اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعر علي طه النوباني: حداثة التيه وانهيار العالم في قصيدة "باقة من حكايات التيه"

 

بورتريه بالألوان المائية للشاعر والروائي الأردني علي طه النوباني، تحيط به رموز مستوحاة من قصيدة "باقة من حكايات التيه"، تشمل النهر والغربان وعقارب الساعة وأجواء الغربة والتيه.


   بقلم: الورّاق الجزائري   

حين تفقد الحروف أسماءها

لا تبدأ قصيدة "باقة من حكايات التيه" للشاعر والروائي الأردني علي طه النوباني من حادثة يمكن تحديدها، ولا تتجه نحو خاتمة تستعيد فيها الأشياء نظامها. إنها تدخل منذ السطر الأول في عالم وقع فيه الخلل أصلًا، ولم يعد السؤال فيه: ماذا حدث؟ بل: ماذا بقي من الإنسان بعد أن حدث كل شيء؟ ولهذا يبدو العنوان نفسه مفتاحًا أوليًا للقراءة؛ فـ"الباقة" توحي بالتعدد والجمع، بينما تحيل "حكايات التيه" إلى شظايا سردية متفرقة، تتجاور من غير أن تنتظم في حكاية تقليدية واحدة. إننا أمام أصوات ضائعة أكثر مما نحن أمام شخصيات، وأمام ذاكرة مكسورة أكثر مما نحن أمام وقائع.

هذه البنية هي المدخل الأهم إلى حداثة القصيدة. فالحداثة هنا لا تتحقق بمجرد استخدام قصيدة النثر أو الصورة الغريبة، وإنما في تفكيك مركز الحكاية، وتشظية الصوت، واضطراب الزمن، وتحويل اللغة نفسها إلى جزء من المأساة. الصبي والعجوز والشاب والفتاة والشرطي والخطيب لا يروون قصصًا مكتملة؛ كل واحد منهم يحمل قطعة من عالم محطم، ثم يضعها إلى جوار قطع الآخرين. وما يتشكل في النهاية ليس صورة مكتملة، وإنما فسيفساء للضياع.

 

القافلة التي لا تصل

يفتتح النوباني النص بعبارة شديدة الكثافة:

"على بُعد قافلة من الغربة"

ثم تعود العبارة في مواضع لاحقة، فتغدو أشبه بلازمة بنائية ونفسية. اللافت أن الشاعر لا يقيس المسافة بالمتر أو بالزمن، بل بـ"قافلة". وهكذا تتحول المسافة من مقدار هندسي إلى تجربة بشرية. فالقافلة حركة وانتقال وانتظار وتعب، وقد تحمل في ذاكرتها الصحارى والهجرات والنزوح والبحث عن مكان آخر. لكن المفارقة أن هذه القافلة لا تحقق الوصول. إنها تتحرك داخل التيه نفسه:

شربنا حَبَّةَ المَلَل الأخيرة
رسمنا طلاسمنا على ذاكرة الرمال

الملل هنا ليس حالة نفسية عابرة، فقد تحول إلى "حبة" تُشرب، بينما تحولت الرمال إلى ذاكرة تُكتب عليها الطلاسم. ومنذ البداية تتخلى الأشياء عن وظائفها المألوفة: الرمل يتذكر، والملل يُشرب، والسنابل تبكي، والشوارع والمدارس تدخل دائرة الألم، والكروم تئن:

لماذا تبكي السنابلُ
والشوارع
والمدارس
لماذا تئنُّ الكروم في مقصلة الألم

هذه الأنسنة ليست زينة بلاغية. فالألم بلغ من الاتساع حدًا لم يعد معه الإنسان وحده قادرًا على حمله، ولذلك يتوزع على الموجودات. وحين تبكي المدرسة والشارع والسنبلة والكرمة، يصبح الخراب خراب عالم لا مصيبة فرد.

"هل جاء غدًا؟": الزمن بوصفه مأساة

ومن أجمل مفاتيح النص سؤال الصبي:

"هل جاءَ "غدًا"؟"

إن وضع "غدًا" بين علامتي تنصيص يزعزع دلالتها المعتادة. لم تعد الكلمة مجرد ظرف زمان، بل صارت شيئًا منتظرًا، وربما وعدًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو إنسانيًا طال تأجيله. وحين يجيب العجوز:

لقد جاء "غدًا"
لكنه فقد العروسَ التي تُوظِّبُ شعره

تحدث واحدة من أكثر انزياحات القصيدة دلالة. المستقبل الذي انتُظر طويلًا وصل أخيرًا، لكنه وصل ناقصًا ومشوهًا وجائعًا. فقد العروس، وجاع في الطريق، ولم يأكل سوى: "خيطٍ من لهيب الشمس"! إنه مستقبل استهلكته الرحلة قبل أن يصل. وبذلك يقلب النوباني التصور التقليدي للغد بوصفه أفق الخلاص؛ فالغد هنا ليس وعدًا بالنجاة، وإنما ناجٍ آخر من الكارثة.

وتتكرر أزمة الزمن لاحقًا مع الساعة والعقارب. يقول الصبي: "ماذا تريد مني الساعة؟"

وفي المقطع الرابع:

"العقاربُ لاذتْ بالفرار إلى هيكلٍ آخر"

ثم تنتهي القصيدة بالانتظار:

"ولننتظر عقارب الساعة"

وبهذا تتشكل دائرة دلالية لافتة، فالزمن لم يعد إطارًا تجري فيه الأحداث؛ لقد أصبح شخصية مضطربة داخل النص: العقارب تفر، والمحطات تُتجاوز، والأمطار تأتي بعد موت الزرع، والباب يُغلق بعد فوات اللحظة. كل شيء يحدث، لكن في التوقيت الخطأ.

 

النهر الذي صار فولاذًا

يمثل النهر المركز الرمزي الأبرز في القصيدة. إنه المكان الذي تتقاطع عنده الحكايات، وتظهر الشخصيات قربه، وتقفز فيه، وتسبح خلاله، وتفقد ذاكرتها فيه. غير أن النهر ليس رمزًا ثابتًا. ففي المقطع الثالث يتحول إلى: "قطعةً لامعةً من الفولاذ"، وهي صورة قاسية تقلب الدلالة الموروثة للماء. فالنهر الذي يفترض أن يكون رمزًا للحياة والسيولة والتجدد يصبح معدنًا صلبًا باردًا. ثم يظهر عليه البشر في هيئة النمل:

يمشي عليها النمل أسرابًا
ولا يحكي

هذا التحول من الإنسان إلى "أسراب نمل" يحمل معنى الاغتراب وفقدان الفردية؛ فالناس كائنات صغيرة تتحرك فوق سطح عالم معدني ولا تستطيع الكلام.

لكن النهر لا يبقى على صورة واحدة. فعندما يقفز العجوز فيه: "فاخضرت المياه حوله"، هكذا تنبثق فجأة إمكانية للحياة. وفي موضع آخر:

"رأيتُ الماء مبتلًا بالأغاني"

وهي صورة تقوم على مفارقة لغوية واضحة؛ فالماء مبتل بطبيعته، لكن جعله "مبتلًا بالأغاني" ينقل البلل من الحالة المادية إلى حالة شعرية، كأن الأغنية أصبحت مادة ثانية تسكن الماء. لهذا لا يمكن اختزال النهر في رمز واحد. إنه الموت والحياة، الذاكرة والنسيان، العبور والاستحالة. وحين تنتهي القصيدة بقولها:

"لقد تغير مجرى النهر"

ندرك أن الأمر لا يتعلق بتغير جغرافي، بل بتغير مجرى الحكاية والعالم والتاريخ نفسه.

 

بورتريه مائي عمودي للشاعر الأردني علي طه النوباني، تحيط به غربان سوداء وحروف متناثرة فوق وادٍ موحش، مع مقطع من قصيدة "باقة من حكايات التيه".

الغربان و"قاع قاع": حين تنهار اللغة إلى نعيق

تبلغ القصيدة واحدة من أقوى لحظاتها الحداثية في المقطع الثالث، حين يقول المتكلم:

إلى أن جاءت الغربانُ من وادي السلاحف
قعقعتْ طويلًا حتى نسيتُ الحروف
وقعقعتُ أنا مثلها
قاع قاع قاع
قاع قاع
قااااااااااااع

هذه ليست لعبة صوتية مجانية. حضور الغربان يستدعي رصيدًا ثقافيًا وشعبيًا قديمًا ارتبط فيه الغراب بالنذير والتشاؤم والفقد والخراب. ومن ثم فإن "قاع" ليست مجرد تفكك اعتباطي للكلام، وإنما محاكاة لنعيق الغراب وقد استولى على الصوت الإنساني. والأخطر هو  أن التحول يحدث بعد عبارة: "حتى نسيت الحروف"، أي أن الإنسان لا يقلد الغراب وحسب، وإنما يفقد اللغة البشرية أولًا. أي أنه ينتقل من الحرف إلى الصوت الخام، ومن الدلالة إلى النعيق. ولهذا يأتي مباشرة:

وتغيرت روايتي
لامست وجهي
فلم أجد وجهي

ففقدان اللغة يتصل بفقدان الهوية. عندما ينسى الإنسان حروفه، تتغير روايته؛ وعندما تتغير روايته، لا يعود قادرًا على العثور على وجهه. وهنا تظهر حداثة النص في مستوى أعمق: اللغة لا تصف الانهيار من الخارج؛ إنها تنهار داخل القصيدة نفسها حيث يمتد حرف الألف في "قااااااع"، ويصبح الرسم الكتابي جزءًا من التجربة السمعية والبصرية، فتتحول الصفحة إلى مساحة لأداء الصرخة. والأهم أن هذا النعيق يعود في المقطع الأخير، ولكن في سياق جماعي:

فأطلق الغربان من أقفاصها
ورحنا نقعقع
قاع... قاع
قاع
قااااااااع

في المرة الأولى يبدو المتكلم ضحية للنعيق؛ أما في النهاية فالجماعة كلها تدخل فيه. وهكذا تنتقل العدوى من الفرد إلى الجمهور، ويصبح خراب اللغة ظاهرة جماعية.

 

ساعة الميدان: تفجير الزمن والخبر

في المقطع الرابع يدخل النوباني فجأة فضاءً معاصرًا مألوفًا: شاب في مركبته يستمع إلى المذيع وهو يتحدث عن الطقس. تبدأ اللقطة كما لو أنها مقتطعة من يوم عادي، ثم يتهدج صوت المذيع ويقول:

من اليوم
ستلغى نشرة الأخبار

هذه العبارة شديدة السخرية والمرارة؛ فالواقع أصبح من العنف بحيث لم تعد "نشرة الأخبار" قادرة على احتوائه. وما إن تُقال العبارة حتى: "تطايرت أشلاء الرفاق في ساعة الميدان"، وهنا تتداخل الساعة بوصفها آلة للزمن مع الميدان بوصفه فضاءً عامًا، ومع الأشلاء بوصفها علامة على العنف. حتى الحروف نفسها تدخل المذبحة:

"سمعت الحروف تئن مفردةً في ساعة الميدان"

ومرة أخرى لا تكتفي القصيدة بوصف موت البشر؛ الدلالة نفسها تُصاب. الحروف منفردة، أي إنها فقدت قدرتها على الاجتماع في كلمات وجمل وحكايات.

إنها رؤية شديدة الحداثة: الكارثة الكبرى لا تدمر الأجساد فقط، بل تدمر أيضًا النظام الذي نروي به الكارثة.


 

هوية قابلة للمحو وإعادة الكتابة

تتكرر في القصيدة عمليات فقدان الوجه والاسم والصوت والذاكرة. تقول الفتاة:

غيّروا اسمي
ووجهي
وصوتي
ثم منحوني مرآة

تكمن قسوة الصورة في المفارقة: ما قيمة المرآة بعد تغيير الوجه؟ إنها أداة يفترض أن تؤكد الهوية، لكنها هنا تؤكد ضياعها. ثم:

رأيت أمي في الفراغ
حنونةً
لكنها منكسرة
جميلةً
لكنها لا تعرفني

تنتقل مأساة الهوية من المجال السياسي أو الاجتماعي إلى أكثر العلاقات حميمية: الأم لا تعرف ابنتها. وحين يعجز وجه الأم عن استعادة هوية الابنة، يصل الاغتراب إلى ذروته. وتكتسب هذه الفكرة قوتها من تكرارها بأشكال مختلفة. المتكلم في المقطع الثالث لا يجد وجهه، والفتاة تفقد لعبتها وذاكرتها، وأخرى تتجاوز المحطة وتكتشف شيبة في شعرها، والصبي يرى الحروف تتغير عندما يسرق كتابًا. كأن العالم كله يعمل على إعادة تسمية الإنسان ضد إرادته.

 

سريالية لها جذور في الواقع

تزدحم القصيدة بصور تبدو للوهلة الأولى سريالية:

صار شجرة
قطفت منها حكاية خريفية سوداء

و:

أزرع الأطفال في القمر
فينبتون مبتسمين

و:

جمعتني الأمطار في قطراتها
قذفتني نحو النجوم

و:

مثل جرح مجنح
في ضفة الحريق

لكن هذه السريالية لا تنفصل عن التجربة الإنسانية. الصورة الغريبة لا تسعى إلى الإدهاش وحده، بل تصبح وسيلة لقول ما يصعب قوله باللغة المباشرة.

فالطفل الذي يصير شجرة ثم تُقطف منها "حكاية خريفية سوداء" يمكن أن يحمل في داخله الموت والذاكرة والفقد في صورة واحدة. والأطفال المزروعون في القمر يعبّرون عن حلم بمكان يستحيل فيه ما استحال على الأرض. أما "الجرح المجنح" فيجمع نقيضين: الألم والقدرة على التحليق.

بهذا المعنى، تتصل حداثة النوباني في هذه القصيدة بما يمكن تسميته منطق الحلم المصدوم: الأشياء تتحول باستمرار لأن الواقع نفسه فقد منطقه، فلم تعد اللغة الواقعية كافية لتمثيله.

 

الشخصيات بلا أسماء

لا يحمل أبطال القصيدة أسماء شخصية. هناك "الصبي"، "العجوز"، "الشاب ذو القبعة الرمادية"، "الفتاة الحائرة"، "الشرطي"، "الخطيب".

هذا التجريد يمنح الشخصيات قابلية لأن تصبح نماذج إنسانية تتجاوز الواقعة المفردة. الفتاة قد تكون لاجئة أو منفية أو ضحية قمع أو امرأة فقدت هويتها؛ والعجوز قد يكون ناجيًا أو أبًا يبحث عن ابنه؛ والصبي طفلًا تأخر عنه المطر والباب والأب والكتاب. لكن النوباني لا يحسم هذه الاحتمالات، وهذه نقطة مهمة. فهو يقدم قرائن ولا يقدم ملفات تعريف. ولذلك تبقى القصيدة مفتوحة على تجارب النزوح والحرب والقمع والاغتراب وضياع الهوية دون أن تتحول إلى بيان سياسي مباشر.

 

من تعدد الأصوات إلى الحكاية الجماعية

بنية القصيدة أقرب إلى المسرح الشعري منها إلى الغنائية التقليدية. الأصوات تتناوب:

"قال الصبي..."

"قال العجوز..."

"قلت لهم..."

"قال الشاب..."

"قالت الفتاة..."

"قال الشرطي..."

هذه الصيغة تجعل النص مجموعة شهادات. كل شخصية تصعد للحظة إلى منصة الكلام ثم تختفي، من غير أن تمتلك الحقيقة كاملة. وهذا التعدد الصوتي يمنع هيمنة "أنا" الشاعر على القصيدة. فالنوباني لا يقول لنا: هذا هو العالم كما أراه؛ بل يترك شخوصه تقدم نسخًا متعارضة ومكسورة منه. لذلك تتكرر عبارات مثل: وجدتني هنا،" إنها جملة محورية؛ لأن الشخصيات تصل إلى المكان دون أن تفهم تمامًا كيف وصلت إليه. وكأن الإنسان المعاصر يستيقظ داخل نتائج تاريخ لم يختر مقدماته.

 

المفارقة السوداء وكسر جلال المأساة

على الرغم من ثقل التجربة، لا تعتمد القصيدة نبرة رثائية واحدة. إنها تستخدم أحيانًا مفارقات حادة تقترب من العبث الأسود، كما في:

لم يكن داخل السور من أحد
سوى طفل قليل الحظ
وامرأة غبية

أو في وصف الوجه:

صلبٌ مثل حجر
صامتٌ مثل تابوت
صغيرٌ مثل قملة

إن الانتقال من "الحجر" و"التابوت" إلى "القملة" يكسر توقع القارئ. فبعد صورتين ثقيلتين ومهيبتين تأتي صورة صغيرة ومقززة، فتُسقط عن الشخصية أي مهابة محتملة. وهذا النوع من كسر النبرة من سمات الحساسية الحديثة في النص؛ فالمأساة لا تُقدَّم دائمًا في لغة عالية ونبيلة، بل قد يظهر العبث داخل أكثر اللحظات قسوة.

 

الخطيب والغربان: مأساة اللغة الجماهيرية

يبلغ النص في مقطعه الأخير مستوى سياسيًا ورمزيًا شديد الوضوح:

وقف الخطيب على المسرح الخشبي
ألقى كلامه ثقيلًا مثل مطرقة

الكلام هنا لا يضيء ولا يقنع؛ إنه يضرب. التشبيه بالمطرقة يحول الخطاب إلى فعل عنف. ثم:

لكن الخطيب ألهبته الحماسة
فأطلق الغربان من أقفاصها

وتعود الغربان التي ظهرت سابقًا، لكن عودتها هذه المرة مرتبطة بالخطيب والجمهور. بعد ذلك:" ورحنا نقعقع"، وهذه الـ"نا" شديدة الأهمية. فالقصيدة لا تقول "راحوا"، بل "رحنا". المتكلم داخل الجماعة وليس فوقها. وهكذا لا يدين النوباني خطيبًا منفردًا فقط؛ إنه يكشف قابلية الجماعة نفسها لأن تفقد صوتها وتتبنى صوت الغربان.

عند هذه النقطة تتكامل البنية الدائرية للنص. ما حدث للفرد في المقطع الثالث يحدث للجماعة في المقطع العاشر: نسيان الحروف، فقدان الصوت الإنساني، ثم التحول إلى نعيق.

 

الحداثة بوصفها بناءً لا مظهرًا

يمكن تحديد أبرز ملامح الحداثة في "باقة من حكايات التيه" في مجموعة عناصر مترابطة: تشظي السرد، تعدد الأصوات، تفكيك الزمن الخطي، انفتاح الرمز على أكثر من معنى، تداخل الشعري والسردي والمسرحي، الاعتماد على المفارقة والسريالية، تحويل الحروف والأصوات إلى عناصر بصرية وسمعية، وكسر الحدود بين الإنسان والطبيعة والأشياء. لكن الأهم من ذلك أن النوباني لا يستخدم هذه التقنيات منفصلة عن موضوع القصيدة. فالتشظي في البناء يقابل تشظي العالم، واضطراب الزمن يقابل اضطراب حياة الشخصيات، وتحطم اللغة يقابل تحطم الهوية، وتعدد الرواة يقابل استحالة وجود رواية واحدة مكتملة للكارثة.

وهنا تكمن القيمة الفنية الحقيقية للحداثة في النص: الشكل ليس ثوبًا حديثًا أُلبس لفكرة تقليدية، بل إن شكل القصيدة نفسه يحمل رؤيتها. "لقد تغير مجرى النهر"، هكذا في السطر قبل الأخير تقريبًا، تقدم القصيدة عبارتها الحاسمة: "لقد تغير مجرى النهر"، فبعد كل ما حدث، لا يمكن العودة إلى النقطة الأولى. العجوز الذي أراد السباحة كي يعود إلى ولده، والفتاة التي ذابت ذاكرتها في الماء، والشاب الذي وصل إلى النهر بعد انفجار الميدان، والمتكلم الذي سبح في "الفولاذ"؛ جميعهم يكتشفون في النهاية أن طريق العودة نفسه لم يعد موجودًا بالصورة القديمة.

ثم تأتي الخاتمة:

"ولننتظر عقارب الساعة"

وهي خاتمة لا تمنح خلاصًا. والغريب أننا نعود إلى الساعة بعد أن كانت عقاربها قد "لاذت بالفرار إلى هيكل آخر". لذلك يصبح الانتظار مفارقة قاسية: نحن ننتظر شيئًا سبق أن هرب. وهكذا تنتهي القصيدة كما بدأت: في المسافة. بدأت بـ"على بعد قافلة من الغربة"، وانتهت بانتظار عقارب لا نعرف إن كانت ستعود. وبين البداية والنهاية تتحول الوجوه، والأسماء، والأصوات، والمياه، والحروف، والأطفال، والذكريات، وحتى مجرى النهر.

إن "باقة من حكايات التيه" لعلي طه النوباني قصيدة عن الإنسان حين لا يعود قادرًا على الوثوق بالمكان أو الزمن أو اللغة أو حتى بوجهه في المرآة. غير أن أكثر ما يمنحها خصوصيتها أنها لا تروي هذا التيه بلغة مستقرة؛ إنها تجعل القارئ يدخل التيه نفسه: ينتقل بين الشهادات، يفقد الخيط، يعثر عليه، يسمع نعيق الغربان، يرى النهر فولاذًا ثم أخضر ثم مبتلًا بالأغاني، ويصل في النهاية إلى ساعة فقدت عقاربها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الحداثة عند النوباني في هذا النص بوصفها أكثر من خروج على الوزن أو بناء صور غير مألوفة. إنها حداثة في رؤية العالم: عالم لم تعد فيه الحكاية قادرة على أن تكون حكاية واحدة، ولا الهوية اسمًا ثابتًا، ولا الغد وعدًا مضمونًا، ولا النهر طريقًا أكيدًا للعودة، ولا اللغة حصنًا أخيرًا للإنسان. فالخطر الأكبر الذي ترصده القصيدة ليس أن تضيع القافلة في الطريق، بل أن تصل بعد طول التيه، ثم تكتشف أنها نسيت اللغة التي كانت ستقول بها إنها وصلت.

اقرأ قصيدة "باقة من حكابات التيه" على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق