اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

شعر حاكم عقرباوي: حجر ضد العدم وقراءة في ديوان «حجر وديع»

 

بورتريه بالألوان المائية للشاعر الأردني حاكم عقرباوي، يظهر مرتديًا قميصًا داكنًا ونظارة، وأمامه ميكروفون، بخلفية فنية هادئة بدرجات الأزرق والبيج.

بقلم: الورّاق الجزائري

مقدمة

ليس أفضل ما في ديوان حاكم عقرباوي "حجرٌ وديعٌ في مدنٍ قريبةٍ من أمسها" عنوانه، على الرغم من جمال هذا العنوان وقوة مفارقته. وما إن ندخل القصائد فعلًا حتى يتبين أن العنوان ليس إلا بابًا إلى تجربة أوسع كثيرًا: تجربة منشغلة بهشاشة الإنسان، وبجسد يتعرض للمحو، ومدينة تحمل خرابها وذكرياتها، وحرب تغيّر معنى الكلمات، وحب لا يأتي بوصفه خلاصًا جاهزًا، وشاعر يشك حتى في الشعر الذي يكتبه.

هذه ليست مجموعة تقوم على موضوع واحد، ولا على نبرة واحدة. فبين نصوصها قصائد شديدة القصر تكاد تكون ومضات، وقصائد مقطعية، ونصوص تقترب من المشهد والحوار والسرد، وأخرى تتكئ على المفارقة أو السؤال. كما أن التواريخ المثبتة تحت كثير من القصائد تكشف أن الكتابة تمتد عبر سنوات، ولذلك لا يبدو الديوان ثمرة لحظة نفسية واحدة، بل حصيلة زمن شعري تتجاور فيه تحولات التجربة دون أن تُمحى آثار مراحلها السابقة. وإذا كان ثمة خيط حقيقي يشد هذا المتن بعضه إلى بعض، فهو إحساس الشاعر بأن الإنسان موجود في عالم لا يمنحه أي ضمان: الجسد قابل للكسر، والوطن قابل للفقد، والحياة نفسها يمكن أن تُداس مصادفة، واللغة التي نحاول بها تفسير ذلك كله ليست بريئة ولا قادرة دائمًا على إنقاذنا.

ملاحظة تحريرية: أوضح الشاعر، في رسالة إلى "الورّاق الجزائري"، أن كتاب "حجر وديع في مدن قريبة من أمسها" صدر عن وزارة الثقافة السورية، وأنه يتكوّن في الأصل من مختارات شعرية تنتمي إلى مراحل زمنية مختلفة، غير أن عبارة "مختارات شعرية" حُذفت عند النشر. ويضيء هذا التوضيح التباعد الزمني والأسلوبي الملحوظ بين بعض نصوص الكتاب، ويضعه في سياقه الأدق بوصفه مختارات تمثّل محطات متعددة من تجربة الشاعر.

من الفكرة المجردة إلى الشيء المحسوس

أولى السمات التي تلفت في شعر عقرباوي أنه لا يطمئن طويلًا إلى التجريد. فالحياة والموت والوطن والذاكرة والحقيقة والحب كلمات ضخمة، لكنها في قصائده سرعان ما تُجَرّ إلى الأرض، إلى الجسد والطريق والحقيبة والحفرة والحانة والحذاء والتبغ والورق.

في قصيدة "دمي هناك وعظامي" لا يعرّف الحياة فلسفيًا، بل يبدأ بحركة تكاد تكون احتجاجًا على التعريف:

دعوني أشرح لكم
الحياة ليست كما تفهمون
ابحثوا في معاجمكم القديمة والحديثة
لن تلقوا سوى كلمة واحدة
ليس لها جذر
في أرضكم هذه

ثم يهبط فجأة من المعجم إلى الطريق:

الحياة هنا
التقطها وامض
فلربما يأتي عابر سبيل غيرك
يمر من مكانك هذا
فيدوسها، دون أن يدري أنه
داس أيامك القليلة الباقية

هنا تظهر بوضوح واحدة من أنجح آليات عقرباوي، فـ"الحياة" التي تبدو مفهومًا هائلًا تتحول إلى شيء ملقى يمكن أن يلتقطه الإنسان، ويمكن لعابر سبيل أن يدوسه دون قصد. والمفارقة ليست للزينة؛ إنها تنقل فكرة الهشاشة من العقل إلى الحواس. إننا لا نسمع موعظة عن قصر الحياة، وإنما نرى حياةً تحت قدم عابر مجهول. وهذه القدرة على تجسيد المجرد أفضل كثيرًا في شعر عقرباوي من مواضع التصريح الفكري المباشر. وحين ينجح في العثور على الشيء المادي الذي يحمل الفكرة، تصبح قصيدته أقوى من الفكرة التي انطلقت منها.

 

الجسد ليس وعاءً للذات

من المفردات التي ينبغي الوقوف عندها طويلًا في هذا الديوان: الجسد. فالجسد عند عقرباوي لا يؤدي الوظيفة الغزلية الشائعة، ولا يظهر بوصفه مجرد علامة على الفناء. إنه مساحة تقع عليها آثار التاريخ والعزلة والحب والخوف. وفي "ولادة ميتة" يبدأ النص من جسد يتلاشى تقريبًا:

هنا جسدٌ ناحل
طيَّرته الرياح

ثم تنزلق الصورة نحو وطن مضطرب يصل فيه الشاعر إلى تركيب شديد الدلالة: "عن بلد ليس فيه بلد" ففي القصيدة يتجاور اختفاء الجسد واختفاء البلد، بحيث يصعب تحديد ما إذا كان الجسد استعارة للمكان أم أن المكان صار امتدادًا للجسد. هذه العلاقة تتكرر بأشكال متعددة في المجموعة. فالإنسان لا يقف داخل مكان محايد؛ المكان يترك أثره فيه، والحرب تسكن ذاكرته، والمسافات تزرعه بعيدًا عن نفسه ومن أجمل ما يعبّر عن ذلك قوله في "لا أحد في البياض سواي":

ماذا ستنبت روحي
إذا زرعتني المسافات
بيني وبين جروحي؟

الجملة شديدة البساطة، لكن فعل "زرعتني" هو مركزها. فالمسافة التي يُفترض أن تكون فراغًا تصبح أرضًا تزرع الإنسان، والغريب أن الإنسان المزروع لا يُزرع في تربة، بل بين ذاته وجرحه. ليست الغربة هنا انتقالًا من بلد إلى آخر؛ إنها مسافة تتكون داخل الكائن نفسه.

 

بورتريه مائي للشاعر حاكم عقرباوي أمام ميكروفون، يتضمن مقطعًا شعريًا من ديوان "حجر وديع في مدن قريبة من أمسها"، مع طريق ممتد وشجرة وقبرة في الخلفية.

خفّة الموت وثقل الحياة

من السهل أن نقول إن الموت حاضر بكثرة في الديوان، لكن هذا وحده لا يقول شيئًا تقريبًا. الأهم هو: كيف يتخيل عقرباوي الموت؟ اللافت أن الموت لديه لا يأتي دائمًا ثقيلًا. فكثيرًا ما تظهر إلى جواره صور الخفة والطيران والعبور والقبرة. ففي قصيدة "بشري" يقول:

لا تكتموا خبري
سوف آتيكم
بما حملت يداي:
روحي التي وزَّعتها
شجرًا على جسد الطريق
وموتي الآتي
خفيفًا
مثل قبرة
إذا حطت
على نعش سواي

هنا لا يُستقبل الموت بالصراخ، بل بصورة طائر صغير يحط على نعش شخص آخر. وهذا الانزياح مهم؛ فالذات ترى موتها آتيًا، لكنها تراه أولًا على نعش "سواها". كأن الموت حقيقة شخصية وعامة في الوقت نفسه، نراه يحدث للآخرين قبل أن يصبح دورنا.

وتعود القبرة في «ما خف من ورق ووطن":

أن أكون خفيفًا
خفيفًا كقبرة
لا تطير إلى حتفها مرتين

هذه الجملة تكاد تختصر جانبًا كاملًا من رؤيته: الإنسان يعرف أن الحتف واحد، ولذلك يسعى إلى تخفيف ما يحمله في الطريق. ليست الخفة إنكارًا للموت، بل نوعًا من معرفته. والطريف أن هذا التصور الذي يظهر في الديوان المبكر استمر في تجربة عقرباوي اللاحقة؛ فقد صاغ بعد سنوات تصورًا للشعر باعتباره مقاومة للعدم لا بإلغائه بل بانتزاع أثر صغير منه. لكن قيمة الديوان أن هذه الفكرة موجودة فيه شعريًا قبل أن تُصاغ تنظيريًا: الكائن يعرف أنه سيزول، فيترك صورة، أو جملة، أو أثر قدم على الطريق.

 

حقيبة المسافر: الوطن بوصفه ما يمكن حمله وما يستحيل حمله

الوطن في هذا الديوان ليس قصيدة مديح للأرض، ولا يتخذ في أفضل نصوصه صيغة الشعار. إنه يلتصق بالسفر والحقيبة والطريق والفقد. ففي "ما خف من ورق ووطن" يبدأ الشاعر بفعل السفر، ثم يصل إلى واحدة من أكثر صور المجموعة رشاقة:

عليَّ إذن
أن أُلملم دمعَ الحقيبة:
ما خفَّ من عبث
وكلامٍ عن الحب
والأمنيات الصغيرة

ليست الحقيبة هنا مجرد أداة سفر، فهي تبكي، وعلى المسافر أن "يلم دمعها". ثم إن ما يضعه فيها ليس ممتلكات، بل عبث وكلامًا عن الحب وأمنيات صغيرة. الوطن بذلك لا يُختزل في الحدود، بل يتحول إلى أشياء تبدو تافهة في ميزان السياسة، لكنها جوهرية في تجربة الفرد. وهذا من أجمل مواضع عقرباوي لأن السياسي هنا لا يُقال سياسيًا، فلا يشرح الشاعر معنى الوطن ولا يعلن موقفه منه؛ إنه يصنع حقيبة، ثم يجعلنا نرى ما يحاول المسافر إنقاذه.

لذلك فإن قراءة هذا الشعر بوصفه "شعر قضية" هو ظلم للشاعر؛ فالقضية حاضرة، لكن ما يهم الشاعر في كثير من الأحيان هو ما تفعله القضية بالإنسان الفرد: كيف تغير علاقته بجسده، وذاكرته، وطريقه، وأشيائه الصغيرة.

 

الحرب حين تصبح خللًا في اللغة

في الشعر السياسي يمكن لعقرباوي أن يكون مباشرًا، وهذه المباشرة ليست دائمًا نقطة قوة. لكن بعض أفضل نصوص الحرب عنده تنقل المعركة من ساحة القتال إلى بنية المعنى نفسها. ففي قصيدة "جغرافيا الرماد" يقول:

الرجال الذين عادوا من الحرب
استراحوا قليلًا
لبسوا أيامهم الجديدة
وذهبوا إلى الحانة

البداية لا تصف بطولة ولا هزيمة؛ تصف رجالًا عادوا ويريدون استعادة حياة عادية. غير أن القصيدة لا تسمح لهذه العادية أن تكتمل، وتنتهي تقريبًا إلى أرض: "صمّاء لا تسمع عويل المدن". فالمدينة تصرخ، والأرض لا تسمع! وبهذا تنتقل الحرب من الحدث العسكري إلى خلل كوني في التواصل: الإنسان يعوي، المدينة تعوي، لكن العالم أصم.

وفي نص متأخر من الديوان يحمل عنوانًا طويلًا هو "ليس للقتلى سبيل غير أن يمضوا إلى الفكرة" تتجه الكتابة بوضوح أكبر إلى مساءلة لغة الحرب نفسها:

لا شيء تخسره المَدافع
لا شيء يكسبه المُدافع

ثم تأتي العبارة الأهم:

في الحرب يتسع الكلام
يموت في المعنى
وفي اللغة اختصار غير مرئي

هذه العبارة من أكثر العبارات دلالة على وعي الشاعر باللغة، فالحرب لا تقتل الأشخاص فقط؛ إنها تجعل الكلام كثيرًا والمعنى ميتًا. وهذا تشخيص شديد الذكاء للخطاب الذي يرافق الحروب: بيانات وخطب وشعارات ومصطلحات كثيرة، بينما تتقلص الحقيقة الإنسانية إلى "اختصار غير مرئي". وهنا يتجاوز عقرباوي شعر الاحتجاج التقليدي. إنه لا يسأل فقط من قتل من، بل يسأل ماذا فعل القتل بالكلمات التي نتحدث بها عنه.

 

السياسي: بين الشعرية والتقرير

لكن الصراحة النقدية تقتضي القول إن هذا المستوى لا يتحقق في النصوص السياسية كلها. ففي بعض المواضع تميل الجملة إلى أداء الرسالة قبل صناعة الصورة، فيعرف القارئ موقف الشاعر بسرعة، لكنه لا يكتشف بالضرورة تجربة لغوية جديدة. حين يحدث ذلك، تصبح القصيدة قريبة من البيان الشعري أو الحكمة السياسية المكثفة. وهذا تفاوت واضح في المجموعة.

حين يقول الشاعر مثلًا "صماء لا تسمع عويل المدن" تتحول الفكرة إلى مشهد وتظل معنا. أما حين تعلن القصيدة موقفها مباشرة وتشرحه، فقد يكون الموقف نبيلًا وواضحًا، لكن الشعر نفسه يتراجع خطوة.

أفضلُ عقرباوي، إذن، ليس عقرباوي صاحب القضية، بل عقرباوي الذي يجعل القضية تغير شكل الأشياء واللغة.

 

بورتريه مائي للشاعر حاكم عقرباوي أمام ميكروفون، وخلفه رجال يسيرون في شارع ممطر نحو حانة مضاءة، مع مقطع شعري من ديوان "حجر وديع في مدن قريبة من أمسها".

المرأة لا تدخل من باب الغزل التقليدي

يبدأ الديوان بقصيدة "امرأة"، لكنَّ المرأة منذ البداية لا تظهر بوصفها جسدًا موصوفًا أو جمالًا مُتغنى به. إنها مرتبطة بالمرآة واللحظة والروح:

المرأة
مفتاح اللحظة
تخرج من مرآة الصبح
لتدخل في ظلمة روحي

الانتقال هنا مهم: من مرآة الصبح إلى ظلمة الروح، وهي تتحرك بين الخارج والداخل، بين الضوء والعتمة، ولا يُطلب منها أن تبقى موضوعًا يتأمله الشاعر. إنها قوة تدخل إلى الذات وتغير مجالها الداخلي. ولذلك فإن حضور المرأة في الديوان أقل رومانسية مما قد يوحي به مجرد الحديث عن "الحب". فالعلاقة نفسها مهددة بالغياب والمسافة والزمن، مثل الأشياء الأخرى جميعًا، وهكذا فإنَّ الحب لا يقيم في عالم منفصل عن الحرب والموت؛ إنه يحدث في الأرض نفسها.

وتلك نقطة مهمة في وحدة التجربة: عقرباوي لا يملك قاموسًا للحب وقاموسًا آخر للوطن وثالثًا للموت. الصور تتبادل وظائفها. والمسافة التي تفصل العاشق قد تكون المسافة نفسها التي يصنعها المنفى، والجسد الذي يحب هو ذاته الجسد القابل لأن يتحول إلى أثر.

 

الشاعر يكتب نفسه ويسخر منها

من أكثر جوانب الديوان حيوية حضور "الشاعر" كشخصية داخل القصيدة، ليس هذا الشاعر نبيًا ولا قائدًا ولا حامل معرفة عليا. بل هو شخص مرتبك، يحمل تبغه وكلماته وذبول أيامه، ويمكن أن يكون موضوعًا للسخرية، ففي "الدقائق الأخيرة قبل موت الشاعر بدقائق" يقول:

من يقنع
هذا الشاعر
أن يربط خيط الكلمات
ويخرج للنزهة؟

ثم يسأل عمّن يستطيع أن يسرق منه "مشاكسة الحرف" و"رائحة التبغ" و"ذبول الأيام". إنها صورة مختلفة عن صورة الشاعر المتعالي. فالكتابة هنا عادة يومية وعبء وهوية في الوقت نفسه. ولعل تعبير"خيط الكلمات" بالغ الدلالة: فالقصيدة ليست بناءً شامخًا؛ إنها خيط يحاول صاحبه أن يربطه قبل الخروج. وهذا النوع من السخرية الذاتية يرفع كثيرًا من قيمة التجربة، لأنه يحميها من النبرة النبوية التي وقع فيها جانب واسع من الشعر السياسي العربي.

الشاعر لا يدعي أنه سينقذ العالم، بل إنه يبدو أحيانًا غير قادر حتى على إنقاذ نفسه.

 

الكتابة عن الشعر من داخل عجز الشعر

الميتاشعرية هي حضور الشعر واللغة والكتابة موضوعًا داخل القصيدة. وهي ليست عارضة في هذا الديوان حيث تظهر الكلمات، والحرف، والمعنى، واللغة، والكتاب، والقصيدة نفسها. لكن اللافت أن الشاعر لا يحتفي بالكلمة احتفاءً ساذجًا؛ إنه يشك فيها. وفي قصيدة الحرب التي سبقت الإشارة إليها "يموت" الكلام في المعنى. وفي "دمي هناك وعظامي" تفشل المعاجم القديمة والحديثة في تعريف الحياة. وفي "الدقائق الأخيرة" يبدو الشعر خيطًا ينبغي ربطه. وفي مواضع أخرى يكون البياض ذاته جزءًا من المشهد. وهذا يعني أن عقرباوي لا يتعامل مع اللغة على أنها مرآة شفافة للعالم. هناك دائمًا فجوة بين الشيء واسمه. وهذه الفجوة هي إحدى مناطق الشعرية عنده؛ فهو يكتب لأنه لا يستطيع أن يقول الحقيقة كاملة، لا لأنه يمتلكها.

 

المدينة ليست ديكورًا

المدينة في المجموعة ليست شارعًا ومقهى ومباني، بل حالة زمنية ونفسية. والمدن "قريبة من أمسها» لأن الماضي لم يصبح ماضيًا كاملًا. وهذا المعنى يتضح أكثر حين نقرأ القصائد التي تتصل بأمكنة محددة: الشام، قاسيون، باب توما، الأرض، الحانة، الطريق، المدن المهدمة. فالمكان لا يقدم بوصفه بطاقة بريدية.

في "قاسيون" تبدأ الذات بتردد حول الحقيقة:

ليس أنا
من يتقن حمل الحقيقة
على أطراف أصابعه
ويتسلق، مبهورًا،
جغرافيا الهواء

ثم يعود النص إلى الجبل بوصفه موضعًا يُرى منه العالم ولا يمكن امتلاكه. وهذا الحس المكاني سيتطور لاحقًا في شعر عقرباوي، لكن بذوره واضحة هنا: المدينة ليست موقعًا خارجيًا؛ إنها بنية في الذاكرة.

 

المسافر: الشخصية السرية للديوان

إذا أردنا البحث عن شخصية تتكرر خلف كثير من القصائد، فقد لا تكون "الشاعر" بل المسافر. فالمسافر يظهر في الطريق والحقيبة والمدينة والرحيل والعودة، وفي القصيدة التي تحمل اسم المجموعة يقترب السفر من التحول الوجودي. فالمسافر يتجه إلى جهة ما، ثم يتحول إلى:

حجرٍ وديع
في مدنٍ قريبةٍ من أمسها

وفي المقطع التالي يطرح النص سؤالًا يوميًا ساخرًا: ماذا يريد المسافر؟ حذاء جديدًا؟ أم مدينة أخرى؟ وهنا يتضح أن "الحجر الوديع" ليس رمزًا ثابتًا له معنى واحد. إنه ناتج عن حركة؛ فقد كان ثمة مسافر ثم صار حجرًا، أي أن الثبات نفسه كان نتيجة التعب من الحركة. ولهذا لا أظن أن من الدقة اختزال الحجر إلى الصمود وحده، كما يمكن أن تُغري القراءة الأولى. إنه يحمل أيضًا معنى التعب والتوقف والتحجر والذاكرة. والصفة الأهم هي "وديع": فهو ليس حجرًا يُقذَف بِه أحد، ولا حجرًا يَصطدم، وإنما شيءٌ صلب فَقدَ رغبته في العدوان.

 

الأسئلة أكثر من الأجوبة

عدد كبير من قصائد الديوان يتحرك بواسطة السؤال:

ماذا يريد المسافر؟

من يقنع الشاعر؟

 أين تذهب الروح؟

 ماذا يحدث للأرض؟

 ماذا ستنبت روحي؟

والسؤال عند عقرباوي ليس تمهيدًا لإجابة فلسفية، فكثيرًا ما تظل الأسئلة مفتوحة، وهذا من خصائص شعره التي أراها إيجابية؛ فالتجربة لا تأتي من يقين أيديولوجي كامل، حتى في النصوص ذات البعد السياسي هناك ارتباك أمام الحياة والموت والتاريخ، ولذلك يبدو الشاعر في أفضل حالاته شاعرًا قلقًا لا شاعرَ أجوبة، وحين يتخلى عن السؤال، ويعرف الإجابة مسبقًا، تصبح القصيدة عادة أقل إثارة.

 

بناء المفارقة

من الأدوات التي يعتمد عليها عقرباوي كثيرًا المفارقة، لكنها لا تقتصر على العناوين. صحيح أن لدينا "ولادة ميتة"، و"قصائد الموت الفرحة"، و"فراغ أبيض"، لكن المفارقة الأعمق تقع داخل العلاقات نفسها: موت خفيف، أرض تحمل المسافر، حياة يمكن دوسها، مسافات تزرع الإنسان، حرب توسع الكلام بينما يموت المعنى.

وهنا تظهر إحدى خصائص صوته الشعري: إنه يحب أن يضع الشيء في مكان غير متوقع ثم يرى ما سيحدث:

المسافة لا تفصل، بل تزرع.

الحقيبة لا تحمل، بل تبكي.

الحياة لا تُعاش فقط، بل تُداس.

الأرض لا تكون مكانًا للصوت، بل تصير صماء.

الموت، الذي يفترض فيه الثقل، يصبح قبرة.

إن أكثر صوره نجاحًا تقوم على هذا التحويل الوظيفي، لا على الزخرفة.

 

اللغة البسيطة ليست دائمًا لغة سهلة

المعجم في الديوان ليس غريبًا في ذاته: حقيبة، طريق، حانة، حذاء، ورق، عشب، تبغ، جسد، مدينة، إنها مفردات يومية للغاية. لكن الشعرية تأتي من تركيبها. وهذا أمر يحسب للشاعر. فهو في أحسن نصوصه لا يحتاج إلى قاموس فخم ليقول الشيء المختلف. ويكاد يمكن تلخيص تقنيته بعبارة: المفردة عادية والعلاقة غير عادية، ومن ذلك:"دمع الحقيبة"، و"جسد الطريق"، و"زرعتني المسافات". وهي تراكيب لا تستعرض البلاغة، لكنها تنقل الكلمة اليومية إلى وظيفة جديدة.

 

الاقتصاد والومضة

يضم الديوان عددًا ملحوظًا من النصوص القصيرة جدًا، وبعضها لا يتجاوز بضعة أسطر. وهذه المنطقة من تجربة عقرباوي متباينة المستوى. فأحيانًا يؤدي الاختزال إلى كثافة حقيقية: فكرة واحدة وصورة واحدة ونهاية تفتح المعنى. لكن بعض النصوص تبدو أقرب إلى نواة قصيدة منها إلى قصيدة مكتملة حيث تنتهي الجملة قبل أن يحدث التحول الكافي الذي يبرر عزلها بوصفها نصًا مستقلًا وهي نقطة ضعف ينبغي ألا نغفلها. فالاختزال ليس قيمة في ذاته، والومضة الناجحة هي التي يتجاوز أثرها حجمها، بينما توجد في المجموعة ومضات يقول حجمها الصغير كل ما لديها تقريبًا، فلا تترك بعد النهاية سوى الفكرة نفسها. وفي المقابل فإنَّ بعض النصوص الأطول تواجه الخطر المعاكس حيث تتراكم المقاطع ويضعف التوتر في المنتصف.

لذلك فإن أفضل نصوص عقرباوي ليست بالضرورة الأقصر ولا الأطول، بل تلك التي تعرف المقدار الذي تحتاجه الصورة قبل أن تتوقف.

 

التقطيع البصري والصمت

لا يمكن تجاهل شكل الصفحة في هذا الديوان، الأسطر قصيرة غالبًا، وهناك فراغات، وأرقام تفصل المقاطع، ونقاط وحذف وانتقالات مفاجئة، فالصفحة ليست مجرد وعاء للنص؛ البياض يشارك في الإيقاع.

في نص مثل "الدقائق الأخيرة قبل موت الشاعر بدقائق" يؤدي التقسيم الرقمي وظيفة مشهدية، كما لو أننا نقترب فعلًا من عد تنازلي. وفي قصائد أخرى يسمح السطر المفرد للكلمة بأن تبقى معزولة قليلًا قبل أن تأتي الجملة التالية. لكن ينبغي أيضًا الحذر من المبالغة في تأويل كل فراغ طباعي بوصفه اكتشافًا جماليًا. أحيانًا يكون التقطيع مجرد جزء من تقاليد القصيدة الحديثة التي يكتب ضمنها الشاعر. والقيمة الحقيقية تبدأ حين يصبح البياض متصلًا بتجربة النص: الغياب، الانقطاع، الانتظار، الصمت.

 

السرد الصغير

إلى جانب الصورة والومضة ثمة ميل واضح إلى القصصية. "الرجال الذين عادوا من الحرب" يذهبون إلى الحانة. عابر سبيل يدوس حياة شخص لا يعرفه. مسافر يريد مدينة أو حذاء. جندي يتكلم. شاعر يستعد للموت. المرأة تخرج من مرآة الصبح وتدخل ظلمة الروح. هذه كلها نويات حكايات، وعقرباوي لا يستكملها قصصيًا؛ يقطعها عند اللحظة التي تتحول فيها الحادثة إلى معنى.

وهذه إحدى أنجح خصائص القصيدة الحديثة عنده: فهو لا يستبدل الشعر بالقصة، بل يستخدم مقدارًا صغيرًا من السرد كي يمنح الصورة حياة وحركة.

 

السخرية السوداء

ثمة ضحك مكتوم في الديوان لا ينبغي أن تحجبه كثرة الموت.  فسؤال المسافر عن "حذاء جديد" في قلب قصيدة تحمل عنوانًا وجوديًا طويلًا مثال على ذلك. وكذلك التعامل مع الشاعر كشخص ينبغي إقناعه بأن يربط كلمات قصيدته ويخرج للنزهة! هذه السخرية لا تنقض المأساة؛ إنها تكشف عبثها. وهذا فارق مهم. فالشاعر لا يسخر من الضحايا، بل من الوضع الذي يجعل الموت والحرب والغربة أمورًا عادية إلى درجة أن الإنسان قد يتعامل معها كما يتعامل مع حذائه أو سيجارته.

في هذه اللحظات يقترب عقرباوي من حساسية وجودية لا ترى عبث العالم فكرةً فلسفية مجردة، بل تلتقطه في التفاصيل الصغيرة.

 

أين يكون الشاعر أقل إقناعًا؟

لا ينبغي أن تتحول القراءة النقدية إلى قائمة فضائل. فهناك تفاوت حقيقي بين قصائد المجموعة. أحيانًا تقع الصورة قبل أن تتهيأ لها القصيدة، فتبدو العلاقة بين طرفيها اعتباطية أكثر منها مفاجئة. وأحيانًا يكتفي النص بالمفارقة اللغوية وكأن المفارقة وحدها قصيدة. وفي مواضع سياسية، كما أشرت، ترتفع نبرة الموقف على حساب تعقيد الصورة. كذلك فإن كثرة الأسئلة والتقطيع والأسطر المفردة تتحول في بعض الصفحات من تقنية فنية إلى عادة أسلوبية يمكن توقعها.

ويظهر أحيانًا أن الشاعر مفتون بالنهاية الذكية؛ يريد للسطر الأخير أن يقلب النص، لكن انقلاب النص لا يكون دائمًا قويًا بما يكفي.

مع ذلك، فإن هذه المآخذ لا تبدو ناتجة عن فقر في الرؤية، بل عن مغامرة شكلية غير متساوية النتائج. والشاعر الذي يكتب عددًا كبيرًا من النصوص الومضية والمقطعية يدفع ثمن هذا النوع من الكتابة: فبعضها يصيب الهدف بدقة، وبعضها يظل تمرينًا حول الهدف.

 

شعرية الأشياء الهشة

مع التقدم في قراءة الديوان، نلاحظ أن عقرباوي لا يهتم بالأشياء الضخمة بقدر ما قد توحي موضوعاته:

الحرب ضخمة، لكنه يكتب الحانة.

الوطن ضخم، لكنه يكتب الحقيبة والعبث.

الموت هائل، لكنه يشبهه بقبرة.

الحياة لغز فلسفي، لكنه يجعل قدم عابر سبيل تدوسها.

الحب مفهوم كبير، لكنه يترك منه "كلامًا" يوضع في حقيبة إلى جانب الأمنيات الصغيرة.

هذه الأشياء الهشة هي التي تمنح تجربته خصوصيتها. ومن هنا يمكن فهم عنوان الديوان بصورة أدق: الحجر نفسه، مع أنه أكثر الأشياء صلابة، وصفه الشاعر بأنه وديع؛ كأن مشروع القصائد كله يحاول أن يكتشف الهشاشة المختبئة داخل الأشياء الصلبة، والصلابة الصغيرة المختبئة داخل الأشياء الهشة.

 

من الموت الفردي إلى موت المعنى

في البداية يبدو الموت موت أفراد وأجساد. ثم كلما تقدمت المجموعة اتسع مجاله.

يموت الجسد.

تموت المدن.

تموت البلاد أو تصبح "بلدًا ليس فيه بلد"

ثم يصل الشاعر في نهايات الكتاب تقريبًا إلى مستوى أخطر: يموت المعنى. وهذا تطور مهم في التجربة، فحين يقول "في الحرب يتسع الكلام / يموت في المعنى"، لم يعد السؤال: من مات؟ بل ماذا يبقى من الحقيقة عندما يصبح الكلام جزءًا من آلة الحرب؟ ولعل هذا أحد أكثر الجوانب حداثة في الديوان، لأنه يجعل أزمة الواقع أزمة في تمثيله لغويًا أيضًا. فلا تكفي الكلمات لمجرد أنها كلمات؛ قد يصبح الكلام نفسه شكلًا من أشكال إخفاء الحقيقة.

 

الشعر بوصفه أثرًا

مع ذلك، لا ينتهي الديوان إلى الصمت؛ فلو كان الشاعر لا يثق باللغة مطلقًا لما كتب. إن علاقته بالكلمة علاقة متناقضة: يشك في قدرتها، لكنه يتمسك بها. يعرف أن المعاجم لا تعرّف الحياة، ثم يحاول تعريفها بقصيدة. يعرف أن الكلام قد يموت في المعنى، ثم يكتب عن هذا الموت بالكلام نفسه. وهنا تكمن المفارقة المركزية التي أراها أعمق من مفارقة العنوان: اللغة عاجزة، ولكن لا شيء لدينا غيرها.

والشعر عند عقرباوي ليس إعلانًا بانتصار اللغة، بل تسجيل لمحاولتها. لهذا تتكرر صورة الأثر: ذكرى، كلمة، ورقة، حقيبة، طريق، حجر، جسد، مدينة. كل شيء يمكن أن يختفي، لكن شيئًا صغيرًا يبقى شاهدًا على أنه كان هنا.

 

تجربة لا تخلو من الخشونة

من سمات شعر عقرباوي أنه لا يسعى دائمًا إلى نعومة العبارة. ثمة خشونة في الانتقال، وفي تركيب بعض الصور، وفي قطع الجملة، وأحيانًا في المفردة نفسها. ولا أرى أن هذه الخشونة عيب في ذاتها؛ فهي تتلاءم مع عالم الحفر والرصاص والأجساد والرماد. لكنها تصبح مشكلة حين لا ينتج عنها توتر دلالي، أي حين تكون الجملة خشنة فقط لأنها مقطعة أو غامضة.

والفرق دقيق. ففي "زرعتني المسافات بيني وبين جروحي" تؤدي الغرابة وظيفة عميقة. أما في بعض القفزات الأخرى، فإن على القارئ أن يبذل جهدًا أكبر مما تمنحه الصورة في المقابل.

هذه الملاحظة ضرورية لأن تجربة عقرباوي لا تقوم على الصقل الكلاسيكي، بل على الطاقة واللمحة والمفارقة. وفي هذا النوع من الشعر تكون المسافة بين الكثافة والغموض المجاني قصيرة جدًا.

 

ما الذي يميز صوته؟

بعد قراءة المجموعة كاملة تقريبًا لا أرى أنَّ تميز عقرباوي يأتي من موضوعاته، فالموت والوطن والحرب والحب والمدينة كتب عنها آلاف الشعراء. إنَّ خصوصيته تظهر في طريقة تصغير هذه الموضوعات. فهو يأخذ الموت ويجعله طائرًا، ويأخذ الوطن ويضعه في حقيبة، ويأخذ الحياة ويتركها على الطريق، ويأخذ المسافة ويزرع بها الإنسان، ويأخذ الحرب ويضع جنودها في حانة، ويأخذ اللغة نفسها ويجعلها مشكوكًا في قدرتها على حمل الحقيقة. وهذا التصغير لا يقلل من الموضوع؛ بل يجعله قابلاً للمَسّ. وهذه، في تقديري، أهم خصائص شعرية حاكم عقرباوي في هذا الديوان.

 

حجر ليس رمزًا واحدًا

بعد قراءة النصوص، ينبغي أيضًا مقاومة إغراء جعل "الحجر" مفتاحًا يفسر كل شيء. فهو صورة مهمة بالتأكيد، لكنه ليس "رمز المقاومة" فقط، ولا "رمز الذاكرة" فقط، ولا "رمز الثبات" وحده. ففي سياقه يتحول المسافر إلى حجر وديع. وبالتالي يحمل الحجر أثر الحركة التي توقفت، والتعب الذي استقر، والذات التي لم تعد تريد الوصول وربما لم تعد قادرة عليه. ووجوده في "مدن قريبة من أمسها" يضعه داخل زمن لا يستطيع أن يصبح حاضرًا كاملًا.

الحجر إذن ليس بطولة، ففيه شيء من الخسارة، وفيه شيء من السلام، وفيه شيء من العجز، وفيه، مع ذلك، قدرة على البقاء. ولهذا كان وصفه بالوداعة أكثر أهمية من صلابته.

 

الخلاصة: حين لا يستطيع الشعر إنقاذ العالم

"حجر وديع في مدن قريبة من أمسها" ليس ديوانًا متساوي المستوى، ولا أظن أن من الإنصاف النقدي تقديمه بهذه الصورة. بعض نصوصه أقوى بكثير من بعضها، وبعض الومضات كان يمكن الاستغناء عنها أو تطويرها، وفي مواضع يتغلب التصريح على الشعر، وفي أخرى تتحول تقنيات السؤال والتقطيع إلى عادات.

لكن أفضل قصائد المجموعة تكشف عن شاعر يمتلك عينًا خاصة للمفارقة الإنسانية، وعن قدرة واضحة على نقل المفاهيم الكبرى إلى تفاصيل مادية صغيرة. فحين يقول:

الحياة هنا
التقطها وامض

هو لا يقدم تعريفًا للحياة بقدر ما يصنع وضعًا شعريًا يجعلنا نشعر بقابليتها للضياع. وحين يقول: "أن ألملم دمع الحقيبة"، فإن المنفى كله يكاد يدخل في حقيبة واحدة. وحين يرى الأرض: "صماء لا تسمع عويل المدن"، تتحول الحرب من حدث سياسي إلى وحدة كونية.

وحين يسأل:

ماذا ستنبت روحي
إذا زرعتني المسافات
بيني وبين جروحي؟

فهو يمنح الاغتراب صورة أكثر دقة من عشرات التعريفات النظرية.

وحين يقول:

في الحرب يتسع الكلام
يموت في المعنى

فإنه يضع يده على مأساة أخرى للحرب لا تقل خطورة عن الخراب المادي: خراب اللغة نفسها. لهذا لا تبدو قيمة الديوان في أنه يقدم فلسفة متماسكة للموت أو الوطن أو الإنسان. قيمته، على العكس، في أنه يرفض اكتمال الفلسفة. العالم متشقق، والقصيدة تحتفظ بتشققه. والشاعر هنا لا يقف فوق الخراب ليشرحه، بل يقيم داخله: يحمل حقيبته، يربط خيط الكلمات، يسأل عن مدينة أخرى، يتذكر جسده، يراقب الرجال العائدين من الحرب، ويعرف أن الأرض قد لا تسمع عويلهم.

لا يستطيع أن ينقذ المدن.

ولا يستطيع أن يعيد الموتى.

ولا يستطيع أن يمنح الحياة جذرًا ثابتًا في المعاجم.

لكنه يستطيع أن يجعل ما يُمحى يترك أثرًا قبل محوه.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحجر الوديع في نهاية الأمر ليس بوصفه انتصارًا صلبًا على الزمن، بل بوصفه أثرًا صغيرًا يرفض أن يختفي تمامًا. مرَّ المسافر من هنا، وعبرت الحرب من هنا، وعاش جسد وحب ووطن من هنا. وإذا كانت المدن قريبة من أمسها، فإن القصيدة هي ما يبقي ذلك الأمس حاضرًا، لا بتمجيده، بل بإبقاء جرحه مفتوحًا على السؤال.

وهذا هو الجانب الأكثر إقناعًا في شعر حاكم عقرباوي: أنه حين يكون في ذروة تجربته لا يخبرنا أن العالم مؤلم، بل يجد الشيء الصغير الذي يجعلنا نلمس ألمه.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق