اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

رسالة الغفران والكوميديا الإلهية: هل سبق المعري دانتي؟

تصوير أدبي رمزي لمسارين نحو العالم الآخر يستحضران رسالة الغفران للمعري والكوميديا الإلهية لدانتي
صورة توضيحية أصلية تستلهم الرحلتين الأدبيتين إلى العالم الآخر في رسالة الغفران والكوميديا الإلهية.
بين الأسبقية والتأثير: رحلة إلى العالم الآخر تفصل بين نصيها ثلاثة قرون

هل سبق أبو العلاء المعري دانتي في كتابة رحلة أدبية إلى الجنة والجحيم؟ الجواب القصير هو نعم، من حيث الزمن والفكرة العامة للرحلة الأخروية. فقد كتب المعري رسالة الغفران في القرن الحادي عشر، نحو سنة 1033، بينما جاءت كوميديا دانتي بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون، في أوائل القرن الرابع عشر. لكن الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول إن دانتي أخذ الكوميديا الإلهية من المعري يحتاج إلى دليل آخر لا توفره الأسبقية وحدها.

رسالة الغفران سبقت الكوميديا الإلهية بنحو ثلاثة قرون، ويشترك العملان في تخييل رحلة إلى العالم الآخر ولقاء شخصيات من الموتى ومناقشة مصائرهم. غير أن الدراسات لا تملك دليلًا تاريخيًا حاسمًا يثبت أن دانتي قرأ رسالة الغفران نفسها. لذلك فالتشابه ثابت وقابل للمقارنة، أما التأثير المباشر فبقي فرضية أدبية وتاريخية محل نقاش.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. فالقول إن هناك عملين يتشابهان أسهل كثيرًا من تفسير سبب التشابه، وأصعب ما في المقارنة بين الأدبين العربي والأوروبي القديم هو مقاومة الإغراء الذي يجعلنا نحول كل تشابه إلى اقتباس، أو كل غياب للوثيقة إلى نفي قاطع لأي اتصال ثقافي.

رسالة الغفران والكوميديا الإلهية تمنحاننا حالة مثالية لفحص هذه المشكلة. لدينا نص عربي مبكر يصعد فيه الإنسان إلى فضاء أخروي ويلتقي شعراء وشخصيات ماتت منذ زمن، ولدينا بعده بقرون شاعر إيطالي يجعل نفسه بطل رحلة تمر بالجحيم والمطهر والفردوس. التشابه يلفت النظر فعلًا، لكنه يصبح أكثر إثارة حين نرى الاختلافات التي تختبئ تحته.


ما الذي كتبه المعري فعلًا؟

لم يجلس أبو العلاء المعري ليكتب ملحمة عن العالم الآخر بالمعنى الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ الحديث. رسالة الغفران في أصلها جواب طويل على رسالة تلقاها من علي بن منصور الحلبي، المعروف بابن القارح، وهو رجل واسع المعرفة باللغة والأدب، كثير الحديث عن الشعراء والعقائد والزندقة والتوبة.

حوّل المعري هذا الجواب إلى شيء لم يكن ابن القارح يتوقعه على الأرجح. تخيل الرجل بعد موته، وهو يحاول الوصول إلى الجنة، ثم يجعله يتنقل في العالم الآخر ويلتقي شعراء ولغويين وشخصيات أثارت في الدنيا أسئلة حول العقيدة والسلوك والمصير.

ومن هنا جاء عنوان الرسالة. الغفران ليس كلمة عابرة في النص، بل مفتاح لبنيته الساخرة. من الذي يغفر له؟ ولماذا يدخل شاعر الجنة رغم أبيات اتهم بسببها في حياته؟ وهل يمكن للإنسان أن يصدر حكمًا نهائيًا على إيمان شخص آخر اعتمادًا على بيت شعر أو رواية أو تهمة؟

المعري يضع ابن القارح، وهو شديد الولع بتصنيف الناس والحكم عليهم، أمام عالم تفسد فيه الحسابات الأرضية البسيطة. الذين أدانهم البشر قد يجدهم في الجنة، ومن بدا مطمئنًا إلى معرفته قد يتعرض للسخرية. ولذلك لا تبدو الرحلة مجرد وصف للنعيم والعذاب، بل وسيلة أدبية لاختبار يقين الإنسان في أحكامه.

وتزداد المفارقة لأن المعري لا يتخلى خلال الرحلة عن اهتماماته التي عرف بها قارئ الأدب العربي: الشعر القديم، اللغة، الرواية، النحو، الأسانيد، صحة الأبيات، ونسبتها إلى أصحابها. حتى الجنة عنده يمكن أن تتحول إلى مجلس أدبي يسأل فيه ابن القارح شاعرًا عن بيت قاله قبل الإسلام أو عن لفظة اختلف فيها الرواة.

هذه الخاصية مهمة جدًا عندما نقارن الكتاب بدانتي. العالم الآخر عند المعري لا يمحو شخصية الأديب واللغوي. على العكس، يسمح له بأن يدفع الجدل الأدبي إلى مكان يستحيل الوصول إليه في الحياة: ماذا لو استطعنا سؤال الشعراء الموتى أنفسهم عن أشعارهم وعن مصيرهم؟

وبعد ثلاثة قرون جاء دانتي

وُلد دانتي أليغييري سنة 1265، أي بعد وفاة المعري بأكثر من قرنين. وبدأ كتابة العمل الذي عرف لاحقًا باسم الكوميديا الإلهية في السنوات الأولى من القرن الرابع عشر، وظل يعمل فيه إلى قرب وفاته سنة 1321.

في القصيدة يصبح دانتي نفسه مسافرًا في عالم الموتى. يبدأ تائهًا في غابة مظلمة، ثم يقوده الشاعر الروماني فيرجيل عبر الجحيم والمطهر، قبل أن تتولى بياتريتشي جانبًا من الرحلة في الفردوس.

لكن العالم الذي يصنعه دانتي مختلف في هندسته اختلافًا واضحًا. الجحيم ذو دوائر مرتبة، والعقوبات موزعة وفق طبيعة الخطايا، والمطهر له نظامه الخاص، ثم ترتفع الرحلة خلال السماوات حتى تبلغ ذروتها الروحية. ليست الأماكن مجرد خلفيات لحوار أدبي؛ إن البناء المكاني نفسه جزء من فكرة القصيدة عن العدالة والخطيئة والتطهر والخلاص.

كما أن دانتي لا يستدعي الموتى لمناقشة الشعر وحده. تظهر السياسة الإيطالية، وصراعات فلورنسا، والبابوية، والإمبراطورية، والخصومات الشخصية، والتاريخ القديم، والفلسفة واللاهوت. العالم الآخر يصبح طريقة للحكم على العالم الحاضر أيضًا.

وبذلك يبدو التشابه الأول واضحًا: رجل حي أو متخيل يدخل فضاء الموتى ويتحدث معهم. لكن الوظيفة التي يؤديها هذا الجهاز السردي ليست واحدة.

أين يتشابه العملان فعلًا؟

أول أوجه التشابه وأكثرها ظهورًا هو الرحلة الأخروية نفسها. في العملين يستطيع الأدب أن يفعل ما لا تستطيع الحياة فعله: يفتح أبواب العالم الآخر، ويجعل الموتى يتحدثون، ويسمح للبطل بأن يسأل عن المصير بعد الموت.

والتشابه الثاني هو أن الشخصيات التي يلتقيها المسافر ليست أسماء محايدة. حضورها يحمل تاريخها الأرضي معها. فلقاء شاعر في رسالة الغفران يستدعي شعره وسيرته وما قيل في عقيدته، ولقاء شخصية عند دانتي يستدعي عملها السياسي أو الأخلاقي أو الديني في الحياة.

وهناك أيضًا فكرة أن الحكم بعد الموت قد يكشف خطأ الحكم في الدنيا. لكنها تعمل بطريقة مختلفة عند كل كاتب. المعري يزعزع كثيرًا من التصنيفات الجاهزة، ويستخدم المفارقة واللعب اللغوي والجدل في مسائل الغفران. أما دانتي فيقدم عالمًا أكثر إحكامًا في ترتيب الذنوب والعقوبات، حتى حين تتدخل عواطفه الشخصية تجاه الذين يلقاهم.

ويمكن إضافة عنصر الحوار. فالعالم الآخر في النصين ليس معرضًا صامتًا للعقوبات والمكافآت. المسافر يسأل، والميت يروي، ومن خلال الحوار نعرف لماذا انتهت الشخصية إلى هذا الموضع أو كيف تفسر حياتها الماضية.

هذه التشابهات كافية لجعل المقارنة بين النصين مشروعة تمامًا. لكنها ليست وحدها كافية لإثبات انتقال رسالة الغفران إلى دانتي.

الاختلاف الذي تضيع معه المقارنة السريعة

حين يقال إن رسالة الغفران هي "الكوميديا الإلهية العربية" نخسر جزءًا كبيرًا من خصوصية العملين معًا. التشبيه مفيد لجذب الانتباه، لكنه يصبح مضللًا إذا تحول إلى تعريف.

رسالة الغفران رسالة أدبية ساخرة قبل أن تكون خريطة منظمة للعالم الآخر. بطلها ابن القارح، لا المعري نفسه، وهذه مسألة جوهرية. المعري يضع رجلًا بعينه، بما يحمله من ادعاء ومعرفة ونزعة إلى الحكم على الآخرين، داخل التجربة الأخروية. المسافة بين المؤلف وبطله تسمح للسخرية بأن تعمل باستمرار.

أما دانتي فيمنح المسافر اسمه وصورته الأدبية. الرحلة جزء من بناء ذاته، ومن انتقالها من الضياع إلى الرؤية. صحيح أن دانتي الشخصية ليس مطابقًا ببساطة لدانتي المؤلف، لكن القصيدة تعتمد عمدًا على هذا الالتباس بين الاثنين.

كذلك تختلف النبرة. المعري قادر في لحظة واحدة على الانتقال من مشهد أخروي إلى سؤال في اللغة أو بيت شعر أو مفارقة تكشف هشاشة ادعاء بشري. القارئ لا يشعر دائمًا بأنه داخل منظومة مغلقة ذات حدود هندسية ثابتة.

عند دانتي، على العكس، هناك ميل شديد إلى النظام. المكان، والأعداد، وطبقات الجحيم، ودرجات المطهر، والسماوات، وحتى البنية الشعرية نفسها، تعمل ضمن مشروع واسع يرى الكون ذا ترتيب أخلاقي وروحي.

والفرق الثالث أن الغفران عند المعري كثيرًا ما يصبح بابًا للمفارقة: كيف نجا هذا الشاعر؟ كيف غفر له؟ ماذا تفعل الرحمة الإلهية بأحكام البشر؟ أما دانتي فيركز بدرجة أكبر على العلاقة بين الفعل والنتيجة، وبين نوع الخطيئة وصورة العقاب أو التطهر.

لهذا يمكن القول إن الاثنين يستخدمان العالم الآخر، لكنهما لا يستخدمانه للشيء نفسه. المعري يحمله إلى مجلس اللغة والأدب والشك في الأحكام السريعة. دانتي يحوله إلى كون شعري ولاهوتي وسياسي متكامل.

فمن أين جاءت فكرة أن دانتي تأثر بالأدب الإسلامي؟

السؤال أوسع من رسالة الغفران نفسها. ففي سنة 1919 نشر المستعرب الإسباني ميغيل أسين بالاثيوس كتابه الشهير عن علم الآخرة الإسلامي في الكوميديا الإلهية. أثار الكتاب جدلًا كبيرًا لأنه اقترح أن وراء عدد من صور رحلة دانتي جذورًا أو نماذج موجودة في التراث الإسلامي، ولا سيما روايات الإسراء والمعراج والرحلات إلى العالم الآخر، كما ناقش مواد مرتبطة بابن عربي وغيره.

جاءت الأطروحة في لحظة ثقافية حساسة. دانتي لم يكن مجرد شاعر يدرسه المختصون، بل رمزًا مركزيًا للأدب الإيطالي والأوروبي. لذلك لم يبق النقاش محصورًا في مقارنة النصوص، بل دخلته أسئلة الهوية الثقافية وأصل الأفكار وانتقالها بين الحضارات.

وزادت القضية تعقيدًا بعد أن عرف الباحثون على نحو أوضح نصًا أوروبيًا في العصور الوسطى يعرف باسم كتاب المعراج أو Liber Scalae Machometi، وهو نقل لاتيني وقشتالي لمادة أخروية إسلامية كان موجودًا في أوروبا في القرن الثالث عشر، أي قبل دانتي.

هذه الحقيقة جعلت السؤال عن إمكان وصول تصورات إسلامية للعالم الآخر إلى أوروبا أكثر جدية من السؤال البسيط: هل عرف الأوروبيون شيئًا عن هذه الروايات أصلًا؟ من الواضح أن بعض المواد انتقلت فعلًا بين اللغات والثقافات.

لكن وجود طريق ثقافي عام لا يعني تلقائيًا أن رسالة الغفران نفسها قطعت ذلك الطريق.

الحلقة المفقودة: هل قرأ دانتي رسالة الغفران؟

هذه هي النقطة التي كثيرًا ما تختفي في المقالات الشعبية. نستطيع أن نثبت أن المعري كتب قبل دانتي. ونستطيع أن نضع أمامنا أوجه شبه بين العملين. ونستطيع أيضًا أن نثبت أن ثقافات البحر المتوسط في العصور الوسطى لم تكن جزرًا مغلقة، وأن نصوصًا وأفكارًا عربية انتقلت إلى اللاتينية والقشتالية وغيرها.

لكن لكي نقول إن دانتي أخذ مباشرة من رسالة الغفران نحتاج إلى شيء أكثر تحديدًا: ترجمة معروفة كانت متاحة له، أو مخطوط يمكن ربطه بمحيطه، أو شهادة من معاصر، أو إشارة واضحة في كتاباته، أو سلسلة انتقال تاريخية يمكن تتبعها بدرجة معقولة من اليقين.

هذا الدليل الحاسم لم يظهر.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين ثلاثة أمور كثيرًا ما تختلط. الأول أن رسالة الغفران أقدم من الكوميديا الإلهية، وهذا ثابت. والثاني أن بين النصين تشابهات مهمة، وهذا يمكن فحصه مباشرة بالمقارنة. والثالث أن دانتي قرأ رسالة الغفران واستفاد منها، وهذا يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل لم يتوافر بصورة قاطعة.

حتى الدراسات الحديثة التي تعود إلى المسألة لا تنهيها عادة بجملة سهلة من نوع "ثبت الاقتباس" أو "ثبت عدم التأثير". بعضها يرى إمكان وجود بيئة واسعة انتقلت خلالها تصورات أخروية إسلامية إلى أوروبا، وبعضها يركز على الفروق الكبيرة بين النصوص، وبعضها يطالب بأن نفصل بين تأثير التراث الإسلامي عمومًا وبين تأثير كتاب بعينه.

وهذا التفريق هو الأكثر فائدة. فقد يكون السؤال "هل عرف دانتي شيئًا من التراث الأخروي الإسلامي؟" مختلفًا تمامًا عن السؤال "هل قرأ دانتي رسالة الغفران؟". الأول يمتلك مادة تاريخية أوسع للنقاش. الثاني أكثر تحديدًا، وبالتالي يحتاج إلى دليل أكثر تحديدًا.

هل يعني ذلك أن التشابه مجرد صدفة؟

ليس بالضرورة. هنا يظهر خطأ آخر مقابل للخطأ الأول. فإذا كان من المبالغة أن نعلن أن دانتي نسخ المعري، فمن التسرع أيضًا أن نقرر أن كل أوجه التشابه عديمة القيمة لمجرد غياب وثيقة تثبت الصلة المباشرة.

فكرة الرحلة إلى عالم الموتى أقدم من المعري ومن دانتي معًا. عرفتها آداب وأساطير كثيرة قبل الإسلام والمسيحية في العصور الوسطى. وفي البيئة المسيحية نفسها وجدت رؤى أخروية ونصوص رحلات إلى الجحيم والجنة قبل الكوميديا الإلهية. وفي الثقافة الإسلامية نشأت بدورها مادة واسعة حول القيامة والجنة والنار والإسراء والمعراج، ثم دخلت بعض هذه المادة في الأدب والتفسير والحكاية والتصوف.

لهذا فإن وجود الرحلة إلى العالم الآخر وحدها لا يمكن أن يكون بصمة تثبت أن نصًا ولد من نص آخر.

القيمة الحقيقية للمقارنة تبدأ حين ننظر إلى الطريقة التي يعيد بها كل كاتب تشكيل المادة المشتركة. ما الذي يحدث عندما يدخل شاعر العالم الآخر؟ من يقابله؟ لماذا توجد هذه الشخصية في الجنة وتلك في النار؟ ما وظيفة الحوار؟ ما علاقة الرحلة بأزمات زمن الكاتب؟ كيف تتحول العقيدة إلى بناء أدبي؟

عند هذه النقطة لا نعود أمام مسابقة للعثور على "الأول"، بل أمام تاريخ طويل للخيال الإنساني وهو يحاول جعل الموت مكانًا يمكن دخوله باللغة.

المعري لا يحتاج إلى دانتي كي نستعيده

هناك مفارقة ثقافية تستحق الانتباه. أحيانًا لا تستعاد رسالة الغفران في الخطاب الحديث إلا لكي يقال إن المعري سبق دانتي. كأن قيمة الكتاب العربي تحتاج إلى شهادة من كتاب أوروبي جاء بعده.

لكن قراءة رسالة الغفران بهذه الطريقة وحدها تظلمها.

قوة النص ليست في أنه يشبه عملًا سيكتب بعد ثلاثة قرون. قوته في الطريقة التي صنع بها المعري من رسالة شخصية ساحة واسعة للأدب واللغة والدين والسخرية. وفي جرأته على تخيل الشعراء بعد الموت. وفي تركه الرحمة الإلهية تتجاوز أحيانًا بساطة التصنيفات التي يطمئن إليها البشر.

ولعل هذا يفسر بقاء النص عصيًا على الاختصار. فمن يفتحه بحثًا عن وصف للجنة والجحيم فقط قد يفاجأ بأنه دخل أيضًا في متاهة من الشعر القديم واللغة والنحو والرواية والجدل. ومن يبحث فيه عن بيان فلسفي مباشر للمعري سيجد أن السخرية والأقنعة والحوار تجعل نسبة كل رأي إلى المؤلف أمرًا أكثر تعقيدًا.

وهذه الخاصية هي التي تجعله مناسبًا لسلسلة "أسرار الأدب". السر هنا ليس واقعة مخفية يمكن كشفها بوثيقة واحدة، بل الطريقة التي غير بها تداول الكتاب لاحقًا السؤال الذي نسأله عنه. بدل أن نسأل دائمًا: هل أخذه دانتي؟ يمكن أن نسأل: لماذا احتاج المعري إلى الآخرة كي يتحدث عن أدب الدنيا؟

ودانتي أيضًا أكبر من فكرة الاقتباس

في الاتجاه المقابل، اختزال الكوميديا الإلهية إلى أثر عربي محتمل لا يقل تبسيطًا. القصيدة ناتجة عن شبكة ضخمة من المصادر المسيحية والكلاسيكية والفلسفية والسياسية والشخصية، وعن تجربة دانتي في المنفى والصراع الإيطالي وثقافته اللاتينية والأوروبية.

حتى لو أثبت الباحثون يومًا أن صورة أو عنصرًا محددًا انتقل إليه عبر مصدر إسلامي، فلن يعني ذلك أن تفسير القصيدة أصبح إسلاميًا أو أن بنيتها يمكن ردها إلى أصل واحد.

الأدب لا يعمل بهذه الطريقة غالبًا. الكاتب قد يرث صورة من مكان، وشكلًا من مكان آخر، وحكاية من تقليد ثالث، ثم يعيد تركيبها داخل مشروع لا يشبه أي مصدر منفرد.

وهنا تفيدنا المقارنة أكثر مما يفيدنا البحث عن تهمة. فانتقال القصص والأفكار بين الثقافات ليس حادثًا استثنائيًا في تاريخ الأدب؛ إنه أحد شروط وجوده. وما نسميه اليوم أدبًا عالميًا لم ينشأ داخل حدود قومية محكمة، بل من الترجمة والسفر والتجارة والحروب والمدارس والمكتبات وتجاور اللغات.

إذن، هل سبق المعري دانتي؟

إذا كان المقصود بالسؤال: من كتب أولًا رحلة أدبية كبيرة إلى العالم الآخر بين هذين الكاتبين؟ فالإجابة واضحة: أبو العلاء المعري سبق دانتي بنحو ثلاثة قرون.

وإذا كان المقصود: هل توجد أوجه شبه حقيقية بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية؟ فنعم. الرحلة الأخروية، لقاء الموتى، الحوار معهم، واستخدام مصائرهم لمراجعة حياتهم الأرضية تجعل المقارنة أكثر من لعبة عناوين.

أما إذا كان السؤال: هل ثبت أن دانتي قرأ رسالة الغفران وبنى الكوميديا الإلهية عليها؟ فالإجابة الأكثر دقة هي: لا يوجد حتى الآن دليل تاريخي حاسم يثبت ذلك.

ولا تنقص هذه الإجابة من المعري شيئًا. على العكس، تحرره من دور "الرجل الذي سبق دانتي" وتعيده إلى مكانه بوصفه صاحب نص يستحق أن يقرأ لذاته.

كما أنها لا تغلق باب الصلة بين دانتي والثقافة الإسلامية. فالجدل حول الروايات الأخروية الإسلامية وكتاب المعراج وطرق انتقال المعرفة إلى أوروبا لا يزال بابًا مشروعًا للبحث. لكنه باب أوسع وأكثر تعقيدًا من أن يختصر في سهم مباشر يمتد من معرة النعمان إلى فلورنسا.

ربما تكون أجمل نتيجة للمقارنة أن العملين، رغم اختلافهما، يعيدان بناء السؤال نفسه الذي أقلق البشر طويلًا: ماذا يحدث لأحكامنا بعد أن نموت؟ في الدنيا نمنح الألقاب ونطلق الاتهامات ونقرر من هو الصالح ومن هو الضال. في أدب المعري ودانتي يتغير الموقع فجأة، وندخل نحن أنفسنا فضاء الحكم.

لهذا تبقى الرحلة إلى العالم الآخر طريقة للحديث عن هذا العالم. الجنة والجحيم ليستا مجرد مكانين بعيدين في هذين العملين، بل مرآتين تعود منهما نظرة مختلفة إلى الشعر والسياسة والعقيدة واللغة والعدالة والإنسان.

ولو ثبت يومًا أن دانتي لم يقرأ سطرًا واحدًا من رسالة الغفران، فهل يجعل ذلك التشابه بين الرحلتين أقل إثارة، أم يجعله سؤالًا أعمق عن الطرق التي يعيد بها البشر تخيل الموت في ثقافات مختلفة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق