هل الدكتور جيكل والسيد هايد شخصان مختلفان، أم أنهما شخص واحد؟ السؤال يبدو بسيطًا لمن يعرف شهرة الرواية، لكن الإجابة الدقيقة تكشف لماذا تجاوزت حكاية روبرت لويس ستيفنسون حدود الأدب، حتى صار اسما "جيكل وهايد" يُستعملان لوصف إنسان يبدو بشخصيتين متناقضتين.
من يقرأ العمل للمرة الأولى من دون معرفة نهايته يستطيع أن يظن طويلًا أن هنري جيكل وإدوارد هايد رجلان منفصلان تجمعهما علاقة غامضة. المحامي أترسون نفسه ينطلق من هذا الافتراض. هناك طبيب محترم وثري، وهناك رجل أصغر سنًا، قاسٍ ومنفر، يدخل منزل الطبيب ويستفيد من أمواله ويحظى بحماية غير مفهومة منه. تبدو المسألة في البداية وكأنها ابتزاز أو سر خطير.
الإجابة المباشرة: جيكل وهايد ليسا شخصين مستقلين. هايد هو الصورة التي يستطيع الدكتور هنري جيكل أن يتحول إليها بعد تناول مادة كيميائية صنعها بنفسه. لكن معنى الرواية أعمق من مجرد تحول جسدي: جيكل يحاول أن يفصل في ذاته بين الإنسان المحترم الذي يراه المجتمع والرغبات التي يخجل منها، فيكتشف أن الفصل لا يحرره من المسؤولية، بل يمنح الجزء الذي أخفاه حرية أكبر.
لهذا لا تكمن قوة الرواية في مفاجأة معرفة أن الرجلين واحد. هذه المفاجأة أصبحت معروفة حتى لدى كثير ممن لم يقرأوا الكتاب. السؤال الأهم هو: لماذا أراد جيكل أصلًا أن يصبح شخصًا آخر؟ ولماذا لم يكن قادرًا، بعد أن صنع هايد، على إعادته ببساطة إلى المكان الذي جاء منه؟
ماذا يقول النص فعلًا عن جيكل وهايد؟
صدرت رواية ستيفنسون القصيرة سنة 1886 بعنوانها الإنجليزي الأصلي Strange Case of Dr Jekyll and Mr Hyde. وبناها الكاتب في قسم كبير منها مثل تحقيق في لغز. لا نبدأ من داخل عقل جيكل، بل نقترب منه عبر المحامي غابرييل أترسون، الذي يحاول فهم العلاقة غير الطبيعية بين صديقه الطبيب وبين هايد.
هذه الطريقة مهمة جدًا، لأن القارئ يرى في البداية ما يراه المجتمع: رجلين.
جيكل صاحب مكانة ومال ومهنة مرموقة وبيت محترم. أما هايد فيظهر من الأبواب الخلفية والأزقة والليل. حتى المكان نفسه منقسم: واجهة اجتماعية مألوفة في جانب، ومدخل غامض يقود إلى عالم مختلف في الجانب الآخر.
لا يكشف ستيفنسون الحقيقة كاملة إلا قرب النهاية، حين نقرأ اعتراف جيكل نفسه. هناك يقول، بمعنى واضح، إنه أدرك منذ وقت مبكر وجود انقسام عميق في طبيعته. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد صراع عابر بين فعل الخير وفعل الشر؛ كان يشعر بأن حياته الاجتماعية المحترمة تخفي ميولًا ورغبات لا يريد أن تُنسب إلى الرجل المعروف باسم هنري جيكل.
ومن هنا جاءت تجربته.
هو لا يصنع هايد من العدم كما يصنع فرانكنشتاين مخلوقًا منفصلًا عنه. المادة الكيميائية تعمل بوصفها وسيلة تسمح لجزء من ذاته بأن يتخذ جسدًا واسمًا وحرية حركة مستقلّة ظاهريًا. ولذلك تبقى الجريمة التي يرتكبها هايد متصلة بجيكل، مهما حاول الأخير التعامل معها كأن شخصًا آخر قام بها.
هل "الشخصية المزدوجة" هنا مرض نفسي؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى الحذر، لأن نجاح الرواية جعل اسمي جيكل وهايد يدخلان اللغة الشعبية بوصفهما اختصارًا للشخصية المتقلبة أو المزدوجة.
لكن من الخطأ أن نقرأ رواية صدرت في القرن التاسع عشر ثم نشخّص بطلها بأثر رجعي تشخيصًا طبيًا معاصرًا لمجرد أن شخصيتين تظهران في جسد واحد.
ستيفنسون يكتب عملًا أدبيًا قوطيًا عن الازدواج الإنساني والأخلاق والرغبة والسمعة، لا دراسة سريرية عن اضطراب نفسي محدد. والتحول في الرواية يحدث من خلال تجربة كيميائية متخيلة، ويصاحبه تغير جسدي واضح. إنه جهاز سردي يسمح للكاتب بتحويل صراع داخلي غير مرئي إلى شخصيتين يستطيع القارئ رؤيتهما.
والأكثر إثارة أن جيكل نفسه لا يكتفي في اعترافه بفكرة أن الإنسان مكوّن ببساطة من شخصين. إنه يقول، بعد إعلانه أن الإنسان "ليس واحدًا حقًا بل اثنان"، إن هذه المعرفة ليست بالضرورة النهاية، ويلمح إلى أن الذات قد تكون أكثر تعددًا وتعقيدًا مما استطاع هو اكتشافه.
وهذه الملاحظة الصغيرة تمنعنا من اختزال الرواية في معادلة سهلة: جيكل يساوي الخير، وهايد يساوي الشر.
جيكل ليس الخير الكامل
الصورة الشعبية للرواية جعلت المسألة شديدة الوضوح: رجل طيب يتحول إلى وحش شرير. لكن النص أكثر إزعاجًا من ذلك.
هايد لا يدخل إلى حياة جيكل من الخارج. جيكل هو الذي يبحث عن وسيلة لإطلاقه.
قبل التجربة كان الطبيب يعيش أصلًا حياة يشعر فيها بالتناقض بين صورته العامة وبين رغباته الخاصة. وهو لا يقدم في اعترافه قائمة كاملة بهذه الرغبات، وهذا الغموض جزء من قوة الرواية. ستيفنسون يعرف أن تسمية كل شيء قد تجعل الحكاية مرتبطة بخطيئة بعينها، بينما إبقاء بعض المساحات فارغة يسمح للقارئ بأن يرى المشكلة الأوسع: الإنسان الذي يريد الاحتفاظ بمكانته واحترام الناس، وفي الوقت نفسه يريد مساحة يتصرف فيها بلا ثمن اجتماعي.
المشروع إذن ليس أن يصبح جيكل إنسانًا أفضل.
إنه يريد، في البداية على الأقل، أن يفصل الحسابين.
إذا فعل الخير، يُنسب الخير إلى الدكتور جيكل المحترم. وإذا أراد أن يتبع رغباته المحرمة أو المخجلة، يستطيع أن يصبح إدوارد هايد ثم يعود في الصباح إلى حياته السابقة.
هذه هي الفكرة الخطيرة التي تجعل الرواية حديثة إلى اليوم: جيكل لا يبحث فقط عن الحرية، بل عن حرية بلا مسؤولية.
إنه يريد الفعل من دون أن يحمل اسمه تبعات الفعل.
لماذا يبدو هايد أصغر من جيكل؟
من التفاصيل اللافتة في الرواية أن هايد يبدو أصغر حجمًا وأصغر سنًا من جيكل. ويمكن قراءة ذلك بعدة طرق، لكن التفسير الذي يقدمه جيكل نفسه قريب وواضح: هذا الجانب من شخصيته لم يُمنح في حياته المساحة نفسها التي مُنحت لشخصيته الاجتماعية المعروفة، فكأنه أقل نموًا.
إنه جزء عاش طويلًا في الظل.
لكن صغر هايد لا يعني ضعفه. العكس يحدث تدريجيًا. كلما أعطاه جيكل فرصة للحياة، أصبح ظهوره أسهل وأقوى. في البداية يحتاج التحول إلى المادة الكيميائية، ثم يبدأ هايد في الظهور من تلقاء نفسه.
هنا تنقلب التجربة على صاحبها.
كان جيكل يعتقد أنه هو الذي يفتح الباب ويغلقه، لكنه يكتشف أن الباب لم يعد تحت سيطرته. ما بدأ بوصفه وسيلة للهروب من القيود يتحول إلى شكل جديد من الأسر.
الرجل ذو الحياة المزدوجة قبل جيكل
لم تظهر فكرة الحياة المزدوجة في ذهن ستيفنسون فجأة سنة 1886.
من الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ الفكرة وليام برودي، المعروف باسم ديكون برودي، وهو حرفي وشخصية اجتماعية محترمة في إدنبرة في القرن الثامن عشر، لكنه كان يعيش سرًا حياة إجرامية ويشارك في السرقات.
عرف ستيفنسون قصة برودي منذ شبابه، وكتب مع ويليام إرنست هنلي مسرحية عنه حملت عنوانًا يتضمن عبارة "الحياة المزدوجة". ويجعل ذلك برودي جزءًا حقيقيًا من التاريخ السابق لجيكل وهايد، لا مجرد تشابه اكتشفه النقاد بعد ظهور الرواية.
لكن من الأفضل ألا نقول إن الدكتور جيكل هو ببساطة نسخة أدبية من برودي.
برودي يقدم نموذجًا واقعيًا للرجل صاحب الواجهة الاجتماعية المحترمة والحياة السرية الأخرى. أما الرواية فتحول هذه الازدواجية الاجتماعية إلى استعارة أكثر جذرية: ماذا لو استطاع الإنسان أن يعطي حياته السرية وجهًا وجسدًا واسمًا آخر تمامًا؟
المفارقة أن ستيفنسون نفسه أوضح لاحقًا أن الفكرة كانت تشغله منذ مدة، وأن الحل السردي جاءه جزئيًا عبر الأحلام.
الحلم الذي خرج منه هايد
في مقال نشره ستيفنسون بعد الرواية بعنوان A Chapter on Dreams، تحدث بنفسه عن الطريقة التي شاركت بها الأحلام في نشأة بعض أعماله.
وعندما وصل إلى "الدكتور جيكل والسيد هايد"، قال إنه كان يحاول منذ مدة العثور على قصة تمنح شكلًا لما وصفه بإحساس قوي بازدواج الإنسان. أي أن الفكرة الفكرية سبقت الحلم.
ثم جاءت بعض المشاهد أثناء النوم.
يتذكر ستيفنسون أنه حلم بمشهد النافذة، وكذلك بمشهد التحول عندما يتناول هايد المادة ويغير هيئته أمام من يطاردونه. لم يستيقظ الكاتب إذن ليجد رواية كاملة أملاها عليه حلم واحد، كما يمكن أن توحي النسخ الشعبية المبسطة من القصة.
الحلم قدم مشاهد حاسمة وحلًا بصريًا دراميًا لفكرة كان الكاتب يفكر فيها أصلًا.
وهذا فرق مهم.
الحكاية المثيرة تقول: "ستيفنسون حلم بجيكل وهايد".
أما الحقيقة الأدق فهي أنه كان يبحث عن شكل أدبي لفكرة ازدواج الإنسان، ثم ساعدته أحلامه في العثور على بعض المشاهد التي جسدت تلك الفكرة.
لماذا احتاج جيكل إلى هايد أصلًا؟
لا يمكن فصل السؤال عن المجتمع الذي يعيش فيه جيكل.
هو رجل في مجتمع شديد الحساسية تجاه السمعة والاحترام والمظهر العام. مكانته المهنية والاجتماعية ليست تفصيلًا في الشخصية، بل أحد أسباب أزمته. كلما ازدادت الصورة العامة صلابة، صار الاعتراف بما يخالفها أكثر صعوبة.
الرواية لا تقول إن المجتمع هو المسؤول وحده عن جرائم هايد، ولا تعفي جيكل لأن زمنه كان محافظًا. لكنها تكشف البيئة التي تجعل الواجهة مهمة إلى درجة أن بعض الناس قد يفضّلون بناء حياة ثانية على أن يعترفوا بتناقضاتهم داخل حياة واحدة.
والبيت في الرواية يكاد يجسد ذلك.
هناك أبواب وواجهات وممرات ومختبر وغرف مغلقة. لندن نفسها تظهر مدينة يمكن فيها للرجل المحترم أن يسير على بعد شوارع قليلة من عالم آخر لا يريد الاعتراف بعلاقته به.
الانقسام النفسي يصبح انقسامًا مكانيًا أيضًا.
ما معنى هايد؟
حتى الاسم يساعد على بناء الفكرة. لفظ Hyde قريب صوتيًا من الفعل الإنجليزي hide، أي يخفي أو يختبئ. ليس من الضروري أن نحول كل اسم في الرواية إلى شفرة، لكن العلاقة هنا واضحة بما يكفي لتنسجم مع البنية كلها.
هايد هو ما يريد جيكل أن يخفيه، لكنه في الوقت نفسه الوسيلة التي يختبئ جيكل خلفها.
وهذا فرق مهم.
نميل إلى القول إن الإنسان يخفي جانبًا سيئًا داخله، لكن جيكل يفعل شيئًا أكثر نشاطًا: يصنع لذلك الجانب هوية يستطيع استخدامها.
ولهذا يمكن النظر إلى هايد باعتباره قناعًا بقدر ما هو كشف.
عندما يتحول جيكل إليه، يظهر شيء كان خفيًا، لكنه يستطيع أيضًا أن يقول لنفسه إن ذلك الشيء ليس "أنا".
القناع يكشف ويخفي في اللحظة نفسها.
هل هايد هو اللاوعي؟
من السهل بعد فرويد أن نقرأ الرواية كلها بلغة الأنا والرغبات المكبوتة واللاوعي، وقد أنتج النقاد قراءات نفسية كثيرة للعمل. لكن الرواية صدرت قبل أن تصبح النظرية الفرويدية التي نعرفها اليوم إطارًا شائعًا لتحليل الشخصية.
الأفضل لذلك ألا نحول ستيفنسون إلى فرويد قبل فرويد.
كان القرن التاسع عشر يشهد بالفعل نقاشات متزايدة عن الوعي والشخصية والحالات الذهنية المتعددة، وكانت فكرة ازدواج الإنسان موجودة في الأدب والفلسفة والدين قبل ذلك بوقت طويل. ويظهر من كلام ستيفنسون نفسه أنه كان مهتمًا مباشرة بفكرة "الكينونة المزدوجة" للإنسان.
لكن القيمة الأدبية للرواية أنها لا تحتاج إلى نظرية واحدة كي تعمل.
يمكن أن يقرأها المتدين بوصفها صراعًا أخلاقيًا. ويمكن أن يقرأها عالم الاجتماع بوصفها رواية عن السمعة والنفاق والطبقة. ويمكن أن يجد فيها القارئ النفسي قصة عن الكبت والرغبة. ويمكن للقارئ الأدبي أن يراها معالجة حديثة لفكرة القرين أو الـdoppelgänger.
كل هذه القراءات ممكنة، ما دامت لا تدعي أن واحدة منها وحدها تفسر النص كله.
المشكلة ليست في وجود جانب مظلم
ربما تكون أكثر أفكار الرواية قسوة هي أن الكارثة لم تبدأ عندما اكتشف جيكل أن داخله تناقضات.
كل إنسان يعرف، بدرجات مختلفة، المسافة بين ما يرغب فيه وما يفعله، وبين صورته أمام الآخرين وصورته أمام نفسه.
الكارثة تبدأ عندما يقرر جيكل أن الحل هو الفصل التام.
بدل أن يعيش إنسانًا واحدًا مسؤولًا عن تناقضاته، يريد أن يقسم نفسه إلى كائنين حتى يحصل كل واحد منهما على حياة مستقلة.
لكن الأخلاق لا تقبل هذه القسمة بسهولة.
من الذي اشترى المنزل الذي يستخدمه هايد؟ جيكل.
من الذي منحه المال؟ جيكل.
من الذي صنع المادة التي تستدعيه؟ جيكل.
ومن الذي يعود مرارًا إلى التحول بعدما عرف مقدار الخطر؟ جيكل أيضًا.
ولهذا يصبح من المريح أكثر من اللازم أن نقول: "هايد فعل ذلك".
الرواية تعيد المسؤولية باستمرار إلى الرجل الذي أراد أن يتخلص منها.
من هايد إلى تايلر ديردن
هذه الفكرة نفسها، أي أن الإنسان يصنع شخصية أخرى تمنحه ما لا يسمح لنفسه به، ستظهر لاحقًا بأشكال مختلفة في الأدب والسينما.
وفي قراءة "الورّاق الجزائري" لفيلم Fight Club ومعنى تايلر ديردن نجد بناءً مختلفًا لكنه قريب في سؤال الهوية: الراوي يصنع في تايلر نسخة تمتلك الجرأة والحرية والعنف الذي يعجز هو عن ممارسته، ثم يكتشف أن الشخصية التي ظنها حلًا أصبحت قوة تهدد حياته.
الفرق بين العملين كبير في الزمن والسياق والأسلوب، لكن المقارنة تكشف استمرار سؤال قديم: ماذا يحدث حين يحاول الإنسان أن يمنح رغباته المكبوتة شخصًا آخر يتحمل مسؤوليتها؟
في الحالتين لا يبقى "الآخر" خادمًا مطيعًا لمن صنعه.
كيف غيّرت الثقافة الشعبية الرواية؟
شهرة جيكل وهايد صنعت مشكلة غريبة: معظم القراء يعرفون السر قبل قراءة الصفحة الأولى.
في الرواية الأصلية، حقيقة أن جيكل وهايد شخص واحد هي نهاية تحقيق طويل. أما في الأفلام والمسرحيات والرسوم والإعلانات واللغة اليومية، فقد أصبحت الحقيقة نفسها نقطة البداية.
حين نقول عن شخص إنه "جيكل وهايد"، لا ننتظر تفسيرًا.
وهذا غيّر تجربة قراءة الكتاب.
القارئ الحديث لا يسأل غالبًا: من هو هايد؟ بل يسأل: كيف سيكتشف أترسون أن هايد هو جيكل؟
لكن فقدان المفاجأة لا يقتل الرواية. ربما يسمح لنا بالعكس أن ننتبه إلى شيء كان القارئ الأول يمر به بطريقة مختلفة: ستيفنسون يزرع الانقسام في كل مكان قبل أن يخبرنا بحقيقته.
في الشخصيات، والمدينة، والبيت، والأبواب، والليل والنهار، والسمعة والسر، واللغة القانونية التي تحاول تثبيت الهوية في عالم تتحرك فيه الهوية باستمرار.
هل جيكل وهايد اثنان أم واحد؟
جسديًا وسرديًا، هما صورتان لشخص واحد.
لكن إذا توقفنا عند ذلك نكون قد حصلنا على حل اللغز وخسرنا الرواية.
جيكل يريد أن يصدق أنه يستطيع تقسيم ذاته أخلاقيًا مثلما قسمها كيميائيًا. يريد أن تكون أعمال الدكتور المحترم في حساب، وأعمال هايد في حساب آخر. غير أن النص يهدم هذا الوهم خطوة خطوة.
هايد لا يحمل ماضيًا مستقلًا عن جيكل، ولا طفولة أخرى، ولا ذاكرة صنعها بعيدًا عنه. وجوده كله يعتمد على حياة الرجل الذي أطلقه.
ومع ذلك لا يعود مجرد قناع ساكن يمكن خلعه متى شاء صاحبه. كل ممارسة تقويه. كل عودة إليه تجعل المسافة بين الرغبة والفعل أقصر.
ثم تأتي اللحظة التي يستيقظ فيها جيكل ليكتشف أنه أصبح هايد من دون أن يشرب المادة.
هذه اللحظة ربما تكون أهم من التحول الأول.
في البداية كان جيكل يقول لنفسه ضمنيًا: "أنا أختار متى أكون هايد".
الآن أصبحت المعادلة معكوسة.
لم يعد صاحب الوجه المحترم هو الذي يتحكم وحده بالباب.
لماذا بقيت الحكاية حية؟
لو كانت "الدكتور جيكل والسيد هايد" مجرد قصة عن عالم مجنون اخترع شرابًا يحوله إلى وحش، لربما بقيت قطعة لطيفة من الرعب الفيكتوري وانتهى الأمر.
لكن ستيفنسون وضع خلف التجربة سؤالًا لا يحتاج إلى مختبر كي نفهمه.
كم توجد مسافة بين الإنسان الذي نظهره والإنسان الذي نخفيه؟
وماذا يحدث إذا تعاملنا مع تلك المسافة بالإنكار بدل الاعتراف؟
الرواية لا تطالب الإنسان بأن يعرض كل رغباته أمام المجتمع، ولا تقول إن الحضارة مجرد قناع زائف يجب تمزيقه. بل تعرض مأزق رجل تصور أن بإمكانه الحصول على مزايا الاحترام ومزايا الإفلات من القيود في الوقت نفسه، من دون أن يدفع الثمن الأخلاقي لأي منهما.
لهذا يصبح هايد مخيفًا ليس لأنه غريب تمامًا عن جيكل، بل لأنه ليس غريبًا عنه بما يكفي.
إنه ما يسمح جيكل لنفسه بأن يفعله حين يعتقد أن الاسم الآخر سيحمي اسمه الحقيقي.
الرجل الذي أراد التخلص من تناقضه
من المغري أن ننهي قراءة الرواية بعبارة بسيطة: داخل كل إنسان جيكل وهايد.
لكن هذا الشعار، رغم شهرته، قد يجعل النص أقل تعقيدًا مما هو عليه.
جيكل نفسه يبدأ من الاعتقاد بأن الإنسان اثنان، ثم يلمح إلى احتمال أن تكون الذات أكثر تعددًا من ذلك. والتجربة التي كان يفترض أن تثبت وجود نصفين واضحين تكشف في النهاية صعوبة الفصل أصلًا.
ليس هناك خط نظيف يمكن رسمه بين الرجل المحترم والرجل الذي يرتكب الشر.
الذي صنع هايد هو جيكل.
والذي استمتع في البداية بحرية هايد هو جيكل.
والذي حاول بعد ذلك التخلص منه هو الرجل نفسه.
لهذا ربما تكون "الشخصية المزدوجة" في الرواية أقل شبهًا بوجود شخصين داخل جسد واحد، وأكثر شبهًا بمحاولة إنسان أن يقنع نفسه بأن الجزء الذي يخجل منه لا ينتمي إليه.
والمفارقة أن محاولته التخلص من المسؤولية عن ذلك الجزء هي التي منحته قوة أكبر.
بعد أكثر من قرن على صدور الرواية، تغيرت لندن وتغير الطب وتغيرت اللغة التي نصف بها النفس البشرية، لكن السؤال الذي صنع جيكل وهايد لم يختفِ: هل نصبح أكثر تكاملًا عندما نعترف بتناقضاتنا، أم عندما نخترع لها اسمًا آخر ثم ندعي أنها ليست نحن؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق