آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

حين تصبح القصيدة وطناً أخيراً: عبد العزيز المقالح بين جراح اليمن وحكمة اليأس وجمال الحلم

بورتريه فني للشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، مرتدياً نظارة وبدلة رسمية، ويظهر بشعر رمادي وشارب وملامح هادئة متأملة.

بقلم: الورّاق الجزائري

لا يبدو شعر عبد العزيز المقالح، في هذه المختارات، كلاماً يُقال عن الوطن من مسافة آمنة، ولا تأملاً ذاتياً منعزلاً عن مصائر الناس؛ إنه شعر صادر عن تجربة امتزج فيها الشخصي بالوطني، حتى أصبح جسد الشاعر صورةً لجسد البلاد، وصارت شيخوخته مرآةً لزمن يشيخ تحت وطأة الحروب والخيبات. وفي مقابل هذا الخراب، تنهض القصيدة بوصفها بيتاً بديلاً، وذاكرةً تقاوم المحو، وحلماً يحفظ للأشياء صورتها الجميلة حين تفقدها في الواقع.

تتحرك قصائد المقالح المختارة بين أقطاب متقابلة: اليأس والأمل، الموت والانبعاث، الحرب والسلام، المدينة والريف، الواقع والحلم. غير أن هذه الثنائيات لا تبقى منفصلة؛ فهي تتداخل داخل التجربة الشعرية، فينبثق الرجاء من قلب اليأس، وتظهر الحياة عند حافة الموت، ويتحوّل المكان المهدَّد إلى صورة خالدة في اللغة. ومن هنا تتجلى خصوصية المقالح: إنه لا ينكر الخراب، لكنه لا يسمح له بأن يكون الكلمة الأخيرة.

 

اليأس عندما يكون اعترافاً إنسانياً لا استسلاماً

تفتتح قصيدة "أعلنت اليأس" أفقاً شديد القتامة، إذ يواجه الشاعر موته مواجهة مباشرة:

أنا هالكٌ حتماً
فما الداعي إلى تأجيل موتي

لا يتخفّى الصوت الشعري وراء استعارة بعيدة، بل يصرّح بمصيره في لغة حادة ومكشوفة. ويضاعف الإحساس بالفناء حين يربط شيخوخة الجسد بشيخوخة اللغة والصوت. فالمسألة ليست وهناً جسدياً فحسب، بل خوف من أن تفقد الذات أدوات وجودها وتعبيرها معاً. وحين يقول إن الذين يحبهم قد ذهبوا، وإنه فقد أسئلته ووقته، يصبح الموت عزلةً قبل أن يكون نهايةً بيولوجية؛ إنه إحساس بأن العالم الذي يمنح الحياة معناها قد أخذ يتناقص من حول الإنسان. وتبلغ صورة العزلة ذروتها في قوله:

أنا سائرٌ وسط القبور
أفرُّ من صمتي لصمتي

فالحركة هنا لا تؤدي إلى نجاة، والفرار لا يغيّر المصير. ينطلق الشاعر من صمت ليصل إلى صمت آخر، وكأن اللغة نفسها محاصرة. ومع ذلك، فإن كتابة القصيدة تناقض هذا الصمت؛ فالشاعر الذي يعلن عجزه عن الإفلات منه يحوّله إلى كلمات. ومن ثم يصبح الإفصاح عن اليأس شكلاً من أشكال مقاومته. ولا يبقى اليأس في القصيدة حالة فردية. فحين يدخل الشاعر إلى دواخل أصدقائه وأعدائه، يكتشف أن الجميع يشتركون في الجرح نفسه، وأن اليأس «ينهش كل قلب». هنا تتسع الذات لتشمل الجماعة، ويتحول الاعتراف الشخصي إلى كشف عن روح العصر. ولذلك فإن إعلان اليأس ليس دعوة إلى الانهيار، بل رفض للنفاق العاطفي ولادعاء الطمأنينة. إن الشاعر يفضّل الحقيقة القاسية على عزاء زائف، ويمنح الناس حق الاعتراف بألمهم.

هذه الصراحة لا تلغي حسه الأخلاقي. فعندما يبكي لا يبكي نفسه وحدها، وإنما يتوجه إلى السماء من أجل البشر والطير والشجر. إن الحزن عنده كوني، يمس الموجودات كلها، لأن العنف البشري لا يقتل الإنسان فقط؛ بل يصيب الطبيعة والذاكرة والجمال أيضاً.

 

الوطن بين الخيانة والذاكرة

يتخذ الوطن في شعر المقالح صورتين متصارعتين. هناك الوطن الواقعي الذي نهشته الحروب والمصالح والصراعات، وهناك الوطن الباطني الذي يحمله الشاعر في الكلمات والذكريات. ويعبّر عن هذا الانقسام بمرارة حين يقول:

أنا ليس لي وطنٌ
أفاخر باسمه
...
وطني هو الكلماتُ
والذكرى
وبعضٌ من مرارات الشجن

لا يعني هذا القول تخلي الشاعر عن وطنه؛ بل يدل على شدة تعلقه به. إنه يرفض أن يختزل الوطن في اسم أو شعار بعدما بيع للمستثمرين واللصوص والحروب، ومشت فوق أشلائه جماعات المصالح والمناصب والفتن. وحين يعجز الوطن السياسي عن توفير الانتماء، تصبح اللغة وطناً أخيراً. الكلمات لا تعوض الأرض تماماً، لكنها تحمي صورتها من التزييف، وتحفظ أسماءها وملامحها في الذاكرة.

يمتلك هذا الشعر جرأة نقدية واضحة؛ فالمقالح لا يحمّل خراب البلاد لعدو بعيد وحده، بل يخشى عليها من أبنائها ومن صراعات السلطة داخلها. في خطابه إلى صنعاء يقول إنه يخاف عليها من القريب، ثم يذهب إلى ما هو أشد إيلاماً:

أخاف عليك منكِ
ومن صراعات الإمارة

إنها مفارقة وطنية موجعة: يصبح المكان مهدداً ممن يفترض أنهم حراسه. وبذلك ينتقل الشعر من الرثاء العاطفي إلى مساءلة الواقع وكشف القوى التي تحوّل الوطن إلى غنيمة. لكن المقالح لا يكتب شعراً سياسياً تقريرياً. فالأحداث تتحول في قصائده إلى صور: الزمن مغبر، والسماء مغبرة، والرياح السوداء تعصف بالرؤوس العالية، والرصاص يذبل الورد ويطرد ماء الحديقة وغناء العصافير. بهذه الصور يبيّن أن الحرب لا تدمّر الأبنية فقط؛ بل تقلب نظام الجمال كله.

 

الحرب بوصفها اختلالاً في نظام الوجود

في «لا شيء في مكانه» تتجاوز الحرب حدود الحدث العسكري لتصبح زلزالاً وجودياً. تبدأ القصيدة بنفي استقرار العناصر الأساسية:

لم تعد السماء في مكانها
والأرض في مكانها
والشمس في مكانها
والبحر في مكانه

لقد تغيّرت ملامح الدنيا، ولم يعد الليل ليلاً ولا النهار نهاراً، ولا الضوء ضوءاً ولا الظلام ظلاماً. يدل هذا التكرار على أن الحرب لا تضيف مأساة جديدة إلى الحياة فحسب، بل تفسد المعايير التي يفهم بها الإنسان الحياة. فالاختلال يصيب اللغة والإدراك والعلاقات، حتى يفقد كل شيء اسمه وموقعه ووظيفته. ويتسع الخراب ليشمل الصداقة والعداوة معاً. فالأصدقاء لم يعودوا نجوماً تهتدي بها النجوم، والأعداء فقدوا حتى «أناقة اختيار الكلمات الجارحة». وفي هذه المفارقة حسرة على سقوط القيم، لا على اختفاء الطمأنينة وحدها. فالحرب تجعل المجتمع كتلة من الزحام لا يرى أفرادها بعضهم بعضاً، وتلغي الاتجاهات، فلا يعود في القاموس خلف ولا أمام. إنها تدمير للمعنى المشترك الذي يسمح للناس بأن يعيشوا معاً.

وفي قصيدة «وطن لا ينام» يتحول صوت الرصاص إلى لازمة إيقاعية تعود مع كل مقطع. والتكرار هنا يحاكي استمرار الحرب؛ فالرصاصة ليست حادثة عابرة، بل صوت يقتحم الوعي ويمنع الوطن من النوم. النوم في القصيدة ليس غفلة، وإنما سكينة طبيعية حُرمت منها البلاد، حتى الزهور والحمام لا تنام فيها. وحين يعلو الرصاص يخرج الشاعر إلى سطح بيته، وينظر إلى سلام السماء ثم يعود ببصره إلى ظلام الأرض. وتنشأ من هذه المقابلة فجوة مؤلمة بين اتساق الكون وفوضى الإنسان. السماء قادرة على السلام، لكن البشر يصرّون على صناعة الخراب. ومع ذلك، لا يكتفي الشاعر بتسجيل الخوف، بل يرفع نداءه إلى حملة السلاح:

فاخلعوا لامة الحرب
واحتكموا للحوار

في هذا النداء تتجلى وظيفة الشاعر الأخلاقية. فهو شاهد على الألم، لكنه أيضاً داعية إلى استعادة العقل. ويجرّد الحرب من الأقنعة الدينية والسياسية حين يؤكد أن الطريق إلى الله أو إلى القدس لا تبدأ بإشعال حرب داخل الوطن. فالقضية العادلة لا تبرر ظلم الأقربين، والمقدسات لا تُبلغ عبر تدمير حياة الناس.

 

صنعاء: امرأة وقصيدة وعاصمة للروح

تحتل صنعاء مركزاً استثنائياً في هذه المختارات. إنها ليست مجرد مدينة يحبها الشاعر، بل كائن أسطوري وروحي تتعدد صوره. يراها امرأة هبطت من ثياب الندى، ثم صارت قصيدة، ويصفها بأنها "عاصمة الروح". بهذا الانتقال من المرأة إلى القصيدة إلى العاصمة يمنحها خصائص الجمال والخصوبة واللغة والانتماء. وتظهر صنعاء مرةً بيتاً قديماً ساكناً في الروح، ومرةً تاريخاً مجروحاً مرسوماً على وجوه النوافذ والحجارة، ومرةً مدينة لا يراها إلا الحلم. إنها مكان واقعي يمكن التعرف إلى أبوابه وأزقته وحجارته، لكنها أيضاً صنعاء داخلية يقيم الشاعر فيها ويحملها في دمه. ويميز المقالح صنعاء عن عواصم العالم من خلال هوية روحية لا مادية: فإذا كانت مكة عاصمة القرآن، وباريس عاصمة الفن، ولندن عاصمة الاقتصاد، وواشنطن عاصمة القوة، والقاهرة عاصمة التاريخ، وبغداد عاصمة الشعر، ودمشق عاصمة الورد، فإن صنعاء هي «عاصمة الروح». والروح هنا ليست وصفاً تجميلياً؛ إنها جوهر المدينة الذي يتكون من التاريخ والعمران والأسطورة والذاكرة والحضور الإنساني.

ويبدو الحجر الصنعاني في هذه القصائد كائناً حياً. فهو يكتب أشكاله وامتداداته، ويتوهج، ويتعدد في ألوانه، ويستيقظ من غبار الزمن. أما الأقواس والأعمدة والقباب فلا تبقى عناصر معمارية جامدة؛ بل تتحول إلى نص مفتوح تقرؤه القصيدة. وكأن الشاعر لا يصف صنعاء بالكلمات، وإنما ينصت إلى الكلمات الكامنة في حجارتها. وتكشف صورة المدن المدفونة تحت صنعاء عن مفهوم عميق للذاكرة. فالمكان ليس سطحاً حاضراً فقط؛ إنه طبقات من التاريخ والأسطورة والحكايات. تحت المدينة الظاهرة مدن كثيرة اغتالها الزمن، لكنها لم تختف تماماً. تستعيدها المخيلة، وبذلك يصبح الشعر نوعاً من التنقيب الروحي في المكان.

 

البيت الريفي وحلم الخلاص

إذا كانت صنعاء وطناً للذاكرة، فإن "البيت في الريف" وطن للحلم. يكرر الشاعر عبارة "لي بيتٌ في الريف" حتى تتحول إلى لازمة تمنح البيت حضوراً متزايداً. لكن نهاية القصيدة تكشف أن هذا البيت لم يكن بناءً واقعياً، بل حلماً رافق الشاعر منذ هبوط الشعر على قلبه. إنه بيت تحرسه رائحة الورد، وتدخل إليه النجوم والحمائم، وتغسله الشمس صباحاً والليل مساءً، ويفتح أبوابه للضوء والظل والموسيقى. وليست هذه الصور وصفاً ريفياً بسيطاً؛ بل صياغة لعالم مضاد للمدينة المشوهة ولزمن الحرب. فالبيت الريفي مساحة نقية تستعيد فيها الروح توازنها وتطرح عنها "فيروسات المدن الشوهاء".

وتتكامل في هذه القصيدة الفنون المختلفة. فالجدران تُقام على هيئة قصيدة لا تخضع للوزن، وبيكاسو يساعد في رسم الواجهة، والطبيعة تعزف موسيقاها بواسطة النجوم والماء وشبابة الراعي. هكذا يصبح البيت عملاً شعرياً وتشكيلياً وموسيقياً في آن واحد. إنه الفن وقد تحول إلى مأوى.

ويمتزج الحسي بالروحي في صور الطبيعة: الجبال معلقة بالشمس، والآكام تغمس أصابعها في بلور العشب، والفراشات ترقص على إيقاع الماء. الطبيعة ليست خلفية للمشهد، بل شريكة في صنع المعنى. لكل شيء روح وحركة وصوت، ويكاد الإنسان يتراجع لكي يسمح للعالم بأن يتكلم. غير أن الشاعر يعترف بأن البيت حلم لا يبدد جماله، بل يفسر وظيفته. فالشعر هو الذي منح القلب الأعمى بصيرةً، وأتاح للروح أن ترى ما لا يُرى. بذلك تصبح المخيلة معرفةً أعمق من الرؤية المباشرة؛ لأنها لا تكتفي بما هو قائم، وإنما ترى ما ينبغي أن يكون.

 

من كابوس الواقع إلى حلم الانبعاث

يحمل عنوان "كوابيس وأحلام" مفتاحاً مهماً لعالم المقالح. فالكابوس هو الحرب، والخوف، والسقوط، وخراب المدن والقرى والشطآن. أما الحلم فهو اجتماع اليمنيين حول مائدة الحب، وتقاسم الخبز والماء وكأس الوئام. وتنبع قوة القصيدة من أنها لا تفصل الحلم عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فالمصالحة لا تظهر شعاراً سياسياً مجرداً، وإنما أسرة يمنية يلتف أطفالها ونساؤها ورجالها حول مائدة واحدة. ويتوج الشاعر رؤيته بصورة طائر الرخ الذي يدخل النار ثم يخرج من الرماد فتيّاً. وهي صورة انبعاث تحوّل الوطن من ضحية سلبية إلى كائن قادر على التجدد. ولا يقوم هذا الأمل على تجاهل الشدائد؛ بل إن الحوادث "اعتصرت" روح الوطن، ومع ذلك لم تستطع القضاء عليه.

لهذا لا تمثل الخاتمة المضيئة انقلاباً مصطنعاً على ما قبلها. فالأمل عند المقالح ليس تفاؤلاً سهلاً، بل ثمرة معرفة عميقة بالألم. إن الوطن الذي يتخيله "ناصعاً كالنهار" هو وطن خرج من النار، لا وطن لم يدخلها.

 

لغة شفافة وصور ذات كثافة رمزية

تتسم لغة المقالح في هذه المختارات بالوضوح، لكنها ليست لغة مباشرة فقيرة. تبدو عباراته سهلة الاقتراب، ثم تنفتح على دلالات أعمق. فهو يعتمد المفردة المألوفة، البيت، الحجر، الورد، الشمس، الماء، الرصاص، ويعيد ترتيب العلاقات بينها حتى يصنع عالماً رمزياً.

ومن أبرز سمات بنائه الشعري التكرار. تتكرر عبارات مثل "كلما اشتد صوت الرصاص" و"لي بيت في الريف" و"لم يعد" و"لا شيء". ويؤدي التكرار أكثر من وظيفة: فهو يصنع الإيقاع، ويثبت الصورة في الذاكرة، ويعبّر عن استمرار التجربة. فصوت الرصاص المتكرر يحاكي حصار الحرب، وتكرار امتلاك البيت يجعل الحلم أكثر واقعية، بينما يوحي تكرار النفي في "لا شيء في مكانه" باتساع الفوضى وشمولها. كما يعتمد الشاعر التشخيص بكثافة. فالحديقة تخاف، والأرض تغمض أجفانها، والأحجار تتكلم، والأقواس تستيقظ، والشمس تقبّل الوطن، والنجوم تدخل البيت. وينبع هذا التشخيص من رؤية ترى وحدة خفية بين الإنسان والعالم؛ فما يصيب البشر يمتد إلى الطبيعة، وما تقوله الطبيعة يمكن أن يصبح عزاءً للإنسان.

أما قصيدة النثر أو شعر التفعيلة المتحرر فيمنحانه قدرة على الجمع بين السرد والتأمل والإنشاد. فالنص قد يبدأ بصورة غنائية، ثم ينتقل إلى سؤال أو حكاية أو نداء سياسي، من غير أن يفقد وحدته. ويعوّض الشاعر غياب الوزن التقليدي بإيقاع داخلي تصنعه التكرارات والمقابلات وتوازن الجمل وتجاور الصور.

 

الشاعر شاهداً وحارساً للجمال

تقدم هذه القصائد صورة للشاعر بوصفه شاهداً لا يشيح بوجهه عن الواقع، وحارساً للجمال في الوقت نفسه. فهو يرى ما فعلته الحرب بالناس والأشياء والمكان والزمان، لكنه يواصل الإصغاء إلى صوت الحجر، ويراقب الورد والعصافير، ويبني بيته المتخيل، ويستدعي صنعاء التي لا يراها سوى الحلم. ولا يعني الاحتفاء بالجمال هروباً من الواقع؛ بل هو طريقة لمقاومته. حين تذبل الحرب الورد، يعيد الشاعر زرعه في اللغة. وحين تحوّل المدينة إلى خراب، يستعيد أبوابها وأقواسها وحجارتها. وحين يسلب العنف الناس قدرتهم على رؤية بعضهم، يقترح مائدةً للحب وحواراً يعيد بناء الجماعة.

في شعر المقالح إذن تتجاوز القصيدة وظيفة التعبير لتصبح فعلاً من أفعال الحفظ: حفظ الوطن من أن يتحول إلى شعار، وحفظ المدينة من أن تصبح أنقاضاً بلا ذاكرة، وحفظ الإنسان من أن يعتاد القسوة. إنها الوعاء الذي يضع فيه الشاعر ما يخشى عليه من الضياع.

 

خاتمة

تكشف هذه المختارات عن عالم شعري شديد الاتساع، على الرغم من انطلاقه من تجربة يمنية حميمة. فعبد العزيز المقالح يكتب صنعاء واليمن، لكنه يكتب من خلالهما سؤال الإنسان عن وطنه وموته وذاكرته وقدرته على النجاة. وفي شعره تلتقي مرارة الحكيم بحساسية الطفل، ووعي المؤرخ بمخيلة الحالم، وصرخة المواطن بتأمل الشاعر.

يعلن المقالح اليأس، لكنه يحوّل إعلانه إلى قصيدة؛ ويرى الوطن يسير نحو السقوط، لكنه يستدعي من رماده طائر الانبعاث؛ ويشهد اختلال الأشياء، لكنه يعيد ترتيبها في اللغة؛ ويحاصر الخراب مدينته، فيجعل منها عاصمة أبدية للروح. لذلك يبدو شعره مقاومةً للموت من داخل الاعتراف بالموت، ودفاعاً عن الأمل من دون إنكار أسبابه الواهية. وحين لا يجد الشاعر وطناً يستطيع أن يفاخر باسمه، يصنع من الكلمات وطناً لا تستطيع الحروب مصادرته. ذلك هو المعنى الأعمق لهذه القصائد: قد تنهار البيوت وتضطرب المدن وتفقد الأشياء أماكنها، لكن القصيدة تبقى المكان الأخير الذي يعود فيه الحجر إلى ذاكرته، والورد إلى رائحته، والإنسان إلى إنسانيته.


القصائد المختارة

أعلنت اليأس

عبد العزيز المقالح

 

أنا هالكٌ حتماً
فما الداعي إلى تأجيل
موتي
جسدي يشيخُ
ومثله لغتي وصوتي
ذهبَ الذين أحبهم
وفقدتُ أسئلتي
ووقتي
أنا سائرٌ وسط القبورِ
أفرُّ من صمتي
لصمتي.
* * *
أبكي
فتضحكُ من بكائي
دورُ العبادةِ والملاهي
وأمّدُ كفي للسماء
تقولُ : رفقاً يا إلهي
الخلقُ – كل الخلق
من بشرٍ ، ومن طيـرٍ
ومن شجرٍ
تكاثر حزنْهم
واليأسُ يأخذهم – صباحَ مساءَ –
من آهٍ ..لآه
* * *
حاولتُ ألاَّ أرتدي
يأسي
وأبدو مطمئناً
بين أعدائي وصحبي
لكنني لما رحلتُ
إلى دواخلهم
عرفتُ بأنهم مثلي
وأن اليأس ينهشُ
كل قلبِ .
أعلنتُ يأسي للجميع
وقلتُ إني لن اخبـي .
* * *
هذا زمان للتعاسة ِ
والكآبةْ .
لم يترك الشيطانُ فيهِ
مساحةً للضوء
أو وقتاً لتذكار المحبةِ
والصبابةْ .
أيامهُ مغبرّةُ
وسماؤُه مغبرّةُ
ورياحه السوداء
تعصف بالرؤؤس العاليات
وتزدري التاريخ
تهزأ بالكتابةْ.
* * *
أنا ليس لي وطنٌ
أفاخر باسمهِ
وأقول حين أراه:
فليحيا الوطنْ .
وطني هو الكلماتُ
والذكرى
وبعضٌ من مرارات الشجنْ
باعوه للمستثمرين وللصوص
وللحروبِ
ومشت على أشلائهِ
زمرُ المناصب والمذاهب
والفتن .
* * *
صنعاء ...
يا بيتاً قديماً
ساكناً في الروح
يا تاريخنا المجروح
والمرسوم في وجه النوافذ
والحجارة
أخشى عليك من القريب
ودونما سببٍ
أخاف عليك منكِ
ومن صراعات الإمارةْ.

 

 

كوابيس وأحلام

عبد العزيز المقالح

وَطَنٌ لا يَنَامْ

وَطَنٌ لا تَنَامُ الزُّهُورُ بهِ

لا يَنَامُ الحَمَامْ..

وَطَنٌ كانت الشمسُ مِن مائِهِ تَرتَوِي

وتُقَبِّلُهُ حِينَ تَنهَضُ مِن نَومِهَا

وتُقَبِّلُهُ وهي ذاهبةٌ لِتَنَامْ

ما الذي جَدَّ؟

كيفَ استَوَى وَطَنًا آيلًا لِلسُّقُوطِ

ومَقبَرَةً لِلسَّلامْ!

***

كلما اشتَدَّ صَوتُ الرَّصَاصِ

ولَعلَعَ في الصَّدرِ خَوفِي

خَرَجتُ إلى سَطحِ بيتي

وأَرسَلْتُ طَرْفِيَ نَحوَ السَّماءْ

فَيَأسرُنِي ما أَرَاهُ على أرضِها

مِن سَلَامْ

ويُرعِبُنِي ما أراهُ على أرضِنا

مِن ظَلَامْ

وما يَستوي في حواضِرِها

وقُرَاها

وشُطآنِها

مِن خَرَابْ.

***

كلما اشتَدَّ صَوتُ الرَّصاصِ

ولَعلَعَ في الصَّدرِ خَوفِي

خَرَجتُ إلى سَطحِ بَيتِي ونادَيتُ:

يا أهلَنَا..

أيُّها اللَّابسُونَ دُرُوعَ الحُروبِ

إلى أينَ تَمضُونْ؟!

إنَّ الطريقَ إلى اللهِ

لا تَبتَدِي مِن هُنا

والطَّريقَ إلى القُدسِ

لا تَبتَدِي مِن هُنا

فاخلَعُوا لامَةَ الحَربِ

واحتَكِمُوا لِلحوارْ

***

كلما اشتَدَّ صَوتُ الرَّصاصِ

وأَمْعَنَ في قَصفِهِ..

ذَبُلَ الوَردُ

وازدَادَ خَوفُ الحَدِيقةِ

غَادَرَهَا ماؤُها

وغِناءُ العَصَافِيرِ..

لا شَيءَ حِينَ يُلَعلِعُ صَوتُ الرَّصاصِ

يَظَلُّ على حالِهِ..

لا المَدينةُ

لا النَّاسُ

لا الشَّجَرُ الـ كانَ يَحرُسُ في اللَّيلِ

حُلمَ القَمَرْ.

***

كلما اشتَدَّ صَوتُ الرَّصاصِ

ولَعلَعَ في صَدريَ الخَوفُ

أَشرَقَتِ الشَّمسُ مِن خَلفِ (غَيْمَانَ)

وابتَلَّتِ الطُّرُقاتُ بماءِ المَحَبَّةِ

عادَ الهَوَاءُ قلِيلًا.. قليلًا

وأغمَضَتِ الأرضُ أجفانَها..

حَاوَلَت أن تَنَامْ.

***

كلما اشتَدَّ صَوتُ الرَّصاصِ

ولَعلَعَ في صَدرِيَ الخَوفُ

قُلتُ لِنَفسِي:

سَحَابَةُ حَربٍ سَتَمضِي

وتَبدَأُ عائِلَةُ اليَمَنِيّينَ

_أطفالُها، وحَرَائِرُها، والرِّجالْ

لِتَلْتَفَّ فِي لَحظَةِ الحَسْمِ

مِن حَولِ مائدةِ الحُبِّ..

تَأكُلُ خُبزَ "المُلَوَّح"

وتَشرَبُ مِن ماءِ (شَمسانَ)

كأسَ الوِئامْ.

***

لا تَخَافُوا عَلَيه

على وَطَنٍ عَرَكَتْهُ الشَّدائدُ

واعتَصَرَت رُوحَهُ الحَادِثاتْ

ولا تَحزَنُوا..

إنَّهُ طائِرُ الرّخِّ

يَدخُلُ في النَّارِ..

يَخرُجُ مِن حَدَقاتِ الرَّمَادِ فَتِيًّا

كَمَا صَوَّرَتْهُ عَوَاطِفُنا

وتَمَنَّتْهُ أحلامُنا

وَطَنًا..

ناصِعًا كالنَّهار.

 

مختارات من كتاب صنعاء

عبد العزيز المقالح

كانت امرأة

هبطتْ من ثياب الندى

ثم صارت قصيدة

هي عاصمةُ الروح

أبوابها سبعةٌ

والفراديس أبوابها سبعةٌ

كلُّ بابٍ يحقق أمنيةً للغريب

ومن أيّ بابٍ دخلتَ

سلامٌ عليك

سلامٌ على بلدةٍ

طيّبٌ ماؤها طيبٌ

في الشتاءات صحوٌ أليفُ

وفي الصيف قيظٌ خفيف

** **

مكة عاصمة القرآن،

باريس عاصمة الفن،

لندن عاصمة الاقتصاد،

واشنطن عاصمة القوة،

القاهرة عاصمة التاريخ،

بغداد عاصمة الشعر،

دمشق عاصمة الورد،

وصنعاء عاصمة الروح.

** **

ذات حلمٍ

هبطت على سلمٍ من أساطير

محفورةٍ في ضمير الزمان

رأيتُ بيوتا من الضوء

أعمدةً من نهارٍ بهيجٍ

وأسواق من فضةٍ

وشوارع من ذهبٍ

قيل لي: تلك صنعاءُ….

إنَّ صنعاء غير التي في دمي

لا يراها سوى الحلم، نافرةً،

ولها جسدان وشمسان

فاهبطْ على سلّمٍ من مرايا الحروف

وصفِّقْ إذا ما وصلتَ أقاصي المدينةْ.

** **

تحت صنعاء مدن كثيرة متعددة الأسماء،

اغتالتها أصابع الزمن

ذات يومٍ صرخ أحد السوّاح:

صنعاء تنام تحت صنعاء

بدأ الحفر بأظافره

وجد سلّما من الرخام

يؤدي إلى غرفٍ ذات ضوءٍ صاعق

وإلى سلالم مغطاةٍ بسجاجيد ناعمةٍ

في واحدةٍ من هذه الغرف

رأى مسرجة من المرمر الأبيض

كانت تتحدث بلغةٍ لا يفهمها

ورأى أشخاصا نائمين

يتأهبون للصحو

وبجوارهم سيوف من الذهب الخالص

وقبل أن يسعفه الجنون

كان في طريقه إلى المطار

** **

يكتب الحجرُ المتوهّج أشكاله

وامتداداته،

في الفضاء حنينٌ إلى الشرفات

قصورٌ من السرو

صفصافةٌ تتحدى النجومَ

بأوراقها

حجرٌ أبيض القسماتٍ،

وآخر أسودُ

يحتفلان بميلاد عاصمة

الروح….

ثم أقواس استيقظتْ

خرجتْ من غبار الزمن

وأعمدةٌ،

وقبابٌ،

وما ليس تُحصي القصائدُ

من حجرٍ مورقٍ،

وأساطيرُ آجرةٍ،

وكتابْ.

** **

في كل صباحٍ خريفي يخرج الشاعر

من نومه

قبل أن يطلّ وجه الشمس

من وراء “غيمان

يرتدي دهشة الأطفال ويحشر نفسه في الأزقة

الضيقة

ليكتب تاريخ الحجارة

وأحلامها

حجارة من كل الألوان

والأشكال، من كل الأزمنة والعصور

ذات صباح أنصت الشاعرُ بعينيه إلى صوتٍ

طالعٍ من حجرٍ أخضر يقول:

ليس البشر وحدهم من تتعدد فيهم

الألوان

والأجناس

الأحجار أيضا تتعدد ألوانها

 

بيت في الريف

عبد العزيز المقالح

لي بيتٌ في الريف

حديقتهُ حقلٌ مترامي الأطراف،

وتحرسه رائحةُ الورد.

إذا ما انتصف الليل

صعدتُ إلى السطح

لكي تتقاسمَ روحي وأنا

أنغامَ نجومٍ حالمةٍ

تذرع وجهَ سماءِ الليل

وتكتب أعذبَ ما

يهفو القلب إليه

من الكلمات.

* * *

لي بيتٌ في الريف

هو الأبهى

والأكثر إشباعاً للروح

جمعتُ حجارته بيدي

وأقمت الجدران على شكل

قصيدةِ شعرٍ

لا تخضع للوزن

وساعدني "بيكاسو"

في رسم الواجهة المفروشةِ

باللون الأخضر والأزرق.

* * *

لي بيتٌ في الريف

مساحتهُ بضعةَ أمتارٍ

وله بابٌ من خشب الطلح

نوافذهُ تحملني كل شروقٍ

نحو جبال عالقةٍ بالشمس

وآكـامٍ تغمس ماءَ أصابعها

في بلّور العشب

وتختال بشالٍ

نسجتهُ النسمات

من الضوء الأخضر.

* * *

لي بيتٌ في الريف

أنيقٌ وشفيفٌ

تغسله الشمسُ صباحاً

والليلُ مساءً

حين تحاصرني دوامةُ حزني

ويضيق القلب

أفر إليه

لأنفضَ عن روحي

ما أثقلها

من فيروسات المدن الشوهاء.

* * *

لي بيت في الريف

يمر الراعي كل صباحٍ

من تحت نوافذهِ

تتقدمه نحو الوادي

أغنامٌ تتكاثر يوماً عن يوم

وساعة يشتد أُوارُ الشمس

ووابلُ لفحِ ظهيرتهِ

يغشى القريةَ صمتٌ وسكونٌ

وهي تتابع أنغاماً ناعمةً كالسحر

تهب عليها من جنب الوادي

تعزفها شَبابةُ راعي الأغنام.

* * *

لي بيتٌ في الريف

بلا مفتاحٍ

تدخله في الليل نجومٌ تائهةٌ

أسرابُ حَمَامٍ

تبحث عن مأوى.

بيتٌ مفتوح للضوء

وللظل

وللموسيقى

لعصافيرَ توشوش

عند الفجر

لتوقظَ غزلانَ الصبح

ومجرى الماء النائمْ.

* * *

لي بيتٌ في الريف

إذا ما عدتُ إليهِ

يستقبلني شجرُ السرو

ودفءُ الباب

وعشبُ الممشى

وفَراشاتٌ يرقصن على إيقاع

مياهِ الجدول

ساعة تحتكّ أصابُعها المبتلةُ

بحصى الوديان.

* * *

لي بيتٌ في الريف

على منحدرِ القريةِ

لم يرهُ غيري

شادتهُ يدُ الحلم

على مهلٍ

واختارت للأحجار

اللون الهادئَ،

ألقاه على ورق الحرف

رخامُ الكلماتْ.

* * *

هل صدَّقتم يا أحبابي

أني أملك بيتاً في الريف

تداعبه الشمسُ

وتحرسه رائحة الورد

يمر الراعي من تحت نوافذه؟

ذلك... حلمٌ عذبٌ راودني

منذ هبوط الشعرُ على قلبي الأعمى

فارتدَّ بصيراً،

وعلت روحي، فرأتْ

من ملكوت الله الأعلى

ما ليس يُرى.

 

لا شيء في مكانه

عبد العزيز المقالح

(إلى العزيز الشاعر الكبير حسن عبدالوارث)

لم تعد السماءُ في مكانها

والأرضُ في مكانها

والشمسُ في مكانها

والبحرُ في مكانهِ

تغيَّرتْ ملامحُ الدنيا

تغيَّرتْ ملامحُ الحياةِ

والأشياءْ .

الليلُ

لم يعد هو الليل

النهارُ

لم يعد هو النهار

الضوءُ لم يعد هو الضوء

والظلامُ

لم يعد هو الظلامْ .

الأصدقاءُ

لم يعودوا مثلما كانوا

نجوماً تهتدي بها النجوم

والأعداءُ

لم يعد لديهم من فضائل الصبر

ولا أناقةِ اختيارِ الكلمات الجارحةْ .

لم يعد الفضاءُ في مكانهِ

ولم تعد تزرعهُ العصافيرُ

ولا الحمامْ .

صار خاوياً وموحشاً

كأنَّهُ جدارٌ مغلقٌ

لا تنفذُ الشمسُ اليهِ ..

لا تنفذُ الأنداءْ .

الناسُ

هذي الكتلةُ الكبرى

من الزحامْ

لم يعودوا يُبصرون بعضَهم

ولا طريقهم

لا خلفَ في قاموسهم

ولا أمامْ .

يا حسرتاه !

عينُ قلبي وحدها

تشهدُ ما جَنَتْهُ الحربُ

بالناسِ

وبالأشياءْ ،

ما حَلَّ بالمكانِ والزمانِ ،

ما حَلَّ بالتقارُبِ الحميمِ

بين الأرضِ

والسماءْ .


لقراءة المزيد من قصائد عبد العزيز المقالح على موقع الديوان  انقر هنا

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شعرية التيه والتمرّد عند قاسم حدّاد

  قراءة في تحوّلات اللغة والذات والعالم بقلم: الورّاق الجزائري   تنبني التجربة الشعرية عند قاسم حدّاد على رغبة عميقة في تحرير القصيدة ...