اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

عمارة يعقوبيان: لماذا كانت العمارة هي البطل الحقيقي للفيلم؟

عمارة يعقوبيان الحقيقية في وسط القاهرة التي ألهمت رواية وفيلم عمارة يعقوبيان
عمارة يعقوبيان في وسط القاهرة، المكان الذي حملت الرواية والفيلم اسمه. تصوير: Rattyexaltations / Wikimedia Commons، بترخيص CC BY-SA 4.0.
من السطح إلى الشقق الفاخرة: كيف اختصر مبنى واحد مجتمعًا كاملًا؟

لو حذفنا شخصية من فيلم «عمارة يعقوبيان»، ستبقى الحكاية قادرة على الاستمرار. ولو غاب زكي الدسوقي، أو الحاج عزام، أو طه الشاذلي، أو حاتم رشيد، فسوف نخسر مسارًا مهمًا من مسارات الفيلم، لكن البناء العام لن ينهار تمامًا. أما لو حذفنا العمارة نفسها، فسنكون أمام فيلم آخر.

وهنا تكمن المفارقة. فالعنوان لا يحمل اسم إنسان، مع أن الفيلم مزدحم بالنجوم والشخصيات، بل يحمل اسم مكان. وهذا المكان ليس وعاءً محايدًا توضع داخله الأحداث، وإنما آلة سردية تجمع أناسًا ربما لم يكن بينهم شيء مشترك لولا أنهم يسكنون فوق بعضهم بعضًا. لكل واحد منهم بابه المغلق، وأسراره، ورغباته، ومخاوفه، لكن الجدران والسلالم والسطح تجعل حيواتهم أجزاء من حكاية واحدة.

لهذا يمكن مشاهدة «عمارة يعقوبيان» بوصفه فيلمًا عن مصر، أو عن الطبقات الاجتماعية، أو السلطة، أو الفساد، أو الرغبة، أو القمع، أو التحولات التي أصابت المدينة. لكن وراء هذه القراءات كلها قراءة أبسط وأكثر إثارة: نحن أمام فيلم جعل الهندسة المعمارية نفسها طريقةً في رواية المجتمع.

تنبيه: تتناول القراءة التالية أحداثًا رئيسية ونهاية بعض الشخصيات في الفيلم.

عمارة حقيقية وحكاية أكبر من المبنى

ينطلق الفيلم من رواية علاء الأسواني، وكتب السيناريو وحيد حامد، بينما تولى مروان حامد الإخراج. عُرض الفيلم سنة 2006، وجمع مجموعة كبيرة من نجوم السينما المصرية، في مقدمتهم عادل إمام ونور الشريف ويسرا وخالد الصاوي وهند صبري وسمية الخشاب وخالد صالح، إلى جانب محمد إمام وباسم سمرة وأحمد بدير وأحمد راتب وغيرهم.

لكن الشخصية التي تمنح هؤلاء جميعًا إمكانية الاجتماع هي العمارة. لها وجود واقعي في وسط القاهرة، غير أن الرواية، ثم الفيلم، نقلاها من كونها مبنى قائمًا في المدينة إلى كونها رمزًا قابلًا لاحتواء تاريخ اجتماعي كامل.

والطريف أن العمارة التي نشاهدها سينمائيًا ليست، بالمعنى الحرفي، العمارة الحقيقية نفسها؛ إذ لم يُصوَّر الفيلم داخل مبنى يعقوبيان الأصلي، واستخدم التصوير مبنى آخر في شارع معروف المتفرع من شارع طلعت حرب، إلى جانب مواقع أخرى في وسط القاهرة. وهنا يظهر الفارق الضروري بين المكان الحقيقي والمكان الأدبي والمكان السينمائي: الواقع يقدم المبنى، لكن الفن يعيد بناء دلالته.

فالمهم في الفيلم ليس أن نتجول سياحيًا داخل مبنى موجود في القاهرة، وإنما أن نصدق أن هذا البناء قادر على حمل ذاكرة مدينة كاملة. ومنذ اللحظة التي نقبل فيها ذلك، تتوقف العمارة عن كونها عنوانًا جغرافيًا وتتحول إلى شخصية.

لماذا يمكن اعتبار العمارة بطل الفيلم؟

البطل التقليدي يتحرك ويتكلم ويتخذ القرارات. العمارة لا تفعل شيئًا من ذلك، ومع ذلك فهي موجودة في كل قصة تقريبًا. الشخصيات تدخل إليها وتخرج منها، تصعد وتهبط، تنتقل بين غرفها، تختبئ وراء أبوابها، وتعيش فوق سطحها. وحين تتغير حياة سكانها، تبدو العمارة كأنها تسجل تلك التغييرات على جسدها.

إنها ذاكرة صامتة.

مرت عليها طبقة اجتماعية قديمة، ثم تبدلت الأحوال، وتغير السكان، وتحولت أجزاء من المبنى إلى عوالم اجتماعية مختلفة. وهكذا يصبح تاريخ العمارة صورة مصغرة لتحولات أكبر جرت خارجها.

لا يقول الفيلم ذلك في خطاب مباشر. لا يقف راوٍ ليشرح أن هذا الطابق يرمز إلى طبقة وهذا السطح يرمز إلى أخرى. الصورة نفسها تقوم بالمهمة. المكان موزع رأسيًا، وكذلك المجتمع الذي يصوره الفيلم.

السطح ليس مجرد سطح

ربما تكون فكرة السطح أهم مفتاح لفهم البناء الرمزي للفيلم. فالمسافة بين الشقق الواسعة في الأسفل والغرف الضيقة في الأعلى ليست مجرد أمتار تقاس بالسلم. إنها مسافة اجتماعية.

من المفارقات أن من يسكنون أعلى المبنى هم، في كثير من الأحيان، الموجودون في أسفل السلم الاجتماعي.

هذه المفارقة المكانية تمنح الفيلم قوة لا تحتاج إلى شرح طويل. الفقراء قريبون من السماء، لكنهم بعيدون عن القوة والمال والفرص. يعيشون فوق الأغنياء جسديًا، لكن المجتمع يضعهم تحتهم رمزيًا.

ومن هذا العالم تأتي بثينة، وتخرج أيضًا مأساة طه الشاذلي. السطح هنا لا يمثل الفقر وحده؛ إنه المكان الذي تتكدس فيه الأحلام التي لا تجد طريقًا إلى المدينة في الأسفل.

طه شاب لديه طموح واضح، ويريد الالتحاق بكلية الشرطة. لكن الحاجز الذي يصطدم به ليس متعلقًا فقط بقدراته الفردية. أصلُه الاجتماعي ومهنة أبيه يقفان في طريقه. فجأة يكتشف أن السلم الذي يصعده كل يوم داخل العمارة لا يشبه سلم المجتمع: الأول يمكن صعوده بالقدمين، أما الثاني فله حراس وشروط غير مكتوبة.

طه الشاذلي: ماذا يحدث حين يُغلق باب الصعود؟

قصة طه واحدة من أكثر حكايات الفيلم قسوة لأنها تبدأ بحلم عادي. لا يبدأ الرجل متطرفًا ولا عنيفًا، وإنما شابًا يريد مكانًا يعتقد أنه يستحقه. وحين يُغلق الطريق أمامه، تتوالى الانكسارات.

وهنا يتجنب الفيلم، في أفضل لحظاته، تفسير التطرف بوصفه فكرة تهبط فجأة على الإنسان من فراغ. إنه يضع أمامنا سلسلة من الإقصاء والإهانة والعنف، ثم يرينا كيف يمكن لجماعة أخرى أن تقدم للشخص المهمش ما يبدو له اعترافًا وكرامة وانتماءً.

هذا لا يحول العنف إلى نتيجة حتمية ولا يبرره، لكنه يجعل السؤال أكثر صعوبة: ماذا يحدث عندما يفقد الإنسان ثقته في الطريق الطبيعي لتحقيق ذاته؟

طه يريد أن يصعد اجتماعيًا، لكنه يبقى ابن البواب. وحين يفشل الصعود داخل النظام، يبحث عن نظام آخر يمنحه هوية جديدة. لذلك تبدو حكايته امتدادًا طبيعيًا لرمزية العمارة نفسها: المشكلة ليست في وجود السلم، وإنما في أن بعض الأبواب في نهايته لا تُفتح للجميع.

بثينة والجسد بوصفه ثمنًا للحياة

إذا كان طه يصطدم بحدود طبقته عن طريق حلم الوظيفة والمكانة، فإن بثينة تصطدم بها من خلال العمل والجسد.

هي لا تدخل سوق العمل باعتباره طريقًا رومانسيًا إلى الاستقلال. عليها أن تكسب المال، وفي عالمها يصبح الاحتياج الاقتصادي نقطة ضعف يعرف الآخرون كيف يستغلونها. التحرش ليس حادثة جانبية في قصتها، بل جزء من بنية قوة: صاحب العمل يملك الوظيفة، والفتاة تحتاج إليها، ومن هذه المعادلة غير المتكافئة يبدأ الابتزاز.

الفيلم هنا لا يقدم الفقر باعتباره نقصًا في المال فقط. الفقر يعني أحيانًا أن تقل مساحة الاختيار. أن تعرف أن شيئًا ما يهينك، ثم تكتشف أن رفضه قد تكون له كلفة لا تستطيع تحملها.

ولهذا يصبح انتقال بثينة من عالم السطح إلى عالم زكي الدسوقي أكثر من قصة عاطفية غير متوقعة. إنها تعبر بين طبقتين داخل المبنى نفسه، وتكتشف في رجل ينتمي إلى عالم مختلف نوعًا من الحنان لم تجده في الرجال الذين استغلوا حاجتها.

زكي الدسوقي: رجل يسكن زمنًا انتهى

زكي، الذي يؤديه عادل إمام، ليس مجرد رجل مسن يطارد النساء. هذه هي الطبقة الخارجية للشخصية، وربما أكثر جوانبها سهولة في الرؤية. تحتها رجل يعيش بين زمنين.

ينتمي زكي إلى بقايا طبقة قديمة؛ عالم الباشوات والتعليم الأوروبي والقاهرة الكوزموبوليتية والحياة التي كانت ترى نفسها امتدادًا لمدينة مختلفة عن المدينة التي تحيط به الآن.

المشكلة أن العالم الذي ينتمي إليه لم يعد موجودًا إلا على هيئة بقايا: مكتب، وشقة، وذكريات، وعلاقة قديمة بكريستين، وبعض العادات التي تبدو كأنها آتية من عصر آخر.

لهذا يشبه زكي العمارة نفسها.

كلاهما بقي في مكانه بينما تغيرت المدينة من حوله. كلاهما يحمل آثار مجد سابق لا يستطيع استعادته. وكلاهما يتكيف، بطريقة أو بأخرى، مع سكان جدد وزمن جديد.

ولعل علاقته ببثينة تكتسب معناها من هنا. إنها ليست مجرد علاقة رجل كبير بامرأة شابة؛ إنها لقاء بين طبقتين وزمنين داخل المكان نفسه. الماضي الذي يمثله زكي لا يستطيع العودة، والمستقبل الذي تمثله بثينة لا يملك طريقًا واضحًا. فيلتقي الاثنان في منطقة وسطى، كأن الفيلم يبحث لهما عن إمكانية صغيرة للنجاة وسط عالم يتداعى.

الحاج عزام: الصعود الذي لا يغيّر البنية

في الطرف الآخر يقف الحاج عزام، الذي يؤديه نور الشريف. إذا كان زكي يمثل طبقة تتراجع، فإن عزام يمثل قوة مالية صاعدة.

لقد تغير موقعه الاجتماعي جذريًا، لكنه حين يريد دخول عالم السياسة يكتشف أن المال لا يلغي النظام، وإنما يمنحه وسيلة للتفاوض معه. السلطة لها أبوابها أيضًا، ولكل باب ثمن.

وهنا يعرض الفيلم شكلًا مختلفًا من الصعود. طه يريد الصعود فيُمنع. بثينة تحاول البقاء فتدفع من كرامتها. عزام يصعد لأنه يمتلك المال، لكنه يجد فوقه مستوى آخر من القوة يستطيع ابتزازه.

كأن العمارة لا تنتهي عند السطح. هناك دائمًا طابق غير مرئي أعلى من الجميع اسمه السلطة.

كمال الفولي: الرجل الذي لا يحتاج إلى السكن في العمارة

لهذا تبدو شخصية كمال الفولي، التي قدمها خالد صالح، شديدة الأهمية رغم أنها ليست من سكان العمارة بالمعنى التقليدي.

فالعمارة تمثل المجتمع، لكن المجتمع ليس مكتفيًا بذاته. هناك قوة خارج الجدران تحدد أحيانًا ما يستطيع السكان فعله داخلها.

الفولي لا يحتاج إلى غرفة أو شقة لكي يكون حاضرًا. نفوذه يدخل المكان من دون أن يدخل جسده إليه. يستطيع تحويل الطموح السياسي إلى صفقة، والمال إلى ولاء، والخوف إلى وسيلة حكم.

وبهذا يضيف الفيلم طابقًا رمزيًا آخر إلى بنائه: ليس كل ما يتحكم في حياة الناس مرئيًا أمامهم.

حاتم رشيد: الأبواب المغلقة والحياة المزدوجة

أما حاتم رشيد، رئيس تحرير الصحيفة الذي يؤديه خالد الصاوي، فيفتح الفيلم من خلاله واحدة من أكثر قضاياه إثارة للجدل عند عرضه.

وبعيدًا عن الأحكام الأخلاقية التي يمكن أن يختلف حولها المشاهدون، فإن ما يهم في بنية الفيلم هو فكرة السر. فالعمارة مليئة بالأبواب، وكل باب يخفي حياة لا يعرفها الجيران كاملة.

وهذه إحدى نقاط قوة المكان سرديًا: الواجهة واحدة، لكن ما يجري خلف النوافذ متناقض إلى حد بعيد.

شخصيات تحافظ على صورة اجتماعية معينة في الخارج بينما تعيش في الداخل رغبات أو علاقات أو صفقات تخشى إعلانها. وبذلك تصبح الشقة مساحة للفصل بين الوجه العام والوجه الخاص.

المدينة ترى الواجهة. العمارة تعرف الأسرار.

من الشارع إلى السطح: طبقات فوق طبقات

عند جمع الحكايات، نكتشف أن الفيلم بنى خريطته الاجتماعية بطريقة تكاد تكون معمارية.

هناك من يملك المال ولا يملك الأمان. ومن يملك الثقافة ولا يملك المستقبل. ومن يملك الطموح ولا يملك الباب الذي يسمح له بالمرور. وهناك امرأة تحتاج إلى العمل فتكتشف أن حاجتها نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة لاستغلالها.

ولا يعيش هؤلاء في أحياء منفصلة داخل الفيلم. إنهم متراصون داخل مبنى واحد.

وهذه الفكرة مهمة؛ لأن المسافة الاجتماعية تبدو أحيانًا هائلة بينما المسافة الجغرافية لا تتجاوز بضعة أمتار. يستطيع الغني والفقير أن يسكنا في العنوان نفسه من دون أن يعيشا في العالم نفسه.

هل عمارة يعقوبيان ترمز إلى مصر؟

هذه واحدة من أكثر القراءات شيوعًا للعمل، ولها ما يبررها. فالتنوع المقصود في الشخصيات والقضايا يجعل العمارة أشبه بعينة اجتماعية مصغرة: المال، والسياسة، والدين، والجنس، والطبقة، والفقر، والفساد، والحنين إلى الماضي، والتحولات التي شهدتها المدينة.

لكن اختزال العمارة في معادلة بسيطة من نوع «العمارة تساوي مصر» قد يفقد العمل بعض ثرائه.

الأدق ربما أن نقول إن العمارة تقدم طريقة لرؤية المجتمع، لا نسخة مصغرة حرفية منه. إنها عدسة تجمع تناقضات كثيرة داخل مساحة يمكن للكاميرا والسرد السيطرة عليها.

فمصر أكبر بالطبع من هؤلاء السكان، وأكثر تعقيدًا من حكاياتهم. لكن الفن لا يحتاج إلى تمثيل كل شيء حتى يقول شيئًا مهمًا عن الكل. أحيانًا تكفي بناية واحدة لكي نرى عبر نوافذها عالمًا أوسع.

الرواية والفيلم: ماذا تفعل السينما بالمكان؟

في الرواية يستطيع الكاتب أن يمنح المكان تاريخه بالكلمات، وأن يتوقف عند التحولات الاجتماعية والسياسية ويصف سكانه وأصولهم. أما السينما فتمتلك أداة أخرى: الصورة.

الممر والباب والسلم والسطح والشقة الفسيحة والغرفة الضيقة ليست معلومات فحسب؛ إنها أشياء يراها المشاهد.

وهذا يجعل التفاوت الاجتماعي محسوسًا بصريًا. لا نحتاج دائمًا إلى من يخبرنا أن حياة شخصيتين غير متساوية؛ يكفي أن نرى المساحتين اللتين تعيشان فيهما.

كما أن تعدد الشخصيات كان يمكن أن يحول الفيلم إلى مجموعة قصص متجاورة، لكن المكان يمنحها مركز جاذبية. قد لا يعرف كل ساكن كل الآخرين معرفة حقيقية، لكن المشاهد يعرف أنهم ينتمون إلى البناء نفسه، ولذلك يبحث تلقائيًا عن الصلات بينهم.

لماذا لا تبدو كثرة النجوم هي البطل الحقيقي؟

من السهل النظر إلى «عمارة يعقوبيان» بوصفه فيلم نجوم. القائمة وحدها كافية لإغراء أي منتج بتقديم العمل بهذه الطريقة: عادل إمام، نور الشريف، يسرا، هند صبري، خالد الصاوي، سمية الخشاب، خالد صالح وغيرهم.

لكن قوة الفيلم تكمن في أن النجم، مهما كان كبيرًا، يصبح ساكنًا داخل منظومة أكبر منه.

لا يستطيع زكي الدسوقي الاستيلاء على الفيلم كاملًا، ولا يستطيع عزام، ولا طه، ولا بثينة. كل حكاية تسلمنا إلى أخرى، وكل باب يقود إلى باب آخر.

وهذا تحديدًا ما يجعل العمارة أقرب إلى البطولة: إنها العنصر الوحيد القادر على احتواء الجميع من دون أن يصبح تابعًا لأي واحد منهم.

عمارة تتغير ولا تتحرك

من أجمل المفارقات في الفيلم أن بطله المكاني ثابت، بينما كل شيء حوله يتغير.

الناس يكبرون، ويحبون، ويخونون، ويصعدون، ويسقطون، ويقتلون ويُقتلون، ويبحثون عن المال أو السلطة أو الأمان. أما المبنى فيظل واقفًا.

لكن ثباته خادع.

فالعمارة تتغير من خلال سكانها. تتغير وظيفة الغرف، وتتبدل الطبقات، ويصبح السطح مسكنًا، وتفقد الشقق بعض المعنى الاجتماعي الذي كانت تحمله في زمن سابق. الحجر ثابت، لكن دلالته ليست ثابتة.

وهذه ربما إحدى أكثر أفكار الفيلم إنسانية: المدن لا تتغير فقط عندما نهدم مبانيها ونقيم غيرها. قد يبقى المبنى نفسه عقودًا، بينما يتغير المجتمع كله داخله.

القاهرة التي تظهر من خلال مبنى

وسط القاهرة ليس مجرد خلفية مناسبة للأحداث. فالمنطقة نفسها تحمل طبقات تاريخية متراكمة؛ عمارات شُيدت في زمن مختلف، ومحال وشوارع وواجهات بقيت بينما تغير السكان والاقتصاد والسياسة وأنماط الحياة.

ولهذا كان اختيار عمارة قديمة أكثر فاعلية من اختيار مجمع سكني حديث. المبنى القديم يستطيع أن يحمل ذاكرة. شرفته تقول شيئًا عن زمن إنشائها، ومدخله يقول شيئًا عن الطبقة التي بُني لها، ثم يأتي السكان اللاحقون ليمنحوه معاني جديدة لم يتخيلها المهندس الأول.

وهنا يقترب الفيلم من الأدب أكثر مما يبدو. فالمكان لا يوصف من الخارج فقط؛ إنه يكتسب شخصية من تراكم الأزمنة عليه.

لماذا بقي الفيلم مثيرًا للنقاش؟

لم يكن «عمارة يعقوبيان» عند ظهوره فيلمًا هادئًا في موضوعاته. لقد اقترب من قضايا شديدة الحساسية: الفساد السياسي، واستغلال النفوذ، والفوارق الطبقية، والتحرش والاستغلال الجنسي، والتطرف الديني، والمثلية الجنسية، والعلاقة الملتبسة بين المال والسلطة.

لكن جمع هذه القضايا داخل مكان واحد منحه شيئًا يتجاوز جرأة الموضوعات منفردة. فالمشاهد لا يرى «قضية» ثم ينتقل إلى قضية أخرى، وإنما يرى أشخاصًا متجاورين يعيش كل منهم مأزقه الخاص.

ومن هنا تأتي قوة العمارة بوصفها استعارة. المجتمع ليس ملفًا واحدًا. الفساد لا يعيش وحده، والفقر لا يعيش وحده، والقمع لا يعيش وحده. المشكلات تتجاور وتتداخل، وقد يؤدي انسداد طريق في حياة شخص إلى فتح طريق أكثر خطورة في حياة أخرى.

هل أنصف الفيلم شخصياته كلها؟

هنا تصبح القراءة النقدية ضرورية. فطموح الفيلم إلى تمثيل شرائح وقضايا كثيرة يمنحه اتساعًا كبيرًا، لكنه يعرضه أيضًا لخطر تحويل بعض الشخصيات إلى ممثلين لقضايا أكثر من كونهم بشرًا مستقلين عنها.

حين تصبح الشخصية مطالبة بحمل طبقة اجتماعية أو قضية سياسية أو جنسية كاملة على كتفيها، يمكن للرمز أن يضغط على الإنسان الموجود تحته.

ومع ذلك، فإن أفضل لحظات الفيلم هي تلك التي تفلت فيها الشخصيات من الوظيفة الرمزية. زكي ليس «الطبقة القديمة» فقط، وبثينة ليست «الفتاة الفقيرة» فقط، وطه ليس مجرد نموذج جاهز لشرح التطرف. كلما سمح الفيلم لهم بالتردد والتناقض والرغبة والخوف، أصبحوا أكثر إقناعًا.

وهنا تظهر قيمة الأداء التمثيلي أيضًا؛ لأن الممثل الجيد يستطيع أن يمنح الشخصية تفاصيل إنسانية تتجاوز وظيفتها داخل الفكرة الكبرى.

النهاية: هل توجد نافذة للنجاة؟

بعد كل ذلك الثقل، لا يختار الفيلم نهاية مظلمة تمامًا. فالعلاقة بين زكي وبثينة تفتح مساحة مختلفة عن كثير من العلاقات التي رأيناها سابقًا.

يمكن بالطبع مناقشة هذه النهاية من زوايا كثيرة، وخصوصًا فارق العمر والطبقة والظروف التي قادت الشخصيتين إلى بعضهما. لكن وظيفتها السردية تبدو واضحة: بعد سلسلة من العلاقات المبنية على الاستغلال أو القوة أو المال أو الخوف، يحاول الفيلم أن يترك بابًا صغيرًا لاحتمال علاقة تقوم على قدر من الاختيار المتبادل.

وهذا لا يصلح العمارة ولا المجتمع.

طه لن يعود. المآسي التي حدثت لا تختفي. الفساد السياسي لم ينتهِ. والفوارق الاجتماعية لم تُمحَ.

لكن الحياة، كما تفعل دائمًا في المدن الكبيرة، تستمر رغم كل شيء.

البطل الذي لا ينطق

عندما تنتهي مشاهدة «عمارة يعقوبيان»، قد نتذكر عادل إمام في شخصية زكي الدسوقي، أو أداء نور الشريف للحاج عزام، أو مأساة طه، أو بثينة وهي تحاول النجاة من عالم لا يمنحها خيارات كثيرة، أو حاتم وهو يعيش حياته خلف الأبواب المغلقة.

لكن هذه الشخصيات كلها تمر.

العمارة تبقى.

كانت موجودة قبل أن تبدأ الحكايات، وستظل موجودة بعد انتهائها. يأتي سكان جدد، وتُغلق أبواب وتُفتح أخرى، ويتغير معنى السطح والشقة والشارع، بينما يحمل الحجر آثار الذين مروا به.

لهذا لم يكن اختيار اسم «عمارة يعقوبيان» عنوانًا للرواية ثم للفيلم مجرد تسمية للمكان الذي تجري فيه الأحداث. العنوان يكشف، منذ البداية، الشخصية الوحيدة التي تستطيع جمع الحكايات كلها.

إنها لا تتكلم، لكنها تجعل الجميع يتكلمون. لا تتحرك، لكن مصائر الناس تتحرك داخلها. لا تنتمي إلى طبقة واحدة، لأن الأغنياء والفقراء يسكنون مستويات مختلفة من جسدها.

وربما لهذا كانت العمارة هي البطل الحقيقي: لأنها لا تمثل فردًا، وإنما تحفظ داخل جدرانها صراع مجتمع كامل مع ماضيه وحاضره، ومع السؤال الأصعب دائمًا: من يستطيع الصعود، ومن يبقى على السطح؟

لو كانت عمارة يعقوبيان قادرة على الكلام، فهل كانت ستحكي قصص سكانها، أم كانت ستروي قصة المجتمع الذي جعل كل واحد منهم يسكن الطابق الذي انتهى إليه؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق