بقلم: الورّاق الجزائري
تقوم
قصيدة "وردة الدانتيلا السوداء" لأمجد ناصر على مغامرة شعرية جريئة تجعل
الجسد مركزًا للرؤية واللغة، لا بوصفه موضوعًا غزليًا مألوفًا، بل بوصفه كونًا من
الألوان والروائح والثمار والمعادن والحيوانات والطقوس. فالجسد في هذه القصيدة ليس
هيئة محددة يمكن وصفها من الخارج، وإنما فضاء تتقاطع فيه الطبيعة والرغبة والخوف
والسلطة والذاكرة. وحين يقترب المتكلم منه لا يقدمه بعبارات مباشرة، بل يعيد خلقه
من خلال سلسلة متلاحقة من الاستعارات: الحقل، والكمأة، واللؤلؤة، والذهب، والمرمر،
والكنز، والجوهرة، والأفعى، والوردة. لهذا لا يمكن اختزال
القصيدة في كونها نصًا حسيًا أو إيروتيكيًا فحسب. فالحسية فيها ليست غاية منفردة،
وإنما هي وسيلة لاختبار قدرة اللغة على الاقتراب مما يصعب قوله صراحة. إنها قصيدة
عن الرغبة، ولكنها أيضًا قصيدة عن اللغة حين تحاول أن تلمس موضوعها من غير أن
تسميه، وعن النظرة حين تتأرجح بين الانبهار والاستحواذ، وعن الجسد حين يكون
مكشوفًا ومحجوبًا في وقت واحد.
ينتمي
النص إلى أفق قصيدة النثر الحديثة، وإن استفاد من التقطيع البصري والتكرار
والإيقاع الداخلي. وهو لا يعتمد الوزن والقافية التقليديين، بل يبني موسيقاه من
تراكم الكلمات، وتوالي الأوامر، وتكرار الألوان، وتفكيك الجمل على أسطر قصيرة. ومن
هنا تأتي فرادته: إنه لا يروي واقعة مكتملة، بل يكوّن مشهدًا متحركًا من الشذرات
والصور والروائح والانفعالات.
