حين تصبح الفروسية سؤالًا عن زمن عربي منكسر
بقلم: الورّاق الجزائري
مقدمة:
يصعب الدخول إلى
شعر أحمد المجاطي من باب واحد. فهو شاعر يبدو، للوهلة الأولى، مشدودًا إلى التاريخ
العربي وقضاياه الكبرى، إلى فلسطين والهزيمة والمدينة المغربية والذاكرة والفروسية
والثورة، لكن الاقتراب من قصائده يكشف أن هذه الموضوعات ليست سوى السطح المرئي
لتجربة أعمق بكثير. تحت فلسطين توجد أزمة الذات، وتحت الفروسية سؤال العجز، وتحت
التاريخ إحساس حاد بانهيار الزمن، وتحت الخمرة بحث يائس عن يقين، وتحت الصمت كلام
كثير لم يعد الشاعر يثق بجدواه.
لهذا لا تكمن أهمية
المجاطي في أنه كتب شعرًا سياسيًا أو قوميًّا، ولا في أنه كان من الأصوات المؤسسة
للقصيدة المغربية الحديثة فحسب، بل في الطريقة التي حوّل بها الهزيمة التاريخية
إلى بنية شعرية. فالانكسار
عنده لا يُروى، وإنما يدخل في اللغة والصورة والإيقاع والزمن، حتى يصبح النص نفسه
مأزومًا بما يصفه. ومن هنا يمكن النظر إلى
شعرية المجاطي بوصفها شعرية تقوم على مفارقة كبرى:
الشاعر يحمل ذاكرة الفارس، لكنه يعيش في زمن لم
تعد فيه الفروسية ممكنة بالمعنى القديم. ومن التوتر
بين المثال والواقع، بين السيف والعجز، بين الفجر والمقبرة، بين الثورة والصمت،
تتولد واحدة من أكثر التجارب الشعرية المغربية الحديثة كثافة ومرارة.
شاعر وناقد يسكنان القصيدة نفسها
كان أحمد المعداوي
المجاطي واحدًا من الأصوات التي أسهمت في تأسيس الحداثة الشعرية في المغرب، وفي
الوقت نفسه كان من أبرز من درسوا تحولات الشعر العربي الحديث. وهذه الازدواجية
ليست تفصيلًا ثقافيًا في سيرته؛ لأنها تساعد على فهم درجة الوعي التي تتحرك بها
قصيدته. فالمجاطي لا يدخل الحداثة
بوصفها موضة شكلية. لا يكفي عنده كسر البيت الشعري أو تنويع القافية أو بناء الصورة
الغريبة حتى تصبح القصيدة حديثة. الحداثة في شعره مرتبطة بأزمة الإنسان العربي
نفسه: بتمزق وعيه، واهتزاز علاقته بالتاريخ، وشعوره بالغربة داخل واقعه، وبحثه عن
إمكانية للبعث بعد سلسلة من الانكسارات.
ولذلك تبدو المسافة
قصيرة أحيانًا بين الأسئلة التي شغلت الناقد المجاطي والأسئلة التي عذبت الشاعر
المجاطي. الغربة، الموت، الحياة، الانبعاث، اللغة الجديدة، الأسطورة، الرمز،
الموسيقى؛ كلها لا تظهر في شعره باعتبارها تقنيات مستعارة، وإنما بوصفها أجزاء من
رؤية للعالم. لكن المفارقة أن الشاعر
يبدو أكثر قلقًا من الناقد. الناقد يستطيع أن يصنف الظواهر ويشرحها، أما الشاعر
فيدخل داخل النار نفسها. ولهذا لا تقدم القصيدة
أجوبة نهائية. إنها تسأل، وتشك، وتستدعي
الماضي ثم تهدمه، وترفع الفارس ثم تكتشف عجزه، وتنتظر الفجر، ثم تجد الطريق مؤديًا
إلى المقبرة.
الفروسية: عنوان المجد أم مرثية له؟
ليس اختيار "الفروسية"
عنوانًا لتجربة المجاطي أمرًا عابرًا. الكلمة تحمل تاريخًا ثقافيًا كاملًا: الخيل،
والسيف، والشجاعة، والمواجهة، والبطولة، والكرامة، والقدرة على الفعل. لكنها حين
تدخل عالم المجاطي لا تحتفظ بهذه الدلالة صافية؛ فالفروسية عنده مهددة منذ البداية. الخيل موجودة، لكنها
كثيرًا ما تكون متعبة أو متعثرة. والسيوف موجودة، لكنها قد تُطفأ. والفرسان
يعودون، لكن عودتهم ليست دائمًا عودة المنتصرين. والبارود حاضر، لكنه قد يتحول إلى
دخان. والفجر يُنتظر طويلًا، لكنه قد يتأخر أو يأتي محمّلًا بالموت.
في قصيدة "الفروسية"
نفسها نرى الساحة والخيل والغبار والحوافر والحراب والبارود والزغاريد. المشهد كله
يبدو مهيأ لملحمة بطولية. الخيل "تعلك المدى" وتدك ألواحه، والفرسان
يصاولون النجم، والبارود يملأ الساحة. لكن الصورة لا تستقر. وشيئًا فشيئًا يتسلل الأسى إلى المشهد، ويغدو
الصمت أكثر حضورًا من الصهيل، ويصبح انتظار الفعل هو مركز القصيدة. يقول:
منتظرًا ما زلتُ
أرقب العصا
تفسخ جلد الحية الرقطاء
لكن المعجزة لا
تحدث. العصا لا تتحول إلى قوة
خلاص، والخشب لا يفيض "باللحم والدماء"، والفارس الذي يُنتظر منه الفعل
لا يستطيع أن يسدد المهماز ولا أن يخوض المعركة، حتى الصهيل نفسه يموت. وهنا تنقلب الفروسية من احتفال بالقوة إلى اختبار
لفقدان القوة. وهذا الانقلاب بالغ
الأهمية في فهم المجاطي. فهو لا يستدعي التراث لكي يهرب إليه، ولا لكي يزين قصيدته
بمفرداته. إنه يستدعيه لكي يقيس به حجم السقوط الراهن. وكلما كبر المثال، اتضحت فداحة الواقع.
ومن هنا يمكن القول
إن الفارس المجاطي ليس عنترة جديدًا. إنه الإنسان الذي يتذكر عنترة في اللحظة التي
يكتشف فيها أن شروط الفروسية نفسها قد اختفت.
التاريخ بوصفه محكمة للحاضر
يبدو التاريخ في
شعر المجاطي حيًا بصورة لافتة. اليرموك والزلاقة ومكة والقدس وسيناء، والخيل
والسيوف والحراب، وأسماء الصعاليك والفرسان، كلها تعود إلى النص. ولكنها لا تعود
باعتبارها حكايات ماضية. إنها أدوات مساءلة. في "كتابة على شاطئ
طنجة" تتحول الجغرافيا المغربية إلى فضاء تتداخل داخله طبقات التاريخ. طنجة
ليست مدينة سياحية، وجبل الريف ليس منظرًا طبيعيًا، ومراكش وورزازات ليستا مجرد
أسماء أمكنة. إنها علامات في خريطة روحية وسياسية. وحين يقول الشاعر:
قلتَ: هي اليرموكُ
والزلاقةُ الحسناءُ
من أسمائها
فإنه لا يدعي أن
طنجة هي اليرموك أو الزلاقة حرفيًا، بل يجعل المكان الحديث يواجه ذاكرته التاريخية. وهنا تبدأ المفارقة؛ فما
الذي بقي من تلك الذاكرة؟ يصبح الحرف الذي كان يفترض أن يكون قوة تغيير نقشًا على "شاهدة
القبر"، ويصبح الصمت منبرًا، بينما ينتقل مركز القوة إلى "قيصر".
وفي اللازمة المريرة التي تعود في القصيدة، يبقى الله "في محرابه الخلفي
عطشان"، بينما "يستأسد قيصر". وهذه واحدة من أهم تقنيات المجاطي: قلب العلاقات الرمزية: فالمقدس
يتراجع إلى الخلف، والسلطة تتقدم، والحرف يُصلب، والصمت يصبح منبرًا، والمدينة
التي تحمل تاريخًا عظيمًا تعيش حاضرًا عاجزًا عن استعادة معناه. وبذلك يصبح التاريخ محكمة
يقف الحاضر أمامها متهمًا.
"عودة المرجفين": انهيار الحلم من الداخل
تقدم "عودة
المرجفين" نموذجًا شديد الوضوح لهذه الرؤية. تبدأ القصيدة بمشهد مشبع بذاكرة
البطولة والموت والبعث. ثمة جراح، وكاسرات طير، ولهيب، وزيتون، وقمم حصينة. وحتى
الموت نفسه يبدو قادرًا على إنتاج الضوء:
كانوا إذا ماتوا
تشع مواقد الزيتون
في القمم الحصينة
ثم ترتفع نبرة
الذات إلى ذروة يقينها:
أنا بالثورة عانقت
السماء
أنا نبع الله
في قلبي ارتوى
فالذات هنا تكاد
تكتسب هيئة أسطورية؛ الثورة ليست موقفًا سياسيًا فحسب، وإنما طاقة وجودية تستطيع
تحويل الدم إلى ماء والموت إلى خلود. غير أن المجاطي لا يسمح
لهذا اليقين بأن يستمر. تأتي الجملة الحاسمة:
كذبتِ يا رؤيا
طريق الصمت لا تفضي
لغير المقبرة
وتنقلب القصيدة. إنها لحظة انهيار الحلم
أمام صاحبه؛ فالذين حملوا صورة الفروسية يعودون وقد تغيروا: السيوف مطفأة، والوجوه
ملتبسة، والبطولة فقدت نقاءها. لذلك ليست القصيدة مرثية لهزيمة عسكرية محددة بقدر
ما هي مرثية لتحول الإنسان نفسه. فالخطر الأكبر عند المجاطي ليس أن يخسر الفارس
معركته، وإنما أن يعود من المعركة شخصًا آخر.
الصورة الشعرية: عالم لا يصف الواقع بل يعيد خلقه
من أكثر العناصر
التي تميز شعر المجاطي كثافة الصورة. لكنه نادرًا ما يستخدم
الصورة لتجميل العالم. صورته قلقة، خشنة، متنافرة أحيانًا، تقوم على الجمع بين
عناصر لا تتجاور عادة في اللغة اليومية: فالريح تُدفن، والصمت له جفون، والفجر يمد
يدًا، والخيل تعلك المدى، والثعبان يضحك، والصمت يصبح منبرًا، والحرف يُصلب، والدم
يتحول إلى ماء، والثلج يستيقظ في أحشاء البارود. وهذه ليست غرابة مقصودة لذاتها، وإنما طريقة في
بناء واقع شعري موازٍ للواقع التاريخي.
في «القدس» مثلًا
يبدأ الخطاب:
رأيتك تدفنين الريح
تحت عرائش العتمة
وتلتحفين صمتك
ثلاث حركات
متتابعة: دفن الريح، والاحتماء بالعتمة، والالتحاف بالصمت. المدينة هنا لا توصف
معماريًا أو جغرافيًا، وإنما تتحول إلى جسد أسطوري جريح. ثم تتراكم الصور: الثعبان، العقرب، الموت،
المحراث، بطن الحوت، الصحراء، التابوت، القرصان، وهران، مكة. وهكذا تخرج القدس من
حدودها الجغرافية لتصبح مركزًا تتجمع فيه أزمات العالم العربي كله.
إن المجاطي لا يريد
أن يقول: القدس محتلة. فالجملة المباشرة أضعف من تجربته. لذلك يبني عالمًا تصبح فيه
المدينة عطشًا، وموتًا، وعمّة يخاطبها الشاعر، وغاية صعبة، ومكانًا يريد الوصول
إليه محمولًا بموته الخاص. وهنا تتحول القضية السياسية إلى تجربة
وجودية.
جغرافيا عربية واحدة للجراح
ثمة خاصية لافتة في
شعر المجاطي هي حركة القصيدة المستمرة بين المدن والأمكنة: القدس، طنجة، الرباط،
فاس، مراكش، وهران، مكة، سيناء، الدار البيضاء، جبل الريف، وارزازات. لكن هذه الجغرافيا لا تعمل
بالطريقة المعتادة في الشعر الوطني، فالمجاطي لا يصف المدن؛ إنه يشبكها بعضها ببعض،
فقد تبدأ القصيدة من طنجة فتصل إلى اليرموك والزلاقة، وقد تبدأ من القدس فتستحضر
وهران ومكة، وقد تدخل سفينة "إكزوديس" الدار البيضاء فيتحول البحر
المغربي إلى مرآة لفلسطين. وبهذا تتشكل خريطة عربية
نفسية أكثر منها سياسية.
الجرح في القدس
يستطيع أن يظهر في طنجة.
والهزيمة في المشرق
يمكن أن تجد صداها في الدار البيضاء.
وجبل الريف يستطيع
أن يحمل ذاكرة معركة حدثت قبل قرون.
وهذا ما يمنح تجربة
المجاطي خصوصيتها المغربية من دون أن يحبسها داخل محلية ضيقة. المغرب في شعره ليس
هامشًا للعالم العربي، وإنما نقطة نظر إليه.
"إكزوديس في الدار البيضاء": قلب الرمز المضاد
تظهر قدرة المجاطي
على التعامل مع التاريخ الحديث والرمز السياسي بوضوح في قصيدة "إكزوديس في
الدار البيضاء". اسم السفينة نفسه مشحون بتاريخ الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
لكن المجاطي يدخل هذا الرمز إلى فضاء مغربي، ويضعه وسط الموسيقى والجسد والبحر
والجاز والليل، قبل أن يكشف ما وراء المشهد.
في البداية هناك
صخب وموسيقى وأمواج ومليحات، لكن الصورة تتشقق سريعًا. خلف المشهد الاحتفالي تظهر
سيناء والقدس والدم والسور والطفلة والكتاب، وتصل المفارقة إلى ذروتها حين يقول: "ولكن الذي يجري: دمٌ
في القدس مطلولُ"، ثم ينتهي المقطع تقريبًا بسؤال العجز:
فأين أفرُّ لا نفقٌ
تغلغل في الثرى وانساب
ولا كفٌّ تهدُّ السور، تغسل لعنة الأحقاب
المشكلة هنا ليست
معرفة العدو فقط. إنها غياب «الكف» القادرة
على هدم السور. وهكذا نعود مرة أخرى إلى
جوهر الفروسية المجاطية: وجود معركة لا يقابله وجود فارس قادر على خوضها.
الصمت: الشخصية الخفية في ديوان المجاطي
إذا كان علينا
اختيار مفردة واحدة تتكرر في شعر المجاطي وتكشف رؤيته، فقد تكون "الصمت".
والصمت في شعره ليس غياب الكلام، إنه كائن يتحرك ويخنق ويحتل المكان.
في "عودة
المرجفين" يكحل الصمت جفونه.
وفي "كتابة
على شاطئ طنجة" يصبح الصمت قاموسًا ثم منبرًا.
وفي "كبوة
الريح" ينتجع الناس الصمت في المغارة.
وفي "الصمت
اللعين" يتحول الصمت إلى البيئة الكاملة التي يعيش داخلها الإنسان.
يقول:
قدمي فوق تراب
الحقل صمت ودبيب
وعيوني بسمة خرساء في ليل رهيب
هذه الثنائية بين
الصمت والدبيب دقيقة جدًا. لا شيء ساكن تمامًا، لكن الحركة ضعيفة وخفية، وكأن
الحياة نفسها أصبحت حركة مكتومة تحت سطح الموت. والصمت عند المجاطي سياسي ونفسي ووجودي في آن. إنه
صمت المجتمع أمام الهزيمة، وصمت الإنسان أمام عجزه، وصمت اللغة حين تصبح العبارة
غير قادرة على تنظيف الواقع. ولهذا تأتي واحدة من أجمل
عباراته وأكثرها قسوة في "كبوة الريح": "لأن نتن الملح لا تغسله
العبارة"، وهذه الجملة تكاد تصلح مفتاحًا لشعريته كلها: فالكلمات لا تكفي. والقصيدة تعرف أنها لا
تكفي، لكنها تُكتب مع ذلك. وهنا يكمن المأزق الأخلاقي
للشاعر: ماذا يستطيع الشعر أن يفعل في عالم تجاوز فساده قدرة اللغة على التطهير؟
من البلاغة إلى الرؤيا
الصورة عند المجاطي
لا تعمل منفردة، بل تدخل في شبكات متكررة من الرموز.
هناك الماء
في مقابل العطش.
وهناك الفجر
في مقابل العتمة.
وهناك الريح
في مقابل الصمت.
وهناك الخيل
في مقابل الكبوة.
وهناك النار
في مقابل الثلج.
وهناك السيف
في مقابل العجز.
وهناك الحياة
في مقابل المقبرة.
هذه الثنائيات لا
تستقر على معنى واحد. فالفجر نفسه قد يكون بائسًا، والماء قد يفسد، والنار قد
تنطفئ، والريح قد تتحول إلى زورق بلا رجال. وهذا التحول المستمر يمنع الرمز من أن يصبح
معادلة جاهزة، فالريح مثلًا قد تشير إلى الحرية والحركة والثورة، لكنها في "كبوة
الريح" تدخل عالمًا توقف فيه كل شيء:
على المحيط يستريح
الثلج والسكوت
تسمر الموج على الرمال
والريح زورق بلا رجال
والمفارقة هنا
مذهلة: الريح، وهي أكثر عناصر الطبيعة حركة، أصبحت زورقًا بلا رجال. أي أن الطاقة موجودة، لكن
الإرادة غائبة. وهذه هي الهزيمة في صورتها
المجاطية الأكثر اختزالًا.
الماء والعطش: قلب المعادلة
للماء والعطش حضور
خاص في عالم المجاطي. فعادة يمثل الماء الحياة والخصوبة
والانبعاث، لكن المجاطي يعقد هذه الدلالة. ففي "عودة المرجفين" تستطيع
الذات الثورية أن تذيب "نهر الدم في قطرة ماء"، وكأن الثورة تمتلك قدرة
تطهيرية شبه أسطورية. لكن في "القدس"
تنقلب المعادلة:
تصبين القبور
وتشربين
فتظمأ الأحقاب
ثم:
ظمئنا
والردى فيك
وفي طنجة يصبح الله
نفسه "عطشان"، وبهذه الطريقة يتسع العطش من حاجة جسدية إلى حالة حضارية.
إنه عطش العدالة والحرية والمعنى. ولذلك يصبح الماء عند المجاطي
سؤالًا عن إمكانية الحياة نفسها.
الموت ليس نهاية
يكثر الموت في شعر
المجاطي إلى درجة قد تدفع إلى وصف تجربته بالتشاؤم، لكن المسألة أكثر تعقيدًا. فالموت عنده ليس دائمًا نقيض الحياة. أحيانًا يكون طريقًا إليها؛
ففي "عودة المرجفين" يشع الزيتون عندما يموت المقاومون. وفي "القدس"
يبدو الوصول إلى المدينة اقترابًا من الموت، لكنه موت مرغوب لأنه يتصل بالمعنى.
وفي "كبوة الريح" تنتهي القصيدة بصورة الشرارة التي ينبغي أن تعلم
الإنسان كيف يموت. إنها رؤية قريبة من منطق
الفداء: قد تصبح الحياة بلا معنى نوعًا من الموت، بينما يصبح الموت في سبيل المعنى
صورة عليا للحياة. لكن المجاطي لا يقدم هذه
الفكرة في صورة شعار حماسي، إنه يشكك فيها أيضًا. وهنا تأتي قوة تجربته؛ فالشهادة نفسها تصبح
سؤالًا في "باقة موت على ضريح":
من أين تبتدئ
الشهادة
من أين تبتدئ الشهادة
والتكرار هنا ليس
تأكيدًا للجواب بل إعلانًا عن صعوبة العثور عليه. فمن أين تبدأ الشهادة في زمن اختلط فيه الدم بالكذب و"الصيغ
المعادة"؟ هل يستطيع الشعر نفسه أن يحفظ معنى التضحية، أم أنه قد يحولها إلى
بلاغة جاهزة؟ وهو سؤال موجع لأن المجاطي لا يستثني الكتابة من الشبهة.
نقد البلاغة الجاهزة
في "باقة موت
على ضريح" تبرز واحدة من أكثر مناطق شعر المجاطي حداثة: الشك في اللغة نفسها. فالميت محمول على "خشب
من الزبد المقوى"، والشرر يتغلغل في "شرايين الكتابة"، ثم تظهر
العبارة الحادة: "بالدماء الكذب
والصيغ المعاده". وهنا لا يعود النقد موجهًا إلى السياسة فقط، بل إلى الخطاب
الذي يتحدث عنها:
الكلمات قد تكذب.
والقصائد قد تتحول
إلى صيغ معادة.
والشهادة نفسها
يمكن أن تفقد معناها إذا تحولت إلى استعارة مستهلكة.
وهذه حساسية شاعر
يعرف، بصفته ناقدًا أيضًا، أن اللغة الشعرية يمكن أن تتحول بسهولة إلى مؤسسة من
الكليشيهات. لذلك يبدو المجاطي في أفضل
قصائده كأنه يحارب على جبهتين: ضد الهزيمة في الواقع، وضد اللغة المستهلكة التي
تزعم الحديث عن تلك الهزيمة.
التراث: استدعاء لا استسلام
يحضر التراث العربي
والإسلامي بقوة في قصائد المجاطي، لكنه لا يحضر في صورة اقتباسات ثقافية للزينة: العصا
والحية، الحوت، التنور، الإنجيل، المعراج، مكة، اليرموك، الزلاقة، عروة بن الورد، تأبَّط
شرًا، مالك بن الريب وغيرها تدخل النص باعتبارها ذاكرة حية.
في "باقة موت
على ضريح" مثلًا يبدأ النص بإشارة إلى مالك بن الريب، ثم يمر بعروة بن الورد
وَتأبط شرًا. لكن الصعاليك هنا لا
يُستدعون لكي يقول الشاعر إنه وريثهم. إنهم معيار آخر لقياس الإنسان المعاصر، فالصعلوك
القديم، رغم فقره وهامشيته، كان يمتلك حريته وشجاعته وقدرته على مواجهة الصحراء.
أما الإنسان الحديث فيعيش داخل منظومات أكثر تعقيدًا من القهر. لذلك يصبح التراث عند
المجاطي نوعًا من الذاكرة المضادة:
ذاكرة تكشف مقدار ما فقده الحاضر.
الخمرة: البحث عن نشوة مضادة للعالم
للخمر حضور متكرر
في شعر المجاطي: الكأس، النبيذ، الجعة، الخمارة، النشوة. لكنها لا تؤدي وظيفة حسية بسيطة؛ فالكأس مساحة
مواجهة مع الواقع، ومحاولة لتعليق الزمن، ونافذة مؤقتة على حرية لا يمنحها العالم
الخارجي.
في "ملصقات
على ظهر المهراز" تظهر القهوة والخمر والجعة والمطعم الجامعي والدرس
والزنزانة. الأشياء اليومية الصغيرة تختلط فجأة بالسياسة والمراقبة والرصاص
والجواسيس. وهذا المزج بالغ الدلالة؛ فالشاعر لا يعيش السياسة في المنابر فقط؛
إنها تدخل المقهى والجامعة والصداقة والحب والدرس. وحتى غصون الشجر تصبح "مثقلة بالجواسيس"، وهذه الصورة
الساخرة المرعبة تختصر مناخًا كاملًا: السلطة لم تعد خارج الذات، بل تسللت إلى
تفاصيل الحياة اليومية.
"ملصقات على ظهر المهراز": دخول اليومي إلى القصيدة
تمثل هذه القصيدة
جانبًا مختلفًا من شعرية المجاطي. فإذا كانت قصائد مثل "القدس"
و"الفروسية" تتحرك في فضاءات رمزية وتاريخية واسعة، فإن "الملصقات"
تنزل إلى الشارع والجامعة والبيت والمقهى. هناك شخص يطرق الباب: قهوة عصر/ سعلة/ مفتاح تحت
آنية الزهر/ نبيذ وجعة/ أذان/ قرار/ حرم جامعي/ رصاص/ مطعم جامعي/ محاضرات ودفاتر
ومصادر ونتائج امتحانات. لكن اليومي لا يعني العادي؛فكل
تفصيل سرعان ما ينفتح على الخوف والسياسة والموت. وفي الملصقة الثانية تظهر الجامعة نفسها بوصفها
فضاءً للصراع، وتنفتح "ثغرة في صفوف الخوارج" بعد إطلاق النار. أما في الملصقة الثالثة
فتتسلل البيروقراطية إلى القصيدة عبر لغة المحاضرات والدفاتر والمصادر والنجاح،
حتى يصبح لون المحاضر نفسه جزءًا من القبح. هذه قدرة مهمة لدى المجاطي: تحويل التفاصيل
النثرية إلى مادة شعرية من دون أن تفقد القصيدة توترها.
السخرية السوداء
لا يحظى هذا الجانب
دائمًا بما يستحقه عند الحديث عن المجاطي. فهو شاعر مأساوي بلا شك، لكنه يمتلك سخرية سوداء
حادة. ففي "عودة المرجفين" تتعدد
الروايات حول هيئة العائدين:
قيل أبيض كالقُطن
قيل أسود كالموت
قيل أفرخت حرباء
في وجوههم
وقيل باضت
قُبّره
إنها ليست صورة
مأساوية خالصة؛ هناك تهكم واضح من تحول الوجوه والمواقف ومن اللغة التي تحاول وصف
هذا التحول.
وفي "ملصقات
على ظهر المهراز" تصل السخرية إلى البيروقراطية نفسها حين يحلم النص بقرار "بوقف
الزمان" وقرار يعيد الرؤوس إلى أعناقها والدماء إلى حيث كانت تسيل، فالمستحيل
يُصاغ بلغة القرار الإداري، وهنا تكمن المفارقة. كأن التاريخ الذي صنع المأساة لا يمكن إصلاحه
إلا بقرار إداري مستحيل يعيد الزمن إلى الوراء.
الإيقاع: من البحر إلى نبض التجربة
لم يتخل المجاطي عن
الوعي الموسيقي العربي حين دخل القصيدة الحديثة. فهو لا يتعامل مع التحرر من نظام
البيت باعتباره تحررًا من الإيقاع نفسه. فقصيدته شديدة الحساسية للصوت: التكرار،
والتوازي، وتوزيع الأسطر، والقافية المتقطعة، والأصوات المتقاربة، والجمل القصيرة
المتلاحقة، كلها تبني موسيقى تتغير مع الحالة النفسية.
في «القدس» مثلًا
يعمل تكرار:
تصبين القبور
وتشربين
ثم:
ظمئنا
كضربة إيقاعية تعود
بالقصيدة إلى مركزها العاطفي. وفي "عودة المرجفين"
يخلق تكرار "كانوا" في البداية نبرة سردية شبه ملحمية، قبل أن تنهار هذه
النبرة عندما تظهر عبارة "كذبت يا رؤيا".
وفي «الفروسية»
يعمل الصهيل والخبب والبارود والحوافر على إنتاج موسيقى سمعية تحاكي حركة الخيل،
قبل أن تنخفض الطاقة الإيقاعية مع دخول الانتظار والعجز. وهكذا لا يكون الإيقاع إطارًا خارجيًا للمعنى،
بل يتحول مع المعنى نفسه.
الزمن المكسور
الزمن عند المجاطي
ليس خطًا مستقيمًا. فالماضي يدخل الحاضر، والحاضر يعود إلى
الماضي، واللحظة قد تتسع لسبعين عامًا.
في «كتابة على شاطئ
طنجة» يقول:
غمستَ العام
في اللحظة
واللحظة
في السبعين عامًا
هذه ليست لعبة
لغوية. إنها تعريف دقيق للزمن في شعره. فلحظة الهزيمة قد تحتوي قرونًا من التاريخ، والمدينة
المعاصرة تحمل معارك قديمة، والميت القديم يستطيع أن يدخل جنازة حديثة، والفارس
الذي غاب منذ قرون يظل مطلوبًا الآن، لهذا يمكن القول إن الزمن في شعر المجاطي زمن
ذاكرة لا زمن ساعة. إنه يتحرك بحسب كثافة
التجربة لا بحسب التعاقب الزمني.
الذات بين "أنا" و"نحن"
رغم قوة حضور الأنا
في بعض القصائد، فإن المجاطي لا يبني شعرية اعترافية مغلقة. فالأنا عنده غالبًا بوابة إلى الجماعة؛ حين يقول: "أنا بالثورة عانقت
السماء"، فهو لا يتحدث عن إنجاز فردي، وإنما تتضخم الذات حتى تصبح حاملًا
لحلم جماعي، لكن هذه الأنا سرعان ما تنكسر وتعود إلى "نحن"، "ظمئنا".
أو إلى سؤال الجماعة: "فأين نموت؟". وهذا الانتقال بين المفرد والجمع
يكشف طبيعة الذات الشعرية عنده. إنها ذات شخصية بلا شك، لكنها لا تستطيع الانفصال
عن المصير العربي العام، فحتى حزنها الشخصي مشبع بالتاريخ. وحتى كأسها الخاصة تطل
منها فلسطين. وحتى ذكريات الجامعة تتصل
بالقمع والتحولات السياسية.
شاعر الهزيمة الذي يرفض الاستسلام لها
من السهل أن نصف
عالم المجاطي بأنه عالم مظلم؛ فالموت كثير، والقبور كثيرة، والليل والصمت والثلج
والعطش والدم والخرائب والمقابر حاضرة بإلحاح. لكن وصفه بشاعر اليأس وحده يفوّت جوهر التجربة، فلو
كان يائسًا تمامًا لما احتاج إلى كل هذا الغضب، لأن اليأس المكتمل صامت. أما المجاطي فلا يكف عن
استدعاء الفجر والريح والنار والشرارة والخيل والنسر والزيتون والماء. وحتى عندما تنكسر هذه الرموز يعود إليها.
في "كبوة
الريح" يبدو العالم ميتًا تقريبًا: الثلج والسكوت والموج المتسمر ورائحة
الموت. ومع ذلك تنتهي الحركة بالبحث عن شعلة تغوص في الأعماق ثم تعود:
فارجع بها شرارة
تنفض توق الريح من سلاسل السكوت
وهذه الشرارة
الصغيرة مهمة جدًا؛ إنها ما يمنع شعر المجاطي من التحول إلى مرثية مطلقة، فلا توجد
نهضة جاهزة، ولا نصر مضمون، ولا فجر سهل، لكن توجد ضرورة البحث عن الشرارة.
لماذا يبدو شعر المجاطي صعبًا؟
الصعوبة في شعر
المجاطي لا تأتي أساسًا من غموض المفردات، بل من كثافة العلاقات بينها. فالصورة الواحدة قد تحمل
التاريخ والدين والسياسة والأسطورة والتجربة الشخصية في آن. حين تظهر العصا والحية
مثلًا، يدخل الموروث الديني، لكنهما تدخلان في سياق سياسي معاصر. وحين تظهر الزلاقة
واليرموك، لا يريد النص سرد التاريخ، بل مقارنة زمنين.
وحين يظهر «قيصر»،
فهو ليس شخصية رومانية محددة، وإنما صورة للقوة المتغلبة. لهذا فإن القراءة الحرفية تظلم المجاطي. فقصيدته تحتاج إلى أن تُقرأ بوصفها شبكة
رمزية. وكل كلمة تقريبًا تنظر إلى كلمة أخرى في مكان آخر من النص أو من
الذاكرة الثقافية. ومن هنا تأتي كثافتها.
مغربية المجاطي
على الرغم من
انفتاح تجربته على الهم العربي، فإن شعر المجاطي مغربي بعمق. فطنجة، فاس، الرباط،
مراكش، وارزازات، جبل الريف، الدار البيضاء، المهراز؛ ليست خلفيات محايدة؛ إنها
تدخل في بناء المخيلة. وحتى التفاصيل الاجتماعية واليومية – الشاي،
المقهى، الجامعة، الشوارع، الجعة، قهوة العصر – تمنح النص ملمسًا محليًا واضحًا. لكن المجاطي لا يحول هذه
المحلية إلى فلكلور. وهذه نقطة أساسية؛ فالمغرب
عنده ليس زينة جغرافية، وإنما موقع تاريخي وثقافي يرى منه العالم:
حين يقف على شاطئ
طنجة يرى التاريخ العربي.
وحين ينظر إلى
الدار البيضاء يرى القدس وسيناء.
وحين يدخل جامعة
فاس يرى بنية السلطة والتحولات السياسية.
وبذلك استطاع أن
يكون مغربيًا من دون انغلاق، وعربيًا من دون ذوبان في خطاب قومي مجرد.
شاعر قليل القصائد، كثيف العالم
ليست تجربة أحمد
المجاطي من التجارب التي تقوم أهميتها على وفرة الإنتاج. بل إن محدودية ما جمعه
ونشره شعريًا تقابلها كثافة شديدة داخل النصوص نفسها. فقصيدته لا تبدو مكتوبة بسهولة، وهناك إحساس دائم بأنها مرت
بمصفاة قاسية، فالصورة منتقاة، والرمز محسوب، واللغة مشدودة، والجملة لا تسترسل
إلا لكي تنقطع في موضع مقصود. وربما لهذا السبب تبدو
كثير من قصائده قابلة لإعادة القراءة بعد عقود من كتابتها. إنها لا تعتمد اعتمادًا
كاملًا على الحدث السياسي الذي ولدها، لأن الحدث يتحول داخلها إلى سؤال أوسع: ماذا
يحدث للإنسان عندما تنهار القيم التي كان يؤمن بها؟
وهذا السؤال لا
ينتهي بانتهاء حرب أو مرحلة سياسية.
الفروسية المستحيلة
في النهاية يمكن رد
كثير من عناصر تجربة أحمد المجاطي إلى صورة مركزية واحدة:
الفارس الذي يبحث عن حصانه في زمن لم يعد يعترف
بالفروسية.
الخيل موجودة في
الذاكرة.
السيف موجود في
اللغة.
اليرموك والزلاقة
موجودتان في التاريخ.
النسر ما زال يحلق
في المخيلة.
والريح ما زالت
قادرة على الحركة.
لكن الإنسان الراهن
لا يستطيع بسهولة أن يحول هذه الرموز إلى فعل. ومن هنا تأتي المأساة، فليست الفروسية عند
المجاطي احتفالًا بما كنا عليه، بل سؤالًا عما أصبحنا عليه. ولهذا يصبح عنوان ديوانه
شديد الذكاء: إنه يبدو في ظاهره عنوانًا بطوليًا، لكنه بعد قراءة القصائد يتحول
إلى عنوان ساخر وحزين في الوقت نفسه. فالفروسية هي القيمة التي يبحث عنها الديوان أكثر مما هي القيمة
التي يمتلكها.
بين السيف والقصيدة
لم يكن أحمد
المجاطي شاعر الشعارات، رغم أن قضاياه الكبرى كان يمكن بسهولة أن تدفعه إلى ذلك.
فلسطين، الهزيمة، القمع، التاريخ، الهوية، الثورة؛ كلها موضوعات أغرت كثيرًا من
الشعر العربي بالخطابة. لكن المجاطي كان يدرك أن
القصيدة التي تقول ما يعرفه القارئ مسبقًا لا تضيف شيئًا. لذلك لم يقل إن الأمة
مهزومة.
جعل الخيل تكبو. ولم يقل إن الصمت يقتل.
جعل طريق الصمت
يفضي إلى المقبرة. ولم يقل إن الماضي أعظم من
الحاضر.
جعل اليرموك
والزلاقة تطلان من طنجة المعاصرة. ولم يقل إن الحرية مقموعة.
جعل غصون الشجر
نفسها تتساقط مثقلة بالجواسيس. ولم يقل إن الثورة أخفقت.
جعل الفارس عاجزًا
عن تسديد المهماز. وهنا بالضبط تكمن شعريته. إنها القدرة على تحويل
الفكرة إلى عالم.
الخاتمة: الشرارة التي لم تنطفئ
يكتب أحمد المجاطي
من داخل جرح تاريخي، لكنه لا يسمح للجرح بأن يتحول إلى خطاب رثائي سهل. قصيدته
مأهولة بالتناقض: الماء والعطش، الفجر والمقبرة، الخيل والكبوة، الثورة والصمت،
السيف والعجز، الله وقيصر، الماضي والحاضر، الحلم وخيانته. ومن هذه التناقضات تتشكل رؤيته.
إنه شاعر آمن
بإمكان أن يكون الشعر جزءًا من مقاومة الموت، لكنه كان شديد الوعي بعجز الكلمات عن
تغيير العالم وحدها. لذلك تظل العبارة عنده متوترة بين الرغبة في الفعل والشك في
جدواه. وهذا هو سر الحزن العميق
الذي يسكن شعره. إنه ليس حزن الإنسان الذي
لم يعد يؤمن بشيء، بل حزن الإنسان الذي ما زال يؤمن بقيم عظيمة، بينما يرى العالم
يخونها كل يوم.
ومن هنا أيضًا نفهم
لماذا ظلت الفروسية مركزًا رمزيًا لتجربته. فالفارس الحقيقي في شعر المجاطي ليس
ذلك الذي ينتصر دائمًا، وإنما الذي يحتفظ، وسط زمن الهزيمة، بذاكرة المعنى. لقد رأى الخيل تكبو،
والسيوف تنطفئ، والصمت يتحول إلى منبر، والحرف يُصلب، والمدينة تعطش، واللغة نفسها
تصبح عاجزة عن غسل "نتن الملح". ومع ذلك ظل يبحث في قاع هذا العالم عن
شعلة.
شعلة لا تصنع
انتصارًا سريعًا.
ولا تعيد التاريخ.
ولا تلغي المقبرة.
لكنها تستطيع، كما
أراد في "كبوة الريح"، أن تعود شرارة تنفض توق الريح من سلاسل السكوت. وربما هنا، أكثر من أي
موضع آخر، تتجلى شعرية أحمد المجاطي: في تلك المسافة الدقيقة بين الكبوة والريح،
بين معرفة الهزيمة ورفض التسليم بها، وبين موت الفارس وبقاء الحاجة إلى الفروسية.
اقرأ بعض أشعار أحمد المجاطي على موقع الديوان انقر هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق