اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

هل تستطيع السينما أن تصور الحرب من دون أن تحولها إلى فرجة؟

المصور السينمائي الحربي داميان بارر بجانب كاميرا سينمائية 35 ملم خلال الحرب العالمية الثانية عام 1942
داميان بارر مع كاميرا سينمائية 35 ملم عام 1942. تصبح الكاميرا في زمن الحرب شاهدًا على الحدث، لكنها تثير أيضًا سؤالًا أخلاقيًا: كيف نصور الألم من دون أن نحوله إلى فرجة؟ المصدر: Australian War Memorial، الصورة رقم 044860، ملكية عامة.
حين تصبح الكاميرا شاهدًا ومتهمًا في الوقت نفسه: بين ضرورة رؤية الحرب وخطر أن نتعلم الاستمتاع بمشاهدتها

هل تستطيع السينما أن ترينا الحرب من دون أن تجعلنا نستمتع، ولو للحظة، بما ينبغي أن يرعبنا؟ يبدو السؤال قاسيًا، لأننا اعتدنا أن نفصل بين فيلم يمجد الحرب وآخر يدينها، وبين الدعاية والعمل المناهض للعنف. لكن الصورة السينمائية أكثر تعقيدًا من هذا التقسيم. قد يقصد المخرج أن يكشف وحشية الحرب، ثم يكتشف أن المعركة التي صورها ببراعة أصبحت أكثر مشاهد فيلمه إثارة. وقد يريد أن يجعل الموت منفّرًا، فيجد الجمهور يتحدث عن جمال التصوير وقوة المؤثرات وروعة المونتاج.

هنا تبدأ المشكلة. فالسينما لا تنقل الحرب كما تنقل المرآة وجهًا يقف أمامها. إنها تختار مكان الكاميرا، وما يظهر داخل الإطار وما يبقى خارجه، ومدة اللقطة، واللحظة التي يأتي فيها القطع، والصوت الذي نسمعه، والموسيقى التي ترافق الموت أو تغيب عنه. وما إن تدخل الحرب إلى هذه الآلة حتى تصبح حدثًا منظمًا بصريًا، له إيقاع وبداية وذروة ونهاية.

وهذا التنظيم هو سر قوة السينما ومأزقها في آن واحد.

فالفن يحتاج إلى شكل كي يكون قابلًا للرؤية والفهم، لكن المعاناة الحقيقية لم تحدث لكي تؤدي وظيفة داخل حبكة. القتيل في الواقع لم يمت ليحرك قصة إلى الأمام، والمدينة لم تنهَر كي تمنح الفيلم مشهدًا لا ينسى، والطفل الخائف لم يوجد لكي يصنع لقطة مؤثرة. عندما يعيد الفن ترتيب هذه الوقائع، يدخل مباشرة في منطقة أخلاقية شديدة الحساسية: كيف يمنح الألم شكلًا من دون أن يستولي عليه؟ وكيف يجعلنا ننظر من دون أن يجعل النظر نفسه نوعًا من الاستهلاك؟


منذ أن وصلت الكاميرا إلى الجبهة بدأت المشكلة

هذه المعضلة ليست من اختراع السينما الحديثة. ففي عام 1916 خرج فيلم The Battle of the Somme إلى الجمهور البريطاني بينما كانت الحرب العالمية الأولى لا تزال مستعرة. كان واحدًا من أقدم الأفلام الطويلة التي جعلت المدنيين يرون الجبهة على الشاشة، وشاهده جمهور هائل بمقاييس ذلك الزمن. لم تعد الحرب خبرًا في صحيفة أو رسالة تصل من جندي؛ أصبحت أجسادًا تتحرك وخنادق ومدافع ومصابين يمكن رؤيتهم داخل قاعة مظلمة.

لكن حتى هذه الوثيقة المبكرة لم تكن نافذة صافية على الحقيقة. فبعض ما ظهر فيها صُوّر في الميدان فعلًا، بينما أعيد تمثيل بعض المشاهد أو صُنع بعيدًا عن الخطر المباشر. ومنذ هذه اللحظة المبكرة اجتمعت ثلاث وظائف ستظل تطارد سينما الحرب لاحقًا: التوثيق، والدعاية، والفرجة.

كان الجمهور يرى شيئًا حقيقيًا بالفعل، لكنه كان يراه بعد أن دخل آلة الاختيار والترتيب والعرض.

لهذا لا يكفي أن نسأل هل المشهد حقيقي أم مصطنع. السؤال الأهم هو: ماذا تفعل الصورة بالحقيقة حين تعرضها؟

وقد رأينا في مقالة أثر الحروب الكبرى في الأدب والسينما أن الحرب لم تغير موضوعات الفن فقط، بل غيرت كذلك الطريقة التي يروي بها الإنسان العالم. وهذا التحول يصبح أكثر وضوحًا في السينما، لأن الصورة لا تكتفي بوصف الدمار، بل تمنحه حضورًا حسيًا أمام العين.

الواقعية ليست ضمانة أخلاقية

كثيرًا ما يوصف فيلم حرب بأنه عظيم لأنه "واقعي". لكن ماذا نعني بالواقعية هنا؟ هل تعني كثرة الدم؟ اهتزاز الكاميرا؟ ارتفاع صوت الرصاص؟ رؤية الأطراف المبتورة؟ غياب الموسيقى؟ أم شعور المشاهد بأنه داخل المعركة؟

كل هذه الوسائل قد تجعل الفيلم أقرب إلى تجربة جسدية شديدة القوة، لكنها لا تضمن أن يكون أكثر فهمًا للحرب.

يقدم افتتاح Saving Private Ryan مثالًا شهيرًا. عندما صوّر ستيفن سبيلبرغ إنزال أوماها في نورماندي، استخدم حركة كاميرا عصبية، وألوانًا باهتة، وصوتًا يكاد يهاجم الجسد، ومونتاجًا لا يمنح المشاهد مكانًا آمنًا يتأمل منه المعركة. الجنود يسقطون قبل أن نعرف أسماءهم، والجسد يتفكك وسط الفوضى، والاتجاهات تضيع.

من الصعب وصف المشهد بأنه تمجيد تقليدي للحرب. البطولة فيه مرتبكة، والموت مفاجئ وقذر، والخوف حاضر في الوجوه. ومع ذلك يظل المشهد واحدًا من أكثر مشاهد الحرب إثارة في تاريخ السينما الحديثة.

وهنا تظهر المفارقة: كلما أتقنت السينما محاكاة الفوضى، ازداد إعجابنا بقدرتها على صناعتها.

نقول إن التصوير مذهل، وإن تصميم الصوت عبقري، وإن المونتاج لا يرحم. وهذه أحكام صحيحة من الناحية الفنية، لكنها تكشف في الوقت نفسه المسافة الغريبة بيننا وبين من يموت داخل الصورة. نحن نختبر الخوف ثم نخرج من القاعة. نستطيع إعادة المشهد، أو إيقافه، أو مشاهدته مرة أخرى بحثًا عن تفاصيل فاتتنا. ما كان بالنسبة إلى الشخص الحقيقي لحظة لا رجعة منها يصبح بالنسبة إلينا مادة قابلة للتكرار.

لا يعني ذلك أن تصوير العنف خطأ في ذاته. إخفاء الحرب تمامًا قد يخدم الأكاذيب التي تجعلها نظيفة ومجردة من الأجساد. لكن إظهار كل شيء لا يساوي بالضرورة قول الحقيقة كاملة.

فثمة فرق بين أن يرى المشاهد جسدًا جريحًا ليعرف ما تفعله الحرب بالإنسان، وبين أن يصبح الجسد نفسه عنصرًا في هندسة الإثارة.

متى تتحول الضحية إلى مادة بصرية؟

أصعب سؤال في تمثيل الحرب لا يتعلق بالجندي الذي يطلق النار، بل بالإنسان الذي لا يستطيع الدفاع عن صورته بعد موته.

هل يحق للفيلم أن يعرض الجثة؟ هل يمنح رؤيتها الضحية حضورًا يمنع إنكار ما حدث، أم يحولها إلى شيء تنظر إليه ملايين العيون؟ وهل تختلف الإجابة إذا كانت الصورة وثيقة تاريخية حقيقية عن كونها إعادة تمثيل يؤديها ممثل؟

لا توجد قاعدة واحدة تصلح لكل الحالات.

في جرائم الإبادة والمجازر، قد تصبح الصور دليلًا ضروريًا ضد الإنكار. لكن الصورة نفسها قد تفقد، بسبب كثرة التكرار، قدرتها على الشهادة. الجسد الذي ظهر أول مرة بوصفه إنسانًا قُتل قد يتحول مع الزمن إلى "صورة شهيرة"، ثم إلى خلفية في فيلم وثائقي، ثم إلى رمز بصري مألوف.

وحين تبلغ الصورة هذه المرحلة، يظهر خطر آخر: أن نعرف شكل الفظاعة أكثر مما نعرف أصحابها.

نعرف كومة الجثث ولا نعرف الأسماء. نتذكر الأنقاض ولا نتذكر الحياة التي كانت داخل البيوت. تحفظ الذاكرة شكل الموت، بينما تختفي منه تفاصيل من كانوا أحياء قبل أن يصبحوا ضحايا.

من هنا نفهم لماذا اختار كلود لانزمان في فيلمه الوثائقي الطويل Shoah طريقًا مختلفًا جذريًا في تمثيل إبادة يهود أوروبا. لم يبن فيلمه على استعراض متتابع للصور الأرشيفية المعروفة للجثث والمعسكرات. أعاد الكاميرا إلى الأماكن بعد سنوات، واستمع إلى الناجين والشهود وبعض المشاركين في آلة القتل، وجعل الذاكرة والكلام والصمت وملامح الوجه أدواته الأساسية.

لم يكن الغياب عند لانزمان نقصًا في المادة البصرية، بل موقفًا من التمثيل نفسه. هناك أشياء لا تصبح أكثر صدقًا بمجرد إعادة بنائها أمام الكاميرا.

هذا الاختيار لا يلغي قيمة الوثائق الأرشيفية، كما أن أعمالًا أخرى سلكت طريقًا مختلفًا تمامًا وحققت أثرًا كبيرًا. لكنه يذكرنا بأن السينما تستطيع أحيانًا أن تقول "لا أملك صورة تكفي لما حدث"، وأن هذا الاعتراف قد يكون أكثر نزاهة من اختراع صورة تمنح المتفرج وهم أنه رأى الحقيقة كلها.

حين يصبح عدم الإظهار شكلًا من أشكال الرؤية

الأدب يعرف هذه المسافة منذ زمن طويل.

الكلمة لا تقدم الجسد إلى العين بالطريقة نفسها التي تفعلها الكاميرا. الكاتب يستطيع أن يقترب ثم يتوقف، وأن يترك فراغًا، وأن يقطع الجملة، وأن يجعل الصمت نفسه جزءًا من الشهادة. ولهذا نجد في كثير من أدب الحروب والناجين لغة لا تحاول منافسة الرعب بمزيد من البلاغة، بل تبحث عن صيغة تحتمل أن تقوله من غير أن تدعي امتلاكه.

في شهادات الناجين من المعسكرات، وفي أدب الخنادق، وفي الروايات التي خرجت من المدن المحاصرة، كثيرًا ما تصبح التفاصيل الصغيرة أكثر قسوة من الوصف الشامل. حذاء بلا صاحبه، وجبة ناقصة، رسالة لم تصل، سرير فارغ، كوب بقي على الطاولة. لا يحتاج الكاتب دائمًا إلى بناء مشهد هائل؛ أحيانًا يكفي أن يعيد إلى الضحية شيئًا من حياتها اليومية حتى نفهم مقدار ما سُلب منها.

وتظهر الفكرة نفسها في شعرية الحرب وتفكيك الخراب عند عبد المنعم المحجوب، حيث لا تأتي قوة صور الحرب من تعداد القتلى أو وصف المعارك، بل من اضطراب العالم نفسه: طفل لا يستطيع النوم، أطراف صناعية ترتعش، مدينة تعلن عافيتها بينما تخرج الأصوات من الحطام.

الأدب في هذه الحالة لا يحجب الحرب، لكنه يرفض أن يمنح القارئ موقع المتفرج الآمن الذي يستهلك مشهدًا مكتملًا ثم ينتقل إلى الصفحة التالية.

ليس السؤال ماذا نرى فقط، بل من أين نرى

في السينما، موضع الكاميرا موقف أخلاقي حتى عندما لا يعلن الفيلم ذلك.

إذا وضعت الكاميرا خلف الجندي الذي يقتحم بيتًا، سنختبر الخوف معه. وإذا وضعتها داخل البيت قبل دخوله، سنعيش الرعب مع من ينتظرون وراء الباب. الحدث العسكري نفسه يمكن أن يتحول إلى قصتين مختلفتين جذريًا من خلال بضعة أمتار تفصل بين موضعين للكاميرا.

ولهذا لا توجد كاميرا محايدة بالمعنى البسيط.

فيلم The Battle of Algiers لجيلو بونتيكورفو مثال لافت. صُوّر بالأبيض والأسود وبأسلوب يستحضر نشرات الأخبار والتصوير الوثائقي إلى درجة أن بعض المشاهد يمكن أن تبدو لأول وهلة مادة أرشيفية حقيقية، مع أنها إعادة بناء سينمائي للأحداث.

تكمن قوته في أنه لا يصنع الحرب من موقع بعيد ومريح. ندخل القصبة، ونمر بنقاط التفتيش، ونرى القنابل توضع في أماكن مدنية، ونرى الاعتقال والتعذيب والقمع. لكن الفيلم، رغم واقعيته البصرية، يظل بناءً فنيًا: هناك اختيار وترتيب وإيقاع وموسيقى ووجوه ووجهة نظر.

وهذا لا ينقص من قيمته. على العكس، يكشف حقيقة مهمة: الواقعية السينمائية ليست غياب الفنifice، بل استخدام الحيلة الفنية لإقناعنا بأننا قريبون من الحدث.

المشكلة تبدأ فقط عندما ننسى ذلك.

الصوت يمكن أن يحول الموت إلى بطولة

لو شاهدنا المشهد نفسه مرتين، مرة مع موسيقى أوركسترالية صاعدة ومرة بلا موسيقى، لن نشاهد الحرب نفسها نفسيًا.

الموسيقى تستطيع أن تمنح موت الجندي معنى التضحية، وأن تجعل الهجوم العسكري لحظة صعود عاطفي، وأن تحول الخسارة إلى بطولة. وقد تفعل ذلك حتى عندما تكون الصورة نفسها قاسية.

لهذا ينبغي ألا نبحث عن تمجيد الحرب في الحوار وحده. قد يقول الفيلم إن الحرب جحيم، بينما تقول موسيقاه إن القتال مهيب. وقد تظهر الشخصية محطمة نفسيًا، فيما تمنح الكاميرا أسلحتها وهجومها جمالًا بصريًا لا يقاوم.

هذا التناقض ليس نادرًا.

فالسينما فن الحركة أصلًا، والحرب تمنحها مادة مثالية للحركة: طائرات ودبابات ومطاردات وانفجارات وكتل بشرية تتقدم وتتراجع. كما تمنحها أقصى درجات التضاد الدرامي: الحياة والموت، الخوف والشجاعة، الفرد والجماعة، النجاة والتضحية.

وبسبب هذه الخصائص، تستطيع السينما أن تنتقد الحرب على مستوى الحكاية وتستمتع بها على مستوى الصورة.

وهذا هو أحد أعمق أفخاخ فيلم الحرب.

هل الفيلم المناهض للحرب قادر فعلًا على الإفلات من هذا الفخ؟

كثير من الأفلام التي نصفها بأنها مناهضة للحرب تحتوي على مشاهد شديدة القوة والجمال البصري. السؤال ليس هل ينبغي منع هذا الجمال، فالفن لا يصبح أكثر أخلاقية لمجرد أن يصبح رديئًا. السؤال هو: إلى أين يقودنا الجمال؟

في فيلم Come and See لإليم كليموف، لا تبدو الحرب رحلة ينضج فيها الفتى أو يعود منها بطلًا. يدخل الصبي فلوريا التجربة متحمسًا، ثم تتغير ملامحه ونظرته وعلاقته بالصوت والزمن حتى تبدو الحرب وكأنها مرّت فوق وجهه نفسه.

الفيلم شديد القوة البصرية، لكنه يستخدم هذه القوة ضد راحة المشاهد. الكاميرا تقترب من الوجوه أكثر مما تقترب من البطولة، والصوت يختل حين يختل إدراك الشخصية، والمشهد لا يمنحنا دائمًا الإيقاع الذي يسمح بالاستمتاع بالمعركة بوصفها لعبة مهارة.

ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا حتى هنا. فالمشهد الصادم قد يصبح مشهورًا بسبب صدمته. والمخرج الذي يريد تدمير متعة مشاهدة الحرب يستخدم، لكي يفعل ذلك، أدوات سينمائية مبهرة.

لا يوجد إذن طريق فني نظيف تمامًا.

لكن يمكن التمييز بين فيلم يجعل المشاهد يتساءل عن الثمن الإنساني لما يراه، وفيلم يسمح له بأن يخرج من المعركة حاملًا نشوة القوة وحدها.

المشكلة ليست في الجمال بل في نسيان الإنسان

من السهل القول إن تصوير الحرب بطريقة جميلة أمر غير أخلاقي. لكن المسألة أكثر تعقيدًا.

فالخراب نفسه قد ينتج صورًا ذات تكوين بصري مذهل: سماء مملوءة بالدخان، مبنى مفتوح على الضوء بعد انهيار جدار، مدينة صامتة تحت الثلج، شخص وحيد وسط مساحة مدمرة. لا تستطيع العين أن تلغي التكوين لمجرد أن موضوعه مأساوي.

الخطر ليس في أن تكون الصورة قوية أو جميلة، بل في أن ينفصل جمالها عن معنى ما حدث للبشر داخلها.

عندما تتحول المدينة المدمرة إلى خلفية رائعة، تبدأ الضحية بالاختفاء. وعندما يصبح الانفجار هو البطل البصري للمشهد، نكاد ننسى أن وظيفة الانفجار الحقيقية ليست إنتاج الضوء والدخان بل تمزيق الأشياء والأجساد.

ولهذا كان انتقال أدب الحرب الحديث من الجنرال إلى الجندي، ثم من الجندي إلى المدني والطفل والناجي، تحولًا مهمًا في طريقة فهم الكارثة. لم يعد التاريخ مجموعة خرائط وأسهم تتحرك عليها الجيوش فقط. صار أيضًا بيتًا فقد سقفه، وطفلًا فقد مدرسته، وامرأة تنتظر شخصًا لن يعود، وجنديًا نجا بجسده ولم ينج تمامًا بذاكرته.

ومن هنا أيضًا اكتسب شعر محمود درويش أهميته حين رفض اختزال الإنسان في صورة واحدة. ففي تجربة محمود درويش بين الوطن والمنفى والذاكرة لا يبقى الفلسطيني مقاتلًا أو ضحية مجردة، بل يعود إنسانًا يحب ويشرب القهوة ويتذكر البيت ويخاف الموت. وهذه العودة إلى الحياة العادية ليست خروجًا من التاريخ، بل مقاومة للطريقة التي تحوّل بها الحروب البشر إلى رموز.

الوثائقي ليس بريئًا لمجرد أن مادته حقيقية

نميل أحيانًا إلى منح الفيلم الوثائقي ثقة أخلاقية لا نمنحها للفيلم الروائي. نقول إن هذه ليست تمثيلًا، بل وقائع حقيقية.

لكن الحقيقة المصورة تحتاج هي الأخرى إلى السؤال.

من صور هذه المادة؟ ولأي غرض؟ ومن اختارها لاحقًا؟ ماذا كان خارج الإطار؟ هل صوّرها الضحية أم الجندي أم سلطة الاحتلال أم الصحفي أم المحرر الذي دخل بعد انتهاء القتال؟

حتى اللقطة الأرشيفية الصحيحة تاريخيًا لا تحمل معناها كاملًا داخلها.

قد تكون صورة التقطها الجاني، ثم يستخدمها فيلم لاحق لإدانته. وقد تكون لقطة دعاية صُنعت أصلًا لرفع المعنويات، ثم تصبح بعد عقود وثيقة تكشف طريقة صناعة الدعاية نفسها.

ولهذا ينبغي التعامل مع الأرشيف لا بوصفه حقيقة صامتة، بل بوصفه أثرًا له منتج وزمان وغاية.

الكاميرا لم تكن يومًا خارج التاريخ.

وماذا عن الصور التي لا نملكها؟

ثمة وهم حديث يقول إن ما لم تصوره الكاميرا يكاد لا يكون موجودًا. لكن معظم آلام البشر عبر التاريخ لم تترك صورًا متحركة.

هناك غرف لم تدخلها كاميرا، وقرى محيت قبل وصول المصور، وأشخاص ماتوا من دون صورة أخيرة، وتجارب داخلية لا تستطيع العدسة تسجيلها أصلًا.

هنا يستعيد الأدب مكانته إلى جوار السينما.

السينما تستطيع أن ترينا وجه الإنسان. الأدب يستطيع أن يدخل إلى المسافة بين ذلك الوجه وما يعجز صاحبه عن قوله. السينما تحفظ الحركة والصوت والمكان؛ أما الذاكرة المكتوبة فتستطيع أن تحفظ التردد والكوابيس والروائح والأفكار التي تأتي بعد عشرين سنة من الحادثة.

ولهذا لا ينبغي وضع الأدب والسينما في منافسة على من يمثل الحرب بصورة "أصدق". لكل منهما عماه الخاص وقدرته الخاصة.

الكاميرا ترى كثيرًا، لكنها لا ترى كل شيء. واللغة تستطيع وصف ما لا صورة له، لكنها لا تستطيع أن تعيد الجسد المفقود إلى الحضور.

الفرجة تبدأ عندما نتوقف عن السؤال

ربما لا تكمن الفرجة في وجود الانفجار أو الدم أو المؤثرات البصرية. قد يكون مشهد شديد العنف أقل استعراضية من مشهد نظيف يمنح الحرب معنى بطوليًا مريحًا.

الفرجة تبدأ عندما يصبح الموت مكتفيًا بصورته.

حين لا نسأل من مات. ولا ماذا كان يفعل قبل الحرب. ولا من قرر أن يخوضها. ولا ماذا يحدث للناجين بعد انتهاء الموسيقى. ولا أين يذهب المدنيون الذين مروا في خلفية المشهد لثوان.

وتصبح الحرب فرجة كذلك عندما ينتهي الفيلم بانتهاء المعركة، كأن السلام يعود بمجرد إسكات البنادق.

لكن الحروب لا تنتهي بهذه السهولة.

تبقى في الأطراف المفقودة، وفي البيوت الخالية، وفي اللغة، وفي أسماء الشوارع، وفي أحلام الناجين، وفي صمت الآباء، وفي أطفال يتعلمون حكاية الحرب ممن عاشوها أو ممن ورثوا خوفها.

الفيلم الذي يريد مقاومة الفرجة لا يحتاج بالضرورة إلى حذف المعركة. لكنه يحتاج إلى ألا يجعل المعركة العالم كله.

المشاهد أيضًا مسؤول عن الصورة

من السهل وضع المسؤولية كلها على المخرج، لكن المشاهد ليس بريئًا تمامًا من اقتصاد الفرجة.

نحن الذين نعيد المقاطع. نحن الذين نصنع قوائم "أعظم معارك السينما". ونحن الذين قد نبحث عن فيلم حرب لأننا نريد ساعتين من الإثارة، حتى لو كنا نعرف أنه يحمل خطابًا مناهضًا للحرب.

وهنا تكشف السينما شيئًا غير مريح عن علاقتنا بالعنف: نستطيع أن نرفض الحرب أخلاقيًا وأن ننجذب إلى صورتها جماليًا في الوقت نفسه.

لا يعني ذلك أن من يشاهد فيلم حرب يريد حربًا حقيقية. الفارق بين الخيال والحياة واضح. لكن معرفة هذا التناقض تجعل علاقتنا بالفن أكثر وعيًا.

فقد تكون الخطوة الأخلاقية الأولى هي أن نسأل أنفسنا بعد المشهد المذهل: ما الذي أعجبني فيه بالضبط؟ هل أعجبتني براعة الفن الذي كشف الرعب، أم أن الرعب نفسه أصبح جزءًا من المتعة؟

هل يمكن إذن تصوير الحرب من دون تحويلها إلى فرجة؟

ربما تكون الإجابة الأكثر دقة: لا تستطيع السينما أن تضمن ذلك بالكامل.

منذ اللحظة التي توضع فيها الحرب داخل إطار وتعرض أمام جمهور، يدخل عنصر الفرجة بدرجة ما. هناك شخص يرى وشخص يُرى، وهناك شاشة ومسافة وزمن يمكن التحكم فيه.

لكن وجود هذا الخطر لا يجعل كل تمثيل للحرب متساويًا.

هناك فرق بين كاميرا تبحث عن أفضل زاوية للانفجار وكاميرا تبحث عن أثر الانفجار في وجه من بقي حيًا. وبين مونتاج يجعل القتل ذروة ممتعة ومونتاج يتركنا أمام عواقبه. وبين موسيقى تحول الموت إلى نشيد ومشهد يرفض أن يمنحنا عزاءً سهلًا. وبين فيلم يجعل الضحية جسدًا عابرًا وفيلم يعيد إليها اسمًا وذاكرة وحياة كانت موجودة قبل لحظة الموت.

وقد لا تكون السينما الأخلاقية هي السينما التي تمنعنا من النظر، بل التي تجعل النظر نفسه فعلًا غير مريح.

تسمح لنا بأن نرى، لكنها لا تسمح لنا بأن ننسى بسهولة أننا ننظر إلى محاكاة لألم وقع لأناس حقيقيين، أو يمكن أن يقع لأناس حقيقيين.

هنا تختلف الشهادة عن الفرجة.

الشهادة تقول: انظر لأن عليك أن تعرف.

أما الفرجة فتقول: انظر لأن المشهد رائع.

وبين الجملتين مساحة ضيقة تتحرك فيها سينما الحرب كلها.

حين تخرج الكاميرا من المعركة

ربما يكون الاختبار الحقيقي لأي فيلم عن الحرب هو ما يبقى بعد أن يصمت الرصاص.

هل يستطيع أن يرى الإنسان خارج وظيفة الجندي والضحية والعدو؟ هل يعيد إلى الشخص اسمه وعاداته وعلاقاته وحقه في حياة عادية؟ هل يفهم أن الخراب ليس شكلًا هندسيًا جميلًا، بل انقطاع شبكة كاملة من الذكريات والروابط؟

الحرب لا تغير الحدود فقط. إنها تغير اللغة التي يتحدث بها الناجون، والطريقة التي يروون بها طفولتهم، وصورة الأب والبطولة والوطن والعدو، ومعنى البيت والعودة، وحتى القدرة على الثقة بالذاكرة.

ولهذا تصبح أعظم أعمال الحرب، أدبًا وسينما، أقل اهتمامًا أحيانًا بالسؤال: من ربح المعركة؟ وأكثر اهتمامًا بالسؤال: ماذا فعلت المعركة بالإنسان؟

الصورة وحدها لا تستطيع الإجابة. والكلمة وحدها لا تستطيع ذلك أيضًا. لكن كليهما قادر على مقاومة إحدى أخطر نتائج الحرب: أن يتحول الإنسان إلى رقم، أو جثة، أو رمز، أو لقطة عابرة في قصة يكتبها الآخرون.

داميان بارر، الذي يظهر في الصورة أعلى المقالة واقفًا إلى جوار كاميرته سنة 1942، قُتل بعد ذلك بعامين أثناء تصوير عمليات على الخطوط الأمامية في بيليليو. تختصر صورته شيئًا من المفارقة التي لازمت السينما منذ دخلت الحرب: يحتاج العالم إلى شخص يحمل الكاميرا كي يبقى شيء من الحدث شاهدًا بعد انتهائه، لكن وجود الكاميرا نفسه يفتح سؤالًا لن ينتهي.

كيف نصور الموت من دون أن نملكه؟ كيف نحفظ ذاكرة الضحايا من دون أن نستهلك صورهم؟ وكيف نجعل الإنسان ينظر إلى الحرب طويلًا بما يكفي ليفهمها، من دون أن يتعلم الاستمتاع بمنظرها؟

إذا خرجت من فيلم حرب وأنت تتذكر جمال المعركة أكثر مما تتذكر البشر الذين حطمتهم، فهل نجح الفيلم في إدانة الحرب، أم أن الحرب انتصرت مرة أخرى داخل الصورة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق