اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعر اليمني محمد حسين هيثم: شعرية المجاز والمفارقة والقلق

 

بورتريه عمودي بالألوان المائية للشاعر اليمني محمد حسين هيثم، بخلفية رمزية تجمع البحر والبرق وظلّ الذئب وإيحاءات من العمارة اليمنية، في أجواء شاعرية قاتمة.

القصيدة على حافة الذئب

بقلم: الورّاق الجزائري

لا تدخل قصيدة محمد حسين هيثم إلى العالم من أبوابه المعتادة، ولا تكتفي بأن تصفه أو تسجل موقفًا منه؛ إنها تعيد تركيبه وفق منطقها الخاص، فتضع الأشياء في علاقات لم تكن متوقعة، وتجعل الماء قابلًا للجرح، والصمت قابلًا للاكتهال، والموسيقى غابة دلافين، والبحر تابوتًا، والرصاصة كائنًا يعبر الشارع ليهمس إلى ضحيته. هكذا تتأسس شعرية هيثم على زحزحة المألوف، لا طلبًا للغرابة في ذاتها، بل لأن الواقع الذي يواجهه الشاعر لم يعد قابلًا للتعبير بلغة مستقرة أو صور مطمئنة.

ينتمي محمد حسين هيثم إلى جيل السبعينيات في الشعر اليمني، وقد عُرف بوصفه أحد أبرز كتّاب قصيدة التفعيلة في اليمن، مع اقتراب واضح من فضاءات قصيدة النثر. ولد في عدن عام 1958 ورحل عام 2007، تاركًا دواوين من أبرزها "الحصان"، و"اكتمالات سين"، و"مائدة مثقلة بالنسيان"، و"رجل ذو قبعة ووحيد"، و"استدراكات الحفلة"، و"على بعد ذئب". لكن أهميته لا تُختزل في موقعه الجيلي ولا في الشكل العروضي الذي اختاره؛ فهي تكمن أساسًا في قدرته على بناء لغة شعرية ذات حساسية خاصة، تجمع بين القلق الوجودي والوعي السياسي، وبين السخرية المرة وكثافة المخيلة، وبين الذاكرة اليمنية والانفتاح على أمكنة العالم.

 

القصيدة بوصفها مجازفة

يقدّم هيثم في قصيدة "على بعد ذئب" تصورًا ضمنيًا للشعر، حين يقول:

"كلنا عابرٌ في القصيدة
لكننا لا نقيم بها،
ونقيم القيامات فيها"

لا تبدو القصيدة هنا بيتًا للإقامة، بل ممرًا محفوفًا بالخطر. يعبرها الشاعر، لكنه يترك داخلها قياماته وأسئلته وخساراته. وهذا التناقض بين العبور وإقامة القيامة يكشف طبيعة التجربة عند هيثم: القصيدة لحظة مؤقتة من حيث الكتابة، لكنها تستوعب مصيرًا كاملًا من حيث الدلالة.

إنه لا ينظر إلى الشعر باعتباره تعبيرًا عن معنى موجود سلفًا؛ فالقصيدة عنده هي التي تصنع معناها أثناء حركتها. لذلك يسأل:

"كيف تقودُ القصيدةُ هذا الذي لا يُقادُ
وكيف تسوس قطيعَ البداهةِ
كيف تروِّض جيشَ الحذاقةِ"

في هذه الأسئلة تنقلب العلاقة المعتادة بين الشاعر والقصيدة. ليس الشاعر سيد النص الذي يتحكم في مساره، بل تصبح القصيدة قوة مستقلة تقود ما لا يُقاد، وتروّض البداهة والحذاقة معًا. الشعر ليس تنفيذًا لخطة ذهنية، وإنما مغامرة تظل نتائجها مفتوحة. ومن هنا تتسم نصوص هيثم بالتوتر بين القصد والانفلات. تبدو الصورة محسوبة من جهة، لكنها تحتفظ بشيء من المفاجأة الجامحة من جهة أخرى. وحين يقول:

"أنَّ كمائن أعشابها قطرةٌ من مجازٍ
وأنَّ السياسةَ بيتُ القصيدْ"

فهو يضع المجاز والسياسة في قلب تعريفه للقصيدة. غير أن السياسة لا تظهر لديه خطابًا مباشرًا أو شعارًا جاهزًا؛ إنها تتخفى في الأعشاب والذئاب والمشانق والغزاة والمخبرين، وتدخل في بنية الصورة نفسها.


 

بورتريه مائي للشاعر اليمني محمد حسين هيثم، يتوسط خلفية شاعرية مضاءة بضوء الصباح، وإلى جانبه مقطع من قصيدته "فواتير" عن تسديد ديون الحياة.

مخيلة لا تصف الأشياء بل تغيّر خصائصها

الصورة الشعرية هي المركز الأشد سطوعًا في تجربة هيثم. لكنه لا يبنيها غالبًا على التشبيه الذي يحتفظ لكل طرف بحدوده، بل على مزج الأشياء وتحويل صفاتها. ففي قصيدة "البحر الميت" يقول:

"وثمّة بحرٌ
تابوتٌ
غيمٌ حجريٌّ
أرقٌ من أصدافْ"

لا يرسم الشاعر منظرًا للبحر بقدر ما يجرّده من طبيعته. يتحول البحر إلى تابوت، والغيم إلى مادة حجرية، ثم تصبح هذه الكتلة المتحجرة أرقَّ من الأصداف. تعمل الصورة هنا بالتناقض: السيولة تتحجر، والفضاء ينغلق، والثقل يصير رقة. وهذا الاضطراب في صفات الأشياء يعكس اضطرابًا أعمق في علاقة الذات بالعالم. ويمضي النص في نفي البحر نفسه:

"لا ماء هنا
لا ماء هناك"

ليغدو البحر حضورًا اسميًا وغيابًا ماديًا. وحين "تقترح" الذات عناصر البحر، يرد الواقع بإفساد الاقتراح:

"أقترح البحر الصلدَ
فيجرحني الماءُ
أقترح الأمواجَ
فأقفز في الملح السائب"

لم يعد الماء مادة للحياة، بل أصبح قادرًا على الجرح. ولم تعد الأمواج حركة، بل صار الملح فضاءً يسقط فيه الإنسان. والصورة لا تزيّن المعنى، وإنما تنتج إحساس العطش واليباس والخذلان. ويتكرر هذا التحويل في "حلبة رقص":

"الموسيقى غابة دلافين
الموسيقى أصابع تنعس
الموسيقى سلوفان اللحظات كلها
الموسيقى سيقان تتداخل وتشتبك بالضوء
الموسيقى وتد في السحابة"

تتحول الموسيقى من مسموع إلى مرئي وملموس: غابة، وأصابع، وسيقان، ووتد. وهذا التراسل بين الحواس يمنح الصورة حركتها؛ فالصوت لا يُسمع فقط، بل يسبح وينعس ويشتبك ويثبّت السحابة. لا يبحث هيثم عن مقابل منطقي للموسيقى، وإنما يستدعي سلسلة من الاحتمالات الحسية التي توسع أثرها.

وفي قصيدة "رومانس" يكفي فعل واحد لإحداث المفاجأة:

"حين ترفع كوب الشاي
ينزل المطر سرواله
ويتقافز مشتعلاً
على الرصيف؟"

يهبط المطر من صورته الرومانسية التقليدية إلى مشهد جسدي مشاكس، ثم يجتمع الماء والاشتعال في حركة واحدة. هيثم لا ينكر الرومانسية، لكنه يخلخل وقارها، ويدخل إليها عبر المفارقة واللعب والصورة الصادمة.

 

الحركة السينمائية وبناء المشهد

كثير من صور هيثم لا تستقر في هيئة لوحة ساكنة؛ إنها تتحرك كما لو كانت مشاهد سينمائية متعاقبة. الأفعال عنده تؤدي دور العدسة: تقترب، وتبتعد، وتتبع الشخصيات، وتنقل المشهد من زاوية إلى أخرى. ويظهر ذلك بوضوح في "صيد النبيذ"، حيث تتوزع القصيدة على مقاطع قصيرة تتكرر في بداياتها عبارة "كل صباح". نرى أشخاصًا يخرجون من الغابة، وباصًا مدرسيًا يتعثر بظلالهم، وضحكة تندلق على العصافير، وأحصنة لا تعدو أن تكون اقتراحًا، ثم سبعة ملوك من سبأ يذهبون إلى صيد النبيذ.

لا يسرد النص حكاية مكتملة، بل يقدم لقطات يربط بينها الإيقاع البصري والتكرار الزمني. وبدل أن يقول إن الصباح مضبب أو زائف، يكتب:

"كل صباح
يصدقون هذا المضبّب
ويسمونه صباحاً"

الصباح نفسه يصبح ادعاءً يتواطأ الناس على تصديقه. وبذلك تنشأ المفارقة من الفجوة بين الاسم وحقيقة الشيء، بين ما يسمونه صباحًا وما يشعر به النص من غموضه واغترابه. وتبلغ الحركة درجة عالية من النقاء في قصيدة "برق" حيث يسقط البرق قرب أعشاب الطفولة كأنه طائر جريح، فيتحلق الأطفال حوله:

"كان غريباً مشجوجاً
تتفلّتُ قطرتُهُ الضوئيةُ من بين أصابعنا
لكنا بالأمطار
وبالقلب
رَتَقناهْ"

ثم يقومون بترميم "ريش النار" على جناحيه ويطلقونه. يبدأ المشهد بالسقوط، ثم التجمع، فالعلاج، فالتحليق. لكن البرق يترك أثره في الأطفال:

"من لحظتها
لم نكبر
ترك البرقُ القطرةَ فوق أصابعنا
وتركنا نتواثب خلف رؤاهْ"

تبدو الطفولة هنا حالة رؤية، لا مرحلة عمرية. فمن يلمس البرق ويشارك في علاجه يظل أسير دهشته. والصورة، على غرابتها، واضحة البناء: حكاية صغيرة تستخرج من الظاهرة الطبيعية معنى الإلهام والبراءة والرغبة في استعادة ما هو منكسِر.

 

بورتريه مائي للشاعر اليمني محمد حسين هيثم أمام بحر مضطرب وسماء يضيئها البرق، وإلى جانبه مقطع شعري يتأمل الموت بمرارة ومفارقة.

إعادة كتابة الموروث

يحضر الموروث الديني والأسطوري في شعر هيثم حضورًا كثيفًا، لكنه لا يأتي بوصفه زينة ثقافية أو إحالة جاهزة؛ إنه يدخل الحكاية القديمة، ويغيّر مواقع شخصياتها، ويجعلها قادرة على استيعاب قلق الحاضر. ففي قصيدة "الجن" يستدعي سليمان وبلقيس والهدهد والجن وسبأ والصرح الزجاجي، غير أن المتكلم لا يتقمص سليمان المنتصر الذي يسخر الجن ويحكم المملكة؛ إنه "سليمان قرى نمل" يحمل قلقه ويقع تحت سطوة الجن:

"وأنا سليمانُ فمن يأوي ظلالي
كم حبسني الجنُّ
في نرجسك الذهبيِّ
يا بلقيسُ"

إن سليمان هنا محتاج إلى من يؤوي ظلاله، والملك منهك من عبء ملوكيته:

"وأنا سليمانُ
وبي تعب الملوك من القيامة"

تنتقل الحكاية من استعراض القدرة إلى الاعتراف بالتعب، ومن امتلاك المعجزة إلى الوقوع في أسرها. حتى بلقيس لا تظل ملكة تاريخية، بل تصبح امرأة وبلادًا وفتنة وذاكرة:

"فأراك في قلبي بلادي
وكل تاجي"

بهذا الاندماج تصبح المرأة وطنًا، ويصبح العشق استعادة لسبأ، لكن سبأ نفسها تظهر في صيغة موجعة: "سبأ السبايا". إن استدعاء الماضي لا يعيد المجد بصورة احتفالية؛ فالمجد القديم يمر عبر مرآة الحاضر المكسور.

وفي قصيدة "زليخا" يمزج النص بين زليخا ويوسف وموسى وبيئة جلعاد والرعاة، لكنه يسحب القداسة المتوقعة من الشخصية:

"لم تكن نبية تحت أي ظرف
ليست عرافة من أية ماركة
ولا شاعرة من أي نوع
كانت راعية كنعانية"

تكشف عبارة "من أية ماركة" عن جرأة في كسر النبرة الموروثة. تدخل لغة الحياة اليومية إلى المجال الأسطوري فتزعزع رسميته، قبل أن تنتهي القصيدة بالسؤال الساخر:

"بانتظار يوسف ما؟!"

لا ينتظر النص يوسف المعروف، بل يبحث عن يوسف آخر لم تتحدد هويته. وهكذا يتحول التناص من استعادة القصة إلى مساءلتها.

أما في "أهل الكهف"، فإن لعبة العدد القرآنية تنتهي إلى مشهد قمع:

"كانوا خمسه
وأنا سادسهم
كانوا سته
وأنا سابعهم
كانوا سبعه
وأنا ثامنهم
كانوا
في كل مساء
كانوا خمسين هراوه
وأنا محض عواء"

يستدرجنا النص إلى توقع ديني مألوف، ثم يستبدل أصحاب الكهف بالهراوات، والإنسان بالعواء. والمفارقة هنا ليست لفظية فحسب؛ إنها تكشف كيف يمكن للعدد أن ينتقل من فضاء الحكاية المقدسة إلى حساب أدوات البطش.

 

اليمن بوصفه ذاكرةً وجرحًا

لا تظهر اليمن عند هيثم موضوعًا خارجيًا، بل تتوزع في معجم القصيدة وصورها وأسمائها. سبأ، بلقيس، صنعاء، عدن، القات، الجبال، الأسواق والقبائل ليست علامات مكانية محايدة؛ إنها أجزاء من هوية تتجاذبها المحبة والخسارة.

في "تغريبة يمانية" تتقدم الجماعة في مشهد نزوح لا نهاية له:

"ساروا على زفراتهم
ساروا بلا شمس
وقد قطفوا الهواء من الخرافة"

يتكرر الفعل "ساروا" حتى تصبح القصيدة نفسها مسيرًا. غير أن المكان لا يبقى خلف المهاجرين:

"صحراؤهم سارت وراءهمو
وسارت ذئبةٌ
سارت أفاعٍ
سار غيمٌ يابسٌ في ركبهم
سارت سماءُ"

يحمل المغترب صحراءه وذئابه وسماءه معه، فليس المنفى انتقالًا من مكان إلى آخر، بل اصطحاب للخراب الداخلي. والمفارقة المريرة تتبلور في الخاتمة:

"ساروا خفافاً ربما
لكنهم بعرائهم ناؤوا."

يبدو العراء بلا وزن، لكنه يصبح أثقل الأحمال. هكذا يستطيع هيثم أن يحول المعنى المجرد إلى ثقل جسدي محسوس.

وفي "عدن" تحضر المدينة بوصفها مكانًا حميمًا لا يخلو من الغصة:

"وجئنا إلى عدنٍ
وانسكبنا هنالك
في غصةٍ
وزوايا مشرّشةٍ"

يختار الشاعر فعل "انسكبنا"، فتفقد الذات صلابتها وتتحول إلى سائل يملأ الغصة والزوايا. ثم يتساءل:

"أنأوي إلى امرأةٍ أم مرايا؟"

تتداخل المدينة والمرأة والمرآة: المدينة مأوى عاطفي، لكنها أيضًا سطح يعكس الذات ويفتتها. ويتجلى ارتباط المكان بالأشخاص والشعراء في "السلط"، حيث تتوزع المدينة بين خولة وزينب وحمدة وعبد القادر وكريم وحسب الشيخ وبسام. المكان هنا شبكة أصوات وصداقات وذكريات، قبل أن ينتهي السؤال إلى إحساس المتكلم بأنه آخر من بقي خارج القسمة:

"ما الذي يتبقى لي
أيها الغزال الماضي بأيامي
ويا كل هذا الليل؟"

 

السياسة حين تتخفى في المجاز

لا يكتب هيثم القصيدة السياسية بوصفها تعليقًا مباشرًا على حدث؛ إنه يلتقط البنية العميقة للسلطة: المراقبة، والخوف، والمخبر، والغزو، والمشانق، وتحول الحياة اليومية إلى مجال للتهديد. ومثالا على ذلك قصيدة "ليلة القدر" حيث ينقلب معنى الليلة المباركة انقلابًا حادًا:

"السرائر مفتوحةٌ
والمرايا تخونْ
إنهم قادمونْ"

فالانفتاح هنا ليس انكشافًا روحيًا، بل انكشاف أمام الرقابة. والقادمون لا ينزلون بالرحمة، بل يتسللون من سر الليلة:

"إنهم سادةٌ أولياء
سادةٌ مخبرونْ"

تنبع قوة الخاتمة من الجمع بين "الأولياء" و"المخبرين". السلطة ترتدي قناع القداسة، والمخبر يصعد إلى مرتبة الولي. وبذلك يفضح النص تحالف الرقابة مع الادعاء الأخلاقي أو الديني من غير أن يتحول إلى خطبة.

وفي "عبد العليم إذا مات" تتسع قائمة الأعداء لتشمل عناصر تبدو متفاوتة:

"رجل غامض في الجريدة
والعسكري
وهذا الغراب الذي فوق ناصية البيت
بقّال حارته
بائع اللحم
والعابر المتلفت
وابن المؤجر في أول الشهر
ثم المؤجر في كل رشفة ماء
وذو الراحة المستطيلة
والجار
والمخبر العسلي
وهذا المدير الخشبْ"

هذه ليست قائمة سياسية تقليدية؛ إنها خريطة للخوف حين يستولي على الوعي. يصبح الجميع احتمالًا للعداء، من العسكري والمخبر إلى البقال والجار والغراب. لكن النص لا يسخر من عبد العليم بقدر ما يكشف البيئة التي صنعت توجسه؛ فالسلطة لم تعد جهازًا خارجيًا فقط، بل تحولت إلى عين داخلية تراقب صاحبها.

وفي قصيدة "تسوية" تتحول الرصاصة إلى شخصية كاملة:

"فجأة
الرصاصة في دورانها الممض
تقف على الناصية المقابلة
فجأة
تقطع الشارع باتجاهي
تهمس لي
بأنني أكثر اكتمالا
ولا لزوم لأية تسويات لاحقة"

الموت هنا يتكلم بلغة سياسية وإدارية باردة. الرصاصة لا تقول إنها ستقتل المتكلم، بل تزعم أنه "أكثر اكتمالًا"، وكأن القتل حل نهائي يلغي الحاجة إلى التسويات. المفارقة شديدة القسوة لأنها تجعل لغة المصالحة غطاءً للفناء.

 

المفارقة السوداء وأنسنة الموت

الموت هو أحد أكثر الموضوعات حضورًا في قصيدة هيثم، لكنه لا يظهر دائمًا في هيئة الفجيعة الجليلة؛ فكثيرًا ما يعالجه الشاعر بالسخرية السوداء مانحًا إياه تفاصيل الحياة اليومية، ثمَّ يحوّله إلى فعل بيروقراطي أو عادة يتدرب عليها الإنسان. وتقدم قصيدة "عبد العليم إذا مات" نموذجًا مكتملًا لهذه الحساسية. فعبد العليم:

"يموت بحرفنةٍ
ويموت كما يحلم الموت أو يشتهي الميتون
يموت كثيراً
كثيراً
يفيض من الموت"

لا تقع الوفاة مرة واحدة؛ إنها مهنة وإتقان وفيضان يمتد في الزمن. وقد أمضى الرجل حياته يتدرب على موته، حتى إذا مات بالغ في مراعاة الآخرين:

"يحمل قهوته
يوزعها بيديه
ويعزي المعزين
ثم يهيئ أكفانه
ويسير مع النعش
في أول الصف"

ويبلغ المشهد ذروة المفارقة حين ينزل الميت إلى قبره معتذرًا:

"أنه يشغل الآخرين بأوهامه
ويسبب للناس هذا التعبْ."

تكشف الطرافة هنا مأساة شخصية مسحوقة اعتادت الاعتذار عن وجودها. عبد العليم لا يمتلك حق الحياة، وحين يموت يشعر بأنه أزعج الناس بموته. إن السخرية لا تخفف الحزن، بل تجعله أكثر نفاذًا.

حتى قصيدة "فواتير" القصيرة تضع الحياة في صيغة دين دائم:

"وأُخرج قيافتي من المرآة
أدعها تتمشى قليلاً
وتتبجح
بأنني
أنيقاً ومتأهباً
أنزل
كل صباح
لأسدد
كل فواتيري
وكل ديوني
للحياة."

يبدو ارتداء الملابس والاستعداد للصباح فعلًا عاديًا، لكنه يتحول إلى نزول يومي لتسديد دين الوجود. والمظهر الأنيق ليس علامة رخاء، بل قناع يرتديه الفرد قبل مواجهة استحقاقات الحياة.

 

الشخصية الهامشية بوصفها بطلًا شعريًا

يختار هيثم شخصيات لا تمتلك البطولة بمعناها التقليدي: رجل وحيد، وعبد عليم خائف، وعبدالله غارق في أنخابه، وشاعر أدرد، وعابر مهدد، وإنسان ليس له أمام خمسين هراوة سوى العواء. هذه الشخصيات مأزومة ومهزومة ظاهريًا، لكنها تستعيد في القصيدة حقها في أن تكون مركز العالم.

في "رجل ذو قبعة ووحيد" يبدأ النص بصورة رجل متردد خجول:

"يتوارى باستحياءٍ
يتسلل في الخلسة
يستخفي بين عواميد الرعدة"

ثم يراكم حوله سلسلة طويلة من النساء والسلطات والألقاب والشكوك. تتضخم صورته تدريجيًا حتى يصبح:

"الجبار الفاتح كل الأسوار
الكائن في الأسرار"

لكن هذا التضخم ينتهي بحكم موجز:

"رجل
متهم
ومدانْ"

تبني القصيدة أسطورة الرجل ثم تهدمها؛ فوحدته نفسها تثير الشبهة، ورغبته وحركته ووقوفه تتحول كلها إلى قرائن اتهام. ويمكن قراءة هذا الرجل بوصفه صورة للفرد الذي تحاصره السلطة الاجتماعية والسياسية، أو صورة للشاعر الذي يجمع في داخله الخفر والرغبة والتمرد والادعاء والانكسار.

أما "ولعبدالله مساء واحد" فتجعل من عبدالله كائنًا محاطًا بالحروب والأنهار والموسيقى والأحلام المنهارة. يكرر النص عبارة "لا شأن لعبدالله"، لكن هذا النفي المتواصل يثبت أن لعبدالله شأنًا بكل شيء. إن القول إنه لا شأن له بالحرب أو الأعداء أو النساء يكشف أن هذه العناصر جميعًا قد اقتحمت حياته. وحين يقول الشاعر:

"ذهب النوم إلى الحرب
ولم يعلن عبدالله رصاصته
علّقَ أنهاراً ونهاراً
في سقف مرايا
ليرى غصته عاريةً"

تتحول الغصة إلى المشهد المركزي. الرجل الذي لا يشارك في الحرب لا ينجو منها؛ فحتى النوم قد ذهب إليها، ولم يبق له سوى تعليق الأنهار والمرايا كي يعاين ألمه.

 

الحيوان بوصفه قرينًا للإنسان

تنتشر الحيوانات في شعر هيثم: الذئب، والخيل، والوعول، والدلافين، والهدهد، والنمل، والغراب، والكلاب، والأفاعي، والإيّل، والعصافير. لكنها لا تؤدي وظيفة زخرفية، ولا تظل جزءًا من الطبيعة الخارجية. كل حيوان يحمل طاقة رمزية وحركية تدخل في تكوين التجربة.

الذئب علامة اقتراب الخطر، لكنه أيضًا مقياس للمسافة: "على بعد ذئب". وهذه العبارة لا تحدد المسافة بوحدة هندسية، بل بدرجة التهديد. وفي القصيدة نفسها يرضع الناس من ذئبة ثم يهبطون إلى قصعة من ثريد، فيجتمع أصل أسطوري يوحي بالقوة مع نهاية يومية توحي بالاستسلام والاستهلاك.

والخيل كثيرًا ما تظهر طاقةً ناقصة أو مؤجلة. في "صيد النبيذ":

"الأحصنة محض اقتراح
من أين يأتي النساجون
ببقية الصهيل"

لا توجد الأحصنة كاملة؛ هناك اقتراح حصان وصهيل يحتاج إلى من ينسج بقيته. أما في "الزلزال"، فالمشهد يبدأ بـ:

"خيلٌ آيلةٌ للريحِ
منازلُ عاثرةٌ
غيمٌ يعوي
ورجالٌ عورٌ
يقتادونَ هواءً أعرجَ"

تتبادل الكائنات صفاتها: الغيم يعوي، والهواء يعرج، والمنازل تتعثر، والخيل تؤول إلى الريح. هذا العالم ليس مستقرًا في هوياته؛ كل شيء قابل لأن يغادر طبيعته تحت ضغط الزلزال.

 

التكرار وصناعة الإيقاع

لا يعتمد إيقاع هيثم على الوزن وحده، بل يتولد كثيرًا من التكرار والتوازي وتقطيع الجملة. في "تغريبة يمانية" يكتسب فعل "ساروا" قوة تراكمية، حتى يشعر القارئ بأنه يتحرك مع القافلة. وفي "على بعد ذئب" تتكرر عبارة "كلنا عابر" لتؤسس نبرة جماعية، وتحوّل تجربة الفرد إلى مصير جمعي. وفي "عبد العليم إذا مات" يعود اسم الشخصية والجملة الشرطية كأن الموت لازمة موسيقية لا يستطيع النص الإفلات منها.

وقد يستخدم التكرار لمحاكاة صوت أو حركة، كما في قصيدة "عبد الرحمن فخري":

"الحنجرة موقوتة
تتكتك
تيك تاك تيك تاك
تيك تاك تيك تاك
تك تك تك تك تك تك تك ...
بوووووم"

تنقل القصيدة الصوت مباشرة إلى الصفحة. الحنجرة قنبلة موقوتة، لكن انفجارها لا يدمّر؛ إنه يطلق الصوت:

"ويشب الصوت
لا أحد في القاعة
القصيدة ملأى."

تقابل الخاتمة بين فراغ القاعة وامتلاء القصيدة. يمكن ألا يكون هناك مستمعون، ومع ذلك يظل الشعر ممتلئًا بحضوره. إنها صورة مكثفة لعزلة الشاعر وقدرة صوته على مقاومة الغياب.

كما يستخدم هيثم الجملة القصيرة والبياض الطباعي لإدارة سرعة القراءة. في "البحر الميت" تفصل العلامات بين حالات الماء ونفيه واقتراحه، بينما تقوم "تسوية" كلها على كلمة "فجأة" التي تتكرر لتمنح حركة الرصاصة إيقاع الصدمة. الشكل البصري هنا ليس حياديًا؛ إنه جزء من المعنى.

 

بين التفعيلة وقصيدة النثر

تتحرك تجربة هيثم في منطقة خصبة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر. بعض نصوصه يعتمد نبرة إيقاعية واضحة وتكرارات صوتية وقوافٍ داخلية، كما في "تغريبة يمانية" و"الجن" و"على بعد ذئب"، بينما تذهب نصوص أخرى إلى الاختزال والسرد والمشهد اليومي القريب من قصيدة النثر، مثل "فواتير"، و"رومانس"، و"تسوية"، و"فوضى". غير أن الفرق الشكلي لا يقسم التجربة إلى عالمين منفصلين. ثمة نواة واحدة تجمع النصوص: كثافة الصورة، وانحراف العلاقات بين الأشياء، والمفارقة، والحركة، والقدرة على تحويل الفكرة إلى مشهد. فحتى حين يكتب نصًا شديد القصر، لا يكتفي هيثم بتسجيل خاطرة؛ إنه يبني موقفًا دراميًا له بداية وانقلاب وخاتمة.

في "الساحر"، على سبيل المثال، يضغط الساحر الرياح بين أنملتين، ويتكرر فعل "يضغط" حتى يتولد التوتر، ثم يأتي السؤال:

"هل يفصد دمها
هذه الرياح
ليكمل سباحته الأنيقة
في السرائر؟"

يقوم النص كله على تحويل الريح إلى جسد له دم، والساحر إلى سباح في الأسرار. وفي مساحة قليلة تنشأ حكاية عن القوة والعنف والرغبة في اختراق الخفي.

 

قصيدة الفوضى المنظمة

قد تبدو قصيدة هيثم، لأول وهلة، قائمة على التداعي الحر وتراكم الصور المتباعدة، لكنها ليست فوضى اعتباطية. في قصيدة "فوضى" يقول:

"في القلب
كما في محطة مركزية
ثمة امرأة تكسر ساعتها
وتسكب في منديل
قطرتين أو ثلاثاً
من حنين مباغت"

يشبّه القلب بمحطة مركزية، فيصبح موضعًا للعبور والانتظار والازدحام والمغادرة. ثم تتجاور الحروب والآلهة الورقية والوقت الرمادي والأسئلة وسلة التفاح والباص الأخير والرجل الذي يخرج على البحر "شاهرًا نافذته". هذه العناصر لا تربطها حكاية تقليدية، لكن يجمعها مناخ الانتظار والتهريب والعنف والرحيل.

إنها فوضى منظمة شعريًا؛ فكل صورة تدفع الإحساس درجة إضافية نحو الاضطراب. وحين يشهر الرجل نافذته بدل سلاحه، تتحول الرؤية نفسها إلى فعل مقاومة. النافذة أداة انفتاح، لكنها في هذا العالم تُرفع كما ترفع الأسلحة.

وتتسع هذه الآلية في "الزلزال"، حيث يدخل المتكلم في حوار مع الزلزال. لا يعود الزلزال كارثة طبيعية فقط، بل يصبح حكيمًا غامضًا يهدهد الشاعر ويعطيه وصايا ملتبسة:

"وانزعْ وجهكَ
وانثره بين قراطيسكَ
واهبطْ في المرآةِ"

الكتابة، وفق هذه الوصية، تتطلب نزع الوجه وتوزيعه على الأوراق، أي تفكيك الهوية قبل إعادة اكتشافها في المرآة. وفي موضع آخر يقول الزلزال:

"فاحشدْ كلَّ صوابٍ
لمقارفةِ الخطأ الأبهى"

تقوم شعرية هيثم نفسها على هذا "الخطأ الأبهى": الخطأ الذي يكسر العلاقات المنطقية ليخلق علاقة شعرية أعمق. فالماء الذي يجرح، والغيم الذي يعوي، والهواء الأعرج، والمرايا الحافية، ليست أخطاء لغوية؛ إنها صواب المخيلة حين ترفض صواب العبارة المألوفة.

 

المرأة بين الجسد والبلاد والمجاز

تحضر المرأة في شعر هيثم بكثافة، وتتعدد صورها بين الحبيبة والبلاد والذكرى والرغبة والمرآة والطاقة المولدة للمشهد. في "الجن" تصبح بلقيس بلادًا وتاجًا، وفي "البحر الميت" تقف امرأة على مقربة من الصمت "تغزل بحرًا"، وفي "الزلزال" تكون المرأة جوابًا محتملًا عن سؤال الأسماء، وفي "رومانس" تكفي حركتها وهي ترفع كوب الشاي كي يشتعل المطر على الرصيف.

لكن هذا الحضور ليس أحاديًا أو مثاليًا، فالمرأة قد تظهر وسط قوائم الرغبة والتخيلات الاجتماعية كما في "رجل ذو قبعة ووحيد"، وقد تصبح حلمًا يهرب منه عبد العليم حين يقترب تحققه. إنها موضع انجذاب، لكنها أيضًا قوة تربك الهوية وتعيد تركيب العالم. وفي "حلبة رقص" لا يصف الشاعر جسد المرأة مباشرة، بل يبني العلاقة من خلال الحركة المشتركة:

"وتخاصرها
وتمشيان وئيدا
الحلبة أمامكما
والموسيقى أيضاً"

ثم، بعد سلسلة الصور الموسيقية، تنقلب الجهة:

"الحلبة خلفكما
والموسيقى أيضاً."

لم يعد الراقصان يتقدمان نحو الحلبة؛ لقد عبراها وتركاها خلفهما، بينما ظلت الموسيقى أمامهما وخلفهما. يتحول الرقص إلى عبور زمني، ويصبح التخاصر طريقة لمواجهة انقضاء اللحظة.

 

فرادة التجربة وحدود الغموض

تكمن قوة شعر محمد حسين هيثم في أنه لا يطمئن إلى العبارة الجاهزة. كلما أوشكت الصورة أن تستقر، أدخل إليها عنصرًا يغير اتجاهها. وهو شاعر يمتلك قدرة لافتة على تركيب الصفات غير المتجانسة: "غيم حجري"، و"الشجر الملحي"، و"القتلى الجيريين"، و"الطبل البازلتي"، و"المخبر العسلي"، و"المدير الخشب"، و"النسيان الأصفر المبلل". هذه التراكيب لا تصف الأسماء بقدر ما تنقلها إلى حقل شعوري جديد.

غير أن هذا الثراء قد يدفع بعض النصوص إلى كثافة عالية تجعل خيطها الدلالي عصيًّا على المتابعة، خصوصًا عندما تتوالى الصور من غير مركز سردي ظاهر. ففي بعض المقاطع تتدافع الاستعارات والأسماء والأساطير والحيوانات والألوان إلى درجة يصبح معها القارئ مطالبًا بأن يقبل منطق التداعي قبل أن يعثر على منطقه الداخلي. لكن الغموض عند هيثم، في أفضل حالاته، ليس حجبًا للمعنى، بل توسيعًا له؛ فالصورة لا تمنع الفهم، وإنما تمنع اختزاله في تفسير وحيد.

واللافت أن الشاعر يوازن هذه الكثافة بنصوص قصيرة ساخرة أو مشهدية، كأنه يدرك حاجة تجربته إلى التنفس. لذلك نجد إلى جوار القصائد الطويلة المتشعبة نصوصًا شديدة الاقتصاد، تستطيع أن تؤدي أثرها بضربة واحدة، وهذا التنوع بين الامتداد والومضة، وبين الإيقاع والسرد، وبين الأسطورة واليومي، يمنح التجربة حيوية تحول دون انغلاقها في أسلوب واحد.

 

خاتمة: قلب يُنشر في هواء القصيدة

قصيدة محمد حسين هيثم ليست مرآة صافية لعالم مكتمل، بل مرآة تخون، ونافذة تُشهر، وبحر يُقترح ثم يتلاشى، وذئب يقيس المسافة بين الإنسان والخطر. إنها تنطلق من وعي بأن الواقع نفسه مختل، ولذلك لا يمكن تمثيله بلغة مطمئنة. ومن هنا جاءت صوره المتوترة، ومفارقاته السوداء، وحيواناته الرمزية، وشخصياته الوحيدة، وأمكنته التي تتحول إلى ذاكرة جريحة.

لقد استطاع هيثم أن يجعل اليمن حاضرًا من غير أن يحصر القصيدة في محلية مغلقة؛ فسبأ وعدن وصنعاء وبلقيس تدخل في حوار مع كازابلانكا وسان بيير وبيكاسو وعشتار وأهل الكهف وزليخا. كما استطاع أن يكتب السياسة من داخل المجاز، والموت من داخل السخرية، والحب من داخل اضطراب الحواس، والمنفى من داخل الصحراء التي تسير خلف أصحابها.

ولعل صورة تجربته الأشد دلالة ترد في "على بعد ذئب"، حين يتخيل ما يفعله الناجون بعد مجيء الغزاة والسيل:

"ثم نجثو نلملم ما سوف يبقى
على صفحة السيلِ:
بعضَ حنينٍ،
ودمعاً قديماً
وشيئاً من القلبِ
نعصرهُ ثم نفرده ثم ننشره في الهواءِ
ونتركه يابساً"

هذا "الشيء من القلب" هو مادة قصيدة محمد حسين هيثم: بقية تنجو من السيل، يعصرها الشاعر ويفردها وينشرها في الهواء. غير أنها لا تجف تمامًا؛ فهي تظل محتفظة بقلقها ورعدها وملحها وعواء ذئابها، وتظل قادرة على إعادة العالم إلى حالته الأولى: غريبًا، مفاجئًا، وغير قابل للاطمئنان.

اقرأ بعض أشعار محمد حسين هيثم على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق