اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

العائد The Revenant: هل قصة هيو غلاس حقيقية؟ وما الذي أضافته هوليوود؟

مقالة صحفية من عام 1922 تستعيد قصة هيو غلاس الحقيقية التي ألهمت فيلم The Revenant
صفحة من Milwaukee Journal عام 1922 تستعيد قصة هيو غلاس، قبل أن تصل حكايته إلى فيلم The Revenant. المصدر: Wikimedia Commons – ملكية عامة.
وراء الدب والثلج والانتقام رجل حقيقي نجا من الموت؛ لكن حكايته التي نعرفها اليوم ليست كلها تاريخًا.

لو حذفنا من فيلم The Revenant الابن المقتول، والزوجة من السكان الأصليين، والمطاردة التي تقود إلى مواجهة أخيرة دامية، فهل تبقى قصة هيو غلاس مدهشة؟ المفارقة أن الجواب هو نعم. وربما تصبح أكثر إدهاشًا، لأن الجزء الذي نستطيع ربطه بالرجل الحقيقي يكاد يكون كافيًا وحده لصناعة أسطورة.

كان هناك بالفعل رجل يدعى هيو غلاس. هاجمه دب أشيب سنة 1823 وأصابه إصابات مروعة، وتركه اثنان من رفاقه بعدما ظنا، أو قالا إنهما ظنا، أنه سيموت. ثم استعاد وعيه ووجد نفسه في البرية بلا سلاح تقريبًا، واستطاع، بطريقة تحولت منذ ذلك الحين إلى مادة للأسطورة الأمريكية، أن يصل إلى مكان آمن بعد رحلة شاقة امتدت مئات الكيلومترات.

هذه ليست الفكرة التي اخترعتها هوليوود.

لكن عندما نقترب من التفاصيل يبدأ الحد الفاصل بين التاريخ والحكاية في الاهتزاز. وهنا بالضبط يصبح العائد The Revenant أكثر إثارة من مجرد فيلم نجاة: إنه مثال واضح على الطريقة التي يأخذ بها الفن نواة تاريخية حقيقية، ثم يعيد بناءها حتى تصبح قادرة على حمل أسئلة لم يكن التاريخ نفسه ملزمًا بالإجابة عنها.

تنبيه: تتضمن الأجزاء التالية كشفًا لأحداث رئيسية ونهاية الفيلم.

من كان هيو غلاس الحقيقي؟

المعلومات اليقينية عن السنوات الأولى من حياة هيو غلاس أقل مما قد يتوقعه من يشاهد الفيلم. يُعتقد أنه وُلد في بنسلفانيا في أواخر القرن الثامن عشر، لكن شهرته التاريخية الحقيقية ارتبطت بتجارة الفراء واستكشاف مناطق الغرب الأمريكي في عشرينيات القرن التاسع عشر.

في عام 1823 كان غلاس ضمن الرجال العاملين في بعثة مرتبطة بتاجر الفراء وليام هنري آشلي. وكانت تلك الرحلات بعيدة جدًا عن الصورة الرومانسية التي صنعتها الثقافة الشعبية لاحقًا عن «رجال الجبال». إنها تجارة قاسية تجري في فضاء تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والعنف والاستيطان والعلاقات المتوترة مع الشعوب الأصلية.

وهذا السياق مهم لفهم الفيلم. فغلاس ليس في الأصل بطلًا خرج إلى البرية بحثًا عن مغامرة شخصية، بل رجل يعيش داخل اقتصاد حدودي كانت جلود الحيوانات فيه ثروة، وكانت المسافات الشاسعة والأمراض والحيوانات والصراع المسلح أجزاء من الحياة اليومية.

وفي صيف 1823 وقعت الحادثة التي جعلت اسمه يعيش بعد موته بقرنين تقريبًا.


هل هجوم الدب في The Revenant حدث فعلًا؟

نعم، في جوهره.

تتفق الروايات التاريخية الأساسية على أن دبًا أشيب هاجم هيو غلاس قرب منطقة Grand River، في ما يعرف اليوم بولاية ساوث داكوتا، وأصابه بجروح خطيرة للغاية. وكان رفاقه مقتنعين بأن فرص بقائه حيًا ضئيلة.

لكن علينا هنا أن نفرق بين قولنا إن الهجوم حدث وبين اعتبار كل ثانية نراها على الشاشة تسجيلًا لما وقع سنة 1823.

لا يوجد شاهد ترك لنا وصفًا تفصيليًا يمكن بواسطته إعادة بناء حركة الدب وغلاس كما لو أن كاميرا كانت موجودة في المكان. أما الفيلم فيحتاج إلى شيء مختلف: يحتاج إلى أن يجعل المتفرج يشعر بالهجوم جسديًا.

ولهذا جاءت واحدة من أشهر مشاهد الفيلم وأكثرها قسوة. لا يُصوَّر الدب كوحش شرير بالمعنى التقليدي، ولا تتحول المواجهة إلى بطولة قتالية. غلاس هنا جسد هش أمام قوة طبيعية هائلة. يُقذف ويُسحق ويُجر على الأرض، ويبدو الإنسان فجأة أصغر كثيرًا من الصورة التي رسمها لنفسه باعتباره سيد البرية.

والتفصيل المهم أن الدبة في الرواية الشائعة كانت تحمي صغارها. بهذا المعنى، لا يقدم الفيلم «شرًا» طبيعيًا. الحيوان يتصرف وفق منطقه، بينما البشر هم الذين يحملون معهم الطمع والخوف والخيانة والثأر.

هل تُرك هيو غلاس ليموت فعلًا؟

هذه أيضًا من العناصر الأساسية التي تستند إلى أصل تاريخي.

بعد إصابته لم يكن غلاس قادرًا على مواصلة الرحلة بصورة طبيعية. حاول أفراد المجموعة نقله، لكن ذلك كان يبطئهم في منطقة خطرة. وفي النهاية بقي رجلان معه بانتظار موته ودفنه، ثم تركاه ولحقا بالمجموعة.

تربط الرواية التقليدية هذين الرجلين بجون فيتزجيرالد والشاب جيم بريدجر، الذي أصبح لاحقًا واحدًا من أشهر رجال الحدود الأمريكيين، وإن كانت بعض التفاصيل المتعلقة بمن بقي مع غلاس تحديدًا موضع نقاش في الدراسات التاريخية.

لكن جوهر الحكاية بقي ثابتًا: غلاس لم يمت.

استعاد وعيه ليكتشف أنه تُرك وحده، وأن أسلحته ومعداته لم تعد معه. ومن هذه اللحظة تبدأ القصة التي جعلت منه شخصية أسطورية.

كم قطع هيو غلاس بعد هجوم الدب؟

تختلف الأرقام باختلاف الروايات وطريقة حساب الطريق، ولهذا من الأفضل الحذر من الأرقام شديدة الدقة. تشير المصادر التاريخية في ساوث داكوتا إلى رحلة تجاوزت مئتي ميل وصولًا إلى Fort Kiowa، بينما ترفع بعض إعادة بناء الطريق المسافة إلى ما يقارب ثلاثمئة ميل.

والأهم من الرقم نفسه أن غلاس فعل ذلك وهو يعاني إصابات خطيرة، وأن جزءًا من الرحلة تم زحفًا أو بحركة شديدة الصعوبة قبل أن يستعيد قدرًا من قدرته على السير.

هنا يبدو التاريخ نفسه أكثر غرابة من السينما.

فنحن نستطيع مناقشة تفاصيل الطعام الذي تناوله، أو الطريقة الدقيقة التي عالج بها جراحه، أو الأشخاص الذين ساعدوه، لكن الحقيقة الأساسية لا تحتاج إلى مبالغة: رجل كان رفاقه ينتظرون موته استطاع أن يعود إلى عالم الأحياء.

أين تبدأ هوليوود إذن؟

تبدأ في اللحظة التي يحتاج فيها البقاء إلى سبب درامي.

الإنسان الحقيقي لا يحتاج بالضرورة إلى دافع أدبي كي يحاول النجاة. يكفي أنه لا يريد أن يموت. أما الفيلم الروائي فيبحث عادة عن خط نفسي يستطيع المتفرج أن يتبعه، وهنا صنع The Revenant أهم تغيير في قصة غلاس.

أعطاه ابنًا.

في الفيلم يعيش غلاس مع ابنه هوك، المولود من امرأة من شعب الباوني. وبعد هجوم الدب يقتل فيتزجيرالد هوك أمام أبيه العاجز عن التدخل. من تلك اللحظة لا يعود غلاس رجلًا يحاول النجاة فقط؛ يصبح أبًا يعود من حافة الموت حاملًا جرحًا آخر لا يستطيع الجسد أن يلتئم منه.

لا يوجد دليل تاريخي موثوق يثبت أن هيو غلاس كان له ابن نصفه من الباوني يدعى هوك، ولا أن فيتزجيرالد قتل ابنًا له.

إذن فالمحرك العاطفي الرئيسي للفيلم اختراع درامي.

وهذه ليست إضافة صغيرة إلى القصة، بل تغيير في معناها كله.

الحقيقة التاريخية والرواية والأسطورة

المشكلة في سؤال «هل The Revenant قصة حقيقية؟» أننا نتخيل أحيانًا وجود نسختين واضحتين: حقيقة محفوظة في ملف، وفيلم غيّرها. لكن قصة هيو غلاس أكثر تعقيدًا.

فبين الرجل الذي عاش سنة 1823 والفيلم الذي ظهر سنة 2015 قرابة قرنين من إعادة الحكي. ظهرت قصته في الصحافة والكتب والقصائد والروايات، وتحولت تدريجيًا إلى جزء من أساطير الغرب الأمريكي. واستند الفيلم بصورة مباشرة إلى رواية مايكل بانك الصادرة عام 2002، التي حملت بدورها عنوان The Revenant.

الصورة المنشورة في أعلى هذه المقالة تكشف هذه المسافة بصورة جميلة. إنها صفحة صحفية تعود إلى عام 1922، أي قبل فيلم إيناريتو بأكثر من تسعين عامًا. كان هيو غلاس قد أصبح قصة تُروى قبل أن تولد السينما التي ستمنحه وجه ليوناردو دي كابريو.

لذلك لا يصح أن ننسب كل تفصيل غير موثق إلى هوليوود وحدها. بعض المبالغات والتفاصيل الأسطورية أقدم من الفيلم بكثير. السينما ورثت حكاية سبق أن أعاد آخرون تشكيلها، ثم أضافت إليها طبقتها الخاصة.

هل انتقم هيو غلاس الحقيقي من فيتزجيرالد وبريدجر؟

هنا تظهر واحدة من أكبر المفارقات بين توقعاتنا والحكاية التاريخية.

بحسب الروايات التاريخية المتداولة، بحث غلاس بالفعل عن الرجلين اللذين تركاه. لكنه لم يقتلهما.

عندما التقى بريدجر، كان الأخير شابًا جدًا، وانتهى الأمر بغلاس إلى العفو عنه. أما فيتزجيرالد فقد التحق بالجيش، وكان قتله سيعرض غلاس لعواقب خطيرة، ولذلك لم ينفذ فيه الثأر الذي قد نتوقعه من أسطورة رجل الحدود.

وهذه النهاية التاريخية، على قدر ما تبدو أقل إثارة سينمائيًا، تحمل مفارقة إنسانية لافتة: الرجل الذي فعل ما يكاد يكون مستحيلًا كي يبقى حيًا لم يجعل القتل خاتمة حتمية لنجاته.

الفيلم يحتاج إلى مواجهة جسدية مع فيتزجيرالد. التاريخ، في المقابل، يترك لنا شيئًا أكثر التباسًا.

هوك: الشخصية التي غيّرت معنى القصة

اختراع شخصية هوك يمنح الفيلم قلبه العاطفي، لكنه يغير أيضًا السؤال الأساسي.

في قصة النجاة التاريخية نسأل: كيف استطاع هذا الرجل أن يعيش؟

في الفيلم يصبح السؤال: ما الذي يمكن أن يجعل رجلًا مصابًا إلى هذا الحد يرفض الموت؟

والجواب الذي يقدمه الفيلم هو الابن.

بهذا يتحول الجسد إلى وعاء للذاكرة. غلاس لا يزحف فقط لأن أعضاءه ما تزال تعمل، وإنما لأن شيئًا داخله لم ينته بعد. صور زوجته، وجه ابنه، الكلمات التي تعود إليه في لحظات الهذيان، كلها تجعل الرحلة واقعة بين عالمين: عالم البقاء المادي وعالم الفقد.

ولهذا أيضًا يصبح عنوان The Revenant بالغ الدلالة. الكلمة تشير إلى العائد، وبخاصة من يعود بعد غياب طويل أو كما لو أنه عاد من الموت. غلاس بالنسبة إلى الرجال الذين تركوه ليس ناجيًا فحسب؛ إنه ميت رفض أن يبقى ميتًا.

الطبيعة ليست خلفية في الفيلم

لو صُورت الحكاية بالطريقة التقليدية، لأصبحت الجبال والأنهار والثلوج خلفيات جميلة لمغامرة رجل. لكن تصوير إيمانويل لوبيزكي يقلب العلاقة: الإنسان هو الذي يبدو عابرًا داخل مشهد أقدم وأضخم منه.

الكاميرا تتحرك قريبًا من الأجساد ثم تنفتح فجأة على فضاءات هائلة. السماء والأشجار والأنهار والثلج لا تبدو ديكورًا. الطبيعة موجودة قبل الشخصيات وستبقى بعدها.

وهذا يفسر لماذا يبدو العنف في الفيلم مختلفًا عن عنف كثير من أفلام المغامرة. عندما يموت إنسان لا تتوقف الطبيعة احترامًا لموته. الماء يستمر في الجريان، والريح تهب، والثلج يسقط.

لا توجد عناية خاصة تمنح الإنسان مركز الكون.

ولعل هذا أحد الأسباب التي تجعل مشهد الدب قويًا إلى هذا الحد. فالدب ليس خصمًا كُتب له دور الشرير. إنه جزء من عالم لا يعترف أصلًا بتقسيمات الإنسان الأخلاقية.

لكن ماذا عن السكان الأصليين؟

يحاول الفيلم أن يبتعد جزئيًا عن الصورة القديمة التي جعلت السكان الأصليين مجرد «خطر» يواجهه الرجل الأبيض في أفلام الغرب الأمريكي. تظهر جماعات الأريكارا والباوني داخل عالم له دوافعه وخسائره، ولا يعود وجودهم مجرد وظيفة لإثارة الخوف.

ومع ذلك لا ينبغي الخلط بين هذه الرغبة الفنية وبين الوثيقة التاريخية. فشخصيات ومسارات عدة مرتبطة بالسكان الأصليين أعيد تشكيلها أو اختراعها لخدمة الحبكة، ومن بينها قصة زوجة غلاس وابنه وخط البحث عن بواكا.

الأكثر أهمية أن الفيلم يذكّرنا بشيء يسهل نسيانه عندما نحصر الحكاية في رجل ودب: تلك البرية لم تكن أرضًا فارغة ينتظرها المستكشف الأوروبي كي «يكتشفها». كانت فضاءً تعيش فيه شعوب لها مجتمعاتها وصراعاتها وعلاقاتها بالأرض، بينما كانت تجارة الفراء والتوسع الأوروبي يغيران ذلك العالم بعنف.

ومن هنا تصبح الحكاية أوسع من مغامرة فردية. إنها تقع في لحظة تاريخية يتقدم فيها اقتصاد جديد إلى أراضٍ قديمة، ويأخذ منها الحيوان والجلد والأرض، ويعيد رسم العلاقات بين البشر.

لماذا غيّر الفيلم الحقيقة؟

السؤال الأدق ربما ليس: لماذا لم يلتزم الفيلم بكل ما حدث؟ بل: ماذا فعل بالتاريخ عندما غيّره؟

لو اكتفى إيناريتو بحكاية رجل هاجمه دب ثم عاد ليبحث عن رفيقين تركاه، لظل أمامه فيلم نجاة قوي. لكنه بإضافة هوك نقل القصة من صراع الإنسان مع الموت إلى صراع الإنسان مع معنى بقائه حيًا.

الثأر يمنح غلاس طاقة، لكنه يتحول تدريجيًا إلى عبء.

وهنا يصل الفيلم إلى فكرته الأخلاقية الأكثر إثارة للاهتمام. الانتقام يستطيع أن يبقي الإنسان متحركًا، لكنه لا يستطيع إعادة الميت. يستطيع غلاس الوصول إلى فيتزجيرالد، وضربه، وجرحه، لكنه لا يستطيع أن يعيد ابنه لحظة واحدة.

وهكذا يصبح الانتقام نفسه نوعًا من الوهم: وعدًا بأن الألم يمكن تسويته إذا دفع شخص آخر ثمنًا مساويًا له.

ماذا تعني نهاية The Revenant؟

في المواجهة الأخيرة يتمكن غلاس من التغلب على فيتزجيرالد. ومع ذلك لا ينهي حياته بيده مباشرة، بل يدفعه في اتجاه النهر حيث يقع في أيدي الأريكارا ويُقتل.

هذه النهاية ليست ما حدث تاريخيًا.

لكنها تخدم المسار الأخلاقي الذي بناه الفيلم. غلاس يصل إلى النقطة التي كان يتخيل أن حياته كلها تتجه إليها، ثم يكتشف أن قتل عدوه لا يستطيع محو الماضي.

وتأتي رؤى زوجته الراحلة لتضع الثأر في سياق أوسع. فالموتى لا يعودون لأن قاتلًا آخر مات.

أما اللقطة الأخيرة، حين ينظر غلاس نحو الكاميرا ويتنفس بصعوبة، فلا تقدم لنا انتصارًا مريحًا. لقد بقي حيًا، لكن الفيلم لا يقول إن النجاة أعادته إلى ما كان عليه.

إنه حي، نعم.

لكن ماذا يفعل الإنسان بالحياة بعدما يفقد الشيء الذي كان يمنحها معناها؟

دي كابريو والجسد بدل الكلام

لا تعتمد شخصية غلاس على الحوارات الطويلة. القسم الأكبر من أدائه مبني على الجسد: التنفس، الألم، الحركة البطيئة، الخوف، البرد، العجز.

وهذا الاختيار مناسب لطبيعة الفيلم. فالنجاة تجربة تسبق اللغة. عندما يكون الإنسان على حافة الموت، تنكمش الفلسفة إلى أفعال شديدة البساطة: تنفس. تحرك. اشرب. ابحث عن الدفء. لا تنم الآن.

ومن المفارقات أن الدور الذي منح ليوناردو دي كابريو أول أوسكار له عن التمثيل كان من أقل أدواره اعتمادًا على البلاغة الكلامية. جسده نفسه أصبح الحوار.

وفاز الفيلم كذلك بأوسكار الإخراج لإيناريتو والتصوير لإيمانويل لوبيزكي، وهو أمر مفهوم عند مشاهدة الطريقة التي أصبح فيها الضوء الطبيعي والبرد والفضاء أجزاء من السرد، لا مجرد مظاهر جمالية.

الحقيقة التي لا تحتاج إلى هوليوود

بعد فصل ما نعرفه تاريخيًا عما اخترعه الفيلم، قد يبدو أن «الحقيقة» أصبحت أقل إثارة. لكن العكس هو الصحيح.

لسنا بحاجة إلى هوك كي تكون قصة هيو غلاس استثنائية.

كان هناك رجل حقيقي هاجمه دب وأصابه إصابات كان رفاقه يتوقعون معها موته. تُرك في البرية، ثم استطاع الوصول إلى بر الأمان بعد رحلة طويلة وشديدة القسوة. وبعد ذلك عاد إلى حياة الصيد وتجارة الفراء، إلى أن قُتل بعد نحو عشر سنوات، سنة 1833، في مواجهة مع أفراد من الأريكارا.

أما الرجل الذي نشاهده في الفيلم فهو شخصية أخرى: هيو غلاس التاريخي بعد أن مر عبر الصحافة والأسطورة والأدب والرواية والسينما.

وهذا لا يجعل الفيلم كاذبًا بالضرورة، لأن الفن ليس محضر تحقيق. المشكلة تبدأ فقط عندما نستخدم الفيلم بوصفه وثيقة لما وقع فعلًا.

السينما تستطيع أن تغير الحدث لكي تبحث عن حقيقة أخرى: حقيقة الحزن، أو الفقد، أو الرغبة في البقاء، أو عبث الانتقام. وعندها لا يصبح السؤال فقط: «هل حدث هذا؟»، وإنما أيضًا: «لماذا احتاج الكاتب إلى أن يجعله يحدث بهذه الطريقة؟».

هيو غلاس بين الإنسان والأسطورة

ربما كان أغرب ما حدث لهيو غلاس أنه نجا مرتين.

المرة الأولى سنة 1823، حين رفض جسده الموت في البرية.

والمرة الثانية بعد موته، حين رفضت حكايته أن تختفي.

كل جيل أعاد الرجل من جديد: الصحافة جعلته خبرًا، والحكاية الشعبية جعلته أسطورة، والأدب منحه لغة، ثم جاءت السينما فمنحته وجهًا وجسدًا وصوتًا وولدًا لم نعرف تاريخيًا أنه كان موجودًا.

لهذا فإن The Revenant ليس قصة هيو غلاس كما حدثت، ولا هو خيال منفصل عن الواقع. إنه المنطقة الملتبسة بين الاثنين؛ المكان الذي يأخذ فيه الفن حقيقة ناقصة ويملأ فراغاتها بما يحتاج إليه لكي يصنع معنى.

وربما يكون أجمل ما في العودة إلى القصة الحقيقية أنها لا تهدم الفيلم، بل تكشف آليته. نرى أين انتهى الرجل وبدأت الأسطورة، وأين انتهت الأسطورة وبدأت هوليوود.

وفي النهاية يبقى شيء واحد لم يحتج السينمائيون إلى اختراعه: أن رجلًا كان ينبغي، وفق كل التوقعات، أن يموت في تلك البرية، لكنه نهض وعاد.

إذا كانت أقوى عناصر قصة هيو غلاس قد حدثت فعلًا، فهل كان الفيلم يحتاج إلى اختراع الابن والثأر ليجعل حكايته أكثر إنسانية، أم أن قصة رجل تمسك بالحياة من أجل الحياة نفسها كانت ستكون أعمق؟
```

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق