آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

الخميس، 13 أغسطس 2026

شعرية التيه والتمرّد عند قاسم حدّاد

 

صورة شخصية للشاعر البحريني قاسم حدّاد مرتديًا قميصًا أبيض، وخلفه لوحة تجريدية متعددة الألوان.

قراءة في تحوّلات اللغة والذات والعالم

بقلم: الورّاق الجزائري

 

تنبني التجربة الشعرية عند قاسم حدّاد على رغبة عميقة في تحرير القصيدة من كل ما يستقرّ فيها ويتحوّل إلى عادة: عادة المعنى، وعادة الصورة، وعادة الوزن، وعادة النظر إلى العالم. فالقصيدة لديه ليست قالبًا تُسكب فيه تجربة مكتملة، وإنما هي مكان لاختبار التجربة وإعادة تكوينها. إنها لا تصف عالمًا موجودًا خارجها بقدر ما تصنع عالمها أثناء الكتابة؛ ولذلك تبدو اللغة في نصوصه قلقة، متحركة، ومفتوحة على الاحتمال.

في القصائد المختارة تتكرّر مفردات التيه، والفوضى، والغياب، والجرح، والماء، والأرض، والحروف، والبياض، والصوت، والخروج. ولا تظهر هذه المفردات باعتبارها موضوعات منفصلة، بل تتشابك لتؤلف رؤية شعرية واحدة: ذاتٌ تائهة تحاول أن تعثر على نفسها في اللغة، ولغةٌ تتمرّد على قوانينها لكي تستطيع الاقتراب من واقع مضطرب، وعالمٌ لا يمكن التعبير عنه إلا بواسطة صور تنقض المنطق المألوف وتؤسس منطقًا شعريًا جديدًا.

 

التيه بوصفه هوية شعرية

تقدّم قصيدة "العاشق" مفتاحًا أوليًا للدخول إلى عالم قاسم حدّاد:

أنا ولدٌ تاهَ
وأغواني هوايَ
ولا أجدُّ في نية الحضور

لا يعرّف المتكلم نفسه بصفة ثابتة، بل بحالة من الضياع: "أنا ولد تاه". إن فعل التيه هنا ليس حادثًا عابرًا وقع في الماضي وانتهى، وإنما هو أصل تكوّن الذات. والذات لا تبدو ضحية لقوة خارجية فقط؛ فهواها هو الذي أغواها. إنها تضلّ لأنها تستجيب لرغبتها، وكأن التيه اختيار شعري بقدر ما هو مصير وجودي. وتتعمق هذه الدلالة في "عباءة الأرض"، حيث يقول :

لقد أرهقتها بالغياب
صارت في الشوارع محسورة الرأس
تبحث عن بكاءٍ تستر به الأرض

يتحوّل الغياب إلى عبء يرهق الأم، بينما يصير البكاء غطاءً رمزيًا للأرض. وفي الصورة مفارقة مؤثرة: ما يُفترض أن يكون علامة على الانكشاف والضعف يصبح وسيلة للستر والحماية. إن الأم لا تبحث عن ابنها فحسب، بل تبحث عن "بكاء" تستطيع أن تغطي به الأرض التي عرّاها الغياب. وتنتهي القصيدة باعتراف المتكلم: "فإنني أمعن في التيه". لا يسعى الشاعر إلى إنهاء ضياعه أو الادعاء بأنه عثر على يقين نهائي؛ بل يذهب أبعد في التجربة. هكذا يصبح التيه موقفًا معرفيًا وجماليًا: رفضًا للطريق المرسوم سلفًا، ومغامرة في مناطق لا تمنح الشاعر إجابات مطمئنة.

 

الفوضى الخلّاقة وتكوين الأبجدية

تظهر العلاقة بين الذات واللغة بوضوح في قصيدة "نسل الفوضى":

أدخلت الحروف في فوضاي
فوضتها أمري
وفاضت روح الحروف في روحي

الحروف ليست أدوات محايدة يستخدمها الشاعر للتعبير عما يعرفه مسبقًا، بل كائنات تدخل فوضاه ثم تستحوذ على أمره. وتقوم العبارة "فوضتها أمري" على تداخل دلالي لافت بين التفويض والفوضى؛ فقد سلّم الشاعر أمره إلى الحروف، لكنه سلّمه أيضًا إلى اضطرابها وقدرتها على زعزعة النظام. وهكذا، يحدث بين الذات والحروف تبادل في التأثير: تدخل الحروف في فوضى الشاعر، ثم تفيض أرواحها في روحه. وبذلك تزول الحدود بين الكاتب والكتابة؛ فلا يعود الشاعر سيدًا مطلقًا على اللغة، ولا تعود اللغة مادة صامتة بين يديه. إن تعداد الحروف: "ميم، سين، ألف، ياء، صاد، لام" يفكك الكلمة إلى عناصرها الأولى، كما لو أن القصيدة تعود باللغة إلى لحظة الخلق السابقة على اكتمال الأسماء. والحروف، قبل أن تنتظم في كلمات ذات معانٍ قاموسية، تملك طاقة صوتية وبصرية وإيحائية. لهذا لا يكون التفكيك هدمًا خالصًا، بل عودة إلى المادة الأولى التي يمكن أن يُعاد منها بناء العالم.

في الفوضى الشعرية "يلد الماء أخطاءه"، و"يغفر المخلوق للخالق"، و"يضيق الفضاء على الكون". تتبادل الموجودات وظائفها، وتنقلب العلاقات المنطقية المألوفة. فاللغة لا تعكس ترتيب الكون، بل تتدخل فيه وتعيد هندسته. ومن هنا يأتي السؤال: "من يعدل الكون ويهندس المجرة؟". لا يقدّم النص إجابة مباشرة، غير أن موقع السؤال يوحي بأن الحروف نفسها تضطلع بهذه المهمة. فالقصيدة هندسة أخرى للكون، لكنها هندسة لا تقوم على التناسق الصارم، وإنما على التوتر، والمفارقة، والاحتمال. وتنتهي القصيدة عند بداية جديدة:

ويبدأ في حروفٍ مشحونةٍ
يتهجى، هذه الأبجدية

إنها أبجدية "مشحونة" بالتجربة والفوضى والتاريخ. وهي لا تُقرأ بوصفها نظامًا مكتملًا، بل تُتهجّى؛ أي تُكتشف ببطء كما لو أن الشاعر يتعلم اللغة للمرة الأولى.

 

التمرّد على القواميس وسلطة القواعد

يعلن قاسم حدّاد موقفه من اللغة الموروثة في قصيدة "صوت ينتسب للخارج":

صوتي لنهرٍ يجنح عن عادة الماء
للحرف ضد القواميس
والنحو والصرف
للشعر في النثر

لا يرفض الشاعر اللغة نفسها، وإنما يرفض تحوّلها إلى سلطة تحدد مسبقًا ما يجوز قوله وكيفية قوله. فالنهر الذي "يجنح عن عادة الماء" صورة للشعر حين يخرج عن الوظيفة المتوقعة. وإذا كان الماء يجري في مجرى معلوم، فإن النهر الشعري ينحرف عن عادته كي يكتشف مجرى جديدًا. أما الانحياز إلى "الحرف ضد القواميس" فلا يعني إلغاء الدلالة، بل تحريرها من الانغلاق. فالقاموس يمنح الكلمة معنى مستقرًا نسبيًا، في حين تضعها القصيدة في علاقات جديدة تجعلها تتجاوز معناها المحدد. وكذلك تصبح الإشارة إلى "الشعر في النثر" إعلانًا عن شعرية لا تتوقف على الوزن وحده، بل تتحقق عبر الإيقاع الداخلي، وكثافة الصورة، والمفارقة، والانقطاع، والتوتر بين الكلمات.

ويتأكد هذا الموقف في قصيدة "لغة":

فعل ناقص
ونحاة الكوفة
يستبسلون

تقوم القصيدة القصيرة على مفارقة بين هشاشة الواقعة اللغوية وضخامة الدفاع عنها. فالفعل "ناقص"، ومع ذلك يستبسل النحاة في مواجهته أو تفسيره. ويمكن قراءة النقص هنا قراءة مزدوجة: بوصفه مصطلحًا نحويًا، وبوصفه إشارة إلى أن اللغة الإنسانية ناقصة بطبيعتها، لا تبلغ المعنى كاملًا. ومع ذلك تستمر المؤسسات اللغوية في محاولة ضبطها وإحكامها. إن اقتصاد هذه القصيدة جزء من شعريتها؛ فهي لا تناقش سلطة النحو في خطاب مطوّل، بل تحوّل مسألة نحوية صغيرة إلى مشهد صراع، وتكشف بواسطة السخرية حجم المسافة بين حيوية الشعر وصلابة التقعيد.

 

شعرية الغموض ورفض التفسير النهائي

في "القنديل" يعلن المتكلم:

أنا الغامض الذي لا يتوضح
ولا يقبل التفسير

الغموض هنا ليس عجزًا عن البيان، وإنما موقف جمالي مقصود. فالقصيدة لا تريد أن تكون رسالة ذات معنى واحد يمكن استهلاكه ثم الانتهاء منه. إنها تقاوم التفسير النهائي لكي تظل قابلة للقراءة وإعادة القراءة. إنه يصوغ النص شبكة من العلاقات غير المألوفة:

الغيم يقرأ المطر
الشجرة تحاور الريح
الرمل يحزم البحر ويزنر السواحل
الجرح يصادق النصل

هذه الصور لا تُفهم بمنطق الواقع المباشر، ولكنها تُنشئ واقعًا رمزيًا متماسكًا. فالغيم لا يُنتج المطر فقط، بل "يقرأه"؛ والشجرة لا تتحرك بفعل الريح فحسب، بل تدخل معها في حوار؛ والرمل لا يجاور البحر، بل يحزمه كما يحزم الجسدُ الثوبَ؛ والجرح لا يكون أثرًا سلبيًا للنصل، بل يقيم معه صداقة مباغتة. إن التشخيص وتبادل الصفات يجعلان الطبيعة كائنًا واعيًا، ويحوّلان الأشياء إلى أطراف في حوار كوني. ثم تبلغ سلطة المخيلة ذروتها حين يقول الشاعر:

أغوي النجوم أسويها أحذية
لكلماتي
وأهيئ الجبل لدخول البيت

فالنجوم، بما تمثله من علوّ وبعد، تتحول إلى أحذية للكلمات، والجبل يدخل البيت بعد أن كان رمزًا للضخامة والثبات في الخارج. إنه قلب للمقاييس المكانية؛ فالكلمة تتسع حتى تستطيع حمل النجوم، والبيت الشعري يتسع حتى يستقبل الجبل. لكن الغموض عند قاسم حدّاد ليس لعبة شكلية مغلقة، بل وسيلة للإبقاء على تعقيد التجربة. فالواقع نفسه ملتبس، والذات غير مكتملة، والتاريخ مثقل بالتناقضات؛ لذلك ستكون اللغة المباشرة عاجزة عن تمثيل هذا العالم.

 

البياض والكتابة: سطوة الاحتمال

في قصيدة "سطوة/ محاولة أولى" يقف الشاعر أمام الورقة:

أقف مذهولًا مباغتًا
من يجسر على كسر
هذا البياض الجميل

البياض ليس فراغًا ينتظر أن يُملأ، بل حضورٌ جمالي يملك "سطوة". الكتابة، وهو من هذه الزاوية، فعل اقتحام ومجازفة؛ لأن وضع الكلمة الأولى يعني إغلاق عدد لا نهائي من الاحتمالات التي كان البياض يحتفظ بها. والسؤال "من يجسر على كسر هذا البياض الجميل" يكشف عن رهبة الشاعر أمام البداية. فالقصيدة لا تولد من امتلاك مطمئن للغة، وإنما من التردد أمامها. وكل كتابة هي "محاولة أولى"، مهما تراكمت خبرة الشاعر، لأن الورقة تعيد وضعه أمام مجهول جديد.

وتلتقي هذه الرؤية مع قصيدة "أول الاحتمالات"، حيث تظهر صورة أنثوية أو شعرية "مفتولة الأحلام"، تأتي "من حيث لا نتوقع لها". لا يحدد النص ماهيتها تحديدًا نهائيًا؛ فقد تكون امرأة، أو قصيدة، أو حرية، أو رؤيا. والسؤال "هل أنت واحدة أم كثير؟" يبقيها مفتوحة على تعدد الدلالات. ويرتبط الشعر بهذه الكينونة الغامضة:

والشعر أجنحة وأفق وحنين لها

فالشعر ليس تعريفًا لها، بل أجنحة وأفق وحنين؛ أي إنه حركة نحوها، لا وصول نهائي إليها. وحين "تقذف حبل أحلامها" وتظل "مربوطة في عروة الريح"، يجمع النص بين الرغبة في الإمساك والاستحالة. فالحبل أداة للربط، لكن الريح لا يمكن تثبيتها. وهكذا تصبح القصيدة محاولة للإمساك بما لا يُمسك.

 

الصورة الشعرية وتراسل الحواس

تعتمد شعرية قاسم حدّاد على صور تنقل الكلمات من وظائفها المعتادة إلى وظائف جديدة. ففي "صمت يجهر" يتجسد اللون الأرجواني ويتحول إلى كائن مسلح: "الأرجوان إصبع في الزناد كعب في الكتف"، فلا يعود اللون صفة بصرية محضة، بل يصبح جسدًا وحركة وسلاحًا ورسالة. ويرتبط الأرجوان عادة بالجمال والزهور والملوكية، لكنه في القصيدة يتداخل مع الدم والنار والموت. هذا التوتر بين الجمال والعنف يمنح الصورة قوتها؛ إذ لا يستطيع القارئ أن يفصل روعة اللون عن فداحة المشهد.

وعنوان القصيدة نفسه، "صمت يجهر"، يقوم على مفارقة تجمع النقيضين. الصمت هنا ليس غياب الصوت، بل صوتٌ بلغ من القوة حدًّا لا يحتاج معه إلى كلام. وتتعزز هذه المفارقة في النهاية: "والناس في الموت لا يسمعون". تصرخ الأرض، لكن الموتى لا يسمعونها. يصبح الصراخ نوعًا من الصمت، ويصبح الصمت شهادة على عنف يفوق قدرة اللغة على الإبلاغ. وفي قصيدة «ظلال» تتحول الرؤية إلى فعل صيد:

تشع فأصطادها
وأرى إلى الصور تهطل من السقف

الصور لا تُرى فحسب، بل "تهطل"، كما لو كانت مطرًا، بينما الكواكب "تحتشد" في الأصابع. تقوم الصورة هنا على دمج الحواس وعلى إلغاء المسافة بين الجسد والكون. افليد لا تشير إلى الكواكب من بعيد، وإنما تستضيفها في أصابعها. ويغمر الماء المراكب، فتغدو الرحلة مغامرة باتجاه مكان لا يخضع لقوانين الصدق والكذب المعتادة. وتنتهي القصيدة بعبارة دائرية:

تشع وبعدها ينتهي كل شيء
حيث يبدأ

والنهاية هنا نفسها موضع بداية حيث تحذف العبارة ما كان يمكن أن يأتي بعد فعل "يبدأ"، فتترك البداية بلا موضوع محدد. وهذا الحذف ليس نقصًا، بل انفتاح: ينتهي النص في الموضع الذي تبدأ فيه احتمالات القارئ.

 

الماء بوصفه ذاكرة وحركة ورفقًا

يحتل الماء مكانة بارزة في هذه النصوص، لكنه لا يحتفظ بدلالة واحدة. ففي "سجادة الماء" يصبح الماء عالمًا له حديقته ورسائله وأسراره:

أسماكه تبعث الرسائل من حديقة الماء
يكسر الجسور ويهدم لذة الصيد

يجمع الماء بين الاتصال والانفصال؛ فهو يحمل الرسائل، لكنه يكسر الجسور. وهو يمنح الحياة، لكنه يعطّل سلطة الصياد ولذة السيطرة. وليس له "حرف" في اسمه، كما لا تربطه بالريح علاقة يمكن ضبطها بسهولة. إنه كائن متفلّت من التسمية. وفي القصيدة تتحول السفينة من وسيلة سفر إلى حاملة للسر، بينما يصير الموج رسولًا يعرف متى يرسل نفسه. إلا أن أجمل تحولات الماء تكمن في علاقته بالزمن:

لكنه يدفع الياسمينة برفقٍ
يترفق بي فيمر العمر برفقٍ

يتحول الماء من قوة كاسرة للجسور إلى قوة رفيقة تدفع الياسمينة برفق. وهذا الجمع بين العنف والحنان يكشف تعدد رمزية الماء. إنه الزمن الذي يحمل الإنسان ولا يعبأ به، لكنه يستطيع، في لحظة شعرية نادرة، أن يجعل مرور العمر أقل قسوة. أما في "صوت ينتسب للخارج"، فالنهر الذي ينحرف عن "عادة الماء" يمثل تمرد القصيدة، وفي "نسل الفوضى" يلد الماء أخطاءه. وفي جميع هذه المواضع لا يكون الماء عنصرًا طبيعيًا محايدًا، وإنما صورة للتحول الدائم، وللغة التي لا تستقر في مجرى واحد.

 

الأرض بين الأمومة والجرح والمقاومة

الأرض في هذه التجربة ليست خلفية للأحداث، بل جسد يتألم ويصرخ. في "صمت يجهر" تتكرر العبارة:

آهٍ تصرخ الأرض

الأرض في الأرض

التكرار يحوّل الصرخة إلى إيقاع ضاغط، ويجعل الأرض كأنها محاصرة داخل ذاتها. أما في "عباءة الأرض" فتحتاج الأرض إلى بكاء الأم لكي يسترها. وهكذا تتداخل صورتا الأرض والأم: كلتاهما مثقلة بالغياب، وكلتاهما تحتاج إلى الحماية.

وفي «تكوين» تُختزل أزمة الوجود كلها في سطرين:

رجراجة هذه الأرض
أين أضع قدمي؟

إنها قصيدة شديدة القصر، لكن قصرها يضاعف أثرها. فعدم استقرار الأرض يعني انهيار المرجع الذي يُفترض أن يمنح الإنسان الثبات. والسؤال لا يتعلق بموضع القدم وحده، بل بموضع الذات في التاريخ والعالم واللغة. أين يمكن للشاعر أن يقف إذا كانت الأرض نفسها رجراجة؟ ويتجلى البعد المقاوم بصورة أكثر وضوحًا في "بيان قطاع الطرق":

سنفضض القدم العارية بتراب السماء
ونسوي طريقًا لا يهتدي إليها الغزاة

تجمع الصورة بين الأرض والسماء، وبين العري والزينة. فالقدم العارية لا تُغطى بحذاء، بل تُفضض بتراب السماء؛ أي إن النقص يتحول إلى شارة كرامة. والطريق لا تُنشأ لكي تكون واضحة للجميع، بل لكي تعجز قوة الغزو عن الاهتداء إليها.

ويستدعي النص السياب والحلاج، فيقيم صلة بين الحاضر وسلسلة من التجارب الشعرية والروحية المتمردة. ليست الإشارة إلى الاسمين تزيينًا ثقافيًا، بل إعلانًا عن نسب رمزي: خشبة الحلاج، ورسائل السياب، والقدم العارية، والخرقة، والخرافة، كلها تدخل في تكوين جماعة شعرية تقف خارج السلطة والطريق الرسمية.

 

الجرح الفردي بوصفه جرحًا تاريخيًا

في "جرح... ونصال كثيرة" تتكثف العلاقة بين الفرد والجماعة:

جرح واحد
وكل هذه السكاكين لي

المفارقة العددية بين وحدة الجرح وكثرة السكاكين توحي بأن الألم واحد في جوهره، وإن تعددت مصادره. وقد يكون الجرح جرح الفرد، لكنه أيضًا جرح تاريخ كامل "طلع من تاريخ الجثث"، فالجثث لا تأتي في النص من الحرب أو البرد فقط، بل: "من الأخبار التي تقعقع في الكتب العتيقة". والفعل "تقعقع" يمنح الأخبار صوت السلاح والعظام. والتاريخ المكتوب ليس ذاكرة ساكنة؛ إنه قوة تستمر في إنتاج العنف. وحين ترسم الجماعة للطفل "قميصًا تطاله الجراح وتهتدي إليه النصال"، يصبح العنف ميراثًا يُهيأ له الطفل منذ البداية. ومع ذلك لا تنتهي القصيدة بالاستسلام:

ولي أن أفضح الموت وأستعصي

إن فِعل الشعر هو الفضح والاستعصاء. فالشاعر لا يستطيع إلغاء الموت، لكنه يرفض أن يمرّ الموت بلا شهادة، ويرفض أن تتحول الضحية إلى رقم مجهول. والقصيدة تقاوم أولًا بواسطة التسمية، وثانيًا بواسطة اختراع لغة لا تخضع لمنطق القاتل.

 

الجسد بوصفه أداة للمعرفة والخلق

يظهر الجسد في هذه النصوص لا بوصفه موضوعًا حسيًا فقط، بل وسيلة للمعرفة والإبداع. ففي "منحوتات" ترتبط الذاكرة باليدين:

لأن ذاكرة اليدين مأخوذة
مغمورة بالصلصال

ولليدين ذاكرة مستقلة عن الوعي النظري. إنهما تعرفان بواسطة اللمس والعمل والتشكيل. والنحات "ينسى أفعاله ويرتكب الجميلة"؛ فالجميل لا يُنجز بوصفه تنفيذًا لخطة عقلية محكمة، بل يُرتكب كما لو كان مخاطرة أو خطيئة محببة. وعندما يقول النص: "يداه لقلبه"، تتلاشى المسافة بين الصنعة والعاطفة. اليدان لا تخدمان فكرة مجردة، بل تنتميان إلى القلب. وهكذا تقترح القصيدة تصورًا للفن يجمع بين الذاكرة الجسدية، والعاطفة، والمادة. فالصلصال لا يُخضعه الفنان من الخارج فقط؛ إنه يغمر ذاكرة يديه ويعيد تشكيله هو أيضًا. ويتكرر الحضور الجسدي في الكتف والكعب والإصبع والقدم والحنجرة والجرح. وهي أعضاء لا تظهر منعزلة، بل تدخل في علاقات مع السلاح والأرض والصوت. الجسد عند قاسم حدّاد هو المكان الذي يكتب فيه التاريخ آثاره، لكنه أيضًا الأداة التي تقاوم تلك الآثار وتحولها إلى لغة.

 

بنية المفارقة والانقطاع

تعتمد القصائد على المفارقة بوصفها عنصرًا أساسيًا في بناء المعنى: "صمت يجهر"، و"يغفر المخلوق للخالق"، و"نهر يجنح عن عادة الماء"، و"الجرح يصادق النصل"، و"ينتهي كل شيء حيث يبدأ". وهذه التراكيب لا تهدف إلى الإدهاش اللفظي وحده، بل تعبّر عن عالم فقدت فيه الثنائيات وضوحها. فالصمت قد يكون أبلغ من الكلام، والمخلوق قد يحاكم صورة خالقه، والجرح قد يعرف النصل أكثر مما يعرفه حامل النصل.

وتسهم الجمل القصيرة، والحذف، والانتقال المفاجئ بين الصور في إنتاج إيقاع متوتر. ففي "إذا" تتكرر أوامر متناقضة:

إذا فتحت لك لا تدخلي

إذا فتحت لا تفتحي
لا تفتحي

الباب، أو الذات، أو القصيدة، يُفتح ويُغلق في اللحظة نفسها. إن المتكلم يرغب في الاقتراب ويخشاه، يدعو المخاطبة ثم يصدّها. ويكشف اضطراب التركيب عن اضطراب التجربة العاطفية؛ لذلك لا يكون التناقض خللًا منطقيًا، بل التعبير الأكثر صدقًا عن ذات ممزقة بين الرغبة والخوف.

كذلك يؤدي توزيع الأسطر دورًا دلاليًا. فالكلمات المفردة، والأسئلة المعلقة، والنهايات الناقصة، والفراغات بين المقاطع تجعل البياض جزءًا من القصيدة. وهنا يعود معنى "سطوة البياض": إن الشاعر لا يكسر البياض تمامًا، بل يتركه يتخلل النص ويشارك في إنتاج الصمت والإيقاع.

 

صوت الخارج وشعرية الانحياز

لا يكتفي قاسم حدّاد بالخروج على القواعد الفنية، بل يجعل الخروج موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا:

لست للنشيد
لكن للشارد من عتمة القبيلة

النشيد يوحي بالصوت الجماعي المنظم الذي يطلب الانضواء والامتثال، بينما ينحاز الشاعر إلى "الشارد"؛ إلى الفرد الخارج من عتمة الجماعة حين تتحول الجماعة إلى قيد. وهو ينحاز إلى الخيل حين "تحرن" وتستبسل ضد السقيفة والفتنة، أي حين ترفض الانقياد. ويقول:

ولست أعطي بكائي لتهويدة الوأد

والبكاء هنا طاقة ينبغي ألا تُسلّم إلى خطاب يجمّل القتل أو يحوّل الوأد إلى تهويدة. فالشاعر يسترد صوته وحزنه من المؤسسة التي تريد تطويعهما. وصوته ينتسب إلى الخارج، لا لأن الخارج مكان جغرافي محدد، بل لأنه موقع الحرية والنقد والاختلاف. أما عبارة "أعنيه مستقبلًا سوف يمضي" فتجمع بين الاستقبال والمضي. فالمستقبل آتٍ، لكنه منذ لحظة مجيئه محكوم بالعبور. وتلك إحدى السمات العميقة في شعرية قاسم حدّاد: لا شيء يستقر، حتى المستقبل نفسه.

 

القصيدة باعتبارها فعلًا مستمرًا

تكشف هذه النصوص أن الشعر عند قاسم حدّاد ليس نتيجة مكتملة، بل فعل تكوين متواصل. الحروف تبدأ أبجدية جديدة، والورقة تحتفظ ببياضها، والصور تنتهي حيث تبدأ، والأرض لا تثبت تحت القدم، والماء يغيّر مجراه، والصوت ينتسب إلى الخارج.

حتى قصيدة "يخرج ولا يرى" تبني حركتها على فعل الخروج والانتظار والالتفات. يوزع المتكلم اللوتس على الأصدقاء محاولًا الاستراحة من الوجع، لكن العوسج يطلع باسقًا ويتشبث هو بوجعه مذعورًا. يقابل النص بين اللوتس والعوسج: بين رمز الصفاء والجمال من جهة، والنبات الشائك من جهة أخرى. ولا يلغي أحدهما الآخر؛ فالجمال نفسه محاصر بذاكرة الألم. وهذا يعني أن القصيدة لا تقدم خلاصًا سهلًا. إنها تمنح لحظات من الرفق، كما في مرور الياسمينة والعمر، أو لحظات من الجمال، كما في الصلصال والأرجوان والنجوم، لكن هذه اللحظات تظل مشتبكة مع الجرح والموت والغياب. ومن هذا الاشتباك تنشأ كثافتها.

 

خاتمة

تقوم شعرية قاسم حدّاد، كما تكشفها هذه المختارات، على تفجير العلاقة المألوفة بين اللغة والعالم. فالحروف لا تنقل الأشياء كما هي، بل تدخل في فوضى الذات وتعيد خلق الكون. والماء لا يلتزم عادة الماء، والأرض لا تمنح القدم ثباتًا، والجرح يصادق النصل، والصمت يجهر، والنهاية تصبح بداية.

إنها شعرية التيه لأنها ترفض الطريق الجاهزة، وشعرية الفوضى لأنها ترى في اضطراب اللغة إمكانية لخلق نظام جديد، وشعرية الغموض لأنها تقاوم المعنى الواحد، وشعرية الجسد لأنها تجعل اليد والقدم والجرح والحنجرة مواضع للذاكرة والمعرفة، وشعرية المقاومة لأنها تنحاز إلى الشارد والخارج والمختلف في مواجهة سلطات القبيلة والقاموس والتاريخ والعنف. ولا تنفصل الثورة الشكلية في هذه القصائد عن رؤيتها الإنسانية. فالخروج على النحو والقاموس يقابله خروج على الطاعة الاجتماعية والسياسية، وانكسار التركيب اللغوي يقابله انكسار العالم، والبحث عن أبجدية جديدة هو في جوهره بحث عن إمكانية أخرى للحياة.

لذلك لا تمنح قصائد قاسم حدّاد قارئها معنى جاهزًا، وإنما تدعوه إلى المشاركة في صنع المعنى. فالقارئ، مثل الشاعر، يقف أمام البياض مذهولًا؛ يتهجّى الحروف المشحونة، ويمشي فوق أرض رجراجة، ويصغي إلى الصمت وهو يجهر. ومن هذا القلق الخلّاق تستمد التجربة فرادتها: إنها لا تريد من القصيدة أن تفسّر العالم فحسب، بل أن تقلقه، وتعيد تخيّله، وتفتح في جداره طريقًا لا يهتدي إليه الغزاة.


قصائد مختارة للشاعر قاسم حداد

العاشق

شعر: قاسم حداد

أنا ولدٌ تاهَ

وأغواني هوايَ

ولا أجدُّ في نية الحضور

 

نسل الفوضى

شعر: قاسم حداد

أدخلت الحروف في فوضاي

فوضتها أمري

وفاضت روح الحروف في روحي

من يعدل الكون ويهندس المجرة

ميم

سين

ألف ياء

صاد

لام

ويكسر الخيط ويكسوني

شاهد ينتضي حلم فوضاي ويفضي إلي

أدخلتها وهي حولي جواسق

ومرايا و نرجسات وسبائك

تكتب للاسم اسما وللعربات أفراسا

وترسم الطريق

في الفوضى يلد الماء أخطاءه

ويغفر المخلوق للخالق

للواثق شكا وللريح شكيمة

هنا ولا لجام ولا جنة

تجهل النطفة تاريخها

ولا ترائب

أصلابها الريب والرهينة

أدخلتها وارتحت في فوضاي

حيث الفضاء يضيق على الكون

ويبدأ في حروفٍ مشحونةٍ

يتهجى ، هذه الأبجدية

 

صمت يجهر

شعر: قاسم حداد

أرجوان له كتف لا يخالجه الخوف

وللبندقية كعب يكتمل بالاتكاء

يفتح نيرانه

ظهره للحائط وعيونه ترشد النار

ترش العطر السلاحي في الشهقة الأخيرة للأرض

حيث ينتشر الغبش في زجاج النهاية

آهٍ تصرخ الأرض

والأرجوان المندفق يتدفق

الأرض في الأرض

والناس ينتصرون على الأرجوان بالموت

لا تفتح النوافذ لا تقلب الورقة

لا تسأل الأطفال لا تضع الألوان في الآنية

آهٍ لا تصرخ

الأرجوان سيد الطبيعة

بريده يأتي ولا يعود

آهٍ تصرخ الأرض في الأرض تصرخ

والأرجوان إصبع في الزناد كعب في الكتف

و اندفاق يوزع الرسائل/ تصرخ الأرض آه

والناس في الموت لا يسمعون

 

سجادة الماء

شعر: قاسم حداد

يستوي ويعطي ويحتفي

أسماكه تبعث الرسائل من حديقة الماء

يكسر الجسور ويهدم لذة الصيد

ليس لاسمه حرف ولا علاقة له بالريح

السفينة التي أخذت سرها من البستان

حملتني كثيرا كثيرا

وهو لا يعبأ

يهدهد القيد في كاحلي

ويجس / لا تحزن

للأرض شروش من الغياب الكاسر

ينتظر من الساحل إلى الساحل

من أنت؟

وحين تتعثر الرسائل في الصواري

يعرف يرسل موجه

فأظن .

لكنه يدفع الياسمينة برفقٍ

يترفق بي فيمر العمر برفقٍ

 

عباءة الأرض

شعر: قاسم حداد

من يلم هذا البكاء ويهديه إلى أمي

لقد أرهقتها بالغياب

صارت في الشوارع محسورة الرأس

تبحث عن بكاءٍ تستر به الأرض

أعطوها بكاء أسعفوها لكي تصبر علي

فإنني أمعن في التيه

 

سطوة/ محاولة أولى

شعر: قاسم حداد

أمام الورقة

أقف مذهولا مباغتا

من يجسر على كسر

 هذا البياض الجميل

 

منحوتات

شعر: قاسم حداد

ينسى

لأن ذاكرة اليدين مأخوذة

مغمورة بالصلصال

أشكاله لا تلغو تفعل

ينسى أفعاله ويرتكب الجميلة

يعرف أن يديه مربوطتان به

يداه لقلبه

ولا يتذكر الكأس التي عبّها

 

بيان قطاع الطرق

شعر: قاسم حداد

سنفضض القدم العارية بتراب السماء

ونسوي طريقا لا يهتدي إليها الغزاة

نفتح للأطفال سبل الخوف و الخشية

ولا نعد الحبلى بوضعٍ آمنٍ

أو مخاضٍ خالص

لنا الجدار الوحيد أمام الغدارة

ولنا الخشبة التي من البصرة جاءت

مطلولة بالسياب ورسائله

بالحلاج وأخطائه

ولنا رماح الخليفة مخلوقة لنا

لنا وحدنا

حيث القدم العارية لا تخجل من الريح

ولا تعبأ بالسماء

وحدنا الخشبة والخرقة والخرافة

والطريق التي تهيم وتخدع

 

صوت ينتسب للخارج

شعر: قاسم حداد

لست للنشيد

لكن للشارد من عتمة القبيلة

للخيل وهي تحرن

وتفرك الأرض

وتستبسل ضد السقيفة والفتنة

للخروج

ولست أعطي بكائي لتهويدة الوأد

صوتي لنهرٍ يجنح عن عادة الماء

للحرف ضد القواميس

والنحو و الصرف

للشعر في النثر

أعني الشريد في صرخة الليل

أعنيه مستقبلا سوف يمضي

 

أول الاحتمالات

شعر: قاسم حداد

مفتولة الأحلام

لا جنية ولا تعشق الماء

تأتي من حيث لا نتوقع لها

ولها نخل وخيول وزعفران

مربوطة بالتذكر الصاعق

هل أنت واحدة أم كثير ؟

ولا تأبه كأن لا أسئلة تستعصي

والشعر أجنحة وأفق وحنين لها

ولها الزينة وأسرارها

والمرايا مرصودة للقوانين والقيد

ولا تأبه كأن لا حدود تستعصي

تقذف حبل أحلامها

وتظل مربوطة في عروة الريح

 

القنديل

شعر: قاسم حداد

أنا الغامض الذي لا يتوضح

ولا يقبل التفسير

الغيم يقرأ المطر

الشجرة تحاور الريح

الرمل يحزم البحر و يزنر السواحل

الجرح يصادق النصل بغتة لكنه يفهم

وأنا الغامض الذي ليس للوضوح

أغوي النجوم أسويها أحذية

لكلماتي

وأهيئ الجبل لدخول البيت

الصوت لي

والسيف لي

لكم الجرح والحنجرة

ولا أقبل التوضيح

 

يخرج ولا يرى

شعر: قاسم حداد

يخرج

يوزع لوتسا على الأصدقاء

ويستريح من الوجع الذي تغلغل

ينتظر النسل ويتلفت

فيطلع العوسج باسقا باسقا

باسقا

يتشبث بوجعه مذعورا

سيدخل قبل انتهاء اللوتس

 

تكوين

شعر: قاسم حداد

رجراجة هذه الأرض

أين أضع قدمي ؟

 

جرح ... ونصال كثيرة

شعر: قاسم حداد

جرح واحد

وكل هذه السكاكين لي

طلعت من تاريخ الجثث

من يحصي جثثا ليس لها عد ؟

ليس البحر صادق

ولا أخبار الشجر محمولة بوعد

الجرح الوحيد الواحد

مرصود للنصال الكثيرة

والجثث شرفة القبور الطرية الغامرة

ليست من الحروب ولا البرد

إنها من الأخبار التي تقعقع في الكتب العتيقة

صار أن نهجر المدارس

ونذبح الأساتذة الذين يجهلون

ونرسم للطفل قميصا تطاله الجراح

وتهتدي إليه النصال

جرح واحد وكل هذه السكاكين لي

ولي أن أفضح الموت وأستعصي

 

لغة

شعر: قاسم حداد

فعل ناقص

ونحاة الكوفة

يستبسلون

 

إذا

شعر: قاسم حداد

إذا فتحت لك لا تدخلي

لا

تنصلي من الوقت

أو فاعقدي المراثي

خلي هلهلات الدمع تنشق

واكذبي على أكاذيبي

إذا فتحت لا تفتحي

لا تفتحي

 

ظِلال

شعر: قاسم حداد

تشع فأصطادها

وأرى إلى الصور تهطل من السقف

رأسي مكشوفة كعورة الجبل

والكواكب تحتشد في أصابعي

يغمر الماء المراكب

فتصير الرحلة مغامرة إلى حيث

لا يتصدق الحلم ولا تكذب

تشع وبعدها ينتهي كل شيء

حيث يبدأ


اقرأ المزيد من شعر قاسم حداد على موقع الديوان انقر هنا 

 


شعرية التيه والتمرّد عند قاسم حدّاد

  قراءة في تحوّلات اللغة والذات والعالم بقلم: الورّاق الجزائري   تنبني التجربة الشعرية عند قاسم حدّاد على رغبة عميقة في تحرير القصيدة ...