حين تتحول البطولة إلى حكاية ويبقى النظام أقوى من أبطاله
إذا كان جبل ورفاعة وقاسم قد مروا في حارة نجيب محفوظ، وترك كل واحد منهم قصة يعرفها الناس ويرددها الشعراء، فلماذا تعود الحارة بعدهم إلى الفتوات والخوف والاستئثار بالوقف؟ لماذا لا تتعلم الجماعة من تاريخها؟ والأغرب أن أهل الحارة ليسوا بلا ماضٍ. إنهم يسمعون الماضي كل ليلة تقريبًا، وتحفظ المقاهي أسماء رجاله، وتعيد الربابة سيرتهم جيلاً بعد جيل. ومع ذلك يتكرر الظلم كأن أحدًا لم يأتِ من قبل.
الجواب المبكر هو أن "أولاد حارتنا" تميز بين تذكّر الحكاية والاحتفاظ بمعناها. أهل الحارة لا يفقدون أسماء المصلحين تمامًا، بل يحولونهم إلى قصص وأناشيد وذكريات، بينما تضيع القواعد التي قاوموا من أجلها. لذلك لا يكون النسيان في الرواية فقدانًا للمعلومات بقدر ما يكون عجزًا اجتماعيًا عن تحويل الذاكرة إلى عدالة قابلة للاستمرار.
ومن هنا يمكن أن نقرأ العبارة القصيرة التي تتكرر في الرواية، "آفة حارتنا النسيان"، باعتبارها أكثر من حكمة تصلح للاقتباس. إنها مفتاح لبنية العمل نفسها. فكل دورة تبدأ بوضع لا يطاق، ثم يظهر شخص يقاوم، ويتحقق قدر من النظام أو الرحمة أو المساواة، ثم يموت الرجل أو يغيب، وبعد مدة قصيرة تتراجع التجربة ويتقدم الفتوات من جديد. ليست المشكلة أن الحارة لم تعرف العدل قط، بل أنها عرفته أكثر من مرة ولم تستطع أن تجعله أقوى من الشخص الذي حمله.
وهذه الزاوية تختلف عن السؤال الذي تناولناه سابقًا في مقال "أولاد حارتنا: لماذا أثارت رواية نجيب محفوظ كل هذا الجدل؟ وماذا تقول فعلًا؟". هناك كان مركز الاهتمام هو الرمز الديني والجدل الذي أحاط بالرواية. أما هنا فالسؤال أقل صخبًا وربما أشد إزعاجًا: ماذا يحدث للمجتمع بعد أن ينتهي زمن المصلح؟
رواية خرجت من التاريخ الواقعي إلى الحارة الرمزية
ظهرت "أولاد حارتنا" متسلسلة في جريدة الأهرام سنة 1959، بعد أن كان نجيب محفوظ قد رسخ مكانته عبر مرحلته الواقعية الكبرى و"الثلاثية". وكان الانتقال واضحًا: بدلاً من التاريخ الاجتماعي المفصل لأسرة وأحياء القاهرة عبر عقود، بنى محفوظ حارة تبدو مصرية شديدة المحلية، لكنها في الوقت نفسه قابلة لأن تتسع حتى تصبح صورة مصغرة للعالم.
لهذا لا تكفي قراءة الحارة باعتبارها حيًا فقيرًا فيه ناظر وفتوات وسكان مسحوقون. إنها مكان واقعي ومتخيل معًا. لديها وقف يجب أن يعود خيره على الجميع، وبيت كبير يطل عليها، وتاريخ مؤسس، وأحياء تتوزع فيها الجماعات، ومقهى يحفظ الأخبار والحكايات. لكن لديها أيضًا قدرة غريبة على إعادة البداية. تتغير الأسماء ويبقى البناء الأساسي للقوة كما هو.
ولفهم حجم التحول الذي مثّلته الرواية في مسيرة محفوظ، تكفي مقارنتها بعالم "ثلاثية نجيب محفوظ" وشخصية السيد أحمد عبد الجواد. في "الثلاثية" يتقدم التاريخ داخل البيوت والشوارع وتتغير الأجيال والسياسة والعلاقات الاجتماعية. أما في "أولاد حارتنا"، فإن الزمن يتقدم لكنه يبدو معرضًا دائمًا للعودة إلى نقطة مألوفة: سلطة في الأعلى، وفتوة يحرسها، وجمهور ينتظر الخلاص.
وهنا تكمن أهمية النسيان. فهو ليس ضعفًا فرديًا في ذاكرة شخص. لا أحد يستيقظ فجأة وقد نسي اسم جبل أو رفاعة أو قاسم. النسيان ظاهرة أوسع: المجتمع يتذكر الشخص ويهمل الشرط الذي جعل ظهوره ضروريًا، ثم يسمح للشروط القديمة بأن تتكون مرة أخرى.
أهل الحارة يتذكرون الأبطال وينسون ما فعلوه
ثمة مفارقة لافتة في الرواية: الحكايات لا تنقطع. الشعراء يرددون سيرة الماضي، والناس يعرفون أسماء الكبار، وكل جماعة تحتفظ بصورة للبطل الذي تنتسب إليه. أي أن محفوظ لم يبن عالمًا بلا ذاكرة. على العكس، هذه حارة ممتلئة بالذاكرة إلى حد الضجيج.
لكنها ذاكرة احتفالية أكثر منها ذاكرة فاعلة.
حين يصبح المصلح أغنية، يمكن أن نحبه من دون أن نغيّر حياتنا. وحين يصبح الماضي بطولة مكتملة، يستطيع الحاضر أن يتفرج عليه بدل أن يُسأل عما بقي من مبادئه. هنا تتحول الذاكرة نفسها إلى شكل من أشكال النسيان: نتذكر الاسم كي نتجنب مواجهة المعنى.
وهذا ما يجعل المشهد الذي يواجه فيه عرفة الحكايات مهمًا جدًا. يصل إلى عالم لا تزال فيه الربابة تروي قصص أدهم وجبل ورفاعة وقاسم، ولكنه ينظر حوله فلا يجد نتائج توازي ضخامة تلك الذاكرة. الفتوات موجودون، والخوف موجود، والناظر يحتكر القوة، والوقف لا يؤدي الوظيفة التي قامت عليها الحكاية الأصلية. الماضي حاضر في الكلام وغائب في بنية الحياة.
بهذا المعنى لا يقول محفوظ إن الناس جهلة بتاريخهم. ربما يقول شيئًا أصعب: معرفة التاريخ لا تمنع تكراره إذا تحولت المعرفة إلى طقس. تستطيع الجماعة أن تحفظ قصة الظلم، وتتعاطف مع ضحاياه، وتمجد من قاومه، ثم تعيد العلاقات نفسها التي أنتجته.
وهي ملاحظة تمنح كلمة "النسيان" معنى أوسع من معناها النفسي. النسيان هنا سياسي واجتماعي وأخلاقي، بمعنى أنه انقطاع بين المبدأ وبين المؤسسة، وبين البطولة وبين الحياة اليومية. ما دام العدل مرتبطًا بوجود رجل استثنائي، فإن موته يفتح الباب أمام عودة النظام القديم.
جبل: ماذا يحدث عندما يعتمد النظام على قوة الرجل العادل؟
في قصة جبل يبدو التغيير أكثر اتصالًا بالقوة والنظام. لا يواجه الرجل ظلمًا فرديًا فحسب، بل يحاول أن يضع حدًا لاعتداء الفتوات وأن ينشئ قواعد تحمي جماعته. ويتذكره الناس بعد ذلك بوصفه رمزًا للعدل والنظام.
لكن الرواية لا تكتفي بانتصاره. ما يهمها هو اليوم التالي للانتصار، ثم السنوات التالية، ثم الزمن الذي لا يعود فيه جبل موجودًا لكي يفرض الحدود بنفسه.
وهنا يظهر ضعف العدالة الشخصية. إذا كان النظام عادلًا لأن الرجل الذي يمسكه عادل، فما الذي يضمن بقاءه بعد غيابه؟ وإذا كانت القوة هي التي أوقفت قوة الفتوات، فمن يمنع القوة الجديدة من أن تتحول هي الأخرى إلى فتوة حين تتغير الأيدي؟
لا تقدم الرواية هذه الأسئلة في صورة درس في العلوم السياسية، لكنها تبنيها في حركة السرد. يصلح الرجل ما يستطيع، ثم يغادر، وتبدأ المسافة بين المثال والواقع في الاتساع. يتبقى الاسم، وتبهت التجربة.
لهذا يصبح قول الراوي إن النسيان هو آفة الحارة تعليقًا على شيء أكبر من قلة الوفاء لجبل. المشكلة أن الجيل اللاحق لا يرث نظامًا قادرًا على حماية نفسه؛ يرث سيرة رجل أقام النظام في زمنه. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين تاريخ يُروى ومؤسسة تستمر.
رفاعة: هل تستطيع الرحمة وحدها تغيير البنية التي تنتج العنف؟
مع رفاعة تنتقل التجربة إلى مستوى آخر. تقل مركزية القوة المباشرة ويبرز تطهير النفس والرحمة ورفض منطق الفتوة. وإذا كان عالم الحارة قد اعتاد أن يقيس الرجال بقدرتهم على الضرب والحماية والانتقام، فإن رفاعة يدخل بلغة تكاد تقلب هذه القيم.
لكن موته يصنع مفارقة موجعة: يزداد حضوره في الذاكرة بعد أن يغيب جسده. تتحول حياته إلى قصة باهرة، ويختلف أتباعه في الطريقة الصحيحة لحفظ طريقه، فيما تستمر الحياة الواقعية في إنتاج الصراع والطمع والفتونة.
وهذا الاختلاف بين الأتباع مهم. فالتذكر لا يضمن الاتفاق على معنى ما نتذكره. يستطيع الناس جميعًا أن يحبوا رفاعة، ثم يستخرج كل فريق من حياته تصورًا مختلفًا. هنا لا يعود النسيان محوًا للذاكرة، بل تفككًا لها. تبقى الشخصية، بينما ينقسم المعنى.
إنها آلية مألوفة في تاريخ الجماعات: بعد موت المؤسس يبدأ الصراع على تفسير إرثه. وكلما ابتعد الزمن عن اللحظة الأولى ازدادت إمكانية تحويل التجربة إلى شعارات متنافسة. وفي النهاية قد يجد الناس أنفسهم يدافعون عن اسم واحد وهم يعيشون وفق قيم متعارضة.
بهذا يصبح السؤال الذي تطرحه الرواية أكثر تعقيدًا من "لماذا ينسى الناس؟". السؤال هو: من يملك تفسير الذاكرة بعد رحيل صاحبها؟ وكيف يمكن للحكاية التي وحدت الناس لحظةً أن تصبح مادة لاختلافهم لاحقًا؟
قاسم: حتى التجربة الأوسع لا تنجو من الزمن
تأتي تجربة قاسم أكثر اتساعًا من حيث تنظيم الجماعة وتوحيد الحارة وإعادة توزيع العلاقة بين القوة والعدل. ويبدو للحظة أن الحارة اقتربت من تجاوز دائرتها القديمة. ليس هناك مجرد احتجاج أخلاقي على الظلم، بل محاولة لإقامة ترتيب اجتماعي جديد.
وهنا تبلغ المفارقة أقصاها. فإذا كان الفشل بعد جبل يمكن رده إلى محدودية تجربته، وإذا كان الفشل بعد رفاعة يمكن تفسيره بأن الأخلاق وحدها لم تُزل بنية القوة، فماذا نقول حين تتراجع الحارة بعد تجربة قاسم أيضًا؟
في هذه النقطة يكشف محفوظ أن المشكلة ليست في العثور على "نوع المصلح الصحيح" فقط. فالرواية تعيد اختبار الحلول بصور مختلفة، ومع ذلك يبقى الزمن قادرًا على تفكيك نتائجها. بعد الجيل المؤسس تأتي المصالح، والوراثة، والمنافسة، والخوف، والرغبة في السلطة. وما كان في البداية تجربة حية يتحول بالتدريج إلى نسب وهوية وحكاية.
تلك إحدى أكثر أفكار الرواية قسوة: الإنسان لا يحتاج إلى أن ينكر القيم الكبرى كي يخونها. يكفي أحيانًا أن يعلن الانتماء إليها ثم يعيد بناء حياته على القواعد القديمة.
وهذا ما يجعل "أولاد حارتنا" أوسع من مطابقة الشخصيات بنظائرها الدينية. المطابقة ضرورية لفهم الطبقة الرمزية، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الرواية الأدبي. القيمة الأعمق تظهر عندما نسأل: لماذا أعاد محفوظ بناء السلسلة كلها داخل حارة يحكمها الوقف والفتوات؟ ولماذا أصر على أن النتيجة الاجتماعية لا تدوم؟
الوقف: العدل في الرواية ليس فكرة مجردة
من السهل، بسبب الجدل الديني الذي أحاط بالرواية، أن ينصرف الانتباه عن عنصر مادي شديد الأهمية: الوقف. أهل الحارة لا يريدون الخلاص الروحي فقط. لديهم حق ضائع في مورد مشترك. ومنذ البدايات يرتبط الظلم بطريقة توزيع هذا الخير واستئثار الناظر والفتوات به.
هذه النقطة تغيّر معنى الصراع. فالسؤال ليس فقط: من يمتلك الحقيقة؟ بل أيضًا: من يأكل؟ من يملك؟ من يحمي؟ من يأخذ نصيبه؟ ومن يملك القوة التي تتيح له حرمان الآخرين؟
لذلك لا يستطيع المجتمع أن يحفظ العدل بمجرد حفظ قصص العادلين. إذا بقيت طريقة توزيع الثروة والقوة قابلة للاستيلاء، فإن الفراغ الذي يتركه المصلح سيملؤه الأقوى. يستطيع الناس أن يتغنوا بالرحمة ليلًا ثم يدفعوا الإتاوة صباحًا.
وهنا يصبح الفتوة شخصية ووظيفة في الوقت نفسه. قد يموت فتوة ويظهر آخر. الأسماء أقل أهمية من الموقع الذي ينتظر من يشغله. ما دامت بنية الحارة تسمح لرجل مسلح بأن يصبح وسيطًا بين الناس وحقوقهم، فإن القضاء على رجل واحد لا يقضي على الفتونة.
وبهذا يختلف هذا العالم، رغم المسافة الكبيرة بين الروايتين، عن مأزق سعيد مهران في "اللص والكلاب": لماذا تحول سعيد مهران إلى قاتل؟. سعيد يحاول أن يختصر أزمة عالم كامل في أشخاص يريد الانتقام منهم. أما "أولاد حارتنا" فتذهب إلى السؤال المقابل: ماذا لو سقط الشخص الظالم، لكن المكان الذي كان يشغله ظل موجودًا؟
الفتوة لا يحتاج إلى ذاكرة.. أما العدل فيحتاج إليها
للسلطة العنيفة ميزة مخيفة في الرواية: إنها لا تحتاج إلى إقناع الناس بتاريخ طويل. النبوت حاضر، والخوف مباشر، والإتاوة تُدفع اليوم. أما العدل فيحتاج إلى ذاكرة تتجاوز اللحظة. يحتاج الناس إلى أن يتذكروا لماذا رفضوا الاستبداد في المرة السابقة، وكيف تعاونوا، وما الذي كان ينبغي ألا يسمحوا بعودته.
لهذا يبدو النسيان حليفًا طبيعيًا للفتونة. كل جيل ينسى ثمن الخضوع يجعل مهمة الفتوة التالي أسهل. ولا يعني ذلك أن السكان راضون. هم يشكون ويتألمون ويتمنون الخلاص، لكنهم ينتظرون غالبًا شخصًا جديدًا يحمل العبء عنهم.
وهنا يمكن قراءة واحدة من أشد البنى تكرارًا في الرواية: انتظار الرجل القادم.
حين تصبح العدالة مرتبطة بالمخلّص الفرد، يتعلم المجتمع الأمل أكثر مما يتعلم الفعل. يظهر جبل فيتعلق الناس بجبل، ثم رفاعة، ثم قاسم، ثم عرفة. وفي كل مرة تعود الآمال إلى التجسد في شخص استثنائي يستطيع فعل ما لا يستطيع الآخرون فعله.
لكن الرواية، بتكرارها هذه الدورة، تجعل هذا الأمل نفسه موضع فحص. ليس لأنها تحتقر الأبطال، بل لأنها تسأل عن المجتمع الذي لا يستطيع حماية إنجازهم بعد موتهم.
المصلح يستطيع فتح الباب. لا يستطيع وحده ضمان أن يبقى الباب مفتوحًا إلى الأبد.
عرفة: عندما يملّ العلم من الحكايات
مع عرفة تتغير اللغة. يأتي رجل لا يريد أن يكتفي بما تقوله الربابة. يسأل عن أثر ما يسمعه في الحياة التي أمامه، ويثق في التجربة والعمل و"السحر"، وهو الاسم الذي تمنحه الحارة لما نقرأه رمزيًا بوصفه العلم الحديث.
وقد تحدث محفوظ نفسه عن مكانة العلم في الرواية، مؤكدًا أنه أراد أن يظهر أن للعلم مكانًا في المجتمع وأنه ليس بالضرورة خصمًا للقيم الدينية. وهذه الإشارة مهمة لأنها تمنع قراءة الفصل الأخير باعتباره مجرد إعلان لانتصار العلم على كل ما سبقه. عرفة ليس بطلًا بسيطًا، والعلم الذي يحمله ليس خلاصًا مضمونًا.
بل إن مأساة عرفة تكشف أن المعرفة تستطيع أن تقع في المشكلة نفسها التي وقعت فيها القوة من قبل: من يمتلكها؟ ولأي غرض يستخدمها؟ وهل يستطيع صاحبها أن يمنع السلطة من الاستيلاء عليها؟
يكتشف عرفة قوة تستطيع أن تتفوق على النبوت. لكنه يكتشف أيضًا أن القوة الجديدة يمكن أن تصبح أداة في يد الناظر. لا يكفي أن تكون المعرفة متقدمة؛ يجب أن يكون هناك نظام أخلاقي واجتماعي يمنع احتكارها.
هنا يعود سؤال الذاكرة بصورة جديدة. عرفة، على خلاف أبطال الحكايات الذين تنتقل سيرتهم شفهيًا، يفكر في تسجيل أسرار عمله في كراسة حتى لا يضيع جهده بموته. إنها لحظة شديدة الدلالة: للمرة الأولى تقريبًا يصبح حفظ المعرفة نفسه جزءًا صريحًا من مشروع الخلاص.
لقد رأينا الحارة تحفظ الأبطال في الأغاني، لكن الأغاني لم تحفظ قدرتهم على تغيير الواقع. أما عرفة فيحاول أن يحفظ الطريقة، لا الذكرى فقط.
وهذا فارق جوهري.
من الربابة إلى الكراسة: هل تتغير طبيعة الذاكرة؟
في نهاية الرواية تتجاور صورتان للذاكرة. هناك الربابة التي تروي الماضي وتعيد بناء الأبطال في المخيلة، وهناك كراسة عرفة التي يفترض أن تحفظ معرفة يمكن استخدامها في المستقبل.
الأولى تصنع المعنى والهوية. الثانية تحفظ التقنية والخبرة.
ولا يقول النص إن واحدة منهما تكفي وحدها. الحكاية بلا معرفة عملية قد تتحول إلى تعزية. والمعرفة بلا أخلاق قد تتحول إلى سلاح في يد الناظر. لذلك تأتي نهاية "أولاد حارتنا" أقل راحة من أي انتصار نهائي.
بعد سقوط عرفة، يبحث حنش عن الكراسة. وما يشعل الأمل في الناس ليس مجرد تمجيد ذكرى الرجل، بل احتمال أن تكون معرفته لم تمت معه. هذه المرة يحاول المجتمع أن ينتظر شيئًا يمكن نقله وتطويره، لا مجرد بطل يولد مرة أخرى.
لكن حتى هنا لا يمنح محفوظ ضمانة.
فالكراسة نفسها تصبح حكاية تنتشر الأخبار والظنون حولها. الناس لا يعرفون على وجه اليقين ما وصل إلى حنش وما يستطيع فعله. تبدأ الواقعة مرة أخرى في الدخول إلى ماكينة الأسطورة. وكأن الرواية تحذرنا من أن الإنسان قادر حتى على تحويل المعرفة إلى حكاية إذا لم يمتلكها بالفعل.
ومع ذلك توجد نقلة صغيرة لكنها مهمة. الناس في النهاية لا يبدون الاستعداد نفسه لتلقي رواية السلطة عن عرفة. يبدأ الشك، وتظهر السخرية من الأغاني التي يريد الناظر فرضها، ويتغير موقع عرفة في الذاكرة العامة. إنها ليست ثورة مكتملة، لكنها علامة على أن الذاكرة قد تكون بدأت تقاوم الطريقة التي تُصنع بها.
إذن لماذا تنسى الحارة؟
يمكن الآن إعطاء جواب أدق من القول إن البشر بطبيعتهم ينسون.
الحارة تنسى لأن تاريخها يُحفظ في صورة أبطال أكثر مما يُحفظ في صورة مؤسسات. وتنسى لأن كل جماعة تميل إلى امتلاك مصلحها بدل أن تحفظ المبدأ الذي يتجاوز الجماعة. وتنسى لأن السلطة اليومية للفتوة أقرب إلى الجسد من حكمة الماضي. وتنسى لأن الوقف الذي يفترض أن يكون حقًا عامًا يظل قابلًا للاحتكار. وتنسى لأن الحكاية، مهما كانت جميلة، لا تمنع النبوت إذا بقي النبوت هو الوسيلة العملية لتنظيم القوة.
لكن محفوظ لا يعامل النسيان باعتباره قدرًا وراثيًا لا مهرب منه. لو كان كذلك لما كان هناك معنى لإعادة سرد التاريخ كله.
الرواية نفسها فعل مقاومة للنسيان.
إنها تجمع الدورات المتشابهة وتضعها أمام القارئ دفعة واحدة. ما لا يراه أهل الحارة، لأن كل جيل يعيش زمنه المحدود، يراه القارئ لأنه يستطيع مشاهدة البنية تتكرر: ظلم، مقاومة، أمل، انتصار ناقص، موت، أسطورة، تراجع، ثم ظلم جديد.
وبذلك تمنحنا الرواية امتيازًا لا تمنحه لشخصياتها بسهولة: أن نتذكر أكثر من جيل واحد في اللحظة نفسها.
مشكلة الحارة ليست أن الأبطال فشلوا
ربما يكون من الظلم أن نقرأ مصائر جبل ورفاعة وقاسم وعرفة كسلسلة من الهزائم. كل واحد منهم يغيّر شيئًا حقيقيًا، ولو لفترة. ومن دونهم سيكون تاريخ الحارة خطًا مستقيمًا من الخضوع.
المشكلة أن النجاح لا يتحول إلى قاعدة مستقلة عن صاحبه.
وهذا فارق حاسم؛ لأن كثيرًا من القراءات تميل إلى سؤال: أي المصلحين كان على حق؟ القوة؟ الرحمة؟ التنظيم؟ العلم؟ بينما يمكن أن تكون الرواية أكثر تشككًا في صيغة السؤال نفسها. فقد لا تكون المشكلة اختيار البطل الأفضل، بل الاعتماد المستمر على البطل.
كلما احتاج العدل إلى رجل استثنائي لكي يوجد، بقي الظلم هو الحالة العادية.
بهذا المعنى يصبح الفتوة أكثر ثباتًا من المصلح، لا لأنه أقوى أخلاقيًا أو أذكى، بل لأن الوظيفة التي يؤديها موجودة قبل وصوله وتبقى بعد موته. أما المصلح فيضطر كل مرة إلى البدء من جديد.
وهذه هي المأساة الحقيقية للنسيان في "أولاد حارتنا": أنه يمحو التراكم. لا يسمح للتجربة التالية بأن تبدأ من حيث انتهت السابقة. يأتي كل جيل تقريبًا ليخوض المعركة وكأنها تُخاض للمرة الأولى.
لماذا بقيت عبارة "آفة حارتنا النسيان" خارج الرواية أيضًا؟
خرجت العبارة من صفحات الكتاب لأنها قابلة للتطبيق على تجارب بشرية كثيرة، لكن شيوعها يحمل مفارقة طريفة: قد نتذكر العبارة نفسها بالطريقة التي تتذكر بها الحارة أبطالها.
نقتبسها، ننشرها، نهز رؤوسنا إعجابًا بحكمتها، ثم ننساها عمليًا.
ولو اختزلنا الرواية كلها إلى تلك العبارة سنكون، بطريقة ما، قد وقعنا في الفخ الذي تصفه. فمحفوظ لا يقدم حكمة منفصلة عن العالم الذي أنتجها. إنه يبني عشرات المواقف لكي نرى كيف يحدث النسيان: كيف تتحول العدالة إلى ذكرى، والذكرى إلى احتفال، والاحتفال إلى بديل عن الفعل.
لهذا ربما تكون القراءة الأكثر وفاءً للرواية هي ألا نسأل فقط ماذا نتذكر، بل ماذا يفعل ما نتذكره بنا.
هل يجعلنا أقل استعدادًا لقبول الظلم القديم حين يعود باسم جديد؟ هل يترك أثرًا في توزيع القوة والحقوق؟ هل تتراكم التجربة؟ أم أن الماضي يتحول إلى متحف جميل نستطيع زيارته بينما تستمر الحياة خارجه بالطريقة ذاتها؟
الحارة التي تنتظر ألا تبدأ من الصفر
في النهاية لا تبدو "أولاد حارتنا" رواية عن انتصار المصلح ولا عن استحالة الإصلاح. إنها رواية عن المسافة الخطرة بين لحظة اكتشاف العدل وقدرة المجتمع على الاحتفاظ به.
فالعدل يظهر أكثر من مرة. الناس يعرفونه حين يرونه. يشعرون بالفارق بين زمن الفتوة وزمن الأمان، وبين الاستئثار والحق المشترك، وبين الخوف والكرامة. المشكلة ليست أنهم عاجزون تمامًا عن تصور حياة أفضل.
مشكلتهم أنهم لا يملكون دائمًا الوسائل التي تجعل تلك الحياة أقوى من الزمن.
وهنا يصبح النسيان اسمًا لكل ما يضيع بين جيل وجيل: الخبرة، والتنظيم، والمسؤولية المشتركة، والمعنى الأصلي للكلمات، والقدرة على تمييز المبدأ من الرجل الذي مثّله لحظةً.
وربما لهذا تنتهي الرواية من دون إغلاق الباب. ما يبقى ليس مصلحًا خالدًا، بل احتمال معرفة يجري البحث عنها، وجماعة بدأت تشك في الرواية التي تقدمها لها السلطة، وأمل لم يعد قادرًا على العودة تمامًا إلى براءته القديمة.
قد يتكرر الظلم مرة أخرى. الرواية لا تعدنا بغير ذلك. لكنها تترك إمكانًا صغيرًا: أن يكون الجيل التالي أقل نسيانًا من الذي سبقه.
فإذا كانت الحارة تعرف قصص مصلحيها كل هذا المعرفة، فهل كان ينقصها بطل جديد فعلًا، أم كان ينقصها أن تتعلم كيف تعيش من دون انتظار بطل؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق