اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

شرح قصيدة "على قدر أهل العزم" للمتنبي

 

بورتريه تخيلي للمتنبي بالألوان المائية، وخلفه قلعة الحدث وفرسان في ساحة المعركة، مستوحى من قصيدة على قدر أهل العزم.


حين تتحول معركة الحدث إلى درس في البطولة والحكمة

بقلم: الورّاق الجزائري

مطلع خرج من القصيدة إلى الحياة

قلما خرج بيت من ديوان صاحبه إلى حياة الناس كما خرج قول المتنبي: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم". نردده في الحديث عن العمل والعلم ومواجهة الشدائد، وقد نستشهد به من غير أن نتذكر المعركة التي قيل فيها أو القصيدة الطويلة التي جاء في مطلعها. ساعده على هذا الانتشار وضوح معناه وقوة إيقاعه، غير أن قيمته تزداد حين يُقرأ داخل النص؛ فالحكمة التي تبدو عامة في البداية تتحول، بيتًا بعد بيت، إلى ميزان يقيس به الشاعر الرجال والأفعال.

نظم المتنبي القصيدة في مدح سيف الدولة الحمداني عقب انتصاره في معركة الحدث سنة 343 للهجرة، حين كان الأمير يعيد بناء قلعتها على أحد الثغور، فتقدمت إليه قوات رومانية كبيرة تريد وقف العمل واسترداد الموقع. لم يكتب الشاعر سجلًا عسكريًا يتابع دقائق المعركة، بل التقط منها ما يلائم رؤيته إلى البطولة: قائد تتقدم همته على جيشه، وحصن يُبنى تحت وقع الرماح، وعدو كثير العدد يتبدد حين تبدأ المحنة في فرز الشجعان من المدعين.

تتحرك القصيدة، لذلك، من معنى مجرد إلى مشاهد محسوسة. تبدأ بالنفس وما تنطوي عليه من عزم، ثم تنتقل إلى سيف الدولة، وبعده إلى القلعة والجيشين والسماء المزدحمة بالغبار والطيور. وفي أثناء هذا الانتقال لا تختفي الحكمة، وإنما تسري في وصف المعركة وتمنحه وحدته؛ فما وقع عند الحدث يصبح الدليل الذي يقدمه المتنبي على أن حجم الفعل يتصل بحجم صاحبه.


الحكمة التي تضع الإنسان أمام مرآته

يفتتح المتنبي قصيدته ببيتين صارا من أشهر ما حفظته العربية:

عَلى قَدْرِ أَهْلِ العَزْمِ تَأْتي العَزائِمُ

وَتَأْتي عَلى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعْظُمُ في عَيْنِ الصَّغيرِ صِغارُها

وَتَصْغُرُ في عَيْنِ العَظيمِ العَظائِمُ

لا يقول الشاعر إن العزيمة تهبط على الإنسان من خارج نفسه، بل يجعلها على قدره؛ كأن العمل يكشف الطاقة الكامنة في صاحبه ويأخذ منها حدوده. وبالمثل تأتي المكارم على قدر الكرام، لأن السخاء ليس فعلًا عابرًا يُقاس بما بُذل وحده، وإنما صفة ترتبط بسعة النفس واستعدادها للعطاء. وقد جمع المطلع بين العزم والكرم ليقدم صورة للبطولة لا تقوم على البأس منفردًا، بل يجاوره فيها النبل.


ثم ينقل البيت الثاني الفكرة من مقدار الأفعال إلى طريقة النظر إليها. قد تكون الحادثة صغيرة، لكن صاحب النفس المحدودة يراها كبيرة لأنها تتجاوز قدرته؛ وقد تكون عظيمة، إلا أنها تصغر في عين من يملك الشجاعة والخبرة وحسن القرار. لا تتبدل الصعوبات في ذاتها، وإنما يتبدل موقعها من الإنسان. ومن هنا لا يدعو البيت إلى إنكار الخطر أو الاستهانة بالواقع، بل يميز بين من يقدّر الصعوبة ثم يواجهها، ومن يمنحها في خياله حجمًا يشل قدرته على الحركة.

أحكم المتنبي بناء البيتين بالتقابل بين "تعظم" و"تصغر"، وبين "الصغير" و"العظيم"، وبين "صغارها" و"العظائم". غير أن هذا التوازن اللفظي ليس زينة منفصلة عن الفكرة؛ إنه يجعل القارئ يرى الميزان وهو يتحرك أمامه. وفي كل كفة تقف شخصية مختلفة، فتظهر حقيقة الإنسان من خلال نظرته إلى المهمة التي تنتظره.


سيف الدولة وامتحان القيادة

بعد أن يقرر المتنبي قاعدته العامة، يقدم سيف الدولة بوصفه مثالها الحي:

يُكَلِّفُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ الجَيْشَ هَمَّهُ

وَقَدْ عَجَزَتْ عَنْهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ

وَيَطْلُبُ عِنْدَ النّاسِ ما عِنْدَ نَفْسِهِ

وَذلِكَ ما لا تَدَّعيهِ الضَّراغِمُ

همة الأمير أوسع من قدرة الجيش، وهو يكلف جنوده أن يرتفعوا إليها مع أن جيوشًا ضخمة عجزت عن بلوغها. والمبالغة ظاهرة، لكنها تنهض بوظيفة دقيقة: فالقائد هنا ليس رقمًا يضاف إلى المقاتلين، وإنما هو القوة التي تحدد غاية الجيش وتدفعه إلى تجاوز ما اعتاده. وكلمة "الخضارم"، بما توحي به من الكثرة والضخامة، توسع المسافة بين المعتاد وما يطلبه سيف الدولة.

أما البيت التالي فيمنح المدح أساسًا أخلاقيًا. فسيف الدولة يطلب من الناس شجاعة يجدها في نفسه، ولا يكلفهم الوقوف في مكان يتراجع هو عنه. ولهذا تبدو القيادة في القصيدة قدوة قبل أن تكون أمرًا. وحين يقول المتنبي إن هذا ما لا تدعيه الأسود، فإنه يبالغ في رفع شجاعة الأمير، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى معيار يبقى صالحًا خارج مناسبة المديح: حق القائد في مطالبة الآخرين يبدأ من استعداده لتحمل ما يطالبهم به.

ويتسع أثر السلاح حتى يشمل النسور المحلقة فوق الميدان:

يُفَدّي أَتَمُّ الطَّيْرِ عُمْرًا سِلاحَهُ

نُسورُ المَلا أَحْداثُها وَالقَشاعِمُ

وَما ضَرَّها خَلْقٌ بِغَيْرِ مَخالِبٍ

وَقَدْ خُلِقَتْ أَسْيافُهُ وَالقَوائِمُ

يجمع الشاعر النسور الفتية والمسنة، ويجعلها كلها فداء لسلاح الأمير؛ فهي تنتظر ما تتركه المعركة من جثث. ثم يذهب إلى أن ضعف مخالبها لا يضرها، لأن سيوف الجيش وقوائم خيله تتولى الصيد عنها. الصورة قاسية، ولا تحاول تجميل الموت، لكنها تنقل إلينا مفهوم الحماسة في عصر القصيدة، حين كان تكاثر الطير فوق ساحة القتال علامة مرئية على شدة بأس المنتصر. كما أنها تصل الأرض بالسماء: خيل تعدو في الأسفل، وسيوف تعمل بين الصفوف، ونسور تراقب من الأعلى.


الحدث الحمراء بين المطر والدم

عندما يصل المتنبي إلى القلعة، لا يعاملها بوصفها جدرانًا صامتة، بل يخاطبها كما لو أنها كائن استعاد وعيه بعد زمن من الاضطراب:

هَلِ الحَدَثُ الحَمْراءُ تَعْرِفُ لَوْنَها

وَتَعْلَمُ أَيُّ السّاقِيَيْنِ الغَمائِمُ؟

سَقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قَبْلَ نُزولِهِ

فَلَمّا دَنا مِنْها سَقَتْها الجَماجِمُ

يحمل وصف القلعة بالحمراء معناها المكاني المعروف، لكنه يكتسب داخل المعركة إيحاء جديدًا؛ فقد غمرتها الدماء حتى صار لونها موضع سؤال. ويسألها الشاعر إن كانت تستطيع التمييز بين سقاية الغمام وسقاية الجيوش. الأولى ماء ينزل من السماء ويحيي الأرض، والثانية دم يخرج من الأجساد ويعلن الموت. ومن المقابلة بين الصورتين تتولد صورة تجمع الخصوبة بالفناء من غير شرح زائد. ويزيد وصف الغمام بـ"الغُر"، أي البيض المشرقة، التباين بين صفاء المطر وحمرة الدم. أما الجماجم فتنوب عن المقاتلين جميعًا، وتمنح المشهد خشونته إذ لم تعد المعركة خبرًا يقول إن عددًا من الجنود قُتلوا، بل أصبحت مادة ترى فيها العين لون القلعة، وتتابع حركة السحاب، ثم تفاجأ بتحول الماء إلى دم.

ويمضي المتنبي فيقول:

بَناها فَأَعْلى وَالقَنا يَقْرَعُ القَنا

وَمَوْجُ المَنايا حَوْلَها مُتَلاطِمُ

وَكانَ بِها مِثْلُ الجُنونِ فَأَصْبَحَتْ

وَمِنْ جُثَثِ القَتْلى عَلَيْها تَمائِمُ

بنى سيف الدولة القلعة ورفع أسوارها في الوقت الذي كانت فيه الرماح تقرع الرماح. يجري البناء والقتال في لحظة واحدة، وبذلك يكتسب الفعل قيمته؛ فإقامة الحصن في السكون عمل هندسي، أما إقامته وسط الموت فبرهان على الثبات. ويجسد الشاعر كثرة المنايا في موج متلاطم، فيبدو الحصن جزيرة تحيط بها أمواج لا تحمل الماء، بل احتمالات الهلاك.

كانت القلعة تتقلب بين القوى المتصارعة حتى بدت كأن بها جنونًا، ثم استقرت بعد النصر. وحولها غدت جثث القتلى، في خيال المتنبي الحماسي، تمائم تحرسها من عدوان جديد. وتبلغ هنا الصورة حدًا صادمًا؛ لأن ما جاء ليهدم القلعة صار علامة على مناعتها. ولا يلغي جمال الصياغة وحشية المشهد، بل يكشف قدرة الشاعر على استخراج صورة لا تُنسى من أكثر عناصر الحرب قسوة.


حين يقف القائد في مواجهة الدهر

لا يكتفي المتنبي بأن يجعل سيف الدولة خصمًا للروم؛ فهو يرفعه إلى مواجهة الزمن نفسه:

طَريدَةُ دَهْرٍ ساقَها فَرَدَدْتَها

عَلى الدّينِ بِالخَطِّيِّ وَالدَّهْرُ راغِمُ

تُفيتُ اللَّيالي كُلَّ شَيْءٍ أَخَذْنَهُ

وَهُنَّ لِما يَأْخُذْنَ مِنْكَ غَوارِمُ

صارت القلعة طريدة يتعقبها الدهر وينقلها من يد إلى يد، حتى ردها سيف الدولة بالرماح الخطية. وبذلك تتحول استعادة المكان إلى تصحيح لمسار الزمن. ويشخص الشاعر الدهر فيجعله راغمًا، ثم يجعل الليالي مدينة للأمير: ما تأخذه من سائر الناس يمضي ولا يعود، أما ما تأخذه منه فتتحمل تبعته وترده إليه. وهذه مبالغة مدحية صريحة، إلا أنها تكشف تصور المتنبي للمجد. فالعظيم عنده لا يقبل ما تفرضه الأيام كما لو كان قدرًا نهائيًا؛ إنه يحاول استعادة ما ضاع وإعادة تشكيل الواقع. ولأن الزمن أقوى من الأفراد في الحقيقة، تتولد قوة البيت من هذا المستحيل الشعري: إنسان يجبر الليالي على مخالفة عادتها.

ويستعين المتنبي بالنحو ليصف سرعة الانتقال من الإرادة إلى الإنجاز:

إِذا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلًا مُضارِعًا

مَضى قَبْلَ أَنْ تُلْقى عَلَيْهِ الجَوازِمُ

الفعل المضارع يُجزم إذا سبقته أداة من أدوات الجزم، لكن فعل سيف الدولة يمضي قبل أن تلحق به تلك الأدوات. وقد نقل المتنبي مصطلحًا مدرسيًا مألوفًا إلى مجال الحركة العسكرية، فصار "المضارع" نية على وشك التنفيذ، وصارت "الجوازم" عوائق تحاول إيقافها. لا تبدو الثقافة النحوية هنا استعراضًا؛ لأنها تصوغ معنى الحسم في عبارة لا يستطيع التعبير المباشر أن يحقق خفتها وذكاءها.


جيش الروم بين ضخامة المظهر وحقيقة الامتحان

يسأل المتنبي كيف طمع الروم ومن انضم إليهم في هدم قلعة تتخذ من الطعن أساسًا لها:

وَكَيْفَ تُرَجّي الرّومُ وَالرّوسُ هَدْمَها

وَذا الطَّعْنُ آساسٌ لَها وَدَعائِمُ؟

وَقَدْ حاكَموها وَالمَنايا حَواكِمٌ

فَما ماتَ مَظْلومٌ وَلا عاشَ ظالِمُ

لا تقوم مناعة الحصن على الحجر وحده، بل على الرجال الذين يحمونه؛ لذلك يصبح الطعن أساسًا ودعائم. ثم تتحول ساحة القتال إلى محكمة، وتجلس المنايا في موضع الحكام. ووفق رؤية الشاعر، أصدرت المحكمة حكمها العادل، فنجا صاحب الحق وسقط المعتدي. إننا أمام تصوير حماسي يتبنى موقف المنتصر، وليس أمام تأمل محايد في عدالة الحروب؛ لكن تماسك المعجم القضائي يمنح النتيجة معنى الحكم الذي لا يقبل الاستئناف.

بعد ذلك يقترب الوصف من جيش الروم، فتظهر كثرته أولًا من خلال الحديد الذي يغطي رجاله:

أَتَوْكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّما

سَرَوْا بِجِيادٍ ما لَهُنَّ قَوائِمُ

إِذا بَرَقوا لَمْ تَعْرِفِ البيضَ مِنْهُمُ

ثِيابُهُمُ مِنْ مِثْلِها وَالعَمائِمُ

لا يقول المتنبي ببساطة إن الجنود لبسوا الدروع؛ إنه يجعل الحديد كتلة تتحرك، حتى تكاد الخيل تختفي قوائمها وراء ازدحام الصفوف وثقل العدة. وحين تبرق الأسلحة يلتبس بياض السيوف بلمعان الثياب والخوذ، فتضيع الحدود بين الإنسان وما يحمله. تنقل الصورة رهبة الجيش قبل اصطدامه بخصمه، وتضع القارئ أمام القوة التي كان على سيف الدولة مواجهتها.

خَميسٌ بِشَرْقِ الأَرْضِ وَالغَرْبِ زَحْفُهُ

وَفي أُذُنِ الجَوْزاءِ مِنْهُ زَمازِمُ

تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسْنٍ وَأُمَّةٍ

فَما تُفْهَمُ الحُدّاثُ إِلّا التَّراجِمُ

يمتد الجيش في مبالغة الشاعر من الشرق إلى الغرب، وترتفع زمزمته حتى تبلغ الجوزاء. ويجمع بين أمم وألسنة شتى، فلا يفهم بعضه بعضًا إلا بالمترجمين. تعظيم الخصم هنا جزء من تعظيم النصر عليه؛ فالانتصار على عدو ضعيف لا يصنع الصورة التي يريدها المتنبي. ومع ذلك يزرع الشاعر في وصف الكثرة علامة ضعف خفية، إذ يبدو الجيش واسعًا لكنه غير متجانس، بينما يستمد جيش سيف الدولة وحدته من قائد وغاية مشتركة.


المعركة نار تكشف معادن الرجال

حين يبدأ الصدام، تتراجع الزينة العسكرية ويظهر مقدار الشجاعة الحقيقي:

فَلِلّهِ وَقْتٌ ذَوَّبَ الغِشَّ نارُهُ

فَلَمْ يَبْقَ إِلّا صارِمٌ أَوْ ضُبارِمُ

يشبه وقت المعركة بنار الصائغ التي تذيب المعدن وتفصل الخالص عن الزائف. وبعد اشتداد الامتحان لا يبقى إلا سيف قاطع أو رجل شديد القلب. وكلمة "ضُبارم" تعني الجريء المقدام، وقد وضعتها القافية إلى جوار "صارم" فقرنت حدة الإنسان بحدة السلاح. لا قيمة للسيف إذا حملته يد مرتجفة، كما لا تكفي الدعوى إذا لم تثبتها ساعة الخطر. وبهذا البيت تعود القصيدة إلى مطلعها من طريق آخر، فهناك فرّق المتنبي بين الصغير والعظيم بحسب رؤيتهما للأمور، وهنا يفرّق بينهما بالفعل الذي يصدر عنهما حين تضيق الخيارات. فالحكمة لم تبقَ تعليقًا سابقًا للمعركة؛ لقد دخلت ميدانها، وصار القتال تجربة عملية تكشف صحة ما قرره الشاعر.

تقوم البطولة في النص على الإقدام، لكن القصيدة لا تقدم تحليلًا شاملًا للحرب وما تتركه في الإنسان والمكان. إنها ترى الموقعة من جهة المنتصر، وتجعل موت الخصوم مادة للتهويل والفخر. وهذه حدود يفرضها غرض المديح الحماسي ورؤية العصر. غير أن إدراكها لا يبطل القيمة الفنية للنص، بل يساعدنا على التمييز بين حقيقة الحدث وصورته الشعرية، وبين ما نقبله اليوم من القيم وما ندرسه بوصفه جزءًا من ثقافة القصيدة.


كيف صنع المتنبي ملحمته

تستمد القصيدة حيويتها من حركة الصور لا من كثرة المحسنات. فالقلعة تعرف وتسأل، والليالي تأخذ وتغرم، والمنايا تتلاطم كالبحر ثم تجلس في مقام القاضي، والجيش يتحول إلى حديد يمشي، فيما يبلغ صوته كوكبة الجوزاء. ويمنح التشخيص والاستعارة الأشياء الجامدة أدوارًا في الحدث، حتى لا يبقى سيف الدولة والروم وحدهما في الميدان؛ يشاركهما الدهر والسماء والغيوم والنسور والموت.

وتؤدي المقابلة دورًا محوريًا في بناء المعنى: فالصغير يقابل العظيم، والصغائر تقابل العظائم، وماء الغمام يقابل دم الجماجم، والبناء يجري في مواجهة الهدم، والمظلوم يقابل الظالم. ولا يأتي التضاد حلية تلحق بالجملة، وإنما ينظم رؤية المتنبي؛ فهو يختبر الأشياء بوضعها إلى جوار أضدادها، ثم يدفع القارئ إلى اختيار الجانب الذي يراه جديرًا بالمجد.

أما الموسيقى فتقوم على البحر الطويل وقافية الميم المضمومة، ويسبقها مد يمنح النهاية اتساعًا كما في "العزائم" و"المكارم" و"العظائم" و"الدعائم". وتتلاءم سعة البحر مع القصيدة التي تحتاج إلى رواية المشهد والتعليق عليه في آن. كما تسهم الأصوات القوية، ولا سيما القاف والطاء والراء، في تقريب قرع السلاح ووقع الخيل من الأذن، من غير أن تفقد الأبيات وضوحها.

وتكشف الألفاظ عن حركة محسوبة بين التجريد والحس حيث تبدأ القصيدة بالعزم والكرم والعظمة، وهي معان لا تُرى، ثم تمنحها أجسادًا وصورًا: جيشًا، وسيوفًا، ورماحًا، وقلعة، وغيومًا، وجماجم. لذلك لا يشعر القارئ بأن الحكمة مفروضة على الحدث؛ إذ يرى الفكرة وهي تكتسب لحمها ودمها داخل المشاهد المتعاقبة.


مديح سيف الدولة وصورة المتنبي الخفية

بلغ المتنبي في مدح سيف الدولة درجات واضحة من المبالغة، فجعله أشجع مما تدعيه الأسود، وقادرًا على إرغام الدهر، وأظهر خصومه جيشًا يملأ جهات الأرض وتسمعه النجوم. ولو قرأنا هذه الصور بمنطق السجل التاريخي لبدت بعيدة عن القياس، لكن الشعر الحماسي لا يقيس الجيوش بالأرقام وحدها؛ إنه يعيد بناء أثرها النفسي ويضاعف حجم الخطر كي يمنح الانتصار ما يراه جديرًا به. ومع ذلك لا يذوب الشاعر في الممدوح. فالصفات التي يختارها لسيف الدولة هي نفسها التي قامت عليها صورة المتنبي في شعره: علو الهمة، واحتقار العوائق، والإيمان بأن المجد حق لمن يملك القدرة على طلبه. ومن هنا، يكاد الشاعر يمدح في الأمير نموذج الإنسان الذي أراد أن يكونه، ولذلك تبدو الأبيات صادقة في انفعالها حتى حين تتجاوز حدود الواقع.

كانت علاقة المتنبي بسيف الدولة أعمق من صلة شاعر بصاحب عطية؛ فقد وجد في بلاطه مجالًا لطموحه وقربًا من المعارك التي توافق طبعه الشعري. ومن هنا لا نسمع في القصيدة صوت مادح يقف بعيدًا عن الحدث، بل صوتًا يريد أن يكون شريكًا في صناعة معناه. حقق السيف النصر في المكان، ثم جاءت القصيدة لتمنحه عمرًا آخر في الذاكرة.


لماذا بقيت القصيدة حية

بقي المطلع لأنه يختصر خبرة يعرفها الناس: تتأثر الأعمال بالصورة التي يحملها الإنسان عن قدرته. لكن القصيدة عاشت أيضًا لأنها صنعت من واقعة محددة عالمًا متحركًا؛ فنرى القلعة بين المطر والدم، ونسمع قرع الرماح، ثم نتابع انحسار الكثرة أمام تماسك الإرادة. فالحكمة لا تعني أن الإرادة تحقق كل شيء بمعزل عن المعرفة والظروف والوسائل. وسيف الدولة لا يكتفي بالرغبة، بل يقود ويبني ويثبت في الميدان، كما أنَّ العزم عند المتنبي نية تعبر إلى العمل وتتحمل ثمنه؛ ولذلك يصبح البيت مضللًا إذا استُخدم لتجاهل الواقع أو لوم من حالت ظروف قاهرة دون نجاحه.

لقد وصل المتنبي الحكمة بالمشهد، وأقام معركة الحدث شاهدًا على الحكمه. ولم تعد القلعة وحدها هي التي صمدت؛ فقد أقام لها حصنًا من اللغة، وبقي المطلع يسأل كل قارئ عن المسافة بين ما ينويه وما يفعله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق