بقلم: الورّاق الجزائري
منذ أن خطّ الإنسان
أول رسمٍ على جدار كهف، وردّد أول نشيد في مواجهة الخوف، وروى أول حكاية ليحفظ
ذاكرته من النسيان، كان الإبداع شريكًا أساسيًا في بناء الحضارة الإنسانية. لم تكن
القصيدة ترفًا، ولا اللوحة زينة عابرة، ولا الموسيقى ضجيجًا فائضًا عن حاجة البشر؛
بل كانت كل واحدة منها طريقة لفهم العالم، ومقاومةِ العدم، وتوسيع حدود التجربة
الإنسانية.
خلّدت الحضارة
أسماء شعراء وفنانين ومفكرين، وبقيت أعمالهم حية بعد أن زالت دول وقصور وسلالات
حاكمة. وفي المقابل، مرّ عبر التاريخ كثير من المتعالين والمدّعين الذين ظنوا أنهم
يملكون حقَّ توزيع صكوك الموهبة، فلم تحفظ الذاكرة أسماءهم، أو حفظتها بوصفها
أمثلة على ضيق الأفق وسوء التقدير. وليس في هذه المقارنة دعوة إلى الاحتكام إلى
الشهرة وحدها؛ فكثير من المبدعين الحقيقيين عاشوا مجهولين أو لم يُنصفوا إلا بعد
رحيلهم؛ وإنما يؤكد ذلك أن الأحكام المتعجرفة، مهما ارتفعت أصوات أصحابها، لا تملك
أن تقرر وحدها ما يستحق البقاء.
هذه رسالة إلى
الناقد الذي نسي أن النقد حوار، وتوهَّم أنه مَحكمة، ثم نصّب نفسه قاضيًا لا
يُستأنف حكمه.
الإبداع ليس ملكيةً خاصة
الشعر والفن ليسا
ملكًا لناقد، ولا لمؤسسة ثقافية، ولا لجماعة أدبية، ولا لجيل بعينه. ومن حق كل
إنسان أن يعبّر عن نفسه بالطريقة التي تناسب تجربته وموهبته وأدواته، سواءً أكتب قصيدة، أو رسم لوحة، أو أنشأ لحنًا، أو روى
حكاية. هذا الحق لا يعني أن كل ما يُنتج متساوٍ في قيمته الفنية، ولا أن كل نص
عظيم لمجرد أن صاحبه صادق في التعبير عن نفسه؛ لكنه يعني أن أحدًا لا يملك حق منع
الإنسان من المحاولة أو يملك حق الإساءة بسببها.
من حق الناقد أن
يقول إن نصًا ما ضعيف، وإن صورة شعرية مستهلكة، وإن بناءً فنيًا مضطرب، وإن تجربةً
لم تنضج بعد. لكن ليس من حقه أن يحوّل ملاحظته إلى إهانة، أو أن ينتقل من تقويم
العمل إلى تحقير صاحبه. هناك فرق واضح بين قولنا: "هذه القصيدة تعاني ضعفًا
في البناء"، وقولنا: "هذا الشخص لا علاقة له بالشعر". العبارة
الأولى حكم قابل للمناقشة والاختبار، أما الثانية فإعدام رمزي يصدره شخص متوهّم
لسلطة لا يملكها.
لا يحتاج الإنسان
إلى إذن لكي يكتب. ولا يصبح الناقد وصيًا على الشعر لمجرد أنه قرأ نظريات أكثر، أو
أتقن استعمال مصطلحات لا يعرفها جمهور واسع. فالمعرفة النقدية مسؤولية وليست
امتيازًا طبقيًا، والمصطلح أداة لتوضيح النص وليس ستارًا لإخفاء فراغ القراءة.
الناقد لا يصنع النص من العدم
يأتي الناقد إلى
عمل أنجزه مبدع قبله. هناك شاعر عاش التجربة وقلق بها، ثم بحث عن لغتها وإيقاعها
وصورها. وهناك روائي بنى عالمًا وشخصيات ومصائر. وهناك فنان واجه الفراغ وأعطاه
لونًا وشكلًا. بعد ذلك يأتي الناقد ليقرأ ما تحقق، ويكشف علاقاته ودلالاته، ويضعه
في سياقه، ويمتحن أدواته ويقترح طرائق لفهمه. وهذه المهمة مهمة نبيلة، لكنها لا تجعل الناقد أعلى مقامًا من
المبدع، كما لا تجعل المبدع بمنأى عن المساءلة. إنهما يؤديان وظيفتين مختلفتين:
الإبداع يفتح العالم، والنقد يحاول أن يضيء بعض مسالكه. وقد يرى الناقد في العمل
ما لم يقصده صاحبه، وهذه إحدى ثمار القراءة العميقة، لكنه يظل قارئًا يقدم
اجتهادًا لا نبيًا يتلقى حقيقة نهائية.
حين يتحدث الناقد
كما لو أن النص جثة على طاولته، وأن صاحبه تلميذ مذنب يقف أمامه، فإنه لا يثبت قوة
معرفته، بل يكشف عجزه عن إقامة علاقة إنسانية مع العمل. الناقد الواثق لا يحتاج
إلى أن يسيء إلى أحد كي يبرهن على كفاءته؛ ووحده الناقد المرتبك يحاول أن يصنع لنفسه
قامةً عالية بالوقوف فوق أكتاف الآخرين.
النقد ليس بحثًا عن الجمال وحده
قد يُقال إن وظيفة
الناقد هي البحث عن مواطن الجمال والحكمة وإبرازها، وهذا صحيح جزئيًا، لكنه لا
يستنفد وظيفة النقد. فالناقد ليس مكلّفًا بالمديح، ولا ينبغي أن يتحول إلى موظف
علاقات عامة لدى الكاتب. مهمته أوسع: أن يقرأ العمل بأمانة، ويكشف عناصر قوته
وضعفه، ويفحص منطقه الداخلي، وعلاقته باللغة والتجربة والسياق، ثم يقدم رأيًا
معللًا يستطيع القارئ أن يفهم أسبابه، سواء وافقه أم خالفه.
وقد يضطر الناقد
إلى إصدار حكم قاسٍ على عمل ضعيف أو زائف أو قائم على التقليد. والصراحة هنا ليست
جريمة، بل واجب. غير أن قسوة الحكم على النص لا تقتضي القسوة على الإنسان. يستطيع
الناقد أن يكون حاسمًا من غير أن يكون مهينًا، وأن يكشف الخلل من غير شماتة، وأن
يختلف جذريًا مع الكاتب من غير أن يسخر من شخصه أو ثقافته أو مكانته الاجتماعية.
الرفق في العبارة
لا يعني تزييف الحكم، كما أن التجريح لا يدل على الشجاعة. وبين المجاملة الجبانة
والفظاظة المتعالية مساحة واسعة اسمها النقد النزيه.
التواضع شرطٌ للمعرفة
كل قراءة، مهما
بلغت دقتها، تظل محكومة بأفق صاحبها ومعرفته وذائقته والمنهج الذي اختاره. لذلك
يستخدم الناقد الجدير باسمه عبارات من قبيل: "يبدو لي"، و"يمكن
قراءة النص"، و"لعل الصورة توحي"، لا خوفًا ولا ترددًا، بل
اعترافًا بأن العمل الأدبي أوسع من قراءة واحدة. أما الناقد المغرور فيقدم ذائقته الخاصة بوصفها
قانونًا عامًا، ويعامل ما لا يحبه كأنه لا قيمة له، ويخلط بين قوله: "لم
أتفاعل مع هذا النص"، وبين زعمه: "هذا النص ليس شعرًا". وقد يرفض
عملًا لأنه لا يشبه النموذج الذي اعتاده، أو لأنه صادر عن كاتب خارج الدائرة التي
يعترف بها، أو لأنه لا ينسجم مع مصالح جماعته ومواقفها.
التواضع النقدي لا
يعني ضعفًا في الموقف، بل وعيًا بحدود المعرفة. فالناقد الحقيقي يمتلك الجرأة على
الحكم، لكنه يمتلك أيضًا شجاعة مراجعة حكمه حين تظهر له جوانب لم ينتبه إليها. أما
من يرى التراجع عن الرأي هزيمة، فإنه يدافع عن صورته الشخصية، لا عن الحقيقة ولا
عن الأدب.
حين تتحول المصطلحات إلى ألعاب بهلوانية
من حق الناقد أن
يستخدم مناهج النقد ومصطلحاته، فهي أدوات ضرورية لضبط التحليل وتطوير المعرفة. لكن
المصطلح يفقد قيمته حين يتحول إلى زينة لغوية أو وسيلة لإرباك القارئ وإقناعه بأن
أمامه عقلًا خارقًا. ليست الفذلكة دليلًا على العمق، وليست العبارة الغامضة أكثر
علميةً لمجرد أنها عصية على الفهم.
قيمة المصطلح فيما
يكشفه من النص، لا في عدد المرات التي يُذكر فيها. فإذا انتهت دراسة نقدية طويلة
من غير أن تساعدنا على رؤية العمل بصورة أوضح، فقد يكون الناقد استعرض معرفته أكثر
مما مارس النقد. وإذا صار النص الأدبي مجرد ذريعة كي يتحدث الناقد عن نفسه وعن
قراءاته النظرية، انقلبت العلاقة إذ لم يعد النقد في خدمة المعرفة، بل صار العمل
في خدمة غرور الناقد.
الكتابة النقدية
الجيدة لا تتخلى عن الدقة، لكنها تعرف كيف تجعل الدقة قابلة للفهم. وهي لا تستعرض
الأدوات على الطاولة، بل تستخدمها للوصول إلى نتيجة؛ فالجرّاح لا يثبت مهارته
بكثرة تسمية مشارطه، وإنما بحسن استعمالها.
الأخلاق ليست أمرًا زائدًا على النقد
لا يكفي أن يكون
الحكم النقدي صحيحًا من الناحية الفنية إذا كانت الطريقة التي قُدِّم بها قائمة
على الإذلال والتشهير. فالنقد نشاط إنساني قبل أن يكون تمرينًا معرفيًا، والكلمة
التي يكتبها الناقد قد تؤثر في إنسان حاول أن يقدّم شيئًا من ذاته إلى الآخرين. وهذا لا يعني حماية المبدع من أي ألم.
فالنقد الجاد قد يؤلمه، والحقيقة قد تكون ثقيلة، واكتشاف ضعف العمل ليس تجربة
مريحة. لكن ثمة فرقًا بين الألم الذي تسببه معرفة ضرورية، والألم الذي يصنعه شخص
يستمتع باستعراض تفوقه. الأول قد يساعد على النضج، أما الثاني فلا يترك سوى
المرارة والخوف والنفور من الوسط الثقافي.
النقد المرتبط بحسن
الخلق لا يجامل، بل يعدل. لا يخفي العيوب، لكنه لا يختلقها. لا يمدح الرداءة
إرضاءً لصديق، ولا يهدم إنجازًا انتقامًا من خصم. لا يقيس النص باسم صاحبه، ولا
بمكانته أو علاقاته أو الجوائز التي حصل عليها، بل بما يقدمه العمل نفسه. ومن أخلاق النقد أيضًا أن
يقرأ الناقد العمل كاملًا قبل الحكم عليه، وأن يقتبس بدقة، وألا ينسب إلى الكاتب
ما لم يقله، وألا يبني حكمًا واسعًا على سطر مبتور؛ فالأمانة العلمية ليست منفصلة
عن الأخلاق؛ إنها صورتها العملية.
النقد الذي يغلق الأبواب يخون وظيفته
يفترض بالنقد أن
يوسّع المجال الثقافي، وأن يساعد القارئ على اكتشاف تجارب جديدة، وأن يمنح المبدع
فرصة لرؤية عمله من زاوية مختلفة. لكنه يتحول أحيانًا إلى أداة حراسة تمنع القادمين
الجدد من الدخول حيث يتصرف بعض النقاد كأن المشهد الأدبي نادٍ خاص، لهم وحدهم حق
قبول أعضائه وطردهم. فهم يستهينون بتجارب الشباب، ويسخرون من
أخطاء البدايات، وينكرون حق غير المتخصصين في الكتابة، مع أن تاريخ الأدب نفسه
صنعه كثيرون لم يحصلوا على شهادات في النقد أو اللغة. وقد يرفعون أسماءً بعينها لا
لأن أعمالها أفضل، بل لأنها تنتمي إلى الدائرة نفسها، ثم يحجبون الاهتمام عن أسماء
أخرى لأنها تكتب بعيدًا عن المراكز والمؤسسات والعلاقات النافذة.
النقد الذي يفتح
الأبواب لا يعني التساهل مع الرداءة، بل يعني منح الأعمال فرصة عادلة للقراءة.
الناقد النزيه لا يسأل أولًا: من صاحب النص؟ ومن يقف خلفه؟ وفي أي صحيفة نشر؟ بل
يسأل: ماذا يقول هذا العمل؟ وكيف يقوله؟ وما الذي يضيفه أو يخفق في إضافته؟
الناقد الجيد شريك في حماية المعنى
يستطيع النقد
الحقيقي أن ينقذ نصًا من قراءة سطحية، وأن يكشف جمالًا خفيًا، وأن يضع تجربة مهمشة
في موضعها المستحق. ويستطيع أيضًا أن ينبه كاتبًا موهوبًا إلى مواطن الضعف التي
تعوق تطوره. وقد يعيد ترتيب الذائقة العامة، ويقاوم الابتذال والزيف، ويكشف
الأعمال التي تحصل على شهرتها بقوة الدعاية لا بقيمة الإنجاز. لكن ذلك كله يحتاج إلى ناقد ينحاز إلى النص
والحقيقة، لا إلى صورته عن نفسه. يحتاج إلى معرفة واسعة، وذائقة مدربة، وصبر في
القراءة، وعدالة في الحكم، ولغة تحترم عقل القارئ وكرامة الكاتب.
لا يصبح الناقد
عظيمًا بعدد الذين حطمهم، ولا بعدد العبارات الساخرة التي أطلقها، ولا بقدرته على
جعل المبدعين يخافون من رأيه. عَظَمَتُهُ الحقيقية تظهر في عدد النوافذ التي
فتحها، وفي دقة الأسئلة التي أثارها، وفي قدرته على جعلنا نرى ما لم نكن نراه.
أيها الناقد المغرور
ليس الكاتب الذي
تنتقده متهمًا أمامك، ولستَ مالك مفاتيح الأدب. قد تخطئ كما يخطئ، وقد تعجز عن فهم
تجربة جديدة لأنها لا تنتمي إلى ذائقتك، وقد يثبت الزمن أن العمل الذي ازدريتَه
كان أبقى من الحكم الذي أصدرته عليه. اقرأ بقوة، واكتب بشجاعة،
وسمِّ الضعف باسمه، لكن تذكر أنك تخاطب إنسانًا. لا تطلب من المبدع أن يكون
متواضعًا وأنت تجعل من نقدك استعراضًا للذات. ولا تدّع الدفاع عن الجمال بلغة
قبيحة، أو الدفاع عن الحكمة بسلوك أحمق، أو حماية الأدب بإغلاق أبوابه أمام الناس.
إن كنت ترى خللًا،
فحدده واشرح أثره واقترح مدخلًا لفهمه أو تجاوزه. وإن رأيت جمالًا، فلا تبخل
بالاعتراف به خشية أن يبدو ذلك انتقاصًا من هيبتك. فالناقد الذي لا يرى إلا العيوب
ليس أكثر بصيرةً، كما أن الطبيب الذي لا يرى في الإنسان إلا المرض لا يعرف معنى
الصحة.
النقد ليس سوطًا،
ولا عرشًا، ولا مرآة يقف الناقد أمامها مأخوذًا بصورته. إنه مسؤولية تجاه النص
وصاحبه والقارئ والثقافة. فإذا فقد المعرفة صار انطباعًا عابرًا، وإذا فقد النزاهة
صار دعاية أو تصفية حسابات، وإذا فقد حسن الخلق صار أذىً يرتدي قناع الثقافة.
أما الناقد
الحقيقي، فلا يحتاج إلى أن يصغّر الآخرين كي يبدو كبيرًا؛ لأنه يعرف أن مهمته ليست
أن يقف فوق الإبداع، بل أن يقف إلى جواره، يصغي إليه، ويسائله، ويضيء ما استطاع من
دروبه، ثم يترك الباب مفتوحًا لقراءات أخرى ولزمن قد يكون حكمه أعدل من أحكام
الجميع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق