اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

الحلاج: معنى «أنا الحق» بين الشعر والتصوف وسوء الفهم

صورة توضيحية رمزية للحلاج وتجربة الفناء الصوفي التي ارتبطت بعبارة أنا الحق
صورة توضيحية أصلية تستلهم الجدل حول عبارة «أنا الحق» وتجربة الفناء الصوفي؛ وليست تصويرًا تاريخيًا للحلاج.

حين تصبح كلمتان أخطر من سيرة كاملة

ماذا كان الحلاج يعني حين قال: «أنا الحق»؟ هل كان يقول، كما توحي القراءة الحرفية المباشرة، إنه الله؟ أم أن الجملة تنتمي إلى لغة أخرى لا تعمل بالطريقة التي تعمل بها العبارة العادية؟ ثم هناك سؤال أكثر إحراجًا للرواية الشائعة: هل نملك أصلًا نصًا موثوقًا بخط الحلاج أو في مؤلفاته الباقية يقول فيه هذه العبارة بالصورة التي حفظتها الذاكرة؟

يصعب العثور على شخصية في تاريخ التصوف الإسلامي ابتلعتها جملة واحدة كما ابتلعت «أنا الحق» الحسين بن منصور الحلاج. مات الرجل في بغداد سنة 309هـ/922م بعد سنوات من السجن والمحاكمة، وبقيت العبارة حية حتى كادت تتحول إلى تفسير كامل لحياته وموته. وفي الرواية الشعبية تبدو القصة شديدة البساطة: صوفي قال «أنا الحق»، ففُهم كلامه ادعاءً للألوهية، فقُتل.

غير أن التاريخ أقل ترتيبًا من هذه الحكاية، والتصوف أقل قابلية للترجمة الحرفية، واللغة نفسها أكثر مكرًا.

الجواب المختصر: لا يصح فهم «أنا الحق» ببساطة على أنها قول الحلاج: «أنا الله». أشهر تفسير صوفي لها يربطها بحالة «الفناء»، أي غياب شعور الصوفي بذاته أمام حضور الله، بحيث لا تعود «أنا» في العبارة، وفق هذا التأويل، الأنا الفردية المتضخمة بل الأنا التي مُحيت. ومع ذلك فهذا تأويل صوفي، لا حقيقة تاريخية متفقًا عليها. والأهم أن العبارة، على شهرتها، لا تظهر في مخطوط موثوق من مؤلفات الحلاج الباقية، كما أن إعدامه لم يكن نتيجة جملة واحدة فقط.


قبل تفسير العبارة: هل قالها الحلاج فعلًا؟

هذه هي المفارقة التي تضيع غالبًا في المقالات السريعة. شهرة «أنا الحق» لا تعني أننا نملك وثيقة بسيطة نستطيع أن نفتحها ونشير إلى سطر فيها قائلين: هنا كتب الحلاج عبارته الأشهر.

وصلتنا عن الحلاج مجموعة صغيرة نسبيًا من النصوص، أهمها «الطواسين»، إضافة إلى أشعار منسوبة إليه وأخبار وأقوال جمعتها مصادر لاحقة. لكن الباحث جواد موجَدّدي، في دراسة الحلاج بالموسوعة الإيرانية، يشير إلى أن «أنا الحق» ليست مسجلة في مخطوط موثوق من كتاباته، على الرغم من أن المعنى الذي تحمله ينسجم مع جوانب واضحة من نصوصه وتجربته الصوفية.

هذا التفريق بالغ الأهمية. عدم وجود العبارة في مخطوط موثوق لا يعني تلقائيًا أن الحلاج لم يقلها؛ فالثقافة العربية الإسلامية في ذلك العصر كانت ثقافة رواية شفوية أيضًا، وكثير من أقوال العلماء والزهاد والمتصوفة حفظها التلاميذ وأصحاب التراجم. لكنه يعني أن علينا الانتقال من اليقين السهل إلى صياغة أدق: العبارة منسوبة إلى الحلاج منذ وقت مبكر، وأصبحت جزءًا راسخًا من صورته، لكن تاريخ التلفظ بها وتفاصيل المناسبة التي قيلت فيها ليست ثابتة بالصورة التي تقدمها الحكاية الشعبية.

بل إن الروايات نفسها تختلف. بعضها يضع العبارة في سياق لقاءات الحلاج بالصوفية، وبعضها يربطها بالجنيد البغدادي، ثم جاءت الكتابات الصوفية اللاحقة فوسعت المشهد وأضافت إليه حوارًا ودراما ونبوءات بالمصير. ومع مرور القرون لم تعد «أنا الحق» مجرد قول منقول، بل أصبحت مفتاحًا أدبيًا تُروى من خلاله حياة الحلاج كلها.

وهنا يبدأ «سر الأدب» الحقيقي: ليست المسألة فقط ماذا قال الرجل، بل كيف صنعت الذاكرة من كلمتين شخصية كاملة.

ماذا تعني كلمة «الحق» أصلًا؟

لو كانت الجملة «أنا صادق» لما بقي حولها هذا التاريخ كله. المشكلة تبدأ من الكلمة الثانية.

«الحق» في العربية كلمة واسعة الدلالة: الصدق، والثبوت، والصواب، وما يقابل الباطل. لكنها في السياق الإسلامي كذلك من الأسماء التي يُسمى بها الله. لذلك فإن قول «أنا الحق» ليس، في الأذن الدينية، تركيبًا محايدًا. ويمكن لمن يأخذه على ظاهره أن يسمع فيه انتقالًا خطيرًا من الإنسان إلى مقام إلهي.

لكن لغة التصوف لا تكتفي عادة بالمعنى المعجمي للكلمات. فالصوفي يتحدث عن «الفناء» و«البقاء» و«السكر» و«الصحو» و«المحو» و«الجمع»، وهي مصطلحات تحاول وصف حالات من التجربة الداخلية يصعب نقلها إلى لغة تقريرية مباشرة.

ومن هنا ظهر مفهوم «الشطح»؛ أي القول المدهش أو الملتبس الذي يصدر في حال وجد أو استغراق شديد، ويبدو عند سماعه خارج ذلك السياق متجاوزًا أو صادمًا. وقد اشتهرت في تاريخ التصوف عبارات من هذا النوع، ولم يكن المتصوفة أنفسهم متفقين على قبولها أو على جواز إعلانها أمام الناس.

إذن لدينا مستويان من اللغة يتصادمان في ثلاث كلمات قصيرة: لغة العقيدة والفقه التي تسأل عما تدل عليه العبارة في ظاهرها، ولغة التجربة الصوفية التي تسأل: من هي «الأنا» التي تتكلم هنا أصلًا؟

الفناء: حين لا تكون «أنا» هي مركز الجملة

في القراءة الصوفية المدافعة عن الحلاج، تكمن المفارقة الكبرى في أن العبارة التي تبدو ذروة تضخم الأنا يمكن أن تعني العكس تمامًا: محو الأنا.

الفناء في الاستعمال الصوفي لا يعني موت الجسد، ولا يعني بالضرورة أن الإنسان يصبح الله. إنه، في أحد أشهر معانيه، غياب وعي السالك بذاته واستغراقه في شهود الله حتى لا تبقى نفسه مركزًا لإدراكه. ثم يأتي «البقاء» في بعض التصورات بوصفه عودة إلى العالم بالله وبعد تجربة الفناء.

وفق هذا الفهم، لا يقول الحلاج: «أنا، الحسين بن منصور، صرت إلهًا». التأويل الصوفي يقلب تركيب الجملة: الأنا البشرية غابت، ولذلك لم يبق في الشهود إلا «الحق».

ولهذا استطاع متصوفة جاءوا بعده أن يروا في العبارة تواضعًا روحيًا لا غرورًا ميتافيزيقيًا. فلو كان الإنسان يثبت ذاته إلى جوار الله لكانت هناك اثنينية: «أنا» و«هو». أما في الفناء، بحسب هذا التصور، فإن «أنا» التي تطالب بوجود مستقل قد مُحيت من المشهد.

هذه الفكرة ستجد لاحقًا صيغًا شعرية وفلسفية متعددة، وسيصبح الحلاج رمزًا للشخص الذي احترق في التجربة التي حاول أن يصفها. وفي «الطواسين» تظهر صورة الفراشة التي تدور حول المصباح ثم تدخل النار؛ وهي صورة ستصبح لاحقًا من أشهر استعارات الشعر الصوفي الفارسي. الفراشة لا تكتفي بمعرفة الضوء من بعيد؛ إنها تريد معرفة لا تتم إلا بفقدان المسافة بينها وبين النار.

ومن هنا تتغير دلالة «أنا الحق». فهي في القراءة الحرفية جملة إثبات للذات، بينما تصبح في القراءة الصوفية جملة انهيار للذات.

لكن ينبغي الحذر هنا أيضًا. تفسير العبارة بالفناء ليس بطاقة سحرية تنهي الجدل. إنه تأويل نشأ داخل تقاليد التصوف نفسها، وقبله بعض المتصوفة ودافعوا عن الحلاج، بينما تحفّظ آخرون على الشطح أصلًا، حتى عندما التمسوا لصاحبه العذر. فالمشكلة لم تكن دائمًا في التجربة الباطنية وحدها، بل في تحويل ما يعده الصوفي «سرًا» إلى خطاب علني يسمعه من لا يملك مفاتيح لغته.

الحلاج شاعرًا: لماذا احتاج إلى لغة لا تقول الأشياء مباشرة؟

هنا يصبح الحلاج موضوعًا أدبيًا، لا مجرد قضية في تاريخ العقائد.

تجربة التصوف تواجه مشكلة يعرفها الشعر جيدًا: كيف تقول ما تعتقد أن اللغة العادية أعجز من أن تقوله؟

عندما نصف كرسيًا أو طريقًا أو مدينة يمكن للكلمة أن تشير إلى شيء خارجي مشترك. لكن كيف نصف تجربة يشعر صاحبها بأن الحدود بين ذاته والعالم قد تبدلت؟ كيف يصف العاشق أقصى الحب من دون استعارة؟ وكيف يصف الصوفي حالة يعتقد فيها أن وعيه بنفسه قد تراجع حتى لم يعد يرى سوى محبوبه؟

هنا تدخل اللغة منطقة الشعر. لا لأن كل متصوف شاعر، بل لأن الاستعارة والمفارقة والتناقض تصبح أدوات معرفة، لا مجرد زينة بلاغية.

في الشعر المنسوب إلى الحلاج تتكرر صور الحب والقرب والبعد والسر والذات والمحبوب. وأشهر ما جذب القراء فيه أن العلاقة بالله لا تُعرض دائمًا باعتبارها قضية نظرية؛ إنها تجربة حب تستولي على الجسد واللغة. المتكلم يريد أن يصف قربًا شديدًا، لكنه لا يستطيع وصفه إلا بكلمات صُنعت أصلًا للفصل بين الأشياء: أنا، أنت، هنا، هناك.

ومن هذه الزاوية يمكن أن نفهم لماذا تصبح «أنا الحق» جملة شعرية خطرة. إنها تحطم النحو المألوف للعلاقة بين المتكلم وموضوع كلامه. ففي الكلام العادي، «أنا» تشير إلى المتكلم و«الحق» خبر عنه. أما في القراءة الصوفية فالمتكلم يريد القول إن الأنا التي يتوقعها السامع لم تعد موجودة بالطريقة المعتادة.

اللغة تقول «أنا»، بينما التجربة تزعم محو الأنا. وهذه المفارقة هي قلب العبارة.

هل كان الحلاج يقول بالحلول أو الاتحاد؟

هذه واحدة من أكثر المناطق التي تحتاج إلى الحذر، لأن كلمات مثل «الحلول» و«الاتحاد» و«وحدة الوجود» كثيرًا ما تُلقى على الحلاج دفعة واحدة، وكأنها مترادفات، وكأن الرجل ترك لنا كتابًا فلسفيًا منظمًا يعلن فيه مذهبًا محدد الحدود.

الحلاج أسبق من الصياغة الفلسفية الكبرى التي ستقترن لاحقًا بمباحث وحدة الوجود، ولذلك فإن قراءة كل عباراته بمصطلحات تطورت بعده قد تجعلنا نعيد كتابة القرن الثالث الهجري بلغة قرون لاحقة.

كما أن الدراسات لا تقدم إجماعًا بسيطًا حول طبيعة تصوره للعلاقة بين الإنسان والله. ثمة من قرأ لغته في اتجاه الاتحاد، وثمة من رفض ذلك ورأى أن الفناء لا يلغي التمييز الوجودي بين الخالق والمخلوق، بل يصف حالة الوعي الصوفي فقط. وهناك من تعامل مع أقواله بوصفها لغة تجربة لا ينبغي تحويلها آليًا إلى مذهب ميتافيزيقي كامل.

وهذا التمييز ضروري لفهم «أنا الحق». فقول إن الصوفي «لم يعد يرى إلا الله» ليس بالضرورة مطابقًا فلسفيًا لقول «الإنسان والله كيان واحد». الأول وصف لحالة إدراك؛ والثاني دعوى عن طبيعة الوجود. والانتقال من أحدهما إلى الآخر يحتاج إلى برهان لا توفره العبارة وحدها.

لذلك تكون القراءة الأكثر حذرًا هي ألا نبرئ العبارة أو ندينها بواسطة قاموس جاهز، بل نضعها داخل لغة الحلاج، ثم نقر بأن تلك اللغة نفسها سمحت بتفسيرات متعارضة.

هل قُتل الحلاج لأنه قال «أنا الحق»؟

هذه أشهر أجزاء القصة، وربما أكثرها حاجة إلى التصحيح.

نعم، أصبحت العبارة لاحقًا مرتبطة بإعدام الحلاج ارتباطًا يكاد يكون غير قابل للفصل. لكن القول إنه أُعدم ببساطة لأنه نطق «أنا الحق» يحول قضية تاريخية طويلة إلى مشهد مسرحي قصير.

عاش الحلاج في العصر العباسي وسط صراعات دينية وسياسية واجتماعية شديدة التعقيد. تنقل بين العراق ومكة وخراسان ومناطق أخرى، وخاطب جمهورًا أوسع من الدوائر الصوفية المغلقة، واكتسب أتباعًا وخصومًا، وأُثيرت حوله اتهامات متباينة شملت العقيدة والسحر وصلات سياسية مزعومة.

ثم سُجن سنوات قبل مقتله. وهذه السنوات وحدها تكفي لإثارة الشك في الصورة التي تجعل القضية رد فعل فوريًا على شطحة واحدة.

وتذكر المصادر روايات مختلفة بشأن الأساس الذي استُخدم في المرحلة الأخيرة من محاكمته. ومن الروايات المهمة أن نصًا نُسب إليه يتعلق بإمكان إقامة أعمال تعبدية بديلة لمن يعجز عن الحج استُعمل ضده، في سياق اتهامات أوسع. كما لعبت خصومات رجال السلطة والتوترات السياسية في بغداد دورًا في المناخ الذي جرت فيه القضية.

لذلك لا نستطيع تحويل الحلاج إلى «شاعر قتلته جملة» من دون أن نخسر التاريخ.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ المعاكس أن نفصل لغته الدينية عن مصيره كليًا ونقول إن القضية كانت سياسية محضة. لقد كانت أقواله وممارساته الدينية جزءًا حقيقيًا من الجدل، لكن السياسة والفقه والسلطة والسمعة العامة تشابكت في قضيته إلى حد يجعل السبب الواحد تفسيرًا فقيرًا.

الحكاية الأدبية تحتاج إلى سبب واضح. التاريخ لا يلتزم بهذه الراحة.

كيف صنعت الذاكرة حلاجًا آخر؟

بعد الموت بدأ طور جديد من حياة الحلاج: حياته في الكتب.

لم يتعامل التراث الصوفي المبكر معه بطريقة واحدة. بعض المصنفين تحاشاه، وبعضهم دافع عنه، وبعضهم حاول التمييز بين صدق تجربته وخطورة عباراته. ثم أخذت صورته تتغير تدريجيًا.

كان لعلي الهجويري دور في الدفاع عنه داخل التقليد الصوفي الفارسي، لكن التحول الأدبي الأكبر ظهر مع فريد الدين العطار. ففي «تذكرة الأولياء» لم يعد الحلاج مجرد رجل مختلف عليه؛ أخذ يتقدم نحو صورة الشهيد العارف الذي يدفع حياته ثمنًا للحقيقة التي شهدها.

وهنا تقترب الذاكرة من الأسطورة الأدبية.

الأسطورة هنا لا تعني «الكذبة». إنها الطريقة التي ينتقي بها الخيال الجمعي من حياة معقدة مشاهد قليلة، ثم يعيد ترتيبها حتى تصبح ذات معنى رمزي. رجل عاش عشرات السنين، رحل وحج وعلّم وكتب وخاصم وصادق وسُجن، يمكن أن تختصره الذاكرة في مشهد واحد: الحلاج واقف أمام الموت، متمسكًا بكلمته.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لم تعد «أنا الحق» ملكًا للحلاج التاريخي وحده. صارت رمزًا يستطيع الشعراء والمتصوفة والكتّاب إعادة استخدامه. صار «منصور» اسمًا للشخص الذي يرى حقيقة لا يستطيع المجتمع احتمال لغتها، وصارت المشنقة مقابلة للكشف، وصار الدم مقابلًا للكلمة.

لكن هذه الصورة الجميلة أدبيًا قد تكون خطرة تاريخيًا. لأنها تجعلنا نقرأ المصادر بحثًا عن الشهيد الذي نعرف نهايته مسبقًا، بدل أن نسأل كيف تكوّن هذا الشهيد في الذاكرة.

سوء الفهم: هل كان مجرد جهل بلغة التصوف؟

من المغري أن نقول إن الحلاج كان عارفًا فهمه الصوفية وأساء الفقهاء فهمه، ثم ننهي المسألة. لكنها رواية لا تقل تبسيطًا عن الرواية المقابلة.

فالخلاف لم يكن بين «الصوفية» في جهة و«الفقهاء» في جهة أخرى على نحو نظيف. كان للحلاج خصوم داخل الوسط الصوفي نفسه، وكان بعض المتصوفة يتحفظون على إعلان الشطح أمام العامة. والجنيد، الذي صار رمزًا للتصوف «الصاحي»، يمثل في الذاكرة الصوفية مسارًا مختلفًا عن الاندفاع الحلاجي نحو كشف التجربة.

يمكن هنا التمييز بين سؤالين كثيرًا ما يختلطان.

السؤال الأول: هل يمكن تأويل «أنا الحق» تأويلًا لا يعني ادعاء الألوهية؟ نعم، وقد فعل ذلك متصوفة وعلماء على مدى قرون.

أما السؤال الثاني فهو: هل كان من المقبول أن يقول الصوفي عبارة تحتمل في ظاهرها هذا المعنى أمام الناس؟ هنا لم يكن الاتفاق قائمًا حتى بين من يعرفون لغة التصوف.

وهذه النقطة تجعل مأساة الحلاج أعمق من حكاية اضطهاد مفكر حر. إنها كذلك مشكلة في الاتصال: ماذا يحدث حين تخرج لغة التجربة الخاصة من دائرتها وتدخل المجال العام؟

الشاعر يعرف هذه المشكلة أيضًا. قد يكتب صورة يقصد بها شيئًا، فيقرؤها الجمهور بطريقة أخرى. لكنه يستطيع عادة أن يشرح أو يصمت. أما عندما تتصل اللغة بالمقدس وبحدود الاعتقاد وبسلطة الدولة، فقد تصبح فجوة التأويل مسألة حياة وموت.

وفي هذا الجانب تلتقي قصة الحلاج مع سؤال ناقشه «الورّاق الجزائري» من زاوية مختلفة في قراءة قصيدة «خبز وحشيش وقمر» لنزار قباني: ليس كل صدام بين نص ديني أو اجتماعي وجمهوره دليلًا على أن أحد الطرفين لم يفهم اللغة فحسب؛ أحيانًا يكون الخلاف نفسه على حدود ما يجوز للغة أن تفعله.

من «أنا الحق» إلى مأساة الحلاج الحديثة

لم تتوقف إعادة صناعة الحلاج في كتب التصوف القديمة. ففي الأدب العربي الحديث عاد بوصفه شخصية شديدة القابلية للرمز، ولعل أشهر تجليات ذلك مسرحية صلاح عبد الصبور «مأساة الحلاج» التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين.

الحلاج الحديث لم يعد سؤالًا صوفيًا فقط. صار صورة للمثقف، وللشاعر، ولصاحب الرؤية، وللعلاقة بين الكلمة والسلطة، وبين المعرفة والجمهور، وبين التضحية والحقيقة.

وهنا تظهر قدرة الشخصية التاريخية على مغادرة زمنها. فالكاتب الحديث لا يحتاج إلى إثبات أن كل تفصيل في عمله وقع للحلاج التاريخي؛ إنه يستخدم مادة التاريخ ليصنع سؤالًا معاصرًا. لكن القارئ يحتاج إلى ألا يخلط بين المستويين. حلاج المسرح والشعر ليس وثيقة عن حلاج بغداد في القرن الرابع الهجري.

كل عصر، بطريقة ما، صنع حلاجه الخاص.

المتصوف رأى فيه العاشق الذي أفناه المحبوب. والناقد العقدي رأى فيه خطر تجاوز الحدود. والشاعر رأى فيه صاحب الكلمة التي صار جسده ثمنًا لها. والمفكر الحديث استطاع أن يراه مثالًا لصدام الفرد بالمؤسسة. وكل صورة تكشف شيئًا عن الحلاج، لكنها تكشف أيضًا شيئًا عن العصر الذي أنتجها.

لماذا بقيت «أنا الحق» ولم تبق مئات الجمل الأخرى؟

ليس لأن العبارة تشرح الحلاج أفضل من كل ما كتب. ربما العكس هو الصحيح: بقيت لأنها لا تشرحه تمامًا.

إنها قصيرة إلى حد الشعار، وغامضة إلى حد التأويل، وخطرة إلى حد الحكاية. يستطيع الخصم أن يستخدمها دليل إدانة، ويستطيع المحب أن يستخدمها ذروةً للفناء. يستطيع الباحث أن يشك في تفاصيل نسبتها، ويستطيع الشاعر أن يبني عليها مسرحية. وهي في كلمتين تجمع المتناقضات التي تجعل القصص تعيش طويلًا: الأنا ومحو الأنا، الإنسان والله، الكلام والصمت، الكشف وسوء الفهم، التجربة الفردية والسلطة العامة.

لهذا ربما ظلمت العبارة الحلاج وأنقذته من النسيان في الوقت نفسه.

ظلمته لأنها ضغطت حياته وفكره في شطحة واحدة. فمن يعرفه من خلالها وحدها قد لا يعرف «الطواسين»، ولا صورة الفراشة والنار، ولا رحلاته، ولا تنوع علاقاته بالتيارات الصوفية، ولا السنوات الطويلة التي فصلت بين ظهوره ومحاكمته وموته.

وأنقذته لأنها منحت الذاكرة رمزًا لا يُنسى.

الأدب يفعل هذا كثيرًا. لا يحفظ الأشخاص كما كانوا، بل يحفظ منهم الصورة الأكثر قدرة على الهجرة بين الأزمنة. وبعد قرون يصبح من الصعب فصل الإنسان عن الشخصية التي صنعتها الكتب منه.

إذن، ماذا كان يعني الحلاج بـ«أنا الحق»؟

بعد كل هذه الرحلة، يصبح الجواب أدق من «قال إنه الله»، وأقل يقينًا من «كان يقصد الفناء».

تاريخيًا، لا نملك نصًا موثوقًا من مؤلفات الحلاج الباقية يسمح لنا بإعادة بناء لحظة التلفظ بالعبارة على نحو قاطع، والروايات التي أحاطت بها نمت وتغيرت عبر القرون. لذلك يجب أن تبقى نسبة تفاصيل المشهد موضع احتياط.

أما فكريًا، فإن قراءة العبارة داخل اللغة الصوفية تجعل تفسيرها بوصفها إعلانًا مباشرًا للألوهية تفسيرًا ناقصًا. مفهوم الفناء، ولغة المحو، والصور التي نجدها في تراث الحلاج نفسه، تمنح أساسًا قويًا لفهمها بوصفها تعبيرًا عن غياب الأنا الفردية في لحظة الاستغراق في الحق.

لكن هذا لا يحول التأويل إلى حقيقة وحيدة ملزمة، ولا يلغي أن ظاهر العبارة كان صادمًا، وأن بعض المتصوفة أنفسهم رأوا أن أسرار التجربة لا ينبغي أن تُلقى في الطريق العام.

وأخيرًا، لا يثبت البحث التاريخي أن «أنا الحق» وحدها هي التي قتلت الحلاج. موته جاء في شبكة أكثر تعقيدًا من الاتهامات والخصومات والفقه والسياسة والخوف من تأثير رجل خرج بتجربته من الخلوة إلى الجمهور.

ربما كان سوء فهم الحلاج إذن أعمق من سوء تفسير جملة. لقد وقع التصادم بين نوعين من اللغة: لغة تريد من الكلمات أن تكون محددة وقابلة للمحاسبة، ولغة صوفية تحاول أن تستخدم الكلمة لكي تشير إلى تجربة تزعم أن الكلمات لا تتسع لها.

وفي المسافة بين اللغتين وُلد الحلاج الذي نعرفه اليوم.

ليس الرجل الذي نستطيع أن نستعيده كاملًا بعد أحد عشر قرنًا، ولا القديس الذي صنعته كل الحكايات، ولا الزنديق الذي صنعته كل الخصومات، بل شخصية معلقة بين التاريخ والأدب: كلما حاول قارئ أن يثبتها في معنى واحد عادت العبارة نفسها وفتحت المعنى من جديد.

بعد أكثر من ألف عام، هل كانت مأساة الحلاج في أنه قال ما لا ينبغي قوله، أم في أنه حاول أن يضع تجربة لا تتسع لها اللغة في جملة أقصر من أن تحمي نفسها من سوء الفهم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق