هل كانت أليس في بلاد العجائب طفلة حقيقية فعلًا؟ الجواب القصير هو: نعم، توجد طفلة حقيقية اسمها أليس بليزنس ليدل ارتبطت بصورة مباشرة وموثقة بنشأة الحكاية. لكن الجواب يصبح مضللًا إذا توقفنا هنا. فأليس ليدل لم تكن ببساطة فتاة نسخ لويس كارول حياتها ووضعها داخل كتاب، ولم تكن الشخصية التي نقرأ عنها اليوم صورة فوتوغرافية لها وقد تحولت إلى كلمات. بين الطفلة الواقعية والشخصية الأدبية مسافة واسعة، وفي هذه المسافة بالتحديد وُلد واحد من أشهر عوالم الخيال في الأدب الحديث.
أليس بليزنس ليدل كانت طفلة حقيقية من عائلة عميد كلية كرايست تشيرش في أكسفورد، وعرفها تشارلز لوتويدج دودجسون، الذي كتب لاحقًا باسم لويس كارول. في 4 يوليو 1862 روى دودجسون لأليس وأختيها قصة أثناء رحلة بالقارب، ثم كتب نسخة منها بطلب من أليس وأهداها إليها. لكن العمل المنشور سنة 1865 توسع كثيرًا وتغير، ولذلك فالأدق أن نقول إن أليس ليدل كانت الشرارة والشخصية المحورية في ولادة الحكاية، لا أن أليس الأدبية نسخة منها.
فتاة حقيقية قبل أن تصبح اسمًا أدبيًا
ولدت أليس بليزنس ليدل سنة 1852، وكانت ابنة هنري جورج ليدل، الذي أصبح عميد كرايست تشيرش في أكسفورد. وفي البيئة نفسها كان تشارلز لوتويدج دودجسون يعيش ويعمل مدرسًا للرياضيات. كان الرجل الذي سيعرفه العالم باسم لويس كارول مهتمًا كذلك بالتصوير الفوتوغرافي، وهو مجال كان لا يزال حديثًا ومكلفًا ويتطلب قدرًا كبيرًا من المهارة التقنية.
التقى دودجسون بعائلة ليدل في أكسفورد، وأصبحت أليس وأشقاؤها من الأطفال الذين كان يعرفهم ويصورهم ويشاركهم النزهات والحكايات. وتحتفظ المؤسسات البريطانية اليوم بعدد من الصور التي التقطها لأليس وهي طفلة. لذلك لا نعتمد في إثبات وجود "أليس الحقيقية" على حكاية تناقلها كتّاب السيرة بعد عشرات السنين؛ نحن أمام شخصية يمكن تتبعها في الوثائق والصور واليوميات والمخطوطات.
لكن الصورة التي التقطها دودجسون لأليس لا تشبه كثيرًا الصورة التي استقرت في المخيلة الشعبية للشخصية. معظم القراء يتذكرون فتاة بشعر فاتح ومئزر وفستان كما رسمها جون تينيل في الطبعة الشهيرة، ثم كما أعادتها الرسوم والسينما والثقافة الشعبية مرارًا. أما أليس ليدل نفسها فكانت فتاة أخرى بملامحها وشعرها وعالمها العائلي الخاص.
هذا الاختلاف ليس تفصيلًا بصريًا بسيطًا. إنه أول تنبيه إلى أن الشخصية الأدبية بدأت تنفصل عن مصدر إلهامها منذ اللحظة التي خرجت فيها الحكاية من المجال الخاص إلى الكتاب المطبوع.
رحلة الرابع من يوليو: ما الذي نعرفه فعلًا؟
التاريخ الذي يتكرر في كل سيرة تقريبًا هو 4 يوليو 1862. في ذلك اليوم خرج دودجسون في رحلة بالقارب مع القس روبنسون دكوورث وبنات ليدل الثلاث: لورينا وأليس وإديث. وأثناء الرحلة أخذ يؤلف لهن قصة بطلتها طفلة اسمها أليس تدخل عالمًا عجيبًا تحت الأرض.
المهم هنا أن هذه الرواية ليست مجرد أسطورة جميلة أضيفت لاحقًا إلى تاريخ الكتاب. يوميات دودجسون نفسها تسجل رحلة ذلك اليوم مع الفتيات، كما تحتفظ المكتبة البريطانية بالمجلد الذي يضم إشارات إلى نشأة القصة وتطور كتابتها. وفي السنوات التالية أصبح يوم الرحلة جزءًا من الذاكرة الرسمية للعمل، حتى أن القصيدة الافتتاحية للكتاب أعادت صياغة أجوائه في صورة أدبية.
تقول الرواية المتداولة إن أليس أعجبت بالحكاية وطلبت من دودجسون أن يكتبها لها. وهذا ما تؤيده أيضًا قصة المخطوطة التي وصلتنا. شرع دودجسون في تحويل الحكاية الشفوية إلى نص، ثم أعد كتابًا صغيرًا مكتوبًا بخط يده، مع رسوم رسمها بنفسه، وحمل عنوان Alice's Adventures Under Ground، أي "مغامرات أليس تحت الأرض".
في نوفمبر 1864 قدم المخطوطة إلى أليس ليدل، وقد كتب فيها إهداء يجعل علاقتها بالكتاب واضحة بصورة يصعب تجاهلها. هذه المخطوطة ما تزال موجودة اليوم في المكتبة البريطانية، وهي من أهم الوثائق في تاريخ أدب الأطفال لأنها تسمح لنا برؤية الحكاية قبل أن تتحول إلى "أليس في بلاد العجائب" التي يعرفها العالم.
لكن أليس الأولى ليست أليس التي نعرفها
لو كانت شخصية أليس مجرد نسخة من أليس ليدل، لتوقعنا أن تكون المخطوطة المهداة إليها والكتاب المنشور لاحقًا متطابقين تقريبًا. لكن هذا ما لم يحدث.
عندما بدأ دودجسون يفكر في النشر، لم يكتف بتنقيح نص الحكاية الخاصة التي رواها للأطفال. وسّعها وغير بناءها وأضاف إليها مشاهد وشخصيات وألعابًا لغوية جديدة. النسخة الأولى أقصر بكثير، وبعض أكثر عناصر بلاد العجائب شهرة لم تكن موجودة فيها أصلًا.
فحفلة الشاي المجنونة، على سبيل المثال، لم تكن جزءًا من القصة الأولى بالصورة التي نعرفها، كما لم يظهر قط شيشاير في تلك المخطوطة. واتسعت المحاكمة، وازداد حضور الملكة وعالم البطاقات، وأصبحت بنية العمل المنشور أكثر تعقيدًا وصدامًا مع قوانين اللغة والمنطق والسلطة.
مع هذا التوسع حدث تحول مهم: لم يعد الكاتب يكتب لطفلة بعينها وحدها. كان عليه أن يجعل النكات والمواقف تعمل أمام قارئ لم يكن حاضرًا في النزهات العائلية، ولا يعرف الإشارات الشخصية المشتركة بينه وبين أطفال ليدل.
وهنا تحولت الذكرى الخاصة إلى أدب عام.
ما الذي بقي من أليس ليدل داخل الكتاب؟
رغم انفصال الشخصية الأدبية تدريجيًا عن الفتاة الواقعية، لم تختف آثار عالم ليدل من النص. بعض الإشارات في الحكاية تستمد معناها من دائرة الحياة في أكسفورد التي شاركها دودجسون مع الأطفال. وتلفت دراسات أليس إلى ألعاب أسماء وإشارات خاصة يمكن ربطها بالأخوات الثلاث وبالأماكن التي عرفنها.
إحدى أشهر الأمثلة قصة الأخوات الثلاث اللواتي يظهرن في حكاية الزغبة أثناء حفلة الشاي: إلسي ولايسي وتيلي. قرأ بعض الباحثين هذه الأسماء على أنها ألعاب لغوية مرتبطة بلورينا وأليس وإديث ليدل. لا يعني ذلك أن كل شخصية في بلاد العجائب تملك أصلًا واقعيًا يمكن فك شفرته، لكنه يكشف شيئًا عن طريقة تكوّن الحكاية: الخيال لم ينشأ في فراغ، بل نما داخل شبكة من الذكريات والأسماء والألعاب والمواقف التي يعرفها الراوي ومستمعوه الأوائل.
هناك أيضًا فرق لافت بين رسوم دودجسون للمخطوطة ورسوم جون تينيل التي صاحبت الكتاب المنشور. رسوم دودجسون الأولى تمنح أليس مظهرًا أقرب إلى طفلة داكنة الشعر، بينما أنشأ تينيل مظهرًا أكثر استقلالًا للشخصية. ومع انتشار الكتاب، أصبحت أليس التي رسمها تينيل أقوى حضورًا في الذاكرة الثقافية من صورة أليس ليدل نفسها.
يمكننا هنا أن نرى لحظة نادرة في تاريخ الأدب: نعرف وجه الفتاة الحقيقية، ونملك كذلك الرسوم الأولى للشخصية والرسوم المنشورة لاحقًا. وبمقارنة هذه الصور ندرك أن الأدب لا يعمل كآلة نسخ. يبدأ من الواقع، ثم يعيد ترتيبه حتى يصبح شيئًا قادرًا على العيش بعيدًا عن مصدره.
هل كان لويس كارول يكتب أليس ليدل نفسها؟
هذا السؤال أصعب من سؤال "هل كانت أليس حقيقية؟". وجود الفتاة وتأثيرها في نشأة القصة موثقان، أما القول إن الشخصية تمثل طباع أليس الحقيقية تمثيلًا دقيقًا فمسألة مختلفة.
أليس الأدبية فضولية، سريعة الملاحظة، كثيرة الاعتراض، تحاول باستمرار استخدام قواعد العالم الذي جاءت منه لفهم عالم لا يحترم هذه القواعد. إنها تعرف كيف ينبغي أن تتصرف الطفلة المؤدبة، وتحاول تذكر دروسها، لكنها تجد نفسها وسط مخلوقات تسخر من اللغة والمنطق والحجم والهوية والزمن.
قد يكون بعض هذه الحيوية مدينًا لخبرة الكاتب بالأطفال الذين كان يعرفهم، ومن بينهم أليس ليدل، لكن من الخطأ تحويل ذلك إلى معادلة مباشرة: أليس في الكتاب = أليس ليدل في الحياة.
الشخصية تقوم بوظيفة أدبية أوسع بكثير. إنها العين التي نرى بها عالم بلاد العجائب، وفي الوقت نفسه هي المقياس الذي يكشف غرابته. حين يخاطبها الآخرون بطريقة غير منطقية، لا تكتفي بالمشاهدة؛ تعترض وتسأل وتناقش. ومن خلال اعتراضها يصبح العبث ظاهرًا.
لو كانت مجرد بورتريه لطفلة بعينها، لما استطاعت ربما أن تتحول إلى شخصية يتعرف إليها أطفال من ثقافات ولغات وأزمنة مختلفة. بقاؤها يعود جزئيًا إلى أنها تجاوزت صاحبة الاسم الأولى.
من الطفلة إلى القارئ
هناك مفارقة جميلة في تاريخ "أليس في بلاد العجائب". القصة بدأت لأن طفلة أرادت أن تسمع حكاية، ثم طلبت الاحتفاظ بها مكتوبة. لكن نجاح الكتاب اعتمد على أن يتخلى النص بالتدريج عن خصوصيته الشديدة.
في الحكاية الشفوية يستطيع الراوي أن يلمح إلى شخص يعرفه المستمعون فيضحكون. أما الكتاب المنشور فعليه أن يجعل الغريب يضحك أيضًا. لذلك كان توسيع النص أكثر من مجرد إضافة مغامرات؛ كان عملية تحويل من ذاكرة جماعة صغيرة إلى عمل قابل للانتقال بين القراء.
ومع هذا الانتقال تغير معنى اسم أليس نفسه. في البداية كان الاسم يشير إلى طفلة موجودة في القارب. وبعد ذلك أصبح يشير إلى بطلة تسقط في جحر الأرنب. وبعد انتشار الكتاب صار الاسم بوابة إلى عالم كامل: الأرنب الأبيض، حفلة الشاي، القط المتلاشي، الملكة، أوراق اللعب، التغير المستمر في الحجم، والأسئلة عن معنى الكلمات ومن يملك حق تحديده.
هنا يصبح السؤال عن "أليس الحقيقية" سؤالًا عن شيء أكبر من تاريخ شخصية. إنه سؤال عن اللحظة التي يتوقف فيها الأصل الواقعي عن امتلاك العمل الذي ساعد في إنشائه.
أليس التي عرفها العالم لم تكن صورة واحدة
تزداد المسألة تعقيدًا إذا انتقلنا من الكتاب إلى تاريخ الصور. لويس كارول كان مصورًا، ولدينا صور فوتوغرافية حقيقية لأليس ليدل. ولدينا كذلك رسومه الخاصة في المخطوطة. ثم جاء جون تينيل وصنع هيئة بصرية جديدة للبطلة. وبعد ذلك جاءت عشرات الرسامين والمسرحيات والأفلام والمسلسلات والإعلانات.
كل مرحلة صنعت أليس جديدة قليلًا.
ولهذا قد يعرف إنسان شخصية أليس جيدًا من دون أن يعرف شيئًا عن أليس ليدل. بل إن الصورة التي يحملها في ذهنه قد تكون مستمدة من فيلم شاهدَه في طفولته أكثر مما هي مستمدة من النص الأصلي أو رسوم القرن التاسع عشر.
هذه واحدة من الطرق التي تتحول بها الشخصية الأدبية إلى أسطورة ثقافية. تبدأ مرتبطة بمؤلف وظرف تاريخي محدد، ثم تتراكم فوقها طبقات من الصور والتأويلات حتى يصبح من الصعب العودة إلى نقطة البداية.
صورة أليس ليدل التي نراها اليوم تفعل شيئًا معاكسًا. إنها تنزع عن الشخصية قليلًا من الأسطورة وتعيدنا إلى طفلة فعلية عاشت في أكسفورد، كبرت، وتزوجت، وعاشت حياة امتدت عشرات السنين بعد اليوم الذي رُويت فيه القصة على القارب.
وماذا حدث للمخطوطة التي كانت ملكًا لأليس؟
احتفظت أليس بالمخطوطة التي أهداها إليها دودجسون سنوات طويلة. ومع مرور الزمن أصبحت الوثيقة نفسها أثرًا أدبيًا ثمينًا، لا مجرد هدية طفولة. وفي القرن العشرين بيعت المخطوطة وانتقلت بين ملاك في الولايات المتحدة، قبل أن تشتريها مجموعة من المحسنين وتقدمها إلى الشعب البريطاني سنة 1948. وهي محفوظة اليوم في المكتبة البريطانية تحت الرقم Add MS 46700.
هذه الرحلة المادية للكتاب تكاد تلخص رحلة الحكاية كلها. شيء بدأ بوصفه هدية شخصية خرج من يد صاحبته وأصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العامة.
حتى أليس نفسها عاشت بما يكفي لترى الاسم الذي حملته الشخصية يتحول إلى ظاهرة عالمية. حين كانت طفلة في القارب لم تكن تعرف أن الحكاية التي تسمعها ستترجم إلى لغات كثيرة، وأن اسمها سيصبح من أكثر الأسماء شهرة في أدب الأطفال.
الحقيقة أقل بساطة من الأسطورة وأجمل منها
النسخة الشائعة من القصة سهلة: كان لويس كارول يعرف طفلة اسمها أليس، فأعجب بها وكتب عنها "أليس في بلاد العجائب".
في هذه الجملة شيء صحيح، لكنها تختصر العملية الأدبية إلى حد تشويهها.
ما نعرفه بدرجة عالية من اليقين هو أن أليس ليدل كانت جزءًا رئيسيًا من الظروف التي ولدت فيها الحكاية، وأنها استمعت إلى النسخة الأولى وطلبت أن تُكتب، وأن دودجسون أهدى إليها مخطوطته. كما نعرف أن عالم عائلة ليدل ترك آثارًا في النص وفي ذكرياته المحيطة.
أما ما لا ينبغي أن نفعله فهو التعامل مع الرواية بوصفها سيرة مقنعة لأليس ليدل أو افتراض أن كل صفة في البطلة مأخوذة منها. الأدلة التي تثبت دورها في أصل الحكاية لا تثبت أن الشخصية نسخة نفسية أو سلوكية عنها.
وهذا التمييز مهم لأنه يعيد للعمل قيمته الأدبية. الإلهام ليس قالبًا ينقل الواقع كما هو. الكاتب قد يبدأ من اسم أو وجه أو حادثة أو جملة أو يوم صيفي، لكن الكتاب يتكون بعد ذلك من اللغة والاختيار والحذف والإضافة والبناء والإيقاع والخيال.
لو بقيت الحكاية مطابقة للرحلة التي حدثت فعلًا، لكانت اليوم وثيقة لطيفة عن طفولة في أكسفورد. لكنها لم تبق كذلك. لقد تحولت إلى مكان لا يعمل الزمن فيه بالطريقة المتوقعة، ولا تظل فيه الأجسام على حجم واحد، ولا تعني الكلمات دائمًا ما يظنه المتكلم، وتبدو فيه السلطة أحيانًا أكثر عبثًا من العبث نفسه.
لماذا بقيت أليس بينما بقي آلاف الأطفال الآخرين خارج الأدب؟
ربما تكمن المفارقة الأساسية هنا. أليس ليدل مهمة لأنها كانت موجودة حقًا، لكن أليس الأدبية بقيت لأنها تجاوزت وجودها.
الطفلة الواقعية مرتبطة بتاريخ محدد وعائلة محددة ومدينة محددة. أما الشخصية فتعيش في حالة مستمرة من عدم اليقين: من أنا؟ لماذا تغير حجمي؟ ما معنى هذه الكلمة؟ لماذا يتصرف الجميع بهذه الطريقة؟ ما القاعدة التي تحكم هذا المكان؟
هذه الأسئلة ليست ملكًا لطفلة في أكسفورد سنة 1862. وهي لهذا السبب تستطيع أن تنتقل إلى قارئ بعد قرن ونصف من الزمن.
تدخل أليس بلاد العجائب وفي ذاكرتها عالم من الدروس والقواعد والآداب الاجتماعية، لكنها تكتشف أن معرفتها السابقة لا تكفي دائمًا. وكلما حاولت تثبيت معنى واحد وجدت اللغة والحجم والهوية تتحرك من تحت قدميها.
يمكن قراءة هذه الرحلة باعتبارها مغامرة طفولية، ويمكن كذلك أن نراها تجربة في حدود المنطق واللغة والسلطة والهوية. وليس علينا أن نختار تفسيرًا واحدًا ونهمل البقية. قوة الكتاب تأتي جزئيًا من قدرته على أن يكون لعبة وحكاية وامتحانًا للمنطق في الوقت نفسه.
إذن، من كانت أليس الحقيقية؟
كانت أليس الحقيقية أليس بليزنس ليدل، طفلة من أكسفورد عرفها تشارلز دودجسون وصورها وحكى لها ولأختيها قصة في رحلة بالقارب في صيف 1862. وبطلب منها تحول ذلك السرد الشفوي إلى مخطوطة مكتوبة أهداها إليها بعد ذلك بعامين.
هذه ليست أسطورة أدبية؛ إنها مدعومة باليوميات والمخطوطة والصور وسجل المؤسسات التي تحفظ هذه المواد حتى اليوم.
لكن أليس في بلاد العجائب ليست أليس ليدل وحدها. حين أعاد لويس كارول كتابة القصة، ووسّع العالم، وأضاف الشخصيات والمشاهد، ثم حين أعطاها جون تينيل وجهًا آخر في الرسوم، بدأت البطلة حياتها المستقلة.
لهذا ربما تكون العبارة الأدق أن أليس ليدل لم تكن "الشخصية الحقيقية" بالمعنى الذي نستخدمه عندما نقول إن فيلمًا يروي حياة شخص واقعي. كانت هي اللحظة البشرية التي انطلق منها الخيال.
وهذه المسافة بين الإنسان والشخصية هي التي تجعل الحكاية أكثر إثارة من الرواية المبسطة. خلف أشهر طفلة في بلاد العجائب تقف طفلة حقيقية، لكن بين الاثنتين يقف الأدب كله: الذاكرة، واللغة، والتعديل، والرسم، والخيال، والزمن.
إذا كانت الشخصية الأدبية تستطيع أن تبدأ من شخص حقيقي ثم تستقل عنه إلى هذا الحد، فأيهما يبقى في النهاية أقوى في ذاكرتنا: الإنسان الذي ألهم الحكاية، أم الشخصية التي صنعتها الحكاية؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق