حين لا تسير الرواية من الأمس إلى اليوم ثم إلى الغد
نقرأ رواية تبدأ بحادث يقع في الحاضر، ثم نجد الشخصية بعد صفحات تستعيد طفولتها. وقد نكون ما نزال في منتصف الحكاية حين يخبرنا الراوي بما سيقع بعد سنوات. وفي رواية أخرى يبدأ السرد من النهاية تقريبًا، ثم يعود ليخبرنا كيف وصل أبطالها إلى تلك اللحظة. نحن هنا لا نتعامل مع خلل في ترتيب الأحداث، بل مع واحدة من أكثر أدوات السرد فاعلية: قدرة الرواية على إعادة ترتيب الزمن بدل أن تخضع له.
الاسترجاع هو عودة السرد من النقطة الزمنية التي وصل إليها إلى حدث سابق، أما الاستباق فهو انتقاله إلى حدث يقع لاحقًا قبل أن يحين موضعه الزمني الطبيعي. كلاهما يغيّر ترتيب عرض الأحداث، لكن الاسترجاع يكشف الماضي، في حين يفتح الاستباق نافذة على المستقبل.
ولكي نفهمهما بدقة، علينا أن نفرق أولًا بين زمن وقوع الأحداث وبين ترتيب روايتها. قد يولد شخص، ثم يتزوج، ثم يفقد عمله، ثم يسافر؛ هذا هو الترتيب الزمني المفترض للأحداث. لكن الروائي يستطيع أن يبدأ من السفر، ثم يعود إلى فقدان العمل، ثم إلى الزواج، ثم يقدم لنا لمحة عما سيحدث للشخص بعد سنوات. وبذلك يصبح ترتيب السرد مختلفًا عن ترتيب الحياة نفسها.
هذه المسألة تتصل مباشرة بما شرحناه في مقال الفرق بين القصة والحبكة؛ فالأحداث يمكن أن تكون لها علاقة زمنية منطقية، بينما يعيد الخطاب الروائي ترتيبها ليصنع التشويق أو يكشف الشخصية أو يؤخر معلومة مهمة.
الاسترجاع: عندما يحتاج الحاضر إلى الماضي لكي نفهمه
يسمى الاسترجاع في الدراسات السردية الحديثة غالبًا Analepsis، ويعرف في الكلام الشائع بمصطلح Flashback. وهو لا يعني ببساطة أن ترد كلمة مثل "تذكّر" في الرواية، بل أن يعود الخطاب السردي إلى زمن سابق بالنسبة إلى اللحظة التي بلغتها الحكاية.
تخيل رواية تبدأ بامرأة تقف أمام منزل مهجور وترفض الدخول إليه. يستطيع الروائي أن يشرح فورًا سبب خوفها، لكنه قد يؤجل المعلومة. وبعد فصلين تعيدها رائحة معينة أو صورة أو لقاء إلى حادث وقع في المنزل وهي طفلة. عندئذ يصبح الماضي جزءًا من الحاضر؛ لأن القارئ يعيد تفسير السلوك الذي شاهده أولًا بعد أن عرف سببه.
هذه واحدة من أهم وظائف الاسترجاع. فهو لا يعيد الماضي لمجرد أن الماضي حدث، وإنما لأن الماضي يحمل معلومة يحتاج إليها الحاضر السردي. وقد يكشف علاقة قديمة، أو جرحًا نفسيًا، أو سرًا عائليًا، أو سبب عداء بين شخصيتين، أو خلفية قرار لم نفهمه عندما وقع.
وتقدم الأوديسة مثالًا كلاسيكيًا بالغ الوضوح. فالقارئ لا يتابع رحلة أوديسيوس منذ لحظة مغادرته طروادة بترتيب زمني متصل؛ بل يصل البطل إلى أرض الفياشيين، ثم يروي بنفسه جانبًا كبيرًا من مغامراته السابقة. تنتقل الحكاية إذن من اللحظة التي بلغها السرد إلى سنوات ومغامرات سبقتها، ونعيش الماضي من خلال صوت الشخصية نفسها.
وهذا يكشف أمرًا مهمًا: ليس الراوي الخارجي وحده من يستطيع القيام بالاسترجاع. يمكن أن تتولى الشخصية نفسها استعادة الماضي. ولهذا لا ينبغي الخلط بين وظيفة الاسترجاع وبين أنواع الراوي في الرواية. الراوي قد يسترجع، والشخصية قد تسترجع، وقد يصل الماضي إلينا من خلال رسالة أو اعتراف أو حوار أو وثيقة داخل الرواية.
لميس في دموع فينيس: حين يتحول الاعتراف إلى استرجاع
يظهر هذا النوع بوضوح في رواية دموع فينيس لعلي طه النوباني من خلال لميس. يكون السرد في لحظة من حاضر علاقتها بوهيب، ثم تبدأ الشخصية الحديث عن زواجها السابق. تقول إن هذه أول تجربة لها منذ انفصالها عن طليقها، ومن هذه العبارة يفتح السرد بابًا إلى الماضي: تتحدث عن وليد، وعن حياته المضطربة، وعن تجربة قاسية وقعت أثناء زواجها، ثم تتابع ما آل إليه ذلك الزواج حتى دخوله السجن وانفصالها عنه.
هذا ليس مجرد خبر من نوع "كانت لميس متزوجة ثم تطلقت". لو وردت المعلومة بهذه الصورة لكان الماضي مختصرًا في جملة. لكن لميس تعيد سرد التجربة من داخل وعيها، وتستحضر وقائع منها، فيتوقف تقدم الحاضر مؤقتًا ويحتل الماضي مساحة سردية خاصة به.
وظيفة الاسترجاع هنا ليست ملء فراغ في السيرة الشخصية فحسب. ما تقوله لميس يعيد تشكيل صورتها أمام القارئ ويمنح سلوكها الحاضر خلفية لم تكن ظاهرة من قبل. نحن لا نعرف فقط ماذا حدث لها، بل نفهم أن حاضرها يحمل آثار تجربة سابقة لم تنتهِ بانتهاء زمنها الواقعي.
ومن المفيد هنا التمييز بين الاسترجاع وبين البناء العام للرواية نفسها. فـ دموع فينيس تتوزع على مسار حديث ومسار آخر يعود إلى جراسا قبل نحو ألفي عام. وجود خطين زمنيين بهذه الصورة لا يعني تلقائيًا أن كل انتقال بينهما استرجاع. البناء الموازي بين زمنين تقنية أوسع، بينما الاسترجاع يُقاس بالنسبة إلى نقطة زمنية مرجعية داخل خط سردي معين. وهذه التفرقة مهمة عند تحليل الزمن والمكان في الرواية.
هل كل ذكر للماضي استرجاع؟
هنا تبدأ الحدود في أن تصبح أقل بساطة. إذا قال الراوي: "كان أبوه قد مات قبل عشر سنوات"، فقد أعطانا معلومة عن الماضي، لكنه لم ينقلنا بالضرورة إلى مشهد ماضٍ كامل. أما إذا ترك اللحظة الحاضرة وروى موت الأب وما سبقه وما تلاه، فقد أصبح الانتقال الزمني أكثر وضوحًا واتساعًا.
ولهذا يميز بعض الباحثين بين الإحالة إلى الماضي وبين الاسترجاع المشهدي أو الدرامي. ففي الحالة الأولى تظل أقدام السرد، إذا جاز التعبير، في الحاضر وهو يذكر شيئًا سابقًا. وفي الثانية ندخل الماضي نفسه ونرى أحداثه تتحرك أمامنا.
لا يعني ذلك أن النوع الأول لا قيمة له. جملة قصيرة عن الماضي قد تقلب معنى فصل كامل. لكن معرفة درجة الاسترجاع تساعد القارئ على وصف ما يراه بدقة بدل وضع كل إشارة زمنية في خانة واحدة.
استرجاع داخلي وآخر خارجي
يمكن أن يعود السرد إلى حدث وقع داخل المدة التي تشملها الحكاية الأساسية، وهذا ما يسمى عادة استرجاعًا داخليًا. ويمكن أن يرجع إلى زمن يسبق بداية الحكاية الرئيسية نفسها، فيكون الاسترجاع خارجيًا.
إذا بدأت رواية بشخصية في الأربعين ثم عادت إلى ما وقع لها في الفصل الأول قبل أسبوع، فنحن أمام عودة إلى نقطة سابقة داخل زمن الحكاية. أما إذا عادت إلى طفولتها قبل عشرات السنين، وكان زمن الحكاية الرئيسية قد بدأ في مرحلة النضج، فالاسترجاع يمتد إلى ما قبل حدود ذلك الزمن الأساسي.
هذه التقسيمات مفيدة للتحليل، لكنها ليست غاية في ذاتها. الأهم دائمًا أن نسأل: لماذا أعاد النص هذه اللحظة بالذات؟ ولماذا كشفها الآن لا قبل خمسين صفحة؟
الاستباق: عندما يعرف السرد شيئًا لم يقع بعد
إذا كان الاسترجاع يعيدنا إلى الوراء، فإن الاستباق Prolepsis يتحرك في الاتجاه المعاكس. يخرج السرد من لحظته الحالية ليخبرنا بشيء سيقع لاحقًا، ثم يعود في الغالب إلى النقطة التي تركها.
قد يروي الكاتب مشهدًا عن طفل، ثم يقول إن هذا الطفل سيعود بعد ثلاثين عامًا إلى المكان نفسه. وقد يخبرنا الراوي بأن شخصية لم تكن تعرف أن اللقاء الذي تعيشه الآن سيكون اللقاء الأخير. في الحالتين يمتلك الخطاب معلومة تنتمي إلى مستقبل الحكاية ويقدمها قبل أن يصل التسلسل الزمني إليها.
وفي الإنيادة لفرجيل يظهر الفرق بين الاتجاهين بصورة لافتة. فالكتابان الثاني والثالث يعودان عبر رواية إينياس إلى أحداث سابقة على زمن بداية الملحمة، ولذلك يشكلان استرجاعًا ممتدًا. أما الكتاب السادس فيفتح أمام البطل رؤية على مستقبل روما وشخصيات ستأتي بعد زمنه، وبذلك يتحول اتجاه السرد إلى المستقبل.
أما في رواية بروست البحث عن الزمن المفقود فنجد صيغة أخرى أكثر هدوءًا؛ إذ يستطيع الراوي أن يشير إلى أن إحساسًا أو ذكرى تبدو صغيرة في اللحظة الحالية ستصبح ذات أهمية في حياته لاحقًا. لا ننتقل دائمًا إلى مشهد مستقبلي كامل؛ فقد يكفي أن يكشف الراوي لنا معرفة لم تكن الشخصية في تلك اللحظة تمتلكها.
الاستباق ليس هو التوقع ولا التمهيد
هذه من أكثر النقاط التي تسبب الخلط. إذا قال شخص في رواية: "أشعر أن شيئًا سيئًا سيحدث"، فهذا ليس استباقًا بالضرورة. الشخصية تتوقع، وقد يصح توقعها أو يخطئ. وإذا ظهرت غيوم سوداء قبل وقوع كارثة، فقد نكون أمام تمهيد رمزي أو إيحاء بما سيأتي، لا أمام انتقال سردي حقيقي إلى المستقبل.
الاستباق بالمعنى الأدق يمنحنا معرفة مستقبلية أو يأخذنا إلى حدث لاحق قبل موضعه الزمني الطبيعي. أما التمهيد Foreshadowing فيزرع علامة أو إشارة أو احتمالًا يجعل القارئ مستعدًا لما سيقع من دون أن يخبره بالضرورة بما سيحدث.
| الحالة | ماذا يحدث؟ |
|---|---|
| استرجاع | السرد يعود إلى حدث سابق بالنسبة إلى اللحظة الحالية. |
| استباق | السرد يكشف أو يروي حدثًا سيقع لاحقًا. |
| توقع شخصية | الشخصية تتخيل المستقبل، ولا نعرف بالضرورة هل سيقع ما تتوقعه. |
| تمهيد | النص يزرع علامة توحي بما قد يحدث لاحقًا دون الانتقال الكامل إلى المستقبل. |
ولهذا لا يصح أن نصف أي جملة فيها فعل مستقبل بأنها استباق. قول شخصية: "سأسافر غدًا" خبر عن خطة. أما أن يقول الراوي في أثناء هذا المشهد إن هذه الرحلة ستغير حياتها إلى الأبد، أو ينتقل بالفعل إلى مشهد لاحق ثم يعود، فهنا تزداد ملامح الاستباق وضوحًا.
لماذا يكشف الروائي المستقبل قبل أوانه؟
قد يبدو الاستباق مضادًا للتشويق. إذا أخبرني الراوي بما سيحدث، فما الذي بقي لكي أقرأه؟ لكن الرواية لا تعتمد دائمًا على سؤال "ماذا سيحدث؟". أحيانًا يتحول السؤال الأهم إلى "كيف سيحدث؟" أو "لماذا؟".
قد نعرف منذ البداية أن زواجًا سينتهي، لكننا لا نعرف كيف وصل الزوجان إلى الانفصال. وقد يخبرنا الراوي بأن شخصية ستُقتل، ثم تصبح الصفحات التالية رحلة لفهم الطريق الذي قادها إلى النهاية. المعرفة المسبقة لا تقتل التشويق هنا، وإنما تغير نوعه.
ويستطيع الاستباق أيضًا أن يمنح حدثًا عاديًا وزنًا مأساويًا. شخصان يجلسان لشرب القهوة، والمشهد في ذاته بسيط. لكن إذا قال الراوي إنهما لن يلتقيا بعد ذلك اليوم، تتغير نظرتنا إلى كل حركة وكلمة في المشهد.
كما يمكن للاستباق أن يوسع أفق الرواية إلى ما بعد زمن شخصياتها. رؤية مستقبل أسرة أو مدينة أو أمة تجعل الحدث الفردي متصلًا بزمن أطول من عمر الشخصية التي تعيشه.
من الذي يسترجع ومن الذي يستبق؟
قد يأتي الانتقال الزمني من الراوي، وقد يولد من ذاكرة شخصية، وقد يدخل من خلال رسالة أو وثيقة أو شهادة. وهذا الاختلاف يؤثر في مقدار الثقة التي نمنحها للمعلومة.
إذا كانت شخصية هي التي تستعيد طفولتها بعد ثلاثين سنة، فنحن لا نتلقى الماضي كما لو كان كاميرا محايدة. نتلقاه كما بقي في ذاكرتها. ربما نسيت، وربما أعادت تفسير الحدث، وربما تجنبت شيئًا لا تريد مواجهته. وهنا يتداخل ترتيب الزمن مع وجهة النظر السردية؛ فالسؤال لا يعود فقط: متى وقع الحدث؟ بل: من يتذكره، ومن أي موقع ينظر إليه الآن؟
أما الاستباق الصادر عن راوٍ يعرف المستقبل فيختلف عن أمنية تقولها الشخصية. الراوي قد يمتلك معرفة تتجاوز زمن الشخصيات، بينما الشخصية تتحرك داخل احتمالات لا تعرف نتائجها بعد.
كيف تعرف أنك أمام استرجاع أو استباق؟
أفضل طريقة ليست البحث عن كلمات مثل "تذكّر" و"سوف". ابحث أولًا عن الزمن المرجعي الذي كان السرد يتحرك فيه. اسأل نفسك: أين كنا قبل هذه الفقرة؟ ثم انظر إلى الحدث الجديد: هل وقع قبل تلك النقطة أم بعدها؟
بعد ذلك راقب مقدار الانتقال. هل هي جملة تخبرنا بمعلومة، أم أن السرد أقام مشهدًا كاملًا في الزمن الآخر؟ وهل عاد بعد ذلك إلى اللحظة التي انطلق منها؟ ثم اسأل عن الوظيفة: هل سدَّ فراغًا؟ كشف سرًا؟ فسَّر سلوكًا؟ أثار خوفًا مما سيحدث؟ أم غيّر توقعاتنا؟
لنأخذ مثالًا توضيحيًا بسيطًا. يبدأ المشهد برجل يدخل محطة القطار، ثم يرى مقعدًا قديمًا فيتذكر اليوم الذي ودع فيه أباه على المقعد نفسه قبل عشرين عامًا، ويستعيد الحوار الذي دار بينهما. هذا استرجاع. فإذا عاد السرد إلى الرجل في المحطة ثم أخبرنا الراوي أنه سيجلس على هذا المقعد بعد أسبوع منتظرًا خبر موت أخيه، فنحن أمام استباق.
أما إذا شعر الرجل فقط بالخوف وقال: "لا أدري لماذا أشعر أن هذا المكان سيحمل لي خبرًا سيئًا"، فهذه ليست بالضرورة حركة إلى المستقبل، بل إحساس أو توقع قد يستخدمه الكاتب للتمهيد.
أخطاء شائعة عند قراءة الزمن الروائي
أول الأخطاء هو اعتبار كل ماضٍ استرجاعًا. الرواية المكتوبة كلها بصيغة الماضي ليست سلسلة من الاسترجاعات؛ لأن زمن الفعل النحوي شيء، والعلاقة بين ترتيب الأحداث شيء آخر.
والخطأ الثاني اعتبار كل إشارة إلى المستقبل استباقًا. الوعد والخطة والحلم والنبوءة والتوقع ليست متطابقة من الناحية السردية، حتى وإن اشتركت كلها في التوجه إلى ما لم يقع بعد.
أما الخطأ الثالث فهو تصور أن الرواية غير الخطية يجب أن تحتوي فقط على استرجاعات واستباقات منفردة. بعض الروايات تبنى على خطين زمنيين أو أكثر، وبعضها يبدأ من النهاية ويعيد بناء الطريق إليها، وبعضها يجعل أزمنة متعددة تتناوب طوال العمل. عندئذ نكون أمام بنية زمنية أوسع من حركة مفردة إلى الوراء أو الأمام.
والخطأ الرابع هو الاعتقاد أن الاسترجاع مجرد وسيلة لتزويد القارئ بالمعلومات. قد يكون الاسترجاع أهم وسيلة لرسم الشخصية نفسها؛ فما تتذكره الشخصية، وما تنساه، والطريقة التي تصف بها الماضي، كلها تكشف وعيها في الحاضر.
الزمن الروائي ليس ساعة معلقة على الجدار
في الحياة لا نستطيع عادة العودة إلى الأمس ثم الرجوع منه إلى هذا الصباح. أما الرواية فتستطيع أن تفعل ذلك في جملة واحدة. تستطيع أيضًا أن تجعل خمسين سنة تنقضي في سطر، ثم تقضي عشر صفحات في دقيقة واحدة. لذلك فالزمن السردي ليس مجرد تقويم نضع عليه التواريخ؛ إنه مادة يبني بها الروائي المعنى.
الاسترجاع يجعل الماضي قوة حاضرة. والاستباق يجعل المستقبل يتدخل في قراءتنا للحاضر. وبينهما يكتشف القارئ أن ترتيب الأحداث ليس قرارًا تقنيًا بريئًا: لو عرفنا سر الشخصية منذ الصفحة الأولى لقرأناها بطريقة، ولو أخفاه الكاتب حتى الصفحة المائتين لقرأنا الأفعال نفسها بطريقة أخرى.
لهذا لا تكفي ملاحظة أن الرواية "عادت إلى الماضي". السؤال النقدي الأهم هو: ماذا تغير في فهمنا بعدما عادت؟ ولا يكفي أن نقول إن الراوي "أخبرنا بالمستقبل". علينا أن نسأل: ماذا فعلت هذه المعرفة بتوترنا ونحن نقرأ الحاضر؟
عندما يصبح القارئ قادرًا على تحديد اللحظة التي يقف عندها السرد، ورؤية اتجاه القفزة الزمنية، وتمييز المشهد المستعاد من المعلومة العابرة، والاستباق من مجرد التوقع، فإنه لا يكون قد حفظ مصطلحين نقديين فقط؛ بل يصبح أقدر على رؤية الطريقة التي تعيد بها الرواية صنع الزمن نفسه.
إذا قرأت رواية تبدأ من حدث متأخر ثم تعود لتروي ما سبقه، فأين تضع نقطة الزمن المرجعية التي ستقيس منها الاسترجاع؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق