؟
غاتسبي لا يريد فقط أن يعيش مع ديزي؛ يريد أن يثبت أن الماضي لم يهزمه. لا يريد فقط أن يصبح ثريًا؛ يريد أن يجعل الثروة تمحو الفتى الفقير الذي كانه. ولا يريد فقط أن يصل إلى الضفة الأخرى؛ يريد أن يجد هناك العالم الذي تخيله وهو ينظر إليها من بعيد.
لهذا بقيت حكايته حية بعد قرن من صدور الرواية. لقد تغيرت السيارات والملابس والموسيقى، لكن الإنسان ما زال قادرًا على الوقوع في الفخ نفسه: أن يقضي سنوات في مطاردة صورة للمستقبل صنعها ماضٍ لم يستطع التصالح معه.
وفي النهاية لا يكون الضوء الأخضر مجرد ضوء عند منزل ديزي. إنه كل شيء نقول لأنفسنا إن حياتنا ستكتمل حين نصل إليه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق