بقلم: الورّاق الجزائري
ليست العبارة التي تنتهي بها رواية "رجال في الشمس" مجرد سؤال أطلقه أبو الخيزران في لحظة ذعر، ثم تبدد صداه في الصحراء. إنها المفتاح الذي يعيد ترتيب الحكاية كلها في ذهن القارئ. فبعد أن يعرف النهاية، يعود إلى تفاصيل الرحلة باحثًا عن بداية الموت: هل بدأ داخل الخزان الملتهب؟ أم يوم اقتُلع الرجال من فلسطين؟ أم حين صار الوصول إلى فرصة عمل يحتاج إلى مهرب وشاحنة وحدود تُعبر سرًا؟
والأهم أن السؤال لا يمنحنا جوابًا مريحًا. فهو يبدو، لأول وهلة، عتابًا للضحايا لأنهم لم يعلنوا عن وجودهم، لكنه لا يلبث أن ينقلب على السائق والحدود والواقع العربي الذي دفعهم إلى الاختباء. بهذه النهاية المكثفة نقل غسان كنفاني مأساة اللجوء من حكاية ثلاثة أفراد إلى سؤال سياسي وأخلاقي ما زال حيًا: ماذا يحدث حين يصبح الصمت شرطًا للنجاة، ثم يتحول هذا الشرط نفسه إلى سبب للهلاك؟
صدرت الرواية سنة 1963، في مرحلة كانت آثار نكبة 1948 قد استقرت في الحياة اليومية ولم تستقر في الوجدان. طال زمن المخيم، واتسعت الهجرة بحثًا عن العمل، وبدا لكثيرين أن الخلاص الفردي في بلدان النفط أقرب من انتظار حل سياسي لا يأتي. ومن هذا الواقع صنع كنفاني رواية قصيرة، قليلة الشخصيات والأماكن، لكنها شديدة الاتساع في دلالاتها. لم يحتج إلى سرد المعارك؛ اكتفى بصحراء وشاحنة وخزان فارغ كي يكتب سيرة هزيمة كاملة.
حكاية بسيطة تخفي مأساة مركبة
يلتقي في البصرة ثلاثة فلسطينيين لا تجمعهم معرفة سابقة، بل حاجة متشابهة إلى الوصول إلى الكويت: أبو قيس، الرجل المسن الذي يثقل الفقر كاهله؛ وأسعد، الشاب الذي خبر الخداع ولا يزال يبحث عن منفذ؛ ومروان، الفتى الذي ترك المدرسة بعدما تنصل أبوه وأخوه من مسؤولية الأسرة. يحاول كل منهم أن يعقد صفقة مع المهربين، لكن الأسعار المرتفعة والإذلال يدفعانهم إلى قبول عرض أبي الخيزران، سائق الشاحنة الفلسطيني.
تقضي الخطة بأن يجلسوا في الشاحنة معظم الطريق، ثم يدخلوا خزان الماء الفارغ عند نقطتي الحدود. يفترض أن يستغرق الاختباء دقائق قليلة، ولذلك يبدو الخطر محسوبًا. تنجح المحاولة الأولى بصعوبة، غير أن موظفي النقطة الثانية يحتجزون أبا الخيزران في حديث عبثي، بينما تتراكم الحرارة داخل الخزان. وحين يبتعد بالشاحنة ويفتح الغطاء، يجد الرجال الثلاثة موتى.
لا تتعقد الحكاية بكثرة الوقائع، بل بما يتراكم خلفها من تاريخ شخصي وجماعي؛ فكل رجل وصل إلى الصحراء عبر طريق مختلف، لكن الطرق كلها تنتهي في الحيز المعدني نفسه. وهنا تظهر براعة البناء: لا يفرض كنفاني الرمز على الحدث من الخارج؛ بل يجعل الحدث واقعيًا إلى حد الفزع، ثم يسمح له بأن يتسع من تلقاء نفسه.
أبو قيس: الذاكرة التي تبحث عن أرض
يمثل أبو قيس الجيل الذي عرف فلسطين قبل ضياعها. فعلاقته بالوطن ليست فكرة سياسية مجردة، بل صلة يومية بالتراب والزيتون والبيت. لذلك يبدأ حضوره وهو مستلقٍ على الأرض قرب شط العرب، يتوهم أنه يسمع نبضها. غير أن الأرض التي يلامسها ليست أرضه، وما يستدعيه من دفء الماضي لا يستطيع أن يغير بؤس الحاضر.
يتردد أبو قيس قبل السفر. عمره وخوفه وتعلقه بأسرته تجعل المغامرة أثقل عليه من رفيقيه، لكنه لا يملك ترف البقاء. أحلامه محدودة: أن يعمل، وأن يوفر لأسرته شيئًا من الأمان، وربما يعيد بناء صورة الحياة التي عرفها قبل اللجوء.
وهو لا يطارد ثراءً خياليًا؛ بل يريد الحد الأدنى من الكرامة، ومع ذلك يبدو هذا الحد الأدنى بعيدًا إلى درجة تستلزم المجازفة بالحياة. ويضع كنفاني الحنين في هذه الشخصية في موضع ملتبس. فالذاكرة تحفظ فلسطين من النسيان، لكنها قد تصبح عبئًا حين تعوض الفعل بالتعلق بصورة الماضي. فأبو قيس ليس متخاذلًا بطبيعته؛ إنه رجل أنهكته الخسارة حتى صار يقيس الجديد بما فقده. وحين يموت داخل الخزان، يبدو موته امتدادًا لاقتلاع بدأ قبل سنوات، لا حادثًا منفصلًا وقع على الطريق.
أسعد: خبرة لا تمنح صاحبها الحرية
يبدو أسعد أكثر يقظة وقدرة على التفاوض. سبق أن خدعه مهرب وتركه وحيدًا في الصحراء، ولهذا لا يسلم ثقته بسهولة، ويصر على شروط تضمن له ألا يخسر ماله مرة أخرى. إلا أن تجربته علمته الحذر داخل اللعبة، ولم تمنحه القدرة على الخروج منها. يستطيع أن يساوم على الأجر، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن المهرب. كما أن المال الذي يقترضه من عمه محاط بشرط عائلي ضمني يتعلق بالزواج من ندى، ابنة العم. فهو يحاول الإفلات من ضغط، فيدخل تحت ضغط آخر؛ ويريد أن يملك قراره، لكنه يمول رحلته بثمن يمس استقلاله. هذه التناقضات تمنع الشخصية من التحول إلى رمز جامد، وتجعلها أقرب إلى إنسان حقيقي يتحرك بين خيارات ناقصة.
أسعد ليس ساكنًا، لكنه لا يتحرك في طريق اختاره بحرية. وهذه نقطة أساسية في الرواية: الحركة لا تساوي التحرر دائمًا. فقد يقطع الإنسان حدودًا ومسافات طويلة ويبقى أسير الشروط التي رسمها الآخرون. ولذلك لا تنقذ أسعد جرأته النسبية؛ فهو، في اللحظة الحاسمة، داخل الخزان ذاته، محكوم بالانتظار ذاته.
مروان: مستقبل أُجبر على مغادرة المدرسة
أما مروان فهو أصغر الرجال وأشدهم إثارة للأسى. كان ينبغي أن يكون في المدرسة، لكن تفكك الأسرة يدفعه مبكرًا إلى موقع المعيل. يتزوج أخوه ويتوقف عن إرسال المال، ويترك الأب أسرته ليتزوج امرأة أخرى، فيجد الفتى نفسه مسؤولًا عن أم وإخوة لم يعد لهم سند.
لا يعرف مروان فلسطين كما عرفها أبو قيس، ولم تتح له خبرة أسعد. لقد وُلد، على نحو ما، داخل نتائج النكبة؛ فهي بالنسبة إليه ليست ذكرى أرض ضائعة فقط، بل فقر وانقطاع عن التعليم وبيت فقد توازنه. ومن هنا تكتسب رحلته دلالة مضاعفة: إنه لا يسعى إلى تحقيق طموح شخصي بقدر ما يحاول ترميم ما تركه الكبار يتداعى. وبموته يُغلق الطريق أمام المستقبل الممكن. فإذا كان أبو قيس يحمل ذاكرة الوطن، وأسعد يجسد حاضرًا قلقًا يحاول النجاة، فإن مروان يمثل جيلًا كان يمكن أن يبدأ من جديد.
يجمع الخزان الأزمنة الثلاثة ثم يطفئها معًا، وكأن النكبة لا تنتمي إلى الماضي، بل تواصل إنتاج خسائرها في الأجيال التالية.
أبو الخيزران: قائد الطريق الذي هزمته الطريق
أبو الخيزران أكثر الشخصيات تركيبًا. فهو فلسطيني مثل الرجال الثلاثة، وسبق أن قاتل وأصيب في الحرب إصابة أفقدته قدرته الجنسية. لا يقدم كنفاني هذه الإصابة طلبًا للشفقة، بل يجعلها مركزًا رمزيًا يكشف المسافة بين مظهر القوة وحقيقتها. فالسائق يعرف الطريق، ويمسك بالمقود، ويستطيع مخاطبة موظفي الحدود، لكنه يحمل في داخله شعورًا عميقًا بالعجز والخسارة.
لقد دفع من جسده ثمنًا لقضية لم تنتصر، ثم تحول من مقاتل إلى رجل يبحث عن المال. لا يعني ذلك أنه تخلى ببساطة عن أخلاقه أو صار شريرًا خالصًا؛ فقد أنهكته التجربة وأفسدت علاقته بذاته وبالعالم. لكنه، وهو يحاول النجاة فرديًا، يصبح وسيطًا يستفيد من حاجة آخرين يشبهونه. يعدهم بالوصول، ثم يضع حياتهم في خطة لا تترك لهم وسيلة اتصال به. فسلطته محدودة. وهو يقود شاحنة يملكها رجل نافذ، ويمر مستفيدًا من اسم صاحبها، أي إنه ليس قائدًا مستقلًا بقدر ما هو تابع يمتلك هامشًا من الحركة. ولعل هذه المفارقة تفسر جانبًا من علاقته بالرجال: إنهم يظنون أنهم سلموا مصائرهم إلى شخص يعرف ما يفعل، بينما هم في الواقع سلموها إلى رجل جريح يعمل داخل منظومة أكبر منه.
ومع ذلك لا يجوز إعفاؤه من المسؤولية. لقد قلل من الخطر، وأضاع الوقت، ثم حاول التخلص من الجثث قرب النفايات واستعاد المال من جيوب أصحابها. إن تعاطف القارئ مع جرحه لا يلغي سقوطه الأخلاقي، لكنه يمنع الحكم السهل عليه. أبو الخيزران ضحية قديمة صار شريكًا في صناعة ضحايا جدد.
الخزان: وعاء الحياة الذي صار قبرًا
صُمم الخزان ليحمل الماء، أي العنصر الأشد اتصالًا بالحياة، لكنه في الرواية فارغ. لا يحمل ما يروي العطش، بل يحمل رجالًا يختنقون تحت الشمس. ومن هذه المفارقة البسيطة تنشأ قوته الرمزية؛ فما كان يفترض أن يحفظ الحياة يتحول إلى قبر معدني متحرك.
يمكن أن يُقرأ الخزان بوصفه صورة للمخيم، أو المنفى، أو الواقع العربي المغلق بعد النكبة. غير أن قيمته لا تستقر في معنى واحد. إنه أيضًا كل بنية تطلب من الإنسان أن يمحو صوته كي يمر: حدود، أو سلطة، أو صفقة نجاة غير عادلة. داخله يفقد الرجال رؤية الطريق وتقدير الزمن، ولا يعودون شركاء في الرحلة؛ يصبحون حمولة سرية ينتظر مصيرها قرار من في الخارج.
وتكمن المفارقة الأشد في أنهم يدخلونه مؤقتًا. لا أحد يختار القبر وهو يعرف أنه قبر. يدخلون لبضع دقائق ظنًا منهم أن التنازل المحدود عن الحرية سيقودهم إلى حياة أفضل، لكن المؤقت يمتد حتى الموت. هنا يلتقط كنفاني آلية مألوفة في حياة المقهورين: يبدأ التنازل صغيرًا ومعقولًا، ثم تتكاثر أسبابه إلى أن يصبح الرجوع عنه شبه مستحيل.
الشمس والصحراء: الطبيعة في خدمة المأساة
لا تؤدي الصحراء دور الخلفية الصامتة، بل تضغط على الشخصيات منذ بداية الرحلة. اتساعها لا يعني الحرية، بل الضياع وانعدام الحماية. أما الشمس، المرتبطة عادة بالنور، فتتحول إلى قوة قاتلة تقيس الوقت بحرارة الأجساد. كل دقيقة تمر عند الحدود تقتطع شيئًا من حياة الرجال. ولهذا يحمل عنوان "رجال في الشمس" مفارقة واضحة. كلمة "رجال" توحي بالقدرة والصلابة، لكن الشخصيات مجردة من السيطرة على مصيرها. والشمس تكشف الأشياء في وضح النهار، غير أن الرجال يظلون غير مرئيين داخل الخزان. وهكذا فإن المأساة تجري أمام العالم، ومع ذلك لا يسمع أحد صوتها.
ويتضاعف أثر الصحراء لأنها تفصل بين الفقر ووعد الثراء. فالكويت تقع في نهاية الطريق كأنها فردوس اقتصادي قريب، لكن الوصول إليها ليس متاحًا بالتساوي. يموت الرجال على مسافة قصيرة من حلمهم، فيكشف كنفاني هشاشة الاعتقاد بأن الانتقال الجغرافي والمال المنتظر قادران وحدهما على علاج جرح سياسي وتاريخي.
الحدود: أوراق سليمة وحياة معلقة
عند نقطتي الحدود يبدو كل شيء منظمًا: أوراق، وأختام، وتوقيعات، وموظفون يؤدون عملهم. إلا أن هذا النظام الظاهري يخفي عنفًا لا يُرى. فالرجل الذي يملك الوثيقة المناسبة يعبر جالسًا في مقعده، أما اللاجئ الذي سلبته النكبة وطنه ووضعه القانوني فيضطر إلى الاختفاء داخل خزان.
وفي النقطة الثانية تبلغ المفارقة ذروتها، إذ ينشغل الموظفون بمزاح ثقيل حول مغامرة غرامية منسوبة إلى أبي الخيزران، بينما يموت ثلاثة رجال في الخارج. يدور الكلام حول الفحولة، والسائق نفسه فقدها في الحرب. لا تبدو الثرثرة حشوًا سرديًا؛ إنها تكشف عالمًا يستهلك الوقت في استعراضات فارغة، بينما تقع الكارثة على بعد خطوات.
لا يعرف الموظفون بوجود الرجال، لكن جهلهم لا يبرئ البنية التي يمثلونها. فالحدود هي التي حولتهم إلى أجساد سرية، والإجراءات هي التي جعلت الإعلان عن وجودهم خطرًا. هكذا يواجه القارئ شكلًا باردًا من العنف: لا يحتاج أحد إلى إطلاق النار عليهم؛ يكفي أن تستمر المعاملة الروتينية ببطء كي يؤدي الخزان مهمته.
لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟
الإجابة الواقعية الأولى أنهم كانوا يخشون افتضاح أمرهم. لقد اتفقوا على الصمت، وكان الطرق يعني الاعتقال أو الإعادة أو ضياع المال والحلم. كما أنهم دخلوا الخزان معتقدين أن أبا الخيزران سيعود خلال وقت قصير، وربما فقدوا القدرة على تقدير الزمن تحت وطأة الحر ونقص الهواء. وقد يكون الوعي قد انسحب منهم تدريجيًا قبل أن يدركوا أن التأخير لم يعد محتملًا.
لكن هذه الاحتمالات لا تستنفد السؤال. فكنفاني لا يحقق في حادث اختناق فحسب، بل يستنطق عادة الانتظار. لماذا يواصل الإنسان الصبر حين تتغير الشروط التي قبلها؟ ولماذا يخاف من خسارة حلم بعيد أكثر من خوفه من الخطر الذي يلتهمه الآن؟ ثم لماذا ينتظر كل فرد أن يبدأ الآخر؟
كان الصمت جزءًا من الخطة، أي أنه كان وسيلة للعبور، ثم تحول إلى سبب للموت. أما الدق فكان سيعني كسر الاتفاق وإعلان الوجود: نحن هنا، والوقت انتهى، والحياة أهم من نجاح الصفقة. ربما كان سيقود إلى الاعتقال، وربما كان سينقذهم؛ إلا أنه، في الحالتين، كان سيعيد إليهم القدرة على التأثير في مصيرهم. ومن هنا صار الدق رمزًا للفعل والمقاومة. غير أن اختزاله في دعوة خطابية إلى البطولة يضعف الرواية. فالرجال لم يصنعوا الخزان ولا الحدود ولا الحاجة التي قادتهم إلى الرحلة. لقد كان صمتهم وليد قهر طويل، وليس عيبًا أخلاقيًا منفصلًا عن ظروفهم. والسؤال الأقسى ليس لماذا سكتوا وحدهم، بل لماذا وُضعوا في وضع صار فيه الصوت خطرًا والصمت موتًا؟
سؤال يتهم السائل أيضًا
حين يصرخ أبو الخيزران متسائلا، يبدو كأنه يحمّل الموتى مسؤولية عدم إنقاذ أنفسهم. لكن صرخته ترتد إليه فورًا. فلماذا لم يراقب هو الوقت بدقة؟ ولماذا لم يحاول اختصار الحديث، وهو يعرف أن الرجال محبوسون داخل خزان ملتهب؟ لماذا وضعهم في مكان لا يستطيعون فتحه من الداخل؟ ولماذا ظن أن خبرته وعلاقاته تكفيان لضمان حياتهم؟
بهذا المعنى، ليس سؤال النهاية حكمًا يصدره السائق على الضحايا، بل اعترافًا مرتبكًا بفشله. إنه يحاول أن يجد في صمتهم سببًا يخفف مسؤوليته، لكن القارئ يعرف أن الطرق كان يجب ألا يكون وسيلتهم الوحيدة للنجاة. من يقود الرحلة مسؤول عمن ائتمنه، ولا يجوز له أن يطلب من المحاصرين إصلاح خطته بعد فوات الأوان. ولذلك يظل السؤال مفتوحًا في اتجاهين: يحرض الواقعين في الخزان على رفع الصوت، ويحاسب من أغلق الباب وتولى القيادة. وهذه الازدواجية هي التي تحمي الرواية من الموعظة السهلة؛ فهي لا تساوي بين الضحية ومن استغلها، لكنها لا تجعل العجز قدرًا لا يمكن مقاومته.
ثلاثة أجيال ومصير واحد
كثيرًا ما تُقرأ الشخصيات الثلاث بوصفها تمثيلًا لأجيال فلسطينية متعاقبة. أبو قيس هو جيل الأرض والذاكرة، وأسعد جيل الاضطراب ومحاولات النجاة، ومروان جيل الأبناء الذين ورثوا اللجوء من دون أن يختاروه. ولهذه القراءة ما يسندها، لأن اختلاف أعمارهم وتجاربهم واضح ومقصود.
مع ذلك، لا ينبغي أن تمحو الرمزية فردية الشخصيات. فأبو قيس ليس "الجيل القديم" فقط؛ إنه أب خائف له رغبات محددة. وأسعد ليس مرحلة تاريخية مجردة؛ إنه شاب يحاول الإفلات من شروط عمه وذكريات الخديعة. ومروان ليس عنوانًا للمستقبل وحده؛ إنه فتى غاضب من أبيه وأخيه ويحاول حماية أمِّه. وقوة الرواية تأتي من أن الرمز ينمو من بشر مقنعين، لا من شخصيات صممت لتشرح فكرة.
حين يجتمع الثلاثة في الخزان، يتراجع اختلافهم أمام الخطر الواحد. غير أن اجتماعهم لا يتحول إلى تنظيم أو إرادة مشتركة؛ إنهم ثلاثة أفراد يتقاسمون المكان ولا يصنعون قرارًا جماعيًا. وهنا تُلمِّح الرواية إلى مأزق أوسع: الألم المشترك لا ينتج المقاومة تلقائيًا، ما لم يتحول إلى وعي وقدرة على الفعل.
الخلاص الفردي ووهم المال
تتحرك الشخصيات كلها تحت ضغط المال. الرجال يريدون العمل، والمهربون يرفعون الأسعار، وأبو الخيزران يريد نصيبه، وصاحب الشاحنة يمنح اسمه ونفوذه لمن يخدم مصالحه. حتى الروابط العائلية لا تبقى بعيدة عن الحسابات؛ فقَرضُ أسعد مشروط ضمنيًا بالزواج، ومروان يسافر لأن الأب والأخ توقفا عن إعالة الأسرة.
لا يدين كنفاني الفقير لأنه يبحث عن رزقه، فالحاجة في الرواية حقيقية وقاسية، لكنه يضع الخلاص الفردي موضع سؤال؛ إذ يريد كل واحد من الرجال إنقاذ أسرته منفردًا، مع أن سبب المأساة يتجاوز الأسرة والفرد. وحين لا يجد الناس طريقًا جماعيًا لتغيير واقعهم، يتحول المهرّب إلى صاحب الحل، وتصبح المخاطرة بالحياة ثمنًا لراتب لم يُقبض بعد. فليست الكويت، في هذا السياق، متهمة في ذاتها؛ إنها صورة للوعد الاقتصادي الذي يلوح من بعيد. ومن هنا لا تكمن المشكلة في السعي إلى المال، بل في الاعتقاد بأنه يستطيع وحده أن يعيد للإنسان وطنًا وكرامة وقدرة على تقرير المصير. لقد خرج الرجال طلبًا للحياة، لكنهم دخلوا سوقًا يعامل ضعفهم بوصفه فرصة للربح، فانتهت أجسادهم خارج المدينة، وأموالهم في جيب السائق.
من المسؤول عن النهاية؟
توزع الرواية المسؤولية على دوائر متداخلة؛ فهناك أبو الخيزران الذي خاطر بحياة الرجال وتأخر في إنقاذهم، والمهربون الذين حولوا حاجة اللاجئين إلى تجارة، وموظفو الحدود الذين ساهم عبثهم في إهدار الدقائق الحاسمة. وخَلْفَ هؤلاء جميعًا نظام سياسي صنع الحدود وترك الفلسطيني عالقًا بينها، بلا وطن يحميه ولا وثيقة تضمن حركته. ثم تأتي مسؤولية القيادات العربية والفلسطينية التي توحي بها صورة السائق العاجز: قيادة تمسك بالمقود وَتَعِدُ بالوصول، لكنها لا تمتلك استقلالها أو كفاءتها، وتنشغل بمظهر القوة أكثر من حماية من يقعون في عهدتها. وليست هذه مطابقة حرفية بين شخصية ومؤسسة، لكنها دلالة يفتحها النص ولا يفرضها في صيغة شعار.
أما الرجال، فلهم هامش ضيق من الاختيار داخل شروط لم يصنعوها. فقد كان في استطاعتهم أن يدقوا، لكن من غير العدل أن يبدأ الحساب بهم وينتهي عندهم. كنفاني لا يساوي بين درجات المسؤولية؛ يوقظ إرادة الضحية من دون أن يبرئ من أنتج شروط عجزها.
من الموت إلى الامتهان
لا يكتفي كنفاني بموت الرجال، بل يدفع المأساة إلى نهايتها الأخلاقية. يتخلص أبو الخيزران من الجثث قرب مكب للنفايات، ثم يأخذ المال من جيوبها؛ فالأجساد التي أخفاها داخل الخزان كي يعبر بها الحدود تتحول بعد فشل الصفقة إلى عبء ينبغي التخلص منه. وتحمل هذه اللحظة معنى أبعد من طمع السائق. فمنذ بداية الرحلة جرى التعامل مع الرجال بوصفهم حمولة، لا مسافرين لهم حقوق. وحين يموتون، تكتمل عملية نزع الإنسانية عنهم: لا أسماء، ولا قبور، ولا عائلات تعرف ما حدث. وحتى مدخراتهم القليلة، التي خاطروا من أجل زيادتها، تُسلب منهم.
ومع ذلك لا ينهي كنفاني المشهد بانتصار أبي الخيزران؛ بل يتركه مطاردًا بسؤاله، كأن المال الذي أخذه لا يستطيع إسكات الجثث. لقد مات الرجال من غير أن يدقوا، لكن صمتهم يتحول بعد الموت إلى ضجيج داخل وعي السائق والقارئ معًا.
السرد الذي يضيّق المسافة إلى الخزان
يبني كنفاني روايته على مسارات منفصلة تتقارب بالتدريج. في البداية نتعرف إلى كل شخصية من خلال حاضرها وذكرياتها، فينتقل السرد بين الخارج والداخل، وبين الطريق الذي تمشيه الأقدام والطريق الذي تقطعه الذاكرة. وبهذه الاسترجاعات نفهم أن الرحلة لم تبدأ في البصرة؛ بل بدأت في فلسطين والمخيم والبيت المفكك وتجربة الخداع. وحين تنطلق الشاحنة، يقل حضور الماضي وتتسارع الحركة. يتقلص العالم شيئًا فشيئًا: من وطن ومدن وذكريات إلى طريق صحراوي، ثم إلى جوف خزان. هذا التضييق المكاني يقابله اتساع في الدلالة؛ فكلما صغر المكان الذي يحتوي الشخصيات، كبر السؤال الذي تطرحه الرواية.
في مشهد الحدود الأخير يعتمد التوتر على التفاوت بين زمنين. في الخارج تمر الدقائق خفيفة في حديث الموظفين، وفي الداخل تصبح الدقيقة وزنًا من النار. ولا يحتاج الكاتب إلى وصف الموت مباشرة لحظة بلحظة؛ يكفي أن يجعل القارئ واعيًا بالوقت كي يشعر بالعجز ويكاد يرغب في طرق الجدران بدل الرجال.
لغة قليلة الزينة شديدة الإيحاء
لغة الرواية واضحة ومقتصدة، لكنها لا تخلو من الشعرية. تأتي قوتها من التفاصيل الحسية: التراب، والعرق، والحرارة، والظمأ، والسطح المعدني. لا يشرح كنفاني الرمز في عبارات تقريرية؛ إنه يجعل القارئ يختبره في الجسد أولًا، وهكذا نشعر بضيق الخزان قبل أن نسأل عما يمثله.
كما تقوم الكتابة عند كنفاني على مفارقات متلاحقة: خزان الماء بلا ماء، ورحلة الحياة تنتهي بالموت، ورجل يمسك بالمقود لكنه عاجز، وحدود تبدو منظمة فيما تنتج الفوضى الأخلاقية، ومدينة يقترب منها المسافرون حين يصبح الوصول بلا معنى. هذه المفارقات لا تبدو ألعابًا لغوية؛ إنها صورة لعالم انقلبت فيه وظائف الأشياء والقيم.
ويحسب للرواية أنها لا تحول الشخصيات إلى خطباء؛ فالقضية الفلسطينية حاضرة في تفاصيل حياتهم أكثر مما هي حاضرة في الشعارات. لذلك يصل معناها إلى القارئ من خلال مصير إنساني ملموس، من غير أن تفقد جذورها التاريخية والسياسية.
الرجولة بين الادعاء والمسؤولية
يضع العنوان والشخصيات مفهوم الرجولة أمام اختبار قاسٍ. يسافر أبو قيس لأنه يشعر بأنه مطالب بإعالة أسرته، ويتخلى مروان عن دراسته ليؤدي دور الأب والأخ، ويحاول أسعد إثبات استقلاله، بينما يطارد أبو الخيزران صورة القوة التي سلبتها منه الإصابة. لكن الرواية لا تجعل احتمال الألم في صمت دليلًا على الرجولة. لقد احتمل الرجال حرارة الخزان أكثر مما ينبغي، فصار الصبر نفسه طريقًا إلى الموت. والفعل المطلوب في اللحظة الحاسمة ليس مزيدًا من التحمل، بل الاعتراض. وبذلك ينتقل معنى القوة من القدرة على كتمان الألم إلى القدرة على إعلان الخطر وتحمل نتائج الصوت.
وفي الخارج يتبادل الموظفون الحديث عن فحولة أبي الخيزران المزعومة، بينما يعرف القارئ حقيقة جرحه. وهكذا فإنَّ المفارقة تكشف مجتمعًا ينشغل بصورة الرجولة ويهمل جوهرها الأخلاقي: حماية الضعيف، وتحمل المسؤولية، ورفض تحويل البشر إلى وسائل للربح.
هل أدانت الرواية الصمت الفلسطيني؟
اشتهرت قراءة ترى النهاية إدانة للصمت الفلسطيني بعد النكبة، ودعوة إلى الانتقال من الانتظار إلى المقاومة. وهي قراءة وجيهة؛ فالسؤال الأخير لا يترك مجالًا للطمأنينة، كما أن فشل الطريق الفردي واضح. غير أنها تصبح ناقصة إذا حولت الرجال إلى متهمين وحيدين. فالرواية نفسها تقدم ما يكفي لفهم أسباب صمتهم: الفقر، والخوف، وغياب الوثائق، والثقة بالسائق، وقصر المدة المتوقعة، وانعدام المعرفة بما يجري في الخارج. إنهم لا يجلسون في مكان آمن ويرفضون الفعل، بل يوجدون في وضع صُمم ليجردهم من الرؤية والقرار.
الأرجح أن كنفاني ينتقد حالة تاريخية كاملة أنتجت الصمت، ثم يرفض أن يجعل هذه الحالة عذرًا دائمًا. إنه يقول للضحية، في آن واحد: لم تَصنَعْ هذا القبر، لكنْ عَليكَ ألا تقبل الموتَ فيه بهدوء. ويقول للقيادة والمجتمع: لا تسألوا المحاصرين عن أصواتهم قبل أن تسألوا من أغلق عليهم الباب.
من الرواية إلى فيلم "المخدوعون"
تحولت الرواية إلى فيلم "المخدوعون" الذي أخرجه توفيق صالح في مطلع السبعينيات. وقد حافظ الفيلم على جوهر الحكاية، لكنه جعل الرجال يضربون جدران الخزان في لحظاتهم الأخيرة، بخلاف الصمت الذي تقوم عليه نهاية النص الأصلي. وليس الفرق تفصيلًا صغيرًا. لقد جاء الفيلم بعد هزيمة 1967 وفي زمن اتسع فيه حضور المقاومة الفلسطينية، فأصبح الدق ممكنًا داخل المخيلة السياسية والفنية. أما رواية كنفاني، المكتوبة في أوائل الستينيات، فالتقطت لحظة كان الصمت فيها أكثر كثافة، والخلاص الفردي أكثر حضورًا.
ومع ذلك تظل النهاية الروائية أشد قسوة من الناحية الفنية. إنها لا تمنح القارئ عزاء المحاولة المتأخرة، بل تتركه أمام فراغ الصوت. لذلك لا يسمع طرق الرجال، وإنما يسمع سؤال أبي الخيزران، ثم يضطر إلى إنتاج الجواب بنفسه.
سؤال فلسطيني بمدى إنساني
ولدت "رجال في الشمس" من مأساة فلسطينية محددة، ولا يصح تحويلها إلى حكاية إنسانية عامة تمحو وطنها وتاريخها. الرجال لا يهاجرون بدافع المغامرة؛ إنهم لاجئون صنعت النكبة فقرهم وشتاتهم، وجعلتهم الحدود غرباء في فضاء كان يفترض أن يكون امتدادًا طبيعيًا لهم. لكن صدق التجربة الفلسطينية هو ما منح الرمز قدرته على عبور الأزمنة. ففي عالم اليوم ما زال بشر كثيرون يختبئون في الشاحنات والحاويات والقوارب، ويسلمون حياتهم إلى مهربين، ويموتون قرب المدن التي ظنوها خلاصًا. وما زالت مؤسسات كثيرة تشترط على الإنسان الصمت كي تسمح له بالمرور أو العمل أو البقاء.
الخزان، إذن، لا يفقد اسمه الفلسطيني حين يتسع معناه. إنه يبدأ من فلسطين، ثم يصبح صورة لكل مكان يُطلب فيه من المقهور أن يختفي كي ينجو. وكلما تكرر هذا الشرط، عاد سؤال الجدران من جديد.
لماذا بقيت الرواية حاضرة؟
بقيت "رجال في الشمس" لأنها لم تكتب مأساة زمنها بلغة المناسبات. شخصياتها بشر عاديون، لا أبطال كاملون ولا نماذج وعظية. يخافون، ويساومون، ويحلمون بمبالغ صغيرة، ويتخذون قرارات تبدو معقولة قبل أن تقودهم إلى الكارثة. ولهذا يستطيع القارئ أن يرى نفسه في ضعفهم قبل أن يحاكمهم.
وبقيت لأن بنيتها محكمة. لا يوجد تفصيل كبير بلا وظيفة: إصابة أبي الخيزران، وحرارة الصحراء، وملكية الشاحنة، وثرثرة الموظفين، والمال في الجيوب، كلها تعود في النهاية لتشارك في إنتاج المعنى. وحين تصل الحكاية إلى سؤالها الأخير، لا يبدو السؤال ملحقًا بها، بل خلاصة طبيعية لكل ما سبقه. كما أن الواقع لم يسمح لها بأن تتحول إلى أثر أدبي بعيد؛ فما زال الفلسطيني يواجه الاقتلاع والحصار والحدود، وما زالت صور الموت في طرق اللجوء تتكرر. لذلك لا يقرأ الجيل الجديد الخزان بوصفه رمزًا تاريخيًا فحسب؛ يراه في أخبار الحاضر أيضًا.
خاتمة: حين يصبح الصوت شرطًا للحياة
ليست "رجال في الشمس" حكاية ثلاثة رجال أخطؤوا لأنهم لم يطرقوا جدارًا. إنها رواية عن منظومة كاملة دفعتهم إلى الاختباء، وعن قيادة جريحة وعدتهم بالوصول، وعن حدود جعلت وجودهم غير مشروع، وعن حلم فردي بالنجاة لم يستطع معالجة جرح جماعي. ومع ذلك لا تكتفي الرواية بوصف القهر. إنها تبحث عن اللحظة التي يستطيع فيها الإنسان، حتى وهو محاصر، أن يستعيد شيئًا من قراره. فالدق لا يضمن النجاة، لكنه يعلن الوجود ويكسر الاتفاق الذي صار قاتلًا. أما الصمت، بعدما ينفد الهواء، فلا يحفظ الخطة ولا الحلم؛ إنه يحفظ النظام الذي أغلق الخزان فقط.
لهذا ينبغي أن يظل سؤال أبي الخيزران موزعًا بعدل. نسأل الرجال لماذا لم يدقوا، لكننا نسأل السائق لماذا تأخر، والحدود لماذا حولتهم إلى أشباح، والقيادات لماذا تركتهم يطاردون خلاصهم منفردين، والعالم لماذا لا يرى المأساة إلا بعد أن تتحول الأجساد إلى خبر أو عبء.
لقد مات أبو قيس وأسعد ومروان في صمت، غير أن صمتهم لم يكن نهاية الصوت. لقد حوّله كنفاني إلى سؤال ما زال يدق جدران الوعي العربي: متى يصبح الخوف من إعلان وجودنا أشد خطرًا من الجدار نفسه؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق