اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الخلاص من شاوشانك The Shawshank Redemption: لماذا بقي الأمل هو البطل الحقيقي؟

سجن Ohio State Reformatory في مانسفيلد بولاية أوهايو حيث صُوّر فيلم The Shawshank Redemption
Ohio State Reformatory في مانسفيلد، أوهايو، أحد أبرز مواقع تصوير The Shawshank Redemption. تصوير: Marianodemiguel / Wikimedia Commons / CC BY-SA 4.0.
السجن الذي هزم الجسد ولم يستطع أن يهزم فكرة الحرية

ماذا يبقى من الإنسان إذا أُغلقت عليه الأبواب عشرين عامًا؟ قد تكون الإجابة الأولى: الذكريات. وقد نقول: الصداقة، أو القدرة على التكيف، أو الرغبة في النجاة. لكن «الخلاص من شاوشانك» لا يكتفي بأي واحدة من هذه الإجابات. إنه يضع شخصياته داخل مكان صُمم لكي يجعل الزمن نفسه جزءًا من العقوبة، ثم يسأل سؤالًا أكثر قسوة: هل يستطيع الإنسان أن يبقى حرًا في داخله بعدما يتعلم جسده كيف يكون سجينًا؟

لهذا ربما لا يكون آندي دوفرين، الذي يؤدي دوره تيم روبنز، هو البطل الحقيقي للفيلم. ولا رِد، بصوت مورغان فريمان الذي يحمل الحكاية ويمنحها ذاكرتها. ثمة بطل ثالث لا يدخل الزنزانة ولا يظهر في قائمة الممثلين: الأمل. لكنه ليس الأمل المريح الذي تضعه العبارات التحفيزية على الجدران؛ إنه أمل خطر، مكلف، وبطيء إلى حد أن الإنسان قد يقضي سنوات وهو يحفر له ممرًا لا يعرف أحد بوجوده.

ومن هنا اكتسب الفيلم، الذي أخرجه فرانك دارابونت عام 1994 مقتبسًا رواية قصيرة لستيفن كينغ، قدرة نادرة على تجاوز حدود حكاية السجن. شاوشانك مكان محدد في القصة، لكنه سرعان ما يتحول إلى استعارة أوسع: لكل إنسان تقريبًا جدار ما، وقد لا تكون المشكلة دائمًا في ارتفاع الجدار، بل في اليوم الذي يتوقف فيه السجين عن تخيل العالم الموجود خلفه.

تنبيه: تتضمن القراءة التالية كشفًا لأحداث أساسية ونهاية الفيلم.

هل الخلاص من شاوشانك قصة حقيقية؟

من الأسئلة التي تلاحق الفيلم منذ سنوات: هل آندي دوفرين شخصية حقيقية؟ وهل وقع الهروب الشهير بالفعل؟ الجواب هو لا. «The Shawshank Redemption» ليس إعادة بناء لقضية جنائية حقيقية، وآندي دوفرين ورِد وسجن شاوشانك شخصيات وعالم تخييليان مصدرهما الأدبي رواية ستيفن كينغ القصيرة «Rita Hayworth and Shawshank Redemption»، التي ظهرت سنة 1982 ضمن مجموعة «Different Seasons».

لكن للفيلم قدمًا واضحة في الواقع المكاني. فقد جرى جانب كبير من التصوير في ولاية أوهايو، واستخدم مبنى Ohio State Reformatory في مانسفيلد لتجسيد سجن شاوشانك. لذلك فإن المبنى الذي يراه المشاهد حقيقي، أما المؤسسة المسماة شاوشانك وحكاية آندي نفسها فتنتميان إلى الأدب والسينما.

وهذا التمييز مهم؛ لأن واقعية الفيلم البصرية وقوة تفاصيل الحياة اليومية داخل السجن قد توحيان بأننا نشاهد قصة مأخوذة من ملف قضائي. غير أن دارابونت لا يحتاج إلى عبارة «مبني على قصة حقيقية» لكي يقنعنا بصدق التجربة. الحقيقة التي يبحث عنها الفيلم ليست حقيقة وثيقة أو محضر محكمة، وإنما حقيقة إنسانية: ماذا تفعل المؤسسة المغلقة بالإنسان حين تمتلك جسده وزمنه وعاداته؟


آندي دوفرين: رجل يرفض أن يمنح السجن عقله

يصل آندي إلى شاوشانك محكومًا بالسجن المؤبد بعد إدانته بقتل زوجته وعشيقها، بينما يصر على براءته. لكن الفيلم لا يحوله إلى بطل صاخب يعلن التمرد منذ اللحظة الأولى. على العكس، يبدو هادئًا إلى حد يثير الريبة، قليل الكلام، منفصلًا قليلًا عن محيطه، وكأنه يحمل معه مساحة داخلية لا يستطيع السجن اقتحامها.

هنا تكمن إحدى أكثر أفكار الفيلم ذكاءً. آندي لا يقاوم المؤسسة بمواجهة مباشرة، لأنه يعرف اختلال ميزان القوة. إنه يتسلل إلى شقوق النظام نفسه. معرفته بالمحاسبة والضرائب تمنحه قيمة لدى الحراس، ثم لدى مدير السجن صموئيل نورتون. المكتبة تصبح مشروعًا. الموسيقى تتحول إلى فعل عصيان. المعرفة تصبح وسيلة لتوسيع العالم في مكان يريد اختزاله إلى زنزانة ورقم وسجل.

حتى المشهد الشهير الذي يبث فيه آندي مقطعًا أوبراليًا عبر مكبرات الصوت لا يغير واقع السجناء ماديًا. الأبواب لا تُفتح، والأحكام لا تسقط، والحراس لم يصبحوا أكثر رحمة. ومع ذلك يحدث شيء بالغ الأهمية: لوقت قصير يستعيد الرجال تجربة لا يملكها السجن. إنهم يسمعون شيئًا جميلًا لم تمنحه لهم المؤسسة ولم تستطع تنظيمه أو توزيعه عليهم وفق جدول.

الحرية هنا لا تبدأ بفتح الباب. تبدأ باستعادة جزء من الذات لم يحصل السجان على مفتاحه.

رِد وآندي: صراع بين تجربتين للحياة

لو كان آندي وحده مركز الفيلم لتحولت الحكاية بسهولة إلى أسطورة عن الإرادة الفردية. لكن وجود رِد يمنع هذه البساطة. رِد رجل تعلم السجن جيدًا، وربما تعلمه أكثر مما ينبغي. يعرف الناس، ويعرف طرق الحصول على الأشياء، ويعرف حدود الممكن. إنه حكيم داخل النظام، غير أن حكمته تحمل جرحًا خفيًا: لقد أصبحت خبرته بالسجن أكبر من خبرته بالحرية.

لذلك لا تعمل الصداقة بين الرجلين بوصفها علاقة عاطفية مضافة إلى قصة الهروب، بل بوصفها مواجهة بين تصورين للوجود. آندي يحتفظ بفكرة أن العالم خارج الجدار ما يزال ممكنًا، بينما يتعامل رِد مع الأمل نفسه بحذر. بالنسبة إلى رجل قضى عقودًا خلف القضبان، يمكن للأمل أن يبدو شكلًا آخر من أشكال التعذيب: أن تتخيل باستمرار شيئًا لا تستطيع الوصول إليه.

وهذه النقطة تجعل عنوان «الخلاص» أوسع من هروب آندي. فمن الذي يحتاج إلى الخلاص أكثر؟ الرجل الذي يحفر طريقه خارج السجن، أم الرجل الذي قد يُفتح له الباب يومًا فلا يعرف ماذا يفعل بالحرية؟

بروكس: عندما تصبح الحرية أكثر رعبًا من السجن

لعل بروكس هاتلن هو الشخصية التي تمنح الفيلم عمقه الأكثر قسوة. فقد عاش في السجن زمنًا طويلًا حتى لم يعد شاوشانك مجرد مكان يحتجزه، بل صار النظام الذي يمنح حياته شكلها. له وظيفة، ورفوف كتب، وأشخاص يعرفونه، وروتين يستطيع توقعه. ثم تأتي الحرية التي يفترض أن تكون مكافأة، فإذا بها عالم سريع وغريب لا يعرف كيف يسكنه.

من هنا يقدم الفيلم مفهوم «التَمَأسُس» أو الاعتياد العميق على المؤسسة من دون أن يحوله إلى محاضرة نفسية. الجدران التي يكرهها السجين في البداية قد تصبح مع الزمن حدود العالم الذي يفهمه. وحين تختفي فجأة لا يشعر بالضرورة بأنه تحرر؛ قد يشعر بأنه سقط في فضاء بلا جدران يمسك بها.

مأساة بروكس هي الوجه المقابل تمامًا لخطة آندي. الأول خرج جسديًا ولم يستطع إخراج السجن من داخله، أما الثاني فرفض طوال سنوات أن يسمح للسجن بأن يصبح تعريفه النهائي لنفسه.

ولهذا فإن أكثر سجون الفيلم رعبًا ليست الزنزانات الانفرادية. السجن الحقيقي يبدأ عندما يتحول القيد الخارجي إلى حاجة داخلية.

المطر والجدار والملصق: هندسة الرموز في شاوشانك

يعتمد الفيلم على رموز بسيطة في ظاهرها، لكنه يمنحها مع الزمن طبقات متراكمة. الجدار مثلًا ليس مجرد جدار سجن. إنه الحد الفاصل بين ما تفرضه المؤسسة وما يستطيع الخيال الاحتفاظ به. ولهذا تصبح عملية الحفر فعلًا ماديًا ورمزيًا في آن واحد: آندي لا يشق الحجر فقط، بل يحفر ببطء في فكرة أن الواقع المفروض أبدي.

أما ملصقات النجمات التي تتغير عبر السنوات، من ريتا هيوارث إلى مارلين مونرو ثم راكيل ولش، فتقوم بوظيفة أكثر تعقيدًا من إخفاء فتحة النفق. إنها تقيس مرور الزمن، وتدخل صورة العالم الخارجي إلى الزنزانة، وتخفي في الوقت نفسه السر الذي سيقود إلى الخروج منها. الصورة التي تبدو زينة على الجدار تصبح ستارًا يخفي الحرية.

والمطر الذي يستقبل آندي بعد عبوره أنبوب الصرف يكاد يعمل كطقس ولادة جديدة. لا يحتاج المشهد إلى شرح رمزه: جسد خرج من القذارة إلى الماء المفتوح، ومن النفق الضيق إلى السماء. لكن قوة الصورة تأتي من أن التطهر لم يسبق العبور في الوحل؛ لقد جاء بعده.

هذه نقطة أساسية في فلسفة الفيلم. الخلاص ليس طريقًا نظيفًا. وقد يكون الطريق إلى الحياة الجديدة هو نفسه الطريق الذي لا يرغب أحد في المرور فيه.

لماذا احتاج آندي إلى كل تلك السنوات؟

المطرقة الصغيرة التي يطلبها آندي في البداية تكاد تبدو نكتة حين يتخيل رِد إمكانية استخدامها للهروب. وهذه المفارقة جزء من عبقرية البناء السردي. الشيء الذي يبدو أضعف من أن يهزم جدارًا يصبح قادرًا على ذلك حين يدخل الزمن في المعادلة.

هنا ينتقل الأمل من الشعور إلى العمل. آندي لا يجلس عشرين عامًا متفائلًا. إنه يحفر. يخطط. يتعلم النظام الذي يستغله. يحتفظ بالأوراق. يبني شخصية مالية وهمية يستخدمها مدير السجن في فساده، ثم يحول المعرفة التي جعلته أداة في يد السلطة إلى السلاح الذي يسقطها.

بهذا المعنى، لا يقول الفيلم إن التفكير الإيجابي يكفي لتغيير المصير. بل يكاد يقول العكس: الأمل الذي لا يتحول إلى فعل قد يبقى حلمًا، أما أمل آندي فله غبار حجارة على الملابس، وأوراق وحسابات، ومطرقة صغيرة، وسنوات من الصبر.

مدير السجن: حين تستخدم السلطة الفضيلة قناعًا

صموئيل نورتون ليس شريرًا مثيرًا للاهتمام لمجرد فساده، بل لأن خطابه الأخلاقي يناقض أفعاله. يتحدث بلغة الدين والانضباط والواجب بينما يبني منظومة استغلال وغسل أموال ويستخدم السجناء لخدمة مصالحه.

المفارقة هنا ليست بين رجل صالح ورجل شرير، وإنما بين الخطاب والممارسة. فالسلطة في شاوشانك لا تكتفي بمعاقبة الجسد؛ إنها تحاول أيضًا احتكار تعريف الفضيلة. ومن ثم يصبح امتلاك آندي للحقيقة المحاسبية عن الفساد خطرًا أكبر من أي عصيان جسدي.

لذلك لا يكون انتقامه النهائي مجرد تسوية شخصية. الرجل الذي استُخدمت معرفته لتغطية الفساد يجعل المعرفة نفسها أداة لكشفه. النظام يسقط، جزئيًا، بلغته الخاصة: السجلات والأسماء والحسابات والأدلة.

هل الأمل فضيلة دائمًا؟

هنا يصل الفيلم إلى السؤال الذي منحه عمره الطويل. رِد لا يثق بالأمل ثقة آندي نفسها، وليس موقفه سخيفًا أو جبانًا. تجربته تمنحه أسبابًا قوية للحذر. الإنسان الذي لا يملك السيطرة على مستقبله قد يجد في الأمل وعدًا مؤلمًا أكثر مما يجد فيه عزاء.

لكن الفيلم لا ينتصر للأمل لأنه شعور جميل. ينتصر له لأنه يحفظ داخل الإنسان احتمالًا لم تستطع المؤسسة إغلاقه. الفرق دقيق. التفاؤل يقول إن الأمور ستتحسن. أما الأمل في «شاوشانك» فلا يملك هذا الضمان. آندي لا يعرف طوال سنوات إن كان النفق سينجح، ولا متى سيصل إلى نهايته، ولا ما إذا كانت مصادفة واحدة ستكشف كل شيء.

إنه يتصرف لأن إمكانية الحرية، مهما كانت ضئيلة، تستحق أن يبني حياته باتجاهها.

ولهذا يختلف مصير بروكس عن مصير رِد. كلاهما خرج من الباب نفسه تقريبًا إلى عالم لم يعد يعرفه. لكن رِد يمتلك في النهاية شيئًا لم يمتلكه بروكس: وجهة. هناك وعد تركه صديق، وشجرة، وحجر، ورسالة، ومكان يمكن السير نحوه. الأمل لا يغير الماضي ولا يمحو سنوات السجن، لكنه يمنح المستقبل اتجاهًا.

لماذا تختلف نهاية الفيلم عن نهاية قصة ستيفن كينغ؟

إحدى أكثر التفاصيل دلالة في انتقال «الخلاص من شاوشانك» من الأدب إلى السينما تتعلق بالنهاية. ففي قصة ستيفن كينغ يظل الوصول إلى آندي في المكسيك معلقًا على الرجاء، بينما كان تصور دارابونت السينمائي في البداية أقرب إلى ترك رِد في طريقه نحو المجهول.

أما الفيلم النهائي فيذهب خطوة أبعد، فنراه يصل إلى الشاطئ ويلتقي آندي. لم يكن هذا اللقاء جزءًا من النهاية التي أرادها دارابونت أولًا، وقد جاء تصويره بعد اقتراح من Castle Rock. ثم اختار المخرج الاحتفاظ به في النسخة النهائية.

هل جعل ذلك النهاية أقل غموضًا؟ بالتأكيد. لكنه في المقابل صنع اكتمالًا بصريًا لفكرة ظل الفيلم يبنيها طوال أكثر من ساعتين: السجن رمادي، مغلق، ثقيل، تحده الجدران والأبواب والأسلاك، بينما تنتهي الرحلة أمام فضاء أزرق مفتوح لا تكاد العين ترى له حدودًا.

ولهذا لا يبدو الشاطئ مجرد مكافأة لشخصيتين أحبهما الجمهور. إنه النقيض الهندسي الكامل لشاوشانك. هناك كان الآخرون يحددون أين يقف الرجل ومتى ينام ومتى يأكل؛ وهنا لا يوجد أمامه سوى الأفق.

لماذا لم ينجح الفيلم نجاحًا ضخمًا منذ البداية؟

من المفارقات التي تحيط بتاريخ الفيلم أن مكانته اللاحقة لا تشبه استقباله الجماهيري الأول. فقد صدر في خريف 1994 ولم يجد جمهوره الكبير فورًا، على الرغم من التقدير النقدي والترشيحات التي حصل عليها لاحقًا. ثم اتسعت سمعته مع الزمن، وانتقل من فيلم لم يحقق الظاهرة المتوقعة في صالات العرض إلى عمل يجد أجيال جديدة من المشاهدين.

وقد رُشح لسبع جوائز أوسكار، بينها أفضل فيلم، وأفضل ممثل لمورغان فريمان، وأفضل سيناريو مقتبس لفرانك دارابونت، إضافة إلى ترشيحات للتصوير والمونتاج والموسيقى والصوت، لكنه خرج من الحفل بلا جائزة.

ثمة مفارقة جميلة في ذلك، تكاد تشبه موضوع الفيلم نفسه. فعمل يتحدث عن الصبر والزمن وإمكانية أن يظهر معنى الأشياء متأخرًا، احتاج هو الآخر إلى الزمن كي تتضح مكانته لدى جمهور واسع. لم يكن انتصاره ليلة جوائز واحدة، بل حياة طويلة بعد العرض الأول.

الصورة في مواجهة الجدار

لا يعتمد تأثير الفيلم على الحكاية وحدها. تصوير روجر ديكنز يجعل العمارة جزءًا من الدراما. السجن ثقيل، والجدران مرتفعة، والممرات والخطوط المعمارية تعيد الإنسان باستمرار إلى حجمه الصغير أمام المؤسسة. حتى حين يكون السجناء في الساحة المفتوحة، يظل الإحساس بالإحاطة حاضرًا.

ولهذا تصبح لحظات الانفتاح البصري نادرة وذات قيمة. مشهد العمل على السطح وشرب الجعة لا يمثل امتيازًا صغيرًا فحسب؛ إنه لحظة يجلس فيها السجناء تحت السماء ويتصرفون، لبضع دقائق، كرجال عادوا من عمل يومي. ومشهد الموسيقى يفتح فضاءً غير مرئي. ثم تأتي النهاية لتمنح العين أخيرًا ما حُرمت منه طويلًا: مدى لا يقطعه جدار.

السينما هنا لا تشرح الحرية فقط. تجعل المشاهد يشعر بالفرق بين شكل المكان المغلق وشكل العالم حين يستعيد الأفق.

من الذي خَلُص فعلًا من شاوشانك؟

يبدو الجواب سهلًا: آندي. فهو الذي حفر النفق وخرج من السجن وكشف الفساد وذهب إلى المكان الذي حلم به. لكن إذا نظرنا إلى الفيلم من خلال رِد، يصبح الجواب أقل بساطة.

آندي عرف منذ البداية تقريبًا أن عليه حماية الجزء الحر في داخله. أما رِد فقد احتاج إلى رحلة أطول لكي يكتشف أن الخروج من السجن ليس كافيًا، وأن الإنسان قد يحمل زنزانته معه إلى الشارع والغرفة والعمل والفراش.

ولذلك يمكن قراءة الفيلم كله بوصفه قصة خلاص رِد بقدر ما هو قصة هروب آندي. آندي يخرج من شاوشانك عبر النفق، أما رِد فيخرج منه حين يقرر خرق المسار المتوقع لحياته، والذهاب إلى الشجرة، وفتح الرسالة، وركوب الحافلة، والمجازفة بتصديق أن شيئًا جميلًا قد يكون في انتظاره.

الأول احتاج إلى مطرقة كي يهدم الجدار المادي. والثاني احتاج إلى الأمل كي يهدم الجدار الذي بناه السجن داخله.

لماذا بقي الأمل هو البطل الحقيقي؟

لأن معظم الشخصيات تمتلك في لحظة ما سببًا كافيًا لليأس. آندي يتعرض للظلم والعنف والعزلة والخيانة. رِد يرى السنوات تأكل عمره. بروكس يكتشف أن العالم الذي حلم بالخروج إليه لم يعد ينتظره. حتى السجن نفسه مصمم لإقناع نزلائه بأن الزمن ليس طريقًا إلى المستقبل، بل آلة لتكرار اليوم نفسه.

وفي مواجهة ذلك كله لا يقدم الفيلم معجزة. يقدم فعلًا صغيرًا يتكرر: رسالة تُرسل، كتاب يُطلب، حجر يُنحت، لحن يُسمع، جدار يُحفر، وصديق يُذكَّر بأن العالم لا ينتهي عند الأسوار.

الأمل، بهذا المعنى، ليس أن تنكر الجدار. بل أن تراه بكل صلابته، ثم ترفض أن تمنحه صفة الأبدية.

ربما لهذا لم يَشِخ «The Shawshank Redemption» بسهولة. فالمشاهد لا يحتاج إلى أن يكون سجينًا لكي يفهم شاوشانك. قد يكون السجن وظيفة لا يستطيع مغادرتها، أو خوفًا قديمًا، أو خسارة، أو عادة، أو مجتمعًا يقرر له حدود الممكن، أو حتى فكرة استقرت في ذهنه طويلًا حتى حسبها حقيقة.

عندها تصبح المطرقة الصغيرة أهم من حجم الجدار. ليس لأنها قوية، بل لأن اليد التي تمسكها لم تتوقف عن الحفر.

وربما تكمن أجمل مفارقات الفيلم هنا: آندي خرج من السجن في ليلة واحدة، لكنه احتاج سنوات طويلة لكي يصنع تلك الليلة. الحرية حدث سريع في نهاية الحكاية، أما الأمل فكان العمل البطيء الذي سبقها.

إذا كان شاوشانك قد استطاع أن يغلق الأبواب على آندي ولم يستطع أن يغلق المستقبل في خياله، فأيهما يصنع السجن الحقيقي في حياتنا: الجدران التي تحيط بنا، أم اللحظة التي نتوقف فيها عن البحث عن طريق إلى الجهة الأخرى؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق