اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

المحاكمة لكافكا: ما الجريمة التي ارتكبها جوزف ك؟ ولماذا لا تخبرنا الرواية؟

رجل يقف وحيدًا في ممر بيروقراطي طويل تحيط به الأبواب والملفات في صورة مستوحاة من رواية المحاكمة لكافكا

صورة توضيحية أصلية تستلهم عالم الاتهام والبيروقراطية الغامضة في رواية "المحاكمة".

حين يصبح الاتهام نفسه هو العقوبة

ما الجريمة التي ارتكبها جوزف ك.؟ هذا هو السؤال الذي يلاحق قارئ "المحاكمة" منذ الصفحة الأولى، وقد يبدو من الطبيعي أن نتوقع أن تخبئ الرواية الجواب إلى فصل متأخر: ربما ارتكب الرجل فعلًا نسيه، أو أخفى سرًا، أو ستظهر وثيقة تقلب فهمنا للقصة. لكن فرانز كافكا لا يفعل شيئًا من ذلك. تمضي الرواية، وتتسع المحكمة، ويظهر الحراس والموظفون والمحامي والقاضي والرسام وقس السجن، ويزداد الخوف، بينما تظل الجريمة غائبة.

بل إن المفارقة تبدأ قبل أن يستطيع القارئ بناء أي شك حقيقي في جوزف ك. فالجملة الأولى من النص الألماني تخبرنا بأن أحدًا لا بد أن يكون قد افترى عليه، وأنه اعتُقل ذات صباح من غير أن يكون قد فعل شرًا. ثم تأتي السلطة لتتصرف كما لو أن القضية محسومة من قبل أن نعرف ماهيتها.

الجواب المختصر هو أن الرواية لا تكشف أي جريمة ارتكبها جوزف ك.، ولا تقدم تهمة قانونية محددة يمكن للقارئ إثباتها عليه. هذا الغياب ليس لغزًا بوليسيًا ينتظر الحل، بل هو جزء من بناء الرواية نفسه: كافكا ينقل مركز الخوف من السؤال "ماذا فعل المتهم؟" إلى سؤال أشد قسوة: ماذا يحدث للإنسان عندما يُطلب منه الدفاع عن نفسه أمام سلطة لا تخبره أصلًا ممَّ يدافع؟

لهذا فإن البحث عن جريمة مخفية في ثنايا الرواية قد يقودنا بعيدًا عن أهم ما تفعله. "المحاكمة" لا تعطينا ملفًا ناقصًا علينا استكماله، وإنما تجعل نقص الملف نفسه هو الموضوع.


رجل موقوف يستطيع الذهاب إلى عمله

كل شيء في الاعتقال الأول مصمم ليزعزع المعاني المألوفة. يدخل رجلان إلى غرفة جوزف ك. صباح عيد ميلاده الثلاثين ويبلغانـه بأنه موقوف. يسأل عن السبب، فلا يعرفان أو لا يريدان إخباره. يبحث عن سلطة واضحة يمكن مخاطبتها، فلا يجدها. ومع ذلك لا يوضع في زنزانة، ولا يُمنع من الذهاب إلى المصرف الذي يعمل فيه. إنه معتقل وحر في الوقت نفسه.

هذه المفارقة أساسية. لو أخذته الشرطة إلى السجن لعرف على الأقل حدود الكارثة: هناك سلطة قبضت عليه، وتهمة ينبغي معرفتها، ومحكمة ينبغي الوصول إليها. أما كافكا فيتركه داخل حياته اليومية. يذهب إلى عمله، يقابل الناس، يتحرك في المدينة، لكنه يحمل معه منذ ذلك الصباح حقيقة جديدة لا يستطيع تحديدها: هناك قضية ضده.

ومنذ هذه اللحظة يصبح الاتهام أشبه بشيء غير مرئي دخل حياته ولم يعد ممكنًا إخراجه منها. القضية لا تمنعه من العمل، لكنها تبدأ في احتلال تفكيره. المحكمة لا تسكن مبنى ضخمًا مهيبًا يمكن التعرف إليه من بعيد، بل تظهر في غرف ضيقة وسلالم وعلّيات وأماكن تختلط فيها الحياة اليومية بجهاز قضائي غامض. السلطة ليست أمامه فقط؛ إنها تتسلل إلى المساحات التي كان يظن أنها تقع خارجها.

وهنا تختلف تجربة جوزف ك. عن الجريمة التقليدية في الرواية. في "الجريمة والعقاب": لماذا قتل راسكولنيكوف المرابية؟ نعرف الجريمة منذ وقوعها، وينشأ التوتر من أثرها في المجرم ومن انهيار الفكرة التي حاول تبريرها. أما في "المحاكمة" فنحن لا نملك جريمة أصلًا. توجد العقوبة النفسية قبل أن يوجد أمامنا فعل يستحق العقاب.

هل جوزف ك. بريء فعلًا؟

من السهل أن نجيب: نعم، لأن الجملة الأولى تقول إنه لم يفعل شرًا. لكن كافكا لا يجعل المسألة مريحة إلى هذا الحد.

جوزف ك. ليس قديسًا. هو رجل واثق من موقعه الاجتماعي، شديد الاعتداد بعقله ومكانته في المصرف، وقد يكون فظًا أو متعاليًا في علاقاته. تظهر في الرواية جوانب من أنانيته ورغبته في السيطرة ونظرته الملتبسة إلى النساء وبعض من حوله. لكن هذه الصفات ليست ملف اتهام قضائيًا. لا يقول النص إن المحكمة تحاكمه بسبب قسوته أو غروره أو حياته العاطفية، ولا يقدم رابطة واضحة بين عيب أخلاقي محدد وبين الإجراءات التي يخضع لها.

وهذه نقطة مهمة لأن كثيرًا من القراءات تحاول أن تملأ الفراغ الذي تركه كافكا. ما دام هناك اتهام، نفترض أن خلفه ذنبًا. وإذا لم تعطنا الرواية الذنب، نبدأ في البحث عنه بأنفسنا.

لكن ربما تكون هذه الرغبة في العثور على ذنب جزءًا من الفخ الذي صنعه النص. فنحن نفعل ما تفعله المحكمة تقريبًا: ننطلق من وجود المحاكمة لنفترض وجود جريمة تبررها.

وجود الاتهام يصبح دليلًا على الذنب بدل أن يكون الادعاء الذي يحتاج إلى دليل.

وفي هذا التحول تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية إزعاجًا. فالعدالة السليمة تبدأ بفعل محدد، ثم دليل، ثم دفاع، ثم حكم. أما عالم كافكا فيقلب المسار: تبدأ القضية أولًا، وبعد ذلك يُدفع المتهم إلى البحث عن السبب الذي جعلها تبدأ.

لماذا لا يخبره أحد بالتهمة؟

لأن معرفة التهمة ستمنح جوزف ك. شيئًا بالغ الأهمية: حدودًا.

لو قيل له إنه متهم بالسرقة مثلًا، لاستطاع أن يسأل: متى حدثت؟ أين؟ ما الدليل؟ من الشهود؟ وإذا قيل له إنه خالف مادة قانونية بعينها، لاستطاع قراءة المادة ومناقشتها والاستعانة بمن يعرف القانون. قد تكون المحكمة ظالمة رغم ذلك، لكن الظلم سيصبح قابلًا للوصف.

كافكا يحرم بطله من هذا الامتياز. جوزف ك. لا يعرف حدود القضية، ولذلك لا يعرف حدود دفاعه. ما الذي ينبغي أن ينفيه؟ أي فترة من حياته يجب أن يراجعها؟ ما الذي تعرفه المحكمة؟ من شهد عليه؟ وما القانون الذي تزعم أنه خالفه؟

عندما تختفي التهمة لا يعود الدفاع مهمة قانونية محددة، بل يتحول إلى الدفاع عن الحياة كلها.

وهنا يبدأ المتهم في التغير. ففي البداية يسخر جوزف ك. من الإجراءات ويعاملها بوصفها عبثًا لا يليق برجل مثله. ثم، شيئًا فشيئًا، يمنح القضية مزيدًا من وقته واهتمامه. يبحث عن الأشخاص المتصلين بالمحكمة، يزور الأماكن التي تعمل فيها، يستعين بمحام، يصغي إلى الرسام الذي يعرف القضاة، ويحاول فهم طرق الخلاص الممكنة.

المحكمة لم تقدم له تفسيرًا أفضل، لكنه صار أكثر تورطًا فيها.

هذه هي قوتها الحقيقية: ليست مضطرة دائمًا إلى حبسه لأنها تنجح في جعل حياته تدور حول القضية وهو خارج السجن.

المحكمة التي تكبر كلما حاولت الوصول إليها

لا يصور كافكا جهازًا بيروقراطيًا منظمًا تعمل أجزاؤه بكفاءة مخيفة. العكس تقريبًا هو الصحيح. عالم المحكمة فوضوي، خانق، مزدحم، وغير واضح. الموظفون أنفسهم ليسوا أصحاب السلطة النهائية. وكل شخص يبدو قريبًا من الحقيقة يكشف عن طبقة أخرى وراءه.

الحارس ليس هو المحكمة. والمحقق ليس هو المحكمة. والمحامي لا يعرف الطريق إلى الحكم. والرسام الذي يتعامل مع القضاة يعرف بعض أسرار الإجراءات، لكنه لا يستطيع منح المتهم براءة حقيقية. وحتى عندما يصل جوزف ك. إلى رجل الدين في الكاتدرائية، لا يصل إلى جواب نهائي.

بهذا تصبح السلطة موزعة بطريقة تجعل من الصعب تحديد مركزها. لا يوجد شخص واحد يستطيع البطل مواجهته وإنهاء الأمر معه. وكل باب يؤدي إلى باب آخر.

ولعل هذا ما يجعل "المحاكمة" أكثر حداثة من صورة الطاغية التقليدي. الطاغية مرئي، ويمكن للإنسان أن يعرف من أصدر الأمر ولو عجز عن مقاومته. أما جوزف ك. فيواجه شبكة. وكل فرد داخلها يستطيع أن يقول بصورة أو بأخرى إنه ليس المسؤول الحقيقي.

كان كافكا يعرف عالم الإدارة والقانون معرفة عملية، لا خيالية فقط. درس القانون، وتدرّب فترة في المحاكم، ثم أمضى سنوات طويلة موظفًا في مؤسسة التأمين ضد حوادث العمال في بوهيميا. لكن اختزال "المحاكمة" إلى هجاء لمكتب حكومي سيكون تبسيطًا شديدًا. خبرة المؤسسة القانونية والإدارية وفرت لكافكا مادة حسية ولغة وإيقاعًا، لكنه صنع منها عالمًا يتجاوز أي وزارة أو محكمة بعينها.

كافكا كتب نهاية القضية قبل أن يملأ متاهتها

هناك تفصيل في تاريخ كتابة الرواية يساعد على فهم بنيتها الغريبة. كتب كافكا "المحاكمة" أساسًا خلال 1914 و1915، ولم ينشرها في حياته. وبعد وفاته سنة 1924 تولى صديقه ماكس برود نشرها عام 1925 من مخطوط غير مكتمل التحرير، وكانت بعض الفصول منفصلة ولم يكن ترتيبها النهائي محسومًا بالصورة التي يكون عليها كتاب أعده مؤلفه بنفسه للنشر.

وتشير الدراسات حول طريقة عمل كافكا إلى أنه كتب فصل النهاية في مرحلة مبكرة بعد القسم الافتتاحي. أي إن المسافة بين صباح الاعتقال والمصير الأخير كانت محددة قبل أن تستقر كل المحطات الواقعة بينهما.

هذه المعلومة تغير طريقة النظر إلى الرواية. فالسؤال ليس بالضرورة: كيف ستقود الأدلة إلى الحكم؟ لأن النهاية ليست ثمرة تحقيق يتكشف تدريجيًا. الطريق كله يبدو أقرب إلى محاولة جوزف ك. التعامل مع حكم يتقدم نحوه بينما يظل سببه بعيدًا.

ولهذا فإن عدم اكتمال المخطوط لا يفسر غياب الجريمة تفسيرًا كافيًا. لا توجد قرينة تدعونا إلى افتراض أن كافكا كان ينوي في فصل مفقود أن يكشف فجأة أن جوزف ك. سرق مالًا أو قتل شخصًا أو ارتكب مخالفة بعينها. الغموض حاضر منذ أول جملة، ويظل منظمًا لعلاقة البطل بالمحكمة حتى النهاية.

هل الجريمة هي مجرد وجود الإنسان؟

هنا ندخل منطقة التأويل، ويجب الفصل بينها وبين ما يقوله النص مباشرة.

النص يقول إن جوزف ك. اتُّهم من غير أن تُسمى جريمته. أما معنى هذا الاتهام فقد أنتج قراءات كثيرة: دينية، وجودية، نفسية، سياسية وقانونية. رأى بعض القراء في المحكمة صورة لذنب إنساني سابق على الفعل المحدد، أو لوجود يشعر فيه الفرد بأنه مطالب بتبرير نفسه أمام معيار لا يستطيع بلوغه. وقرأها آخرون بوصفها صورة للسلطة الحديثة والبيروقراطية التي تتحول إجراءاتها إلى غاية قائمة بذاتها.

وهناك قراءات تجعل المحاكمة داخلية بقدر ما هي خارجية: السلطة تنجح لأن جوزف ك. يبدأ تدريجيًا في النظر إلى نفسه بعين القضية. لكن لا ينبغي تحويل أي واحدة من هذه القراءات إلى "الحل السري" للرواية.

كافكا لا يكتب أحجية ذات مفتاح واحد.

ولو قلنا إن المحكمة تعني الدولة فقط، ضاقت الرواية. ولو قلنا إنها تعني الله فقط، استبعدنا كثيرًا من مادتها الاجتماعية والبيروقراطية. ولو قلنا إن جوزف ك. يحاكم نفسه نفسيًا فقط، تجاهلنا وجود شخصيات ومؤسسات تمارس سلطة فعلية عليه.

قوة النص في أن هذه المستويات تستطيع أن تتجاور من دون أن يلغي أحدها الآخر.

وهذه السمة تظهر كذلك في قصة غريغور سامسا. ففي "المسخ لكافكا: لماذا تحول غريغور سامسا إلى حشرة؟" لا يعطينا الكاتب تفسيرًا طبيًا أو سحريًا للتحول، لأن السؤال ينتقل سريعًا من سبب الحدث الغريب إلى الطريقة التي يكشف بها الحدث علاقة الأسرة بالإنسان حين يفقد فائدته. وفي "المحاكمة" يحدث شيء قريب: لا يعرف القارئ سبب الاتهام، لكن غيابه يكشف كيف يتغير الإنسان حين يُجبر على العيش تحت سلطة اتهام لا يستطيع فهمه.

"أمام القانون": الباب المفتوح الذي لا يستطيع الرجل دخوله

في الكاتدرائية يروي قس السجن لجوزف ك. الحكاية الشهيرة المعروفة باسم "أمام القانون". يأتي رجل من الريف طالبًا الدخول إلى القانون، فيمنعه حارس الباب من الدخول في الوقت الحاضر. الباب مفتوح، لكن الرجل ينتظر الإذن. وتمضي حياته في الانتظار، إلى أن يعرف عند نهايتها أن ذلك المدخل كان مخصصًا له وحده، وأن الحارس سيغلقه الآن.

هذه الحكاية ليست زينة فلسفية داخل الرواية. إنها تعيد صياغة محنة جوزف ك. في صورة أشد صفاء.

الرجل لا يُمنع بجدار. الباب مفتوح.

ولا يقال له إن الدخول مستحيل إلى الأبد. يقال له فقط إنه لا يستطيع الدخول الآن.

وهذا التأجيل أكثر فاعلية من الرفض المباشر، لأنه يجعل الأمل نفسه أداة للانتظار.

الأمر مشابه في قضية جوزف ك. لا يحصل على براءة، لكنه لا يسمع كذلك حكمًا واضحًا في البداية. يظل هناك دائمًا شخص آخر يمكن زيارته، وإجراء آخر يمكن التفكير فيه، وعلاقة ربما تفيد، وتأجيل قد يمنحه مزيدًا من الوقت.

وهكذا لا يحتاج النظام إلى إغلاق الباب بعنف؛ يكفي أن يجعل الإنسان مقتنعًا بأن الحل ربما يوجد خلف الباب التالي.

ثلاثة أنواع من النجاة لا تتضمن النجاة

يكشف الرسام تيتوريلي لجوزف ك. جانبًا بالغ الدلالة من منطق المحكمة. فهو يتحدث عن احتمالات للخروج من القضية، لكن البراءة الحقيقية تبدو بعيدة إلى درجة تكاد تجعلها نظرية أكثر منها خيارًا عمليًا. هناك أشكال من الإفراج أو التأجيل يمكن أن تمنح المتهم هدنة، غير أنها لا تزيل القضية من جذورها.

هذه الفكرة تجعل الاتهام أشبه بحالة دائمة. المتهم يستطيع تحسين وضعه، لكنه لا يستطيع العودة بسهولة إلى الزمن السابق لاتهامه.

ومن هنا يصبح السؤال "هل جوزف ك. مذنب؟" أقل أهمية من سؤال آخر: هل يسمح النظام أصلًا بإثبات البراءة؟

في المحكمة العادلة، البراءة احتمال أصيل. أما حين تصبح القضية جهازًا يعيد إنتاج نفسه، فإن المتهم يحتاج إلى الإجراءات لكي يتخلص من الإجراءات، ويحتاج إلى رجال المحكمة لكي يحمونه من المحكمة، فيزداد ارتباطه بالنظام كلما حاول الهرب منه.

تبدو هذه المفارقة مختلفة عن عالم "الإخوة كارامازوف: من قتل الأب فعلًا؟ ولماذا يبدو الجميع مذنبًا؟". هناك نستطيع الفصل بين سؤال جنائي له فاعل محدد، وبين دوائر أوسع من المسؤولية الأخلاقية والشعور بالذنب. أما عند كافكا فيُمحى الحد الفاصل منذ البداية. لا نملك أولًا حقيقة الجريمة ثم نتأمل معناها الأخلاقي؛ نحن نُلقى مباشرة داخل الإحساس بالاتهام.

هل المحكمة هي التي تخلق الذنب؟

في بداية الرواية يقاوم جوزف ك. فكرة أن القضية تستحق أن تغير حياته. غير أن الوقت يعمل لمصلحة المحكمة. كل زيارة وكل محاولة دفاع وكل حديث عنها يجعلها أكثر حضورًا.

وهنا يمكن قراءة الرواية بوصفها دراسة دقيقة للطريقة التي يصنع بها الاتهام أثره النفسي.

إذا اتهمك شخص بشيء واضح تستطيع الرد عليه. لكن ماذا لو قيل لك فقط إن هناك قضية خطيرة ضدك، وإن أشخاصًا يعرفون عنها أكثر مما تعرف، وإن دفاعك ضروري، ثم رفض الجميع أن يقولوا لك ما الذي فعلته؟ قد تبدأ في تفتيش حياتك أنت بنفسك.

هل قلت شيئًا؟ هل أسأت إلى أحد؟ هل يعرفون أمرًا نسيته؟ هل يوجد جانب من حياتك لا أراه كما يراه الآخرون؟

بهذه الطريقة تستطيع التهمة المجهولة أن تنتج الشعور الذي يفترض أنها جاءت نتيجة له. فالذنب القانوني ينبغي أن يسبق المحاكمة، لكن عالم كافكا يسمح للمحاكمة بأن تسبق الذنب النفسي وأن تساعد في صنعه.

وهذا لا يعني أن جوزف ك. يعترف في النهاية بجريمة سرية. الأصح أن ثقته الأولى تتآكل. الرجل الذي بدأ مقتنعًا بأن القضية سخيفة يصبح رجلًا تتحرك حياته داخل حدودها.

هل كان "K." يعني كافكا نفسه؟

من المغري أن نرى الحرف "K." اختصارًا لكافكا، خصوصًا أن الكاتب استخدم حرفًا من اسمه ووضع بطله داخل عالم قانوني وإداري كان يعرفه جيدًا. لكن تحويل جوزف ك. إلى صورة مباشرة للمؤلف يختزل العمل أكثر مما يفسره.

وقد اقترح نقاد قراءات أخرى للحرف نفسه. من أكثرها إثارة قراءة تربطه بفكرة الافتراء أو الاتهام الكاذب، انطلاقًا من الكلمة اللاتينية المرتبطة بالوشاية، وبالجملة الأولى التي تبدأ أصلًا بافتراض أن أحدًا افترى على جوزف ك. لكن هذا يظل تفسيرًا نقديًا، لا معلومة كشف كافكا أنها المفتاح الرسمي للاسم.

الأكثر أمانًا هو أن نقول إن الحرف يحقق أثرين متعارضين: يجعل الشخصية محددة بما يكفي لأن تكون فردًا له وظيفة وعلاقات وعمر، ويجردها في الوقت نفسه من الاسم الكامل الذي يمنح الإنسان هوية مستقرة. إنه جوزف، لكنه أيضًا "ك."، علامة يمكن أن يدخل القارئ مكانها بسهولة.

لماذا لم يجعل كافكا المحكمة شريرة بصورة بسيطة؟

لو كان كل رجال المحكمة وحوشًا واضحين، لأصبحت الرواية قصة عن أشرار يضطهدون بريئًا. لكن كافكا يجعل الصورة أكثر إرباكًا.

بعض الموظفين صغار، وبعضهم فاسد أو هزلي، وبعضهم يبدو أسيرًا للنظام نفسه. الحارسان اللذان شاركا في توقيف جوزف ك. يتعرضان للعقاب لاحقًا. المحامي يمتلك صلات لكنه لا يستطيع التحكم في النتيجة. تيتوريلي يعرف النظام لكنه يعيش هو الآخر في هامشه. الجميع قريب من السلطة، ولا أحد يبدو مالكًا لها بالكامل.

وهذا يجعل المحكمة أكثر قوة، لا أقل. فالاستبداد الشخصي يمكن أن ينتهي بسقوط الشخص، أما النظام الذي لا يستطيع أحد تحديد مركزه فيستمر لأن كل فرد يؤدي وظيفة صغيرة ثم يحيل المسؤولية إلى مستوى أعلى.

البيروقراطية هنا لا تخيف بسبب دقتها فقط، بل بسبب انعدام إمكانية الوصول إلى النقطة التي يمكن عندها قول: هذا هو القرار، وهذا صاحبه، وهذه أسبابه.

من الجريمة إلى العار

تصل الرواية إلى نهايتها من دون أن تمنح القارئ ما اعتاد أن ينتظره من روايات المحاكم: لا جلسة نهائية تعرض فيها الأدلة، ولا مرافعة حاسمة، ولا اكتشاف للجريمة، ولا حتى تفسير قانوني للعقوبة.

يأتي رجلان إلى جوزف ك. عشية عيد ميلاده الحادي والثلاثين ويأخذانه إلى خارج المدينة. وفي اللحظة الأخيرة لا يظهر السر الذي أخفته الفصول السابقة. يموت كما عاش عام المحاكمة: من دون معرفة واضحة بالتهمة التي تحولت إلى حكم.

والعبارة الأخيرة المرتبطة بالموت "ككلب" تجعل العار أكثر حضورًا من الجريمة. كأن الشيء الذي يبقى بعد الإنسان ليس إثبات ما فعله، بل الإهانة التي تمكن النظام من إلحاقها به.

هنا يبلغ انقلاب العدالة منتهاه. في البداية كان المطلوب أن تثبت المحكمة جريمة جوزف ك. وفي النهاية صار جوزف ك. هو الذي عجز عن إثبات حقه في الإفلات من المحكمة.

العبء انتقل كاملًا من السلطة إلى الفرد.

إذن ما جريمة جوزف ك.؟

إذا كنا نبحث عن جواب حرفي، فلا توجد في الرواية جريمة محددة نستطيع نسبتها إلى جوزف ك. لا نملك واقعة خفية يكشفها النص في النهاية، ولا اعترافًا، ولا ملفًا قضائيًا، ولا مادة قانونية خالفها. والجملة الافتتاحية نفسها تدفعنا إلى الشك في شرعية الاتهام منذ البداية.

أما إذا انتقلنا من الوقائع إلى التأويل، فهنا تتعدد الإجابات ولا تعود واحدة منها نهائية. يمكن أن تمثل القضية خوف الإنسان من سلطة لا يفهمها، أو الذنب الذي يبحث عن سبب بعد أن يشعر الإنسان به، أو المؤسسة التي تجعل إجراءاتها أهم من الحقيقة، أو علاقة الفرد بقانون يظل حاضرًا ولا يمكن الوصول إلى مركزه، أو حتى تجربة الإنسان الذي يطالب باستمرار بأن يبرر وجوده أمام الآخرين.

لكن أجمل ما في "المحاكمة" وأقسى ما فيها أن كافكا لا يسمح لأي تفسير بأن يتحول إلى قرار محكمة جديد.

إذا قلنا بثقة إن جوزف ك. مذنب لأنه متكبر، نكون قد فعلنا ما فعله الجهاز الذي اتهمه: اخترعنا تهمة لكي نبرر الحكم الموجود سلفًا. وإذا قلنا إن الرواية مجرد نبوءة عن دولة بوليسية حديثة، نكون قد أغلقنا عالمًا أوسع بكثير من السياسة وحدها. وإذا جعلناها قصة دينية صافية عن الخطيئة، نكون قد تجاهلنا ملمس المكاتب والموظفين والملفات والإجراءات الذي يمنحها قوتها الأرضية.

ربما لا تكمن عبقرية السؤال في أن كافكا أخفى الجواب، بل في أنه جعل حاجتنا إلى الجواب جزءًا من التجربة.

نحن نريد أن نعرف الجريمة لأننا نريد للعالم أن يكون منطقيًا: إذا عوقب إنسان فلا بد أنه فعل شيئًا، وإذا حوكم فلا بد أن توجد تهمة، وإذا كان هناك قانون فلا بد أن يكون الوصول إليه ممكنًا. ثم تأتي "المحاكمة" وتسحب هذه الروابط واحدًا بعد آخر.

يبقى الاتهام بلا جريمة، والمحكمة بلا مركز، والدفاع بلا موضوع واضح، والباب مفتوحًا من دون أن يستطيع صاحبه الدخول.

ولهذا لا يصبح السؤال بعد انتهاء الرواية: "ماذا فعل جوزف ك.؟" فقط.

السؤال الأكثر إزعاجًا هو: كم يحتاج الإنسان من الوقت تحت الاتهام قبل أن يبدأ في النظر إلى نفسه كما لو أنه مذنب؟

ولو وُضعت أنت أمام محكمة ترفض أن تخبرك بتهمتك، فهل ستظل مقتنعًا ببراءتك، أم ستبدأ بعد مدة في البحث داخل نفسك عن الجريمة التي يريدونها؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق