حين يصبح الضرر الذي نختاره بأنفسنا أغلى من المنفعة التي يختارها الآخرون لنا
لماذا يتصرف بطل "مذكرات من تحت الأرض" ضد مصلحته وهو يعرف أنه يفعل ذلك؟ الجواب الأقرب هو أن الرجل لا يبحث دائمًا عن الألم لذاته، بل يستخدم أحيانًا قدرته على اختيار ما يضره بوصفها الدليل الأخير على أنه ما يزال حرًا. فإذا أصبح الإنسان، في نظره، كائنًا يمكن التنبؤ بأفعاله بمجرد معرفة مصالحه وقوانين سلوكه، فلن يبقى من إرادته إلا اسمها. لذلك قد يفضّل قرارًا سيئًا اتخذه بنفسه على سعادة محسوبة سلفًا قيل له إنها الأفضل له.
هذه واحدة من أكثر أفكار دوستويفسكي إزعاجًا في "مذكرات من تحت الأرض". فهي لا تطلب منا أن نتعاطف مع رجل حكيم يخطئ أحيانًا، بل تضعنا أمام شخص يعرف كثيرًا، ويفهم نفسه إلى حد مؤلم، ثم يستخدم هذا الوعي ذاته في تخريب حياته.
هو يرى الإهانة قبل أن تقع، ويتخيل ردوده عليها، ويدرك سخافة بعض تصرفاته، ثم يمضي إليها. يريد القرب من الآخرين ثم يدفعهم بعيدًا. يتوق إلى الكرامة ثم يضع نفسه في مواقف تهينه. وحين تمد إليه يد إنسانية حقيقية، كما تفعل ليزا، يكاد يكون عاجزًا عن قبولها من دون أن يحولها إلى ساحة جديدة للصراع.
من السهل أن نصف هذا كله بأنه تناقض نفسي أو ميل إلى تدمير الذات. لكن هذا الوصف لا يكفي. لأن الرجل نفسه يحول تناقضه إلى حجة فلسفية: ماذا لو كان الإنسان قادرًا على أن يعرف مصلحته ثم يرفضها عمدًا؟ ماذا لو كان الشيء الذي يسميه العقل "خطأ" يصبح، في لحظة معينة، الطريقة الوحيدة التي يثبت بها الفرد أنه ليس آلة؟
كتاب صغير ظهر وسط معركة كبيرة حول الإنسان
صدرت "مذكرات من تحت الأرض" بالروسية سنة 1864 في مجلة "إيبوخا" التي كان دوستويفسكي يصدرها مع أخيه ميخائيل. عنوانها الأصلي هو "Записки из подполья" أو Zapiski iz podpol'ya، وقد انتقل إلى العربية بصيغ أشهرها "مذكرات من تحت الأرض" و"رسائل من تحت الأرض" و"مذكرات من العالم السفلي" بحسب الترجمة.
لكن الكتاب لا يصبح مفهومًا تمامًا إذا عزلناه عن المناخ الفكري الروسي في ستينيات القرن التاسع عشر. كان السؤال عن إمكان إعادة تنظيم المجتمع على أسس عقلانية وعلمية يحتل مساحة واسعة من الجدل بين المثقفين الروس. وكانت تصورات المنفعة، والمصلحة الذاتية العقلانية، وإمكان تفسير السلوك الإنساني وفق قوانين واضحة جزءًا من هذا النقاش.
ومن أهم النصوص التي دخلت في هذا الجدل رواية نيكولاي تشيرنيشيفسكي "ما العمل؟" الصادرة سنة 1863. فقد ارتبطت الرواية بفكرة أن الإنسان، إذا فهم مصالحه الحقيقية وعاش في ظروف اجتماعية عقلانية، يستطيع أن يتصرف بطريقة تحقق مصلحته وتتوافق في الوقت نفسه مع بناء مجتمع أفضل.
لا ينبغي اختزال "مذكرات من تحت الأرض" إلى مجرد رد على تشيرنيشيفسكي، فالعمل أكبر أدبيًا من أن يكون منشورًا فلسفيًا مضادًا. لكن الصلة بينهما مهمة. دوستويفسكي لا يناقش فقط نوع المجتمع الذي ينبغي بناؤه، بل يضرب في نقطة أعمق: ماذا لو كان تعريف الإنسان نفسه باعتباره كائنًا يسعى بصورة عقلانية إلى مصلحته تعريفًا ناقصًا؟
هنا يظهر رجل تحت الأرض ليقول، بسلوكه قبل أقواله، إن الإنسان يستطيع أن يفسد الحساب كله.
ما المقصود بالمصلحة العقلانية؟
المقصود ليس ببساطة أن كل إنسان أناني أو أنه يبحث عن المال والراحة. الفكرة أوسع: إذا عرف الإنسان معرفة صحيحة ما ينفعه، فسوف تكون لديه أسباب عقلانية لاختيار هذا النافع بدل ما يضره.
في أبسط صورة يمكن تصور المسألة هكذا: إذا كان أمامك طريق يحقق منفعة واضحة وطريق يسبب لك ألمًا بلا مقابل، فمن المتوقع أن تختار الأول. وإذا كانت ظروف الإنسان وأهدافه معروفة بدقة كافية، يصبح سلوكه قابلاً للتفسير، وربما للتوقع.
هنا يثور رجل دوستويفسكي.
ما يزعجه ليس الطعام الجيد أو الصحة أو الأمان أو الرفاه في ذاتها. إنه يخشى اللحظة التي تتحول فيها هذه المنافع إلى نظام كامل يخبر الإنسان سلفًا بما ينبغي أن يريده. ففي اللحظة التي تصبح فيها رغباتنا قابلة للحساب بصورة نهائية، يشعر أن شيئًا أساسيًا في الإنسان قد اختفى.
ولهذا يبالغ متعمدًا. يقول، بمعنى حجته لا بنقل عبارته حرفيًا، إن الإنسان قد يختار أحيانًا أكثر الأشياء ضررًا وغباءً لمجرد الاحتفاظ بحق الاختيار.
ليس لأن الضرر خير من المنفعة، بل لأن اختيار الضرر بحرية قد يبدو له أفضل من منفعة لم يعد له فيها أي دور سوى التنفيذ.
لماذا يخيفه "اثنان في اثنين يساوي أربعة"؟
من أشهر صور الجزء الأول من الكتاب احتجاج الراوي على عالم مغلق بقوانين لا يمكن الاعتراض عليها. المعادلة الرياضية صحيحة بالطبع، ولا يحاول دوستويفسكي إبطال الحساب. المشكلة تبدأ حين تتحول المعادلة من حقيقة رياضية إلى صورة لكل ما هو إنساني.
إذا أمكن تفسير كل رغبة وكل قرار بوصفهما نتيجة حتمية لمصلحة أو سبب سابق، يصبح الإنسان أشبه بمفتاح في آلة ضخمة. قد تكون الآلة منظمة وعادلة ومريحة، لكنها لا تحتاج إلى إرادة حقيقية، لأنها تعرف مسبقًا ما الذي سيفعله كل فرد حين يدرك مصلحته.
وهذا ما لا يحتمله رجل تحت الأرض.
إنه مستعد، نظريًا على الأقل، لأن يصطدم بالجدار فقط كي يختبر أنه قادر على الاصطدام به.
وهنا تصبح المفارقة قاسية. فالحرية التي يدافع عنها ليست حرية نبيلة بالضرورة. يمكن أن تكون حرية الحقد، أو الإفساد، أو الانتقام، أو اتخاذ القرار الأحمق. إن حذف قدرة الإنسان على الشر لا يجعل الإنسان صالحًا تلقائيًا في نظر الراوي، بل قد يحوله إلى كائن لم يعد يختار أصلًا.
وهذا أحد أسباب بقاء الكتاب حيًا بعيدًا عن الجدل الروسي الذي ولد فيه. السؤال لم يعد: هل كان تشيرنيشيفسكي مصيبًا؟ بل أصبح: إلى أي حد يمكن بناء تصور كامل للإنسان على افتراض أنه سيختار دائمًا ما هو أفضل له؟
المشكلة أن الرجل لا يثبت الحرية فقط، بل يدمر نفسه بها
لو بقي الكتاب في حدوده الفلسفية لأمكن أن يصبح مناظرة ذكية حول العقل والإرادة. لكن دوستويفسكي يفعل شيئًا أكثر قسوة: ينقل الفكرة من الرأس إلى الحياة.
في الجزء الثاني نرى ما يحدث حين يحاول هذا الرجل أن يعيش وفق حساسيته المتطرفة تجاه الحرية والكرامة ونظرة الآخرين.
إنه لا يدخل المواقف الاجتماعية ببساطة. قبل أن يتكلم يكون قد تخيل كيف سينظر إليه الآخرون، وما الذي قد يقصدونه، وأين تكمن الإهانة المحتملة، وكيف يستطيع أن ينتقم منها. ثم يبدأ حواره الحقيقي بعد أن يكون قد خاض في ذهنه حوارات عديدة لم تحدث.
الوعي الذي يفترض أن يساعده على اتخاذ قرار أفضل يتحول إلى فخ.
هو لا يعاني من قلة التفكير، بل من فائضه.
يستطيع أن يرى عدة تفسيرات للموقف الواحد، وأن يشك في دوافعه حتى بعد أن يتصرف، وأن ينقض الفكرة التي قالها قبل لحظات. لذلك يصعب عليه الوصول إلى الفعل البسيط المباشر. وكلما اتسعت معرفته باحتمالات الموقف ازدادت قدرته على تعطيل نفسه.
من هنا تأتي إحدى مفارقات "مذكرات من تحت الأرض": العقل الذي وعد الإنسان بالتحرر من الجهل يمكن أن يتحول، عند هذا الراوي، إلى وسيلة جديدة للعجز.
هل دوستويفسكي يقول إن الإنسان غير عقلاني بطبيعته؟
يمكن الوصول بسهولة إلى هذه الخلاصة، لكنها أبسط مما يسمح به النص.
الرواية لا تقدم رجل تحت الأرض نموذجًا صحيًا ينبغي أن نقلده. بالعكس، كثير من سلوكه مهين له ولغيره. كما أن حججه لا تصلنا من فيلسوف يقف خارج التجربة، بل من راو مضطرب ومتناقض يعرف أنه يناقض نفسه أحيانًا.
وهذا فرق أساسي.
إذا أخذنا كل كلام الراوي بوصفه الموقف النهائي لدوستويفسكي، ضاع نصف العمل على الأقل. فقد نبه النقد الأدبي منذ زمن إلى خطورة فصل الأفكار في الجزء الأول عن الوقائع التي يكشفها الجزء الثاني. ما يقوله الرجل عن الحرية ينبغي أن نراه إلى جانب الطريقة التي يستخدم بها حريته فعلًا.
وحين نفعل ذلك تظهر مشكلة جديدة.
هو محق جزئيًا في أن الإنسان لا يمكن اختزاله إلى معادلة للمصلحة، لكن حياته لا تثبت أن مجرد رفض المعادلة يقود إلى الحرية الحقيقية.
يمكن للإنسان أن يقول: سأفعل عكس ما يُتوقع مني كي أثبت استقلالي. لكن إذا أصبح يفعل العكس بصورة قهرية، فهل بقي حرًا؟
الشخص الذي لا يستطيع أن يقول إلا "لا" قد يكون أسير رفضه بقدر ما يكون الآخر أسير طاعته.
لذة الإهانة: عندما يتحول الوعي إلى انتقام من الذات
يقول الراوي في مواضع مختلفة ما يفيد بأنه قادر على العثور على نوع غريب من اللذة داخل الألم والإهانة. هذه الفكرة لا تعني ببساطة أنه يحب أن يتألم. الأهم أنه يستطيع تحويل الألم إلى تجربة يملكها.
إذا تعرض للإهانة من شخص آخر فهو ضعيف أمامه. أما إذا دخل الإهانة بإرادته، أو بالغ فيها، أو أعاد تمثيلها داخل وعيه عشرات المرات، فإنه يستعيد شكلًا ملتويًا من السيطرة.
وهكذا يستطيع الإنسان أن يحول خسارته إلى شيء يخصه وحده.
قد يبدو هذا غير منطقي، لكنه مفهوم نفسيًا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. فالاعتراف بحاجة الإنسان إلى الآخرين يجعله معرضًا للرفض. وقبول الحب يجعله قابلًا للفقد. وطلب الصداقة يسمح للآخر بأن يرفضه. أما العزلة فتمنحه حماية قاسية: لا يستطيع أحد أن يهجر من قرر مسبقًا ألا ينتمي.
تحت الأرض ليست مجرد غرفة إذن. إنها طريقة دفاع.
هناك يستطيع الراوي أن يتخيل نفسه أذكى ممن حوله، وأن يراقب المجتمع من مسافة، وأن يعيد كتابة هزائمه في ذهنه بحيث يصبح هو من اختار الانسحاب.
لكن ثمن هذه السيادة الوهمية كبير. فكلما احتمى من احتمال أن يجرحه الآخرون أصبح أكثر وحدة، وكلما ازدادت وحدته احتاج إلى الاعتقاد بأنه رفضهم قبل أن يرفضوه.
ليزا تكشف ما لا تستطيع الفلسفة إخفاءه
لهذا تعد علاقة الراوي بليزا من أهم الاختبارات التي يضع دوستويفسكي أمام أفكاره.
ليس المهم هنا سرد تفاصيل اللقاء، بل ملاحظة ما يحدث عندما تظهر أمام الرجل إمكانية لعلاقة إنسانية لا تخضع بالكامل لمباراته المعتادة مع القوة والإهانة.
في البداية يستطيع أن يتكلم من موقع المتفوق. ينصح، ويحذر، ويرسم للآخر مصيرًا مخيفًا، فيشعر بأنه الأقوى والأكثر معرفة.
لكن حين تأتي ليزا إليه ويتغير ميزان العلاقة، يصبح هو المكشوف.
لم يعد صاحب الخطاب الذي يعرف كل شيء عن ضعف الآخرين. صار هناك شخص يستطيع أن يرى ضعفه هو.
وهنا تصبح الرحمة نفسها تهديدًا.
الشفقة عليه تكسر الصورة التي يريد الاحتفاظ بها عن نفسه، والحب يفرض عليه نوعًا من المساواة لا يجيد احتمالها. لذلك يحاول استعادة السيطرة بالإيذاء.
هذه اللحظة مهمة لأنها تمنعنا من قراءة دفاعه عن الحرية قراءة رومانسية. الرجل الذي يرفض أن يكون آلة تحت حكم العقل قد يحول شخصًا آخر إلى أداة يستخدمها لاستعادة إحساسه بالقوة.
الحرية التي لا تعترف بحرية الآخر تستطيع أن تصبح شكلًا آخر من أشكال الاستبداد.
هل "الرجل تحت الأرض" هو دوستويفسكي؟
إغراء هذا الربط كبير لأن الكتاب مكتوب بضمير المتكلم، ولأن دوستويفسكي نفسه خاض سجالات فكرية حادة مع تيارات عصره. لكنه ربط غير آمن إذا جعلنا الشخصية نسخة مباشرة من الكاتب.
دوستويفسكي خلق صوتًا أدبيًا قادرًا على تقديم حجج قوية، لكنه ترك داخل هذا الصوت تصدعات تكشف حدوده. الراوي يتراجع، ويتناقض، ويتخيل اعتراضات قارئه قبل أن يسمعها، ويجيب أشخاصًا غير موجودين أمامه، ثم يعترض أحيانًا على اعتراضاتهم المتخيلة.
إنه صوت يعيش داخل مناظرة لا تنتهي.
وقد رأى نقاد في هذه الطريقة أحد أسرار بنية العمل: لا نستطيع استخراج "فلسفة" الرجل من أقواله وحدها، لأن شكل اعترافه نفسه جزء من معناه. إنه يريد أن يقرر كيف سيراه القارئ، ثم يخشى حكم القارئ، ثم يسخر منه، ثم يحتاج إليه من جديد.
حتى وهو يعلن استقلاله، لا يستطيع التخلص من الآخرين.
إنه يكتب لهم.
الوعي المفرط لا يجعله أكثر حرية
من أكثر عناصر الكتاب حداثة إحساس الراوي بأن زيادة الوعي لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة القدرة على الفعل.
نميل عادة إلى الاعتقاد أن المشكلة في الإنسان هي أنه لا يعرف نفسه جيدًا. فإذا فهم دوافعه وأخطائه استطاع أن يتغير.
رجل تحت الأرض يمثل الاحتمال المعاكس.
قد يعرف الإنسان ما يفعله، ويصف دوافعه بذكاء، ويتنبأ بالنتيجة السيئة، ثم يعيد السلوك نفسه.
المعرفة هنا لا تتحول تلقائيًا إلى خلاص.
بل إن الراوي يستخدم ذكاءه أحيانًا لتبرير العجز. كل سبب يؤدي إلى سبب مضاد، وكل قرار يمكن نقضه، وكل قيمة يمكن السخرية منها. وعندما يصبح الإنسان قادرًا على رؤية كل جانب من جوانب المسألة قد يجد نفسه عاجزًا عن الالتزام بأي جانب.
ومن هنا يمكن فهم إصراره على الأفعال العبثية باعتبارها محاولة للهروب من شلل الوعي. الفعل السيئ على الأقل فعل. القرار الذي يجرحه على الأقل يخرجه، ولو للحظة، من عالم الاحتمالات إلى عالم الواقع.
لكنه سرعان ما يعود إلى تحت الأرض ليحلل ما فعل، فيبدأ العذاب من جديد.
من القصر البلوري إلى الإنسان الذي يرفض السعادة الجاهزة
يرتبط أحد الرموز المهمة في الجدل الفكري المحيط بالكتاب بصورة "القصر البلوري"، ذلك البناء الذي عرفه دوستويفسكي خلال رحلته إلى أوروبا الغربية وشاهده في لندن، ثم اكتسب في النقاش الروسي دلالات تتجاوز العمارة نفسها.
يمكن أن يمثل القصر مجتمعًا منظمًا وشفافًا وعقلانيًا، جرى فيه حل المشكلات الرئيسية بحيث يعرف الناس مصالحهم ويعيشون وفقها.
لكن رجل تحت الأرض ينظر إلى الكمال ذاته بعين الريبة.
فالمبنى الذي لا يمكن الاعتراض عليه يثير فيه الرغبة في الاعتراض لمجرد إثبات إمكان الاعتراض. والمستقبل الذي حل جميع الأسئلة يخيفه لأنه لم يترك للفرد مكانًا ليقول شيئًا لم يكن داخل الخطة.
هذه ليست حجة ضد تحسين حياة البشر، ولا ينبغي استخدام الرواية لتقديس البؤس. دوستويفسكي يعرف قسوة الفقر والسجن والمرض أكثر مما يسمح بقراءة سهلة كهذه.
المسألة أضيق وأخطر: هل يمكن تصميم السعادة للإنسان من الخارج إذا كان تعريف السعادة نفسه لا يترك له حق رفضها؟
الرواية لا تنتصر للرجل تحت الأرض
إذا كان الراوي قد فضح سذاجة الاعتقاد بأن الإنسان سيختار الخير لمجرد أنه عرف مصلحته، فإن حياته تفضح بدورها سذاجة الاعتقاد بأن الإرادة تصبح قيمة لمجرد أنها تقول "لا".
فالقدرة على اختيار الضرر تثبت أن الإنسان غير قابل للاختزال إلى حساب بسيط، لكنها لا تجعل الضرر حكمة.
وهنا تكمن قوة الكتاب الأدبية أكثر من أي شعار فلسفي يمكن استخراجه منه.
دوستويفسكي لا يقدم لنا بطلًا ينتصر في المناظرة ثم يغادر المسرح. إنه يسمح للرجل بأن يقدم واحدة من أقوى الحجج ضد اختزال الإنسان إلى المصلحة والعقل، ثم يجعله يعيش نتائج تحويل التمرد إلى هوية كاملة.
ما يبدأ دفاعًا عن الحرية ينتهي إلى سؤال عن القدرة على استخدامها.
فالحرية ليست فقط القدرة على رفض ما يُعرض علينا. وربما لا تكون مجرد إمكان اختيار الشر بدل الخير. هناك فرق بين أن يكون الإنسان قادرًا على الاختيار، وأن يكون قادرًا على بناء علاقة أو قبول محبة أو تحمل ضعفه أمام إنسان آخر.
رجل تحت الأرض قوي في النوع الأول وعاجز في الثاني.
إذن لماذا يصر على التصرف ضد مصلحته؟
لأنه يرى أحيانًا أن المصلحة نفسها يمكن أن تصبح قيدًا إذا تحولت إلى قانون يحدد مسبقًا ما ينبغي أن يختاره. وحين يشعر بأن العقل والمجتمع ونظرة الآخرين تحاصر إرادته، يستخدم القرار السيئ كبرهان على أنه ما يزال يملك قرارًا.
لكنه لا يفعل ذلك للسبب الفلسفي وحده.
هناك أيضًا كبرياء مجروح، وخوف من القرب، وحساسية شديدة للإهانة، وحاجة إلى السيطرة على صورته أمام الآخرين. لذلك يصبح إيذاء الذات وسيلة معقدة تجمع بين الاحتجاج والعقاب والحماية.
هو يفسد بعض الفرص قبل أن تمنحه فرصة لإذلاله. يختار الوحدة قبل أن يختبر احتمال الرفض. ويؤذي من يقترب منه قبل أن يصبح محتاجًا إليه.
بهذا المعنى لا يعيش "تحت الأرض" لأنه خارج المجتمع فقط، بل لأنه بنى داخل وعيه غرفة يصعب على الآخرين دخولها.
وعندما كتب دوستويفسكي هذه الشخصية في ستينيات القرن التاسع عشر لم يكن يعرف بالطبع عالم الخوارزميات المعاصر ولا اقتصاد البيانات ولا النماذج التي تحاول التنبؤ بما سنشتريه ونشاهده ونختاره. ومع ذلك تبدو مشكلة الرجل مألوفة على نحو مقلق: ما الذي يبقى من الفرد إذا أصبح سلوكه متوقعًا بصورة متزايدة؟
لكن الرواية تضيف تحذيرًا آخر لا يقل أهمية. مجرد فعل شيء غير متوقع لا يجعلنا أحرارًا. فقد تكون الرغبة في إحباط التوقع نفسه سجنًا جديدًا.
لهذا لا تنتهي "مذكرات من تحت الأرض" بانتصار العقل ولا بانتصار الفوضى. إنها تضع القارئ بينهما وتتركه أمام إنسان يريد الحرية بشدة، لكنه لم يتعلم كيف يعيشها دون أن يحولها إلى سلاح ضد نفسه وضد الآخرين.
وربما لهذا يبدو الرجل تحت الأرض قريبًا بعد أكثر من قرن ونصف من ظهوره. ليس لأننا نتصرف مثله دائمًا، بل لأن معظمنا يعرف بصورة ما ذلك الموقف الغريب: أن نعرف ما ينفعنا، ثم نفعل شيئًا آخر؛ أن نرغب في القرب ثم نتراجع؛ أن نرفض النصيحة لا لأنها خاطئة، بل لأنها جاءت إلينا في صورة أمر.
دوستويفسكي يأخذ هذه اللحظة الصغيرة، التي تبدو مجرد عناد بشري، ويدفعها إلى نهايتها. وهناك، في القبو، نرى السؤال الكبير مختبئًا داخل السلوك السيئ: هل نريد السعادة فقط، أم نريد قبل ذلك أن نشعر بأن حياتنا حياتنا نحن؟
إذا كان الإنسان قادرًا على رفض ما ينفعه كي يثبت حريته، فأين تنتهي الحرية ويبدأ السجن الذي نصنعه لأنفسنا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق