اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

ما وجهة النظر السردية؟ الفرق بين ضمير المتكلم والغائب والمخاطب

مشهد أدبي يعرض الحكاية من زوايا مختلفة توحي بضمير المتكلم والغائب والمخاطب
تتغير الحكاية حين يتغير الموقع الذي نسمع منه الصوت أو نرى منه الأحداث.

من يتكلم في الحكاية، ومن يرى العالم من داخلها؟

قد تروي حادثة بسيطة فتقول: "دخلتُ الغرفة فرأيتُ الرسالة على الطاولة"، ثم تعيد الجملة نفسها على صورة: "دخل سامر الغرفة فرأى الرسالة على الطاولة". يبدو الفرق لأول وهلة نحويًا فقط: تحولت "أنا" إلى "هو". لكن إذا واصلنا السرد فسوف يظهر أن المسألة أعمق من الضمير. هل نعرف ما يفكر فيه سامر؟ هل يعرف الراوي أشياء لا يعرفها سامر؟ هل نرى الغرفة بعينيه أم من مكان محايد؟ وهل الشخص الذي يقول "أنا" يعرف الحقيقة فعلًا، أم ينقل لنا نسخته الخاصة منها؟

هنا تبدأ مسألة وجهة النظر السردية. فالكاتب لا يختار فقط ما الذي سيحدث، بل يختار أيضًا الموقع الذي ستصل منه الحكاية إلى القارئ: من يتكلم؟ ما مقدار ما يعرفه؟ من خلال أي وعي نرى الأشخاص والأحداث؟ وما الذي يُحجب عنا؟

وجهة النظر السردية هي الطريقة التي تُقدَّم بها الحكاية إلى القارئ من حيث الصوت وموقع الإدراك والمعرفة. السرد بضمير المتكلم يستخدم "أنا" أو "نحن"، والغائب يستخدم "هو" و"هي" و"هم"، والمخاطب يبني الحكاية حول "أنت". لكن الضمير وحده لا يكفي لتحديد وجهة النظر؛ فقد يكون الراوي بضمير الغائب محدودًا بمعرفة شخصية واحدة، أو واسع المعرفة، أو واقفًا عند السلوك الظاهر فقط.

لذلك، إذا أردنا قراءة الرواية أو القصة قراءة دقيقة، فعلينا ألا نسأل فقط: بأي ضمير كُتبت؟ بل نسأل سؤالين منفصلين: من يتكلم؟ ومن يدرك ما يحدث؟

ضمير المتكلم: حين تقول الشخصية "أنا"

أسهل صور وجهة النظر تعرفًا هي السرد بضمير المتكلم. يقول الراوي: ذهبتُ، رأيتُ، تذكرتُ، خفتُ، كنتُ أظن. وهو في العادة شخصية داخل العالم الحكائي، قد يكون بطل القصة أو شاهدًا على أحداثها أو شخصية تقع عند هامش الحدث ثم تنقله إلى القارئ.

من أشهر البدايات التي تكشف هذا الوضع مباشرة افتتاح رواية Moby-Dick لهرمان ملفيل بالعبارة القصيرة: "Call me Ishmael." منذ اللحظة الأولى نعرف أن هناك صوتًا يقدم نفسه إلينا، وأن ما سيأتي سيصل عبر حضوره وتجربته وذاكرته.

لكن كلمة "أنا" لا تعني أننا أمام الحقيقة المطلقة. على العكس، إحدى أهم إمكانات هذا الضمير أنه يجعل المعرفة محدودة بحدود الراوي نفسه. يستطيع أن يخبرنا بما رآه وسمعه وفكر فيه، وما أخبره به الآخرون، لكنه لا يستطيع ـ في السرد الواقعي المعتاد ـ أن يدخل تلقائيًا إلى عقول جميع الشخصيات ويخبرنا بيقين بما تفكر فيه.

وهنا يصبح النقص في المعرفة جزءًا من الفن. فقد يسيء الراوي فهم شخص آخر، أو يتذكر حادثة بعد سنوات فيعيد تفسيرها، أو يحاول تبرير تصرف قديم، أو يخفي أمرًا عن القارئ، أو يكون واثقًا من تفسير يتبين لاحقًا أنه ناقص. لذلك لا ينبغي الخلط بين الراوي المتكلم وبين الكاتب الحقيقي. وقد تناولنا هذه المسألة بصورة مستقلة في شرح الفرق بين الكاتب والراوي؛ فقول شخصية روائية "أنا" لا يحولها تلقائيًا إلى المؤلف.

السرد بضمير المتكلم يمنح القارئ عادة قربًا واضحًا من الصوت، لكنه لا يضمن قربًا من الحقيقة. وقد تكون هذه المفارقة تحديدًا مصدر قوته: نحن قريبون جدًا ممن يتحدث، لكننا محصورون أيضًا داخل زاوية رؤيته.

ضمير الغائب ليس نوعًا واحدًا

حين نقرأ: "خرجت ليلى من المنزل، وأغلقت الباب خلفها"، نحن أمام ضمير الغائب. غير أن معرفة ذلك لا تخبرنا بعدُ بنوع الرؤية التي سيبنيها النص.

يمكن للراوي أن يظل قريبًا من ليلى وحدها، فيعرف القارئ أفكارها ومخاوفها بينما تبقى دواخل الآخرين مجهولة. ويمكن أن يتحرك الراوي بين الشخصيات ويعرف ما لا يعرفه أي واحد منها. ويمكن أيضًا أن يقف عند السطح، فيصف الحركات والأقوال دون أن يكشف مباشرة ما يدور في داخل العقول.

لهذا فإن العبارة الشائعة "ضمير الغائب يعني الراوي العليم" غير دقيقة. العليم أحد الاحتمالات فقط.

الغائب المحدود

تخيل أن الرواية تقول: "جلس يوسف قرب النافذة. كان يظن أن الرسالة لن تصل. عندما دخلت مريم ابتسمت له، ولم يفهم سبب ابتسامتها."

الضمير غائب، لكن المعرفة هنا مربوطة بيوسف. نعرف ما يظنه هو، ونرى ابتسامة مريم من الخارج، ولا نعرف سببها لأن يوسف نفسه لا يعرفه. لقد أصبح وعي يوسف نافذة تمر من خلالها المعلومات.

الغائب واسع المعرفة

يمكن أن يتغير المشهد قليلًا: "جلس يوسف قرب النافذة وهو يعتقد أن الرسالة لن تصل. أما مريم، التي كانت تحملها في حقيبتها، فقد دخلت وهي تؤجل اللحظة التي ستخبره فيها بالحقيقة."

الآن يعرف القارئ ما لا يعرفه يوسف، ويستطيع السرد النفاذ إلى معرفة مريم أيضًا. الضمير لم يتغير؛ ما تغير هو مدى المعرفة المسموح بها.

الغائب الخارجي

ويمكن أن نكتب: "جلس يوسف قرب النافذة. دخلت مريم، وضعت حقيبتها على الكرسي، ثم ظلت واقفة. نظر إليها يوسف ولم يقل شيئًا."

هنا لا يخبرنا السارد مباشرة بما يفكر فيه أي منهما. نحن نستدل على التوتر من الحركة والنظرات والصمت. يشبه هذا الوضع في بعض مشاهده عين الكاميرا، مع الانتباه إلى أن التشبيه تقريبي، لأن اللغة تستطيع دائمًا أن تنتقي وتصف وتوحي حتى حين تمتنع عن الدخول المباشر إلى الوعي.

لذلك تفيد مقالة أنواع الراوي في الرواية عند الانتقال من سؤال الضمير إلى سؤال أوسع: ما موقع الراوي من الأحداث، وما حدود معرفته، وكيف تتغير العلاقة بينه وبين الشخصيات؟

ضمير المخاطب: عندما تصبح "أنت" داخل الحكاية

السرد بضمير المخاطب أقل شيوعًا، ولهذا يلفت الانتباه بسرعة. بدل أن يقول الراوي "ذهبتُ إلى المحطة" أو "ذهب إلى المحطة"، يقول: "تذهب إلى المحطة قبل الغروب. تعرف أنك وصلت مبكرًا، لكنك لا تستطيع العودة."

ما الذي يحدث هنا؟ الجملة تبدو كأنها تخاطب القارئ، لكنها قد تكون في الحقيقة تخاطب شخصية داخل النص. وهذه إحدى خصائص ضمير المخاطب: كلمة "أنت" تظل تحمل أثر النداء حتى حين نعرف أن المقصود ليس القارئ الحقيقي.

مثال توضيحي:

"تفتح الباب ببطء. كنت قد وعدت نفسك ألا تعود إلى هذا المنزل، لكن قدمك الأولى أصبحت في الممر. تنظر إلى الساعة القديمة فوق الجدار، وتدرك أنها ما تزال متوقفة عند اللحظة نفسها."

في هذا المثال يؤدي المخاطب وظيفة سردية كاملة. لا توجد مجرد جملة عابرة من نوع "أيها القارئ". الحكاية نفسها تُبنى حول "أنت": أنت تفتح، أنت وعدت، أنت تنظر، أنت تدرك.

وقد استخدمت الرواية الحديثة هذه التقنية بطرائق متعددة: أحيانًا يخاطب الراوي ذاته كأنها شخص آخر، وأحيانًا يخاطب شخصية محددة، وأحيانًا يترك مرجع "أنت" ملتبسًا بحيث يشعر القارئ أنه قريب بصورة غير عادية من موقع الشخصية. ومن الأمثلة العالمية المعروفة رواية La Modification لميشيل بوتور، كما أصبح ضمير المخاطب موضوعًا مستقلًا في دراسات السرد الحديثة.

لكن وجود كلمة "أنت" في فقرة لا يعني أن الرواية كلها مكتوبة بضمير المخاطب. فقد يخاطب راوٍ بضمير المتكلم شخصًا آخر، أو يوجه جملة إلى القارئ، ثم يستمر السرد على نظامه السابق. معيارنا ليس ظهور الضمير مرة أو مرتين، بل الوظيفة التي يؤديها في بناء الحكاية.

جرّب المشهد نفسه بثلاث وجهات نظر

أفضل طريقة لفهم الفرق ليست حفظ التعريفات، بل مشاهدة الحدث نفسه وهو يتغير عندما تتغير زاوية السرد. لنأخذ حدثًا واحدًا: رجل يصل إلى غرفة فيجد رسالة كان ينتظرها.

المتكلم:

"دخلت الغرفة وأنا أتهيأ لخيبة جديدة. ثم رأيت الظرف فوق الطاولة. عرفت خطها قبل أن ألمسه، وشعرت بأنني لم أعد مستعدًا لقراءة ما تمنيت طويلًا أن يصل."

نحن هنا داخل تجربة الشخصية مباشرة. لا نعرف الظرف فقط، بل نعرف الخيبة السابقة والتعرف إلى الخط والخوف المفاجئ.

الغائب المحدود:

"دخل نادر الغرفة وهو يتهيأ لخيبة جديدة. ثم رأى الظرف فوق الطاولة. عرف خطها قبل أن يلمسه، وشعر بأنه لم يعد مستعدًا لقراءة ما تمناه طويلًا."

تغير الضمير، لكن مركز الإدراك لم يتغير كثيرًا. ما زلنا نعرف ما يراه نادر وما يشعر به، ولا نعرف أكثر منه بالضرورة. وهذا مثال واضح على أن الفرق بين "أنا" و"هو" ليس هو الفرق كله.

المخاطب:

"تدخل الغرفة مستعدًا لخيبة أخرى. ثم ترى الظرف فوق الطاولة. تعرف خطها قبل أن تمد يدك إليه، وفجأة تتمنى لو أن الرسالة تأخرت يومًا آخر."

الحدث نفسه أصبح يحمل إحساسًا بالمواجهة. المخاطب يدفع الشخصية إلى مقدمة الجملة باستمرار، ويجعل أفعالها كأنها تقع أمامها وأمام القارئ في الوقت نفسه.

ولو كتبنا المشهد بغائب واسع المعرفة، لاستطعنا أن نضيف أن صاحبة الرسالة ندمت بعد إرسالها، أو أن شخصًا آخر أخفى رسالة ثانية، أو أن نادر يسيء فهم مضمون الظرف قبل فتحه. وبذلك تتغير بنية التوتر لأن القارئ أصبح يعرف ما لا تعرفه الشخصية.

الصيغة العلامة الظاهرة السؤال الأهم أثناء القراءة
المتكلم أنا / نحن ما حدود معرفة هذا الراوي، وهل يمكن الوثوق بتفسيره؟
الغائب هو / هي / هم هل الرؤية محدودة بشخصية أم واسعة أم خارجية؟
المخاطب أنت / أنتم من المقصود بـ"أنت"، وما أثر الخطاب المباشر في تجربتنا؟

الفرق الحاسم بين "من يتكلم؟" و"من يرى؟"

عند هذه النقطة نحتاج إلى مصطلح نقدي يساعدنا على تجاوز الضمائر: التبئير. ارتبط المصطلح في السرديات الحديثة بجيرار جينيت، الذي حاول أن يميز بين مسألتين كثيرًا ما اختلطتا في الدراسات السابقة: الصوت الذي يجيب عن سؤال "من يتكلم؟"، والمنظور أو التبئير الذي يتصل بسؤال "من خلال أي موقع إدراكي تصل إلينا المعلومات؟".

كلمة "يرى" هنا ليست مقصورة على النظر بالعين. قد يكون المقصود ما تعرفه الشخصية، وما تسمعه، وما تتذكره، وما تشعر به، وما تستطيع فهمه من الموقف. ولذلك يمكن القول بصورة عملية إن التبئير يحدد مرشح المعلومات الذي تمر من خلاله الحكاية.

لنفترض أن الراوي يقول: "دخلت سلمى القاعة. كان الجميع يعرف ما حدث إلا هي." الراوي يتحدث بضمير الغائب، لكنه يمتلك معلومة تتجاوز معرفة سلمى. وإذا قال: "دخلت سلمى القاعة وشعرت بأن الوجوه تغيرت، ولم تعرف لماذا"، أصبحت المعلومات أقرب إلى حدود إدراك سلمى نفسها.

لذلك لا يكفي في التحليل أن نكتب: "استخدم الكاتب ضمير الغائب". هذه ملاحظة صحيحة لكنها أولية. التحليل يبدأ عندما نسأل: ماذا سمح هذا الاختيار للقارئ أن يعرف؟ ماذا حجبه؟ إلى أي شخصية اقترب؟ ومتى ابتعد عنها؟

هل يمكن أن تتغير وجهة النظر داخل الرواية؟

نعم، ولا توجد قاعدة تفرض على الرواية أن تبقى محصورة طوال صفحاتها في صيغة واحدة. قد تتناوب الفصول بين شخصيتين أو أكثر، وقد ينتقل النص من راوٍ إلى آخر، وقد يبقى الضمير غائبًا بينما يتغير مركز الإدراك من شخصية إلى أخرى.

هذا هو السبب في أن تحديد وجهة النظر لا ينبغي أن يتم من فقرة وحيدة إذا كان النص طويلًا. ربما تبدأ الرواية قريبة من شخصية، ثم تبتعد عنها. وربما تمنح كل فصل لشخصية مختلفة. وربما يكون لدينا راوٍ واحد ينقل أصواتًا عديدة داخل الرسائل والذكريات والحوارات.

ومن هنا تتصل وجهة النظر بعناصر أخرى في البناء الروائي. فالزمن والمكان والشخصية والحبكة لا تصل إلى القارئ مستقلة عن طريقة عرضها؛ ولهذا يفيد النظر إلى عناصر الرواية بوصفها أجزاء تتفاعل، لا صناديق منفصلة.

حتى الحوار نفسه لا يلغي وجود المنظور. حين تتكلم الشخصيات بأصواتها، يبقى على السرد أن يختار من يسمع الحوار، وأي رد فعل يصف، وأي تفصيل يهمله. وقد تناولنا بصورة مستقلة كيفية عمل الحوار في القصة والرواية لأن صوت الشخصية داخل الحوار يختلف عن صوت الراوي الذي ينظم المشهد ويقدمه.

أخطاء تجعل قراءة وجهة النظر أقل دقة

أكثر الأخطاء انتشارًا هو مساواة المتكلم بالكاتب. الرواية عمل مصنوع، والراوي جزء من هذا الصنع مهما بدا قريبًا من سيرة المؤلف. قد يستخدم الكاتب تجارب عاشها فعلًا، لكن ذلك لا يزيل المسافة الفنية بين صاحب الكتاب والصوت الذي يحكي داخله.

الخطأ الثاني هو افتراض أن المتكلم صادق أو موثوق لأنه يقول "أنا". ضمير المتكلم يمنحنا الوصول إلى صوته، لا شهادة على صحة أحكامه. قد يكون أمينًا لكنه مخطئ، أو محدود المعرفة، أو منحازًا، أو عاجزًا عن فهم نفسه.

والخطأ الثالث هو مساواة الغائب بالراوي العليم. لقد رأينا أن الغائب يستطيع أن يكون شديد الالتصاق بشخصية واحدة، بحيث لا يعرف القارئ أكثر مما تعرفه تقريبًا.

أما الخطأ الرابع فهو اعتبار كل استعمال لـ"أنت" سردًا بضمير المخاطب. قول الراوي "عزيزي القارئ، لنتأمل ما حدث" ليس في ذاته كافيًا. ينبغي أن تصبح "أنت" موقعًا يُروى منه الحدث أو تُبنى حوله الشخصية حتى نتحدث عن سرد بالمخاطب بالمعنى الدقيق.

وهناك خطأ أكثر دقة: البحث عن تصنيف ثابت لكل صفحة. النصوص الأدبية ليست ملزمة بأن تحترم الحدود النظرية كما لو كانت نماذج مدرسية. قد يحدث انتقال في التبئير، أو امتزاج بين صوت الراوي ولغة الشخصية، أو تغير مقصود في المسافة. النظريات أدوات تساعدنا على رؤية النص، لا قوانين تجبر النص على الطاعة.

كيف تحدد وجهة النظر بنفسك؟

عندما تفتح قصة أو رواية جديدة، ابدأ بالضمائر لأنها العلامة الأسهل، لكن لا تتوقف عندها. اسأل من الذي يقول الجمل السردية الأساسية: هل يقدم نفسه بوصفه "أنا"؟ هل يتحدث عن الشخصيات من الخارج؟ هل يبني الحكاية حول "أنت"؟

بعد ذلك راقب المعرفة. اختر مشهدًا توجد فيه شخصيتان أو ثلاث، وحاول أن تعرف: أي الأفكار يسمح النص لي بدخولها؟ هل أعرف نية شخصية لا تعرفها الشخصية الأخرى؟ هل يخبرني السارد عن الماضي والمستقبل؟ أم أنني أكتشف الأشياء في اللحظة نفسها التي تكتشفها فيها شخصية بعينها؟

ثم راقب اللغة نفسها. أحيانًا يكون الراوي غائبًا، لكن وصف العالم يحمل كلمات وتقييمات تنتمي بوضوح إلى شخصية محددة. قد نصف مطعمًا بأنه "فاخر"، بينما تراه الشخصية نفسها "متكلفًا ومزعجًا". إذا كانت اللغة تميل باستمرار إلى أحكام الشخصية وإدراكها، فهذه علامة على قرب المنظور منها حتى لو ظل الضمير "هو" أو "هي".

وبعد ذلك اسأل عما لا تعرفه. هذه خطوة مهمة لأن وجهة النظر تُصنع بالحجب بقدر ما تُصنع بالكشف. إذا كانت الرواية تمنعك من معرفة سر شخصية، فقد يكون ذلك نتيجة طبيعية لحدود الراوي أو استراتيجية لصناعة التوتر.

وأخيرًا، اختبر النتيجة على أكثر من مقطع. إذا وجدت أن الضمير واحد لكن المعرفة تنتقل من وعي إلى آخر، فلا تقل إن تحليلك فشل؛ ربما تكون هذه الحركة نفسها إحدى تقنيات الرواية.

لماذا يغيّر المنظور معنى الحكاية؟

لنتخيل قصة عن خلاف بين أخوين. إذا رواها الأخ الأول بضمير المتكلم، فسوف نعيش الخلاف من داخل ذاكرته وتبريراته ومشاعره. وإذا رواها راوٍ غائب يتنقل بين الأخوين، فقد نكتشف أن كل واحد منهما يحمل تفسيرًا مختلفًا للحادثة نفسها. وإذا ظل الراوي خارجيًا، فقد لا نعرف أيهما محق، ونضطر إلى بناء تفسيرنا من الأفعال والكلمات. وإذا استخدم النص المخاطب، فقد تتحول الحكاية إلى مواجهة نفسية مع أحد الطرفين.

الحدث لم يتغير، لكن معنى الحدث تغير لأن توزيع المعرفة تغير.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية لوجهة النظر السردية. فهي ليست زينة أسلوبية يختار الكاتب بينها كما يختار صيغة لغوية محايدة. إنها تتحكم في المسافة بيننا وبين الشخصيات، وفي مقدار التعاطف أو الشك، وفي ترتيب المفاجآت، وفي قدرتنا على الحكم، وفي الفرق بين ما نعرفه وما تعرفه الشخصية.

أحيانًا يكون القارئ أسبق من البطل في المعرفة، فينشأ التوتر من انتظار اللحظة التي سيكتشف فيها الحقيقة. وأحيانًا يكون القارئ والبطل متساويين، فيصبح الاكتشاف مشتركًا. وأحيانًا يكون البطل عارفًا بشيء يحجبه السرد عنا مؤقتًا. كل هذه العلاقات ترتبط بمنظور الحكاية وإدارة المعلومات فيها.

وجهة النظر ليست اختيار ضمير فحسب

يمكن الآن أن نعود إلى السؤال الأول. إذا وجدت أمامك نصًا يستخدم "أنا"، فقد عرفت نقطة البداية لا النهاية: هناك راوٍ متكلم، لكن عليك أن تسأل من يكون، وما الذي يعرفه، ومتى يروي، وما مقدار الثقة التي يستحقها. وإذا وجدت "هو" أو "هي"، فلا تكتب فورًا "راوٍ عليم"، بل اختبر حدود المعرفة ومركز الإدراك. وإذا وجدت "أنت"، فتحقق هل هي مخاطبة عابرة أم أن الشخصية نفسها تُبنى داخل هذا الضمير.

القراءة الأدبية تبدأ كثيرًا من تفاصيل تبدو صغيرة. ضمير واحد قد يغيّر المسافة، لكن الطريقة التي توزع بها الرواية المعرفة هي التي تمنح هذا الضمير معناه الكامل. ولهذا فإن أفضل سؤال بعد معرفة الضمير ليس: ما اسمه؟ بل: ماذا يسمح لي هذا الموقع أن أرى، وماذا يمنعني من رؤيته؟

عندها تصبح وجهة النظر وسيلة لفهم الرواية لا مجرد مصطلح لحفظه. فنحن لا نبحث عن صندوق نضع النص داخله، بل عن الطريقة التي قرر بها النص أن يجعل العالم مرئيًا لنا: قريبًا أو بعيدًا، كاملًا أو ناقصًا، مأمونًا أو مثيرًا للشك.

إذا رويتَ حادثة واحدة مرة بضمير المتكلم ومرة بضمير الغائب، فما المعلومة التي ستسمح للقارئ بمعرفتها في كل نسخة، وما المعلومة التي ستختار حجبها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق