ليس السؤال الأصعب في فيلم «تراب الماس» هو: من القاتل؟ فالفيلم، على الرغم من بنائه القائم على الجريمة والغموض، لا يخفي القتلة إلى النهاية بالطريقة التي تفعلها أفلام التحقيق التقليدية. السؤال الأكثر إزعاجًا يأتي بعد أن نعرفهم: ماذا نفعل حين يكون القاتل نفسه ضحية، وحين تكون الضحية مذنبة، وحين يفشل القانون في الوصول إلى أشخاص يعرف الجميع تقريبًا أنهم يستحقون العقاب؟
هنا تحديدًا يبتعد «تراب الماس» عن كونه حكاية بوليسية عن سلسلة جرائم قتل، ويتحول إلى سؤال أخلاقي عن مجتمع اختلطت فيه الحدود بين العدالة والانتقام. لا يعود القتل حدثًا نبحث عن مرتكبه فقط، بل يصبح امتحانًا للمشاهد نفسه: هل نرفض الجريمة لأن القتل مرفوض، أم نبدأ سرًا في تبريرها عندما نعرف من هو القتيل؟
وهذه هي اللعبة الأخطر التي يصنعها الفيلم. إنه لا يطلب منا أن نحب القاتل، لكنه يجعلنا نرى العالم من النافذة التي ينظر منها، ثم يتركنا أمام مرآة غير مريحة: ماذا لو وجد الإنسان نفسه في مجتمع يستطيع فيه القوي أن يفلت من القانون، بينما يدفع الضعيف الثمن؟
تراب الماس: جريمة تبدأ قبل وقوع الجريمة
صدر فيلم «تراب الماس» عام 2018، وأخرجه مروان حامد عن سيناريو أحمد مراد المقتبس من روايته التي تحمل الاسم نفسه. ويلعب آسر ياسين دور طه حسين الزهار، الصيدلي الذي يعيش مع والده حسين، مدرس التاريخ المقعد، حياة تبدو في ظاهرها محدودة ورتيبة.
لكن الرتابة هنا ليست تفصيلًا عابرًا. طه ليس بطلًا يولد وفي داخله مشروع للانتقام. إنه رجل عادي، بل أقرب إلى الإنسان الذي يحاول تفادي الصدام مع عالم أكبر منه. وحين يُقتل والده في ظروف غامضة، لا يكتشف طه قاتلًا وحسب، وإنما يكتشف أبًا آخر لم يكن يعرفه.
المذكرات التي يتركها حسين وراءه تفتح بابًا إلى ماضٍ خفي. الأب الذي كان يبدو رجلًا عاجزًا على كرسي متحرك لم يكن مجرد متفرج على فساد العالم؛ لقد قرر، في مرحلة ما، أن يصبح هو القاضي والمنفذ.
ومن هذه اللحظة يتغير معنى الجريمة. لم يعد طه يبحث فقط عمن قتل أباه، بل أصبح يبحث في السؤال الأكثر قسوة: من كان أبي فعلًا؟
حسين الزهار: قاتل أم رجل فقد ثقته بالعدالة؟
حسين الزهار من أكثر شخصيات الفيلم أهمية، لأن «تراب الماس» لا يقدمه شريرًا تقليديًا. ولو كان شريرًا واضحًا لانتهت المعضلة الأخلاقية منذ البداية. المشكلة أن الرجل يبني منطقه على شيء يمكن للمشاهد أن يفهمه حتى لو رفض نتائجه.
إنه يرى الفساد من حوله، ويرى أشخاصًا يؤذون الآخرين ثم ينجون لأنهم يملكون المال أو السلطة أو العلاقات. ومن هنا تنشأ الفكرة التي ستدمر الحدود بين القانون والانتقام: إذا كانت المؤسسة التي يفترض أن تحقق العدالة عاجزة، فمن يعاقب المذنب؟
إجابة حسين بسيطة ومخيفة: أنا.
وهنا يتحول الإنسان من ضحية للظلم إلى سلطة كاملة. يختار المتهم، ويجمع الأدلة بطريقته، ويصدر الحكم، ثم ينفذه. لا محكمة، ولا دفاع، ولا فرصة للمراجعة.
قد يكون ضحاياه فاسدين، لكن المشكلة لا تكمن فقط في استحقاقهم أو عدم استحقاقهم للعقاب. المشكلة فيمن منح حسين الحق في تحديد العقوبة وتنفيذها.
فالعدالة، مهما كانت بطيئة وناقصة، تقوم نظريًا على الفصل بين المتضرر والقاضي والجلاد. أما الانتقام فيجمع السلطات الثلاث في يد واحدة. وحين يحدث ذلك يصبح الخط الفاصل بين معاقبة الشر وصناعة شر جديد رفيعًا إلى درجة تكاد تجعله غير مرئي.
لماذا اختار الفيلم «تراب الماس»؟
العنوان نفسه شديد الذكاء من الناحية الرمزية. الماس واحد من أكثر الأشياء ارتباطًا بالقيمة والثراء والجمال، لكن الفيلم يأخذ ما يتبقى منه، «التراب»، ويحوّله في عالمه الحكائي إلى أداة للموت.
إنها مفارقة تناسب عالم الفيلم كله: الأشياء ليست بالضرورة ما تبدو عليه.
الرجل المحترم قد يخفي فسادًا. صاحب النفوذ قد يكون مجرمًا. رجل القانون قد يصبح جزءًا من الجريمة. الأب العاجز قد يخفي تاريخًا من القتل. والصيدلي الذي يفترض أن ترتبط مهنته بالعلاج يستطيع أن يتحول إلى شخص يحمل الموت في يده.
ولهذا لا ينبغي قراءة «تراب الماس» في الفيلم بوصفه مجرد وسيلة قتل مبتكرة. إنه رمز لشيء جميل وصلب ولامع في ظاهره، لكن ما يتناثر منه يصبح في الحكاية مادة خفية للهلاك.
وهنا تكتسب الصيدلية بدورها دلالة تتجاوز مكان عمل طه. الصيدلية في الوعي اليومي مكان للشفاء، لكن الفيلم يضع الصيدلي في قلب معادلة يصبح فيها الفارق بين العلاج والسم، وبين إنقاذ الجسد وإنهائه، جزءًا من الصراع الأخلاقي نفسه.
هل تراب الماس سم حقيقي كما يصوره الفيلم؟
من المهم هنا الفصل بين الحقيقة والخيال. «تراب الماس» فيلم روائي وليس توثيقًا لحوادث حقيقية، والمادة التي تحمل الاسم نفسه تؤدي داخل العمل وظيفة درامية أساسية. لذلك لا يصح التعامل مع الوصف الذي تقدمه الحكاية لطريقة القتل بوصفه تقريرًا علميًا أو طبيًا مثبتًا.
ما يعنينا نقديًا هو أن الفيلم يحتاج إلى أداة قتل تتناسب مع فكرته: شيء صامت، يصعب ملاحظته، ويتيح للقاتل أن يبتعد بينما تبدأ النتائج لاحقًا. وهذا الاختيار يخدم بنية الفيلم أكثر مما يقدم معرفة علمية عن السموم.
بل إن خفاء الأداة يشبه خفاء الفساد نفسه. فالموت لا يأتي دائمًا في هذا العالم برصاصة مسموعة؛ قد يبدأ بقرار، أو رشوة، أو قانون مفصل على مقاس شخص نافذ، أو صمت طويل يسمح للظلم بأن يستمر.
طه الزهار: كيف يرث الابن خطيئة الأب؟
طه لا يرث عن أبيه مالًا أو بيتًا أو مهنة. الإرث الحقيقي الذي يتركه حسين له هو سؤال.
وحين يعثر الابن على أسرار أبيه وعلى الأداة التي استخدمها، يصبح أمام خيار أخلاقي كان يمكن أن يرفضه. لكنه لا يفعل.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الفيلم إثارة: طه لا يقلد والده بطريقة آلية. إنه يصل إلى منطقه تدريجيًا. العالم نفسه الذي دفع حسين إلى تجاوز القانون يعيد إنتاج الظروف التي تدفع الابن إلى الطريق ذاته.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الأب والابن أعمق من مجرد رابطة عائلية. حسين يمثل تجربة جيل عاش تحولات سياسية واجتماعية متلاحقة، بينما طه يعيش نتائج عالم تراكم فيه الفساد حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية.
الأب يكتب التاريخ، والابن يقرأه ثم يعيد تمثيله.
ومن المفارقات الجميلة أن حسين مدرس تاريخ. فالرجل الذي يعرف أن الأحداث تتكرر يترك وراءه سجلًا شخصيًا يصبح بالنسبة إلى ابنه كتاب تاريخ مصغرًا. لكن طه لا يقرأ التاريخ لكي يتجنب أخطاءه؛ إنه، بصورة مأساوية، يعيد إنتاجها.
من القاتل الحقيقي في تراب الماس؟
إذا أخذنا السؤال بمعناه البوليسي، فهناك أكثر من قاتل في الفيلم، وتتشابك الجرائم بحيث لا يعود البحث عن يد واحدة أمرًا ممكنًا. لكن القراءة الأعمق تقترح سؤالًا مختلفًا: هل القاتل هو الشخص الذي يضع السم فقط، أم أن هناك بيئة كاملة تشارك في صناعة القاتل؟
الفيلم لا يعفي حسين أو طه من المسؤولية. كلاهما يتخذ قرارًا واعيًا بتجاوز القانون. لكن الفيلم في الوقت نفسه يصر على أن نرى الطريق الذي أوصلهما إلى ذلك القرار.
وهذا فارق مهم.
فالفهم ليس تبريرًا. يمكننا أن نفهم لماذا ينتقم إنسان تعرض للظلم من دون أن نعتبر الانتقام عدالة. ويمكننا أن ندرك فساد بعض الضحايا من دون أن نعطي قاتلهم حصانة أخلاقية.
وهكذا تتحول كلمة «القاتل» في الفيلم من وصف جنائي واضح إلى مفهوم متعدد الطبقات. هناك من يقتل بيده، ومن يحمي الفساد، ومن يستخدم السلطة، ومن يبيع القانون، ومن يصمت، ومن يستفيد من النظام كما هو.
وليد سلطان: حين يصبح رجل القانون جزءًا من اللعبة
شخصية العقيد وليد سلطان، التي يؤديها ماجد الكدواني، مهمة لأنها تمنع الفيلم من بناء ثنائية سهلة بين «مجرمين» من جهة و«قانون» نقي من جهة أخرى.
وليد يعرف النظام جيدًا، لكنه لا يقف خارجه. إنه يستخدم موقعه ويتحرك داخل شبكة من المصالح والابتزاز والمعلومات. ولذلك تصبح علاقته بطه معقدة: رجل القانون يقترب من الرجل الذي تجاوز القانون، لكن المسافة الأخلاقية بينهما ليست بالوضوح الذي يفترضه المنصب.
هنا يصبح الفساد أكثر خطورة من شخصية شريرة منفردة، لأنه يتحول إلى شبكة. كل شخص يعرف شيئًا عن الآخر، وكل سر يمكن تحويله إلى ورقة ضغط، وكل صاحب سلطة يستطيع أن يساوم صاحب سلطة آخر.
في مثل هذا العالم لا يعمل القانون دائمًا بوصفه ميزانًا محايدًا؛ أحيانًا يصبح هو نفسه أداة داخل الصراع.
هل الضحايا أبرياء؟
هذا السؤال هو الفخ الذي ينصبه الفيلم للمشاهد.
بعض الذين يستهدفهم حسين أو طه ليسوا شخصيات صممت كي تثير التعاطف. إنهم مرتبطون بأشكال مختلفة من الفساد والاستغلال والعنف. ولذلك قد يجد المشاهد نفسه، ولو للحظة، سعيدًا بسقوط أحدهم.
وهنا علينا أن نتوقف.
لأن الفيلم يكون قد نجح في نقلنا من موقع المشاهد إلى موقع القاضي. نبدأ بمتابعة جريمة، ثم نجد أنفسنا نقرر في داخلنا أن شخصًا ما «يستحق» الموت.
لكن إذا قبلنا هذه القاعدة مرة، فأين تنتهي؟
من يحدد مقدار الفساد الذي يجعل الإنسان مستحقًا للموت؟ ومن يضمن صحة الأدلة؟ وماذا يحدث إذا أخطأ المنتقم؟ ومن يحاكم الشخص الذي منح نفسه حق المحاكمة؟
بهذه الأسئلة يخرج «تراب الماس» من قصة الانتقام المألوفة. فالمشكلة ليست في أن القاتل يقتل بريئًا بالضرورة، بل في أن المجتمع الذي يسمح للفرد بأن يصبح محكمة كاملة قد دخل منطقة لا يعود فيها أحد آمنًا.
الجريمة الفردية والجريمة التي ترتدي ربطة عنق
يقدم الفيلم مستويات متعددة للجريمة. هناك عنف الشارع المباشر، وهناك الجريمة التي ترتبط بالنفوذ والمال والسياسة والإعلام، وهناك فساد يستطيع صاحبه أن يحافظ في الوقت نفسه على صورة اجتماعية محترمة.
وهذا أحد أسباب كثرة الشخصيات والخطوط في الفيلم. فالمدينة التي يصنعها «تراب الماس» ليست مقسمة ببساطة إلى أخيار وأشرار، وإنما تبدو كشبكة تتقاطع فيها السلطة بالمال والإعلام والجريمة.
في هذا العالم قد يكون البلطجي أكثر وضوحًا من رجل يرتدي بدلة أنيقة. الأول يخيفك مباشرة، أما الثاني فيستطيع أن يؤذي آلاف الناس من دون أن تتسخ يداه.
ولذلك يصبح السؤال عن حجم الجريمة ضروريًا. هل الجريمة هي الفعل الذي يمكن تصويره في محضر الشرطة فقط؟ أم أن هناك أفعالًا قانونية في شكلها، أو محمية بالنفوذ، تكون نتائجها أشد فتكًا من جريمة الشارع؟
الفيلم لا يقدم إجابة فلسفية جاهزة، لكنه يجعل هذا التفاوت خلفية ضرورية لفهم غضب حسين وطه.
سارة وشريف مراد: عالم آخر للسلطة
قد يبدو خط سارة، التي تؤديها منة شلبي، وعلاقتها بالإعلامي شريف مراد، الذي يؤديه إياد نصار، بعيدًا في بعض اللحظات عن محور القتل. لكنه يوسع صورة العالم الذي يتحرك فيه طه.
فالسلطة ليست شرطيًا أو سياسيًا فقط. هناك سلطة الصورة والشهرة والإعلام والعلاقات الاجتماعية. والشخصيات في «تراب الماس» تعيش في مجتمع تصنع فيه السمعة واجهة قد تكون مختلفة تمامًا عما يجري خلفها.
وهذا ينسجم مع الفكرة المركزية للفيلم: لا تثق بالسطح.
الأشياء اللامعة قد تخفي ترابًا قاتلًا، والشخصيات اللامعة قد تخفي بدورها مناطق شديدة العتمة.
القاهرة ليست خلفية محايدة
يستفيد مروان حامد من المدينة بوصفها جزءًا من الحكاية. البيوت القديمة، الشقق، الصيدلية، الشوارع، الأماكن المغلقة والممرات ليست مجرد مواقع لتصوير الأحداث؛ إنها تساعد في صناعة عالم تتجاور فيه طبقات زمنية واجتماعية متعددة.
وذلك مهم لأن قصة حسين تمتد إلى تاريخ سابق، بينما يتحرك طه في حاضر ورث نتائج ذلك التاريخ. الماضي ليس فصلًا مغلقًا، بل يعيش داخل البيوت والذاكرة والعلاقات.
حتى كرسي حسين المتحرك لا يبقى مجرد تفصيل مرتبط بحالته الجسدية، وإنما يدخل في بنية الأسرار التي يكتشفها طه. الأشياء المنزلية العادية تحمل ذاكرة لا تظهر من الخارج.
وهذه واحدة من نقاط القوة البصرية في الفيلم: الشعور بأن لكل غرفة ماضيًا، ولكل شخصية غرفة مغلقة لا نعرف ما فيها بعد.
الرواية والفيلم: هل هما الحكاية نفسها؟
«تراب الماس» في الأصل رواية لأحمد مراد، وهو نفسه من كتب سيناريو الفيلم، لكن الانتقال من الرواية إلى السينما لم يكن عملية نسخ حرفي. احتفظ الفيلم بالشخصيات والمحور الأساسي وجوهر الصراع، بينما أعاد ترتيب وتكثيف وتعديل بعض التفاصيل بما يلائم البناء السينمائي.
وهذا طبيعي، لأن الرواية تستطيع الدخول طويلًا إلى أفكار الشخصية وماضيها، بينما تحتاج السينما إلى تحويل جانب كبير من ذلك إلى صورة وحوار وفعل.
لذلك فإن مقارنة العملين تصبح أكثر فائدة حين نسأل: ماذا فعل الفيلم بالحكاية؟ لا: لماذا لم ينقل كل صفحة كما هي؟
حتى شخصية طه نفسها لا تصل إلى الشاشة نسخة مطابقة تمامًا للشخصية الروائية، كما أن بعض العلاقات والتفاصيل والنهاية تعرضت للتغيير أو إعادة البناء.
لكن السؤال الأخلاقي المركزي بقي حاضرًا: ماذا يفعل الإنسان عندما يقتنع بأن القانون لم يعد قادرًا على تحقيق العدالة؟
نهاية تراب الماس: هل انتصر طه؟
من السهل مشاهدة أفلام الانتقام بوصفها رحلة لها نقطة نهاية: تقع الجريمة، يبحث البطل عن المسؤول، ينتقم منه، ثم ينتهي كل شيء.
لكن «تراب الماس» أكثر تشاؤمًا من ذلك.
لأن المشكلة التي واجهها طه لم تكن شخصًا واحدًا يمكن التخلص منه. إنها شبكة من المصالح والفساد والعنف. وإذا قتل فردًا منها، فإن الشروط التي أنتجتها لا تختفي بالضرورة.
والأهم أن طه نفسه يتغير.
في البداية هو الابن الذي يريد معرفة قاتل أبيه. لكن المعرفة تمنحه قوة، والقوة تفتح أمامه بابًا لم يكن يتخيل أنه سيدخله. وهنا يتحول الانتقام من وسيلة مؤقتة إلى طريقة لرؤية العالم.
هذه هي الخسارة الحقيقية.
فحتى لو استطاع المنتقم الوصول إلى الشخص الذي ظلمه، فإنه لا يعود بالضرورة الإنسان الذي كانه قبل الظلم. الانتقام يعاقب خصمه، لكنه يعيد تشكيل صاحبه أيضًا.
من القاتل ومن الضحية إذن؟
ربما تكون قوة «تراب الماس» في أنه يجعل الإجابة أقل راحة كلما تقدم الفيلم.
حسين ضحية، لكنه قاتل.
وطه ابن ضحية، ثم يصبح قاتلًا.
وبعض القتلى ضحايا لجريمة قتل، لكنهم ليسوا بالضرورة أبرياء من الأذى الذي مارسوه في حياتهم.
ورجل القانون يفترض أن يكون حارسًا للعدالة، لكنه يتحرك داخل عالم المصالح والفساد.
لهذا لا تستطيع الحكاية أن تقسم شخصياتها بسهولة إلى جانبين. وهي لا تقول إن الجميع متساوون أخلاقيًا، بل تقول شيئًا أكثر إزعاجًا: الإنسان قد يكون ضحية في فصل من حياته وجلادًا في فصل آخر.
وهذه الفكرة أكثر واقعية من التقسيم المريح بين الخير والشر. فالظلم لا ينتج دائمًا أبطالًا أخلاقيين؛ أحيانًا ينتج أشخاصًا مجروحين يكررون منطق القوة نفسه الذي عانوا منه.
العدالة والانتقام: أين يقع الخط الفاصل؟
يمكن اختصار الفرق في سؤال بسيط: ماذا نريد من العقوبة؟
إذا كان الهدف حماية المجتمع، وإثبات المسؤولية، ومحاسبة المذنب وفق قواعد تنطبق على الجميع، فنحن نتحدث عن العدالة كما يفترض أن تكون. أما إذا أصبح الهدف إشباع الألم بألم مقابل، فإننا نقترب من الانتقام، مهما بدا الشخص الآخر مذنبًا.
لكن الفيلم يعرف أن هذه الإجابة النظرية تصبح أصعب بكثير عندما يفشل النظام نفسه.
من السهل أن تطلب من الإنسان احترام القانون عندما يحميه القانون. يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما يرى أن صاحب المال أو النفوذ يستطيع شراء طريق للخروج من العقاب.
ومع ذلك، فإن منح الفرد حق القتل لا يصلح النظام؛ إنه يستبدل خللًا بخلل آخر. وإذا كان اعتراض حسين على عالم تتحكم فيه القوة بدل العدالة، فإنه حين يجعل قدرته على القتل مصدرًا للعدالة يقع، من حيث لا يريد، في المنطق نفسه: من يملك القوة يقرر.
وهنا توجد المفارقة المأساوية في الشخصية.
لماذا يبقى تراب الماس فيلمًا قابلًا للنقاش؟
لأن الفيلم لا ينتهي بمجرد معرفة القاتل. لو كانت قيمته قائمة على لغز الجريمة وحده لفقد جزءًا كبيرًا من تأثيره بعد المشاهدة الأولى. لكن السؤال الأخلاقي يبقى قائمًا حتى بعد معرفة كل الأسرار.
المشاهد يعرف أن القتل جريمة، لكنه يعرف أيضًا أن بعض الشخصيات التي تُعاقب شاركت في فساد حقيقي داخل عالم الفيلم. وهكذا يجد نفسه بين حكمين متناقضين: رفض القتل، والشعور بأن الإفلات من العقاب ليس عدالة أيضًا.
إن «تراب الماس» لا يحل هذا التناقض نيابة عنا، وهذه إحدى نقاط قوته. فهو يضع المشاهد في المساحة الرمادية التي يعيش فيها طه، ثم يتركه يبحث عن المخرج بنفسه.
ولعل السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الفيلم ليس: هل كان حسين محقًا؟ ولا: هل كان طه محقًا؟ فإجابة كهذه قد تبسط حكاية بنيت أصلًا على تعقيد الحدود الأخلاقية.
السؤال الأهم هو: ماذا يحدث للمجتمع عندما يفقد الناس ثقتهم في قدرة العدالة على معاقبة الأقوياء؟
عندها لا يختفي مفهوم العدالة. على العكس، يصبح الناس أكثر تعطشًا إليها. لكن الخطر أن يبدأ كل شخص في اختراع عدالته الخاصة، واختيار مذنبيه، وتحديد عقوباتهم.
وفي تلك اللحظة لا يكون «تراب الماس» هو السم الحقيقي في الحكاية. السم الأخطر هو انهيار الثقة في القانون، لأن المادة التي يستخدمها القاتل تستطيع قتل شخص، أما انهيار فكرة العدالة نفسها فيستطيع أن يحول الضحية التالية إلى قاتل جديد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق