الجريمة التي عرف بها الجميع تقريبًا، ثم تصرف كل واحد كأن شخصًا آخر سيمنعها
كيف يمكن لرجل أن يُقتل في بلدة صغيرة بعد أن أعلن قاتلاه مسبقًا أنهما سيقتلانه، وانتشر الخبر بين الناس، ووصل إلى السلطة والكنيسة وأصدقاء الضحية، ومع ذلك يبقى الرجل نفسه من آخر من يعرفون ما ينتظره؟ هذه هي المفارقة التي تجعل قصة موت معلن لغابرييل غارسيا ماركيز أكثر من رواية عن جريمة شرف. فالسؤال الحقيقي ليس: من قتل سانتياغو نصار؟ نحن نعرف القاتلين منذ البداية. السؤال الأصعب هو: لماذا لم يستطع مجتمع كامل تقريبًا إنقاذ رجل كان موته معلنًا؟
الجواب المختصر أن سانتياغو لا يموت لأن أحدًا لم يعرف بالخطر، بل لأن المعرفة توزعت بين عدد كبير من الناس حتى ضعفت مسؤولية كل فرد عنها. بعضهم لم يصدق أن الأخوين فيكاريو سينفذان تهديدهما، وبعضهم افترض أن شخصًا آخر حذر سانتياغو، وبعضهم رأى المسألة شأنًا عائليًا يتعلق بالشرف، وبعضهم حاول التدخل لكن بعد فوات الوقت، بينما أدت المصادفات وسوء الفهم والتأخير إلى سد كل منفذ للنجاة. لذلك تبدو الجريمة كأنها قدر، مع أنها تتكون في الحقيقة من سلسلة طويلة من القرارات البشرية الصغيرة.
ومن هنا تأتي قسوة الرواية. ماركيز لا يخفي القاتل ثم يكشفه في النهاية كما تفعل الرواية البوليسية التقليدية. إنه يفعل العكس: يخبرنا بالموت فورًا، ثم يجعلنا نقضي الكتاب كله نراقب عشرات الفرص التي كان يمكن عند إحداها منع وقوعه.
قبل الرواية كانت هناك جريمة حقيقية
صدرت Crónica de una muerte anunciada بالإسبانية سنة 1981، ونشرت طبعتها الأولى في الوقت نفسه في عدد من البلدان الناطقة بالإسبانية. لكن أصل الحكاية أقدم بثلاثين عامًا تقريبًا.
قال ماركيز عند صدور الرواية إن نقطة البداية كانت جريمة حقيقية وقعت في قرية كولومبية وكان قريبًا من أشخاصها. وقد قُتل الشاب كايتانو جنتيلي في بلدة سوكري الكولومبية سنة 1951 بعد أزمة بدأت بزواج انتهى سريعًا واتهام يتعلق بشرف امرأة وأسرتها. كان ماركيز يعرف الضحية والوسط الاجتماعي الذي وقعت فيه الجريمة، وبقيت الحادثة في ذاكرته سنوات طويلة.
لكن معرفة الأصل الواقعي لا تعني أن ما نقرأه تقرير صحفي عن كايتانو جنتيلي. وهذه نقطة أساسية لفهم الرواية.
ماركيز نفسه أوضح عند نشر الكتاب أنه استخدم تقنية قريبة من التحقيق الصحفي، لكنه أعاد تشكيل الأشخاص والمكان والوقائع. بل قال إن الرواية التي خرجت من الحادثة لم تعد مطابقة للواقع الذي انطلقت منه. وفي مقال كتبه بعد النشر عن قصة تأليف الكتاب، وصف كيف عاد بعد سنوات إلى المكان ليستعيد من ذاكرة الناس القطع المتفرقة للحادثة، ثم أدرك أثناء الكتابة أن الواقع الذي يحاول صنعه على الورق لم يعد هو الواقع المباشر الذي عاشه.
هذه المسافة بين الذاكرة والحقيقة مهمة جدًا. فالكتاب لا يطلب منا أن نكتشف "ما حدث فعلًا" سنة 1951 بقدر ما يستخدم جريمة واقعية لبناء سؤال أدبي عن الذاكرة والمسؤولية والذنب.
وهي طريقة مألوفة عند ماركيز: أن تبدأ الحكاية من أرض يعرفها ثم تتحول تحت يده إلى عالم مستقل. ويمكن رؤية جانب آخر من هذه العلاقة بين الواقع والاختراع في مقالة مئة عام من العزلة: هل كانت ماكوندو مدينة حقيقية؟، حيث يصبح البحث عن الأصل الواقعي بداية للفهم لا نهايته.
ليس صحيحًا تمامًا أن "الجميع عرف"
من السهل اختصار الرواية بجملة جذابة: البلدة كلها عرفت أن سانتياغو سيُقتل ولم يخبره أحد. لكنها ليست دقيقة تمامًا.
ما يصنعه ماركيز أعقد من ذلك. الخبر ينتشر على نطاق واسع، لكن الناس لا يتلقونه بالطريقة نفسها ولا في اللحظة نفسها. هناك من يعرف الخطة بوضوح، ومن يسمعها بوصفها إشاعة، ومن يعتقد أن سانتياغو يعرف بالفعل، ومن يفترض أن الأخوين فيكاريو مخموران ولن يفعلا شيئًا، ومن يحاول البحث عنه، ومن يرسل تحذيرًا لا يصل، ومن لا يريد التدخل في قضية يراها مرتبطة بشرف عائلة أخرى.
أي أن المعرفة موجودة، لكنها معرفة متكسرة.
وهذا الاختلاف هو أحد أسرار قوة الرواية. لو وقف أهل البلدة في ساحة واحدة واتفقوا على ترك سانتياغو يُقتل، لتحولت الحكاية إلى مؤامرة واضحة. لكن أحدًا لا يصدر هذا القرار. لا توجد جلسة سرية، ولا قائد يأمر بالصمت، ولا اتفاق مكتوب بين السكان.
الجريمة تحدث لأن كل شخص يرى جزءًا صغيرًا فقط من الصورة، أو يرى الصورة كاملة ثم يجد سببًا يؤجل به مسؤوليته.
بهذا المعنى لا يكتب ماركيز عن الشر المباشر وحده، بل عن شيء أكثر شيوعًا: الإنسان الذي يقول في نفسه إن أحدًا آخر سيتصرف.
القاتلان اللذان يعلنان جريمتهما
الأكثر غرابة أن بيدرو وبابلو فيكاريو لا يحاولان إخفاء نيتهما. في الجرائم المعتادة يتكتم القاتل حتى لا يمنعه أحد أو يقبض عليه. أما الأخوان فيخرجان بسكاكينهما ويتحدثان عن خطتهما أمام أكثر من شخص.
يمكن قراءة هذا التصرف بطريقتين في الوقت نفسه.
الأولى أن إعلان القتل جزء من منطق الشرف نفسه. فالجريمة ليست بالنسبة إليهما اغتيالًا سريًا لتحقيق منفعة شخصية؛ يجب أن يعرف المجتمع أن العائلة ردت على الإهانة التي تعتقد أنها لحقت بها. استعادة الشرف، في هذا النظام الاجتماعي، تحتاج إلى جمهور كما احتاج فقدانه إلى جمهور.
لكن القراءة الثانية أشد إزعاجًا: يبدو الأخوان في لحظات كثيرة كأنهما يمنحان الآخرين فرصة متكررة لمنعهما.
إنهما لا يهربان من المجتمع قبل القتل، بل يكادان يطلبان منه أن يتدخل. وحين تُنتزع منهما السكاكين يستطيعان الحصول على غيرها. وحين تمر الدقائق ولا يأتي من يوقف المسار نهائيًا، تتحول المهمة الاجتماعية التي حملاها على نفسيهما إلى شيء يشبه الواجب الذي لم يعودا يعرفان كيف يتخلصان منه.
المفارقة هنا أن القاتلين أنفسهما ليسا الطرف الوحيد الذي يدفع الجريمة إلى الأمام. فالمجتمع الذي يحيط بهما يعيد إليهما الدور الذي كان يمكن أن يسحبه منهما.
الشرف في الرواية ليس شعورًا شخصيًا بل نظام مراقبة
تبدأ الأزمة عندما يعيد باياردو سان رومان زوجته أنخيلا فيكاريو إلى أهلها ليلة الزفاف لأنها ليست عذراء، ثم تسمي سانتياغو نصار عندما تُسأل عن الرجل المسؤول.
من هذه اللحظة لا يعود جسد أنخيلا شأنًا يخصها. يصبح موضوعًا للعائلة والزوج والأخوين والجيران والمجتمع كله. واللافت أن الرواية لا تمنح القارئ دليلًا حاسمًا يثبت أن سانتياغو هو بالفعل الرجل الذي كانت له علاقة بها.
إن الاتهام يكفي.
وهنا تنتقل الرواية من جريمة فردية إلى آلية اجتماعية. السؤال ليس فقط ما إذا كان سانتياغو مذنبًا أو بريئًا، بل كيف يمكن لكلمة واحدة أن تتحول إلى حكم بالموت عندما تقع داخل ثقافة تعتبر شرف العائلة قيمة يجب الدفاع عنها علنًا.
الأخوان أيضًا واقعان تحت المراقبة. فهما مطالبان بأن يتصرفا بطريقة تثبت رجولتهما وفق المعيار الذي يفرضه الوسط المحيط بهما. حتى بعض الشخصيات التي لا تشارك في القتل مباشرة تتعامل معه بوصفه نتيجة مفهومة داخل ذلك النظام.
لهذا يصبح مفهوم الشرف في الرواية قوة تعمل حتى من دون شرطي أو قاض. إنه قانون اجتماعي غير مكتوب، لكن الشخصيات تتعامل معه أحيانًا كأنه أقوى من القانون المكتوب نفسه.
ومن المفيد هنا ملاحظة التشابه مع سؤال آخر تناوله "الورّاق الجزائري" في قراءة فيلم الحرام: لماذا أدان المجتمع عزيزة وترك من صنع مأساتها؟. العملان مختلفان تمامًا، لكنهما يلتقيان عند لحظة يصبح فيها حكم الجماعة على الجسد والسمعة أكثر قوة من البحث الهادئ عن المسؤولية الحقيقية.
هل سانتياغو نصار مذنب أصلًا؟
الرواية ترفض أن تمنحنا اليقين الذي يمنحه الاتهام لعائلة فيكاريو.
أنخيلا تسمي سانتياغو، لكن التحقيق الذي يعيد الراوي بناءه بعد سنوات لا يستطيع أن يقدم برهانًا نهائيًا على العلاقة. والناس الذين يحاولون فهم القضية يجدون صعوبة في التوفيق بين الاتهام وما يعرفونه عن تحركات الشخصيتين وعلاقتهما الظاهرة.
لا يعني ذلك أن الرواية تثبت براءته بصورة قاطعة أيضًا. ماركيز يترك المسألة معلقة.
وهذه المساحة من الشك ضرورية. لو أثبت النص أن سانتياغو بريء تمامًا لتحولت الرواية بسهولة إلى قصة إعدام بريء بسبب كذبة. ولو أثبت أنه المسؤول بالفعل لأمكن لبعض القراء الانشغال بالسؤال الأخلاقي عن فعلته أكثر من انشغالهم بآلية القتل.
أما الغموض فيدفعنا إلى السؤال الأهم: حتى لو كان الاتهام صحيحًا، كيف أصبحت جريمة قتل علنية جوابًا مقبولًا لدى هذا العدد من الناس؟
إن عدم اليقين حول ذنب سانتياغو يجعل يقين المجتمع بعقوبته أكثر رعبًا.
كل محاولة للإنقاذ تأتي ناقصة
لا يخلو الكتاب من أشخاص يحاولون التدخل. وهذا ما يمنع القراءة السهلة التي تقول إن البلدة كلها شريرة أو عديمة الرحمة.
كلوتيلدي أرمينتا، التي تراقب الأخوين، تدرك خطورة الموقف وتحاول استدعاء من يستطيع منعهما. العقيد لازارو أبونتي يتدخل فعلًا ويأخذ منهما السكاكين، لكنه يظن أن المشكلة انتهت. الأب أمادور يتلقى الخبر، لكن وصول الأسقف وما يرافقه من انشغال يربك الأولويات. كريستو بيدويا يبحث عن صديقه عندما يدرك الخطر. وهناك أشخاص آخرون يريدون التحذير ثم يترددون، أو يعتقدون أن التحذير وصل بالفعل.
حتى رسالة التحذير التي توضع في بيت سانتياغو تفشل في أداء أبسط وظيفة ممكنة: أن يراها الشخص المعني.
لو كانت واحدة من هذه المحاولات قد اكتملت قبل دقائق قليلة، لانتهت الرواية بطريقة أخرى.
لكن ماركيز يبني سلسلة من الأفعال الناقصة: شخص يحذر الشخص الخطأ، وسلطة تنزع سلاحًا لكنها لا تمنع القاتلين، ورسالة لا تُقرأ، وصديق يصل متأخرًا، وأم تتصرف بناءً على معلومة خاطئة.
لا توجد مصادفة واحدة تقتل سانتياغو. هناك عشرات المصادفات الصغيرة، ولهذا يبدأ القارئ بالشعور بأن القدر يعمل في الخلفية.
لكن هل هو القدر فعلًا؟
ماركيز يصنع القدر من أخطاء البشر
تشبه بنية قصة موت معلن المأساة القديمة في نقطة أساسية: النهاية معروفة، ومع ذلك نواصل القراءة.
نحن لا نقرأ لنعرف هل سيموت سانتياغو. العنوان يخبرنا، والافتتاح يخبرنا، والراوي لا يحاول خداعنا. نقرأ لنعرف كيف يمكن للشيء المعروف مسبقًا أن يحدث رغم وجود فرص كثيرة لمنعه.
وهنا يتغير معنى التشويق.
في الرواية البوليسية المعتادة نسأل: من فعلها؟
في هذه الرواية نعرف من سيفعلها، لكننا نسأل: لماذا لم يتغير شيء؟
كلما أعاد الراوي الساعة إلى الوراء وكشف شخصًا جديدًا كان يعرف بالخطة، يزداد أمل القارئ للحظة رغم أنه يعرف النهاية. وهذه حيلة سردية شديدة القسوة: ماركيز يجعلنا نتمنى تغيير حدث سبق أن أخبرنا بأنه لن يتغير.
إنه قريب من المأساة التي يعرف جمهورها نهاية البطل، لكن المعرفة لا تلغي التوتر؛ بل تجعله أقسى. فكل باب للنجاة يظهر أمامنا وهو يحمل في داخله خبر فشله.
وقد تناولت مقالة الإخوة كارامازوف: من قتل الأب فعلًا؟ ولماذا يبدو الجميع مذنبًا؟ سؤالًا قريبًا من جهة أخرى: قد تكون اليد التي تنفذ الجريمة معروفة، لكن المسؤولية الأخلاقية يمكن أن تتجاوز صاحب اليد إلى شبكة أوسع من الرغبات والأفكار والأفعال والتقصير.
لماذا نبحث عن مذنب واحد إذا كانت الرواية ترفض ذلك؟
بعد انتهاء الجريمة يستطيع القانون أن يقول بسهولة إن بيدرو وبابلو فيكاريو هما من طعنا سانتياغو. هذه حقيقة مباشرة داخل الحكاية.
لكن الأدب لا يتوقف حيث يتوقف محضر الشرطة.
من المسؤول عن موت الرجل؟ هل هما الأخوان وحدهما؟ أنخيلا لأنها نطقت باسمه؟ العائلة التي حولت الاتهام إلى واجب؟ السلطة التي اعتقدت أن مصادرة السكاكين تكفي؟ الكاهن الذي لم يصل إليه التحذير في الوقت المناسب؟ الأصدقاء الذين افترض بعضهم أن شخصًا آخر سيتدخل؟ أم البلدة التي قبلت مسبقًا فكرة أن قضية الشرف منطقة ينبغي عدم اقتحامها؟
لا يحتاج ماركيز إلى إعلان حكم نهائي، لأن شكل الرواية نفسه يقدم الإجابة الأعمق: المسؤولية موزعة.
الراوي يجمع الشهادات بعد سنوات طويلة، لكنه لا يجد رواية واحدة متماسكة. يتذكر الأشخاص الطقس بطرق مختلفة، ويختلفون في التفاصيل، ويبررون تصرفاتهم بعد أن أصبحوا يعرفون النتيجة.
وبذلك تتحول عملية إعادة بناء الجريمة إلى عملية إعادة بناء للضمير.
كل شاهد لا يتذكر فقط ما حدث؛ إنه يتذكر أيضًا ما فعله هو عندما حدث.
الذاكرة ليست كاميرا
هذا يفسر أيضًا سبب اختيار شكل "الكرونيكا" أو السجل الصحفي.
الراوي يعود بعد زمن طويل، يسأل، يقارن، ويقرأ أوراقًا ووثائق ويحاول تركيب صباح القتل من شهادات متناقضة. يبدو كصحفي يفتح ملفًا قديمًا، لكن كلما جمع معلومات أكثر أصبح اليقين أبعد.
فالذاكرة البشرية لا تحفظ الحدث كما تحفظ الكاميرا صورة ثابتة. اللاحق يتدخل في السابق. ومن عرف أن سانتياغو مات يعيد تفسير ابتسامته وخطواته وكلماته الأخيرة في ضوء الموت. ومن أخفق في إنقاذه يحتاج، ولو من دون قصد، إلى تفسير يجعل تقصيره مفهومًا.
لهذا لم يكن على ماركيز أن يخترع مؤامرة غامضة. يكفي أن يترك الناس يتذكرون.
النتيجة أن الحقيقة تتكسر إلى نسخ متعددة، ومع ذلك تبقى حقيقة واحدة لا يستطيع أحد تغييرها: مات سانتياغو.
وهذه مفارقة أخرى. أكثر ما في الرواية يقينًا هو النتيجة، أما الأسباب فتبقى موزعة بين الاحتمال والذاكرة والتبرير.
الأسقف الذي لا ينزل إلى البلدة
ثمة تفصيل يبدو في البداية جانبيًا لكنه يخدم البناء كله: انتظار سكان البلدة لوصول الأسقف.
الناس يتهيأون للزيارة، وسantiago نفسه يستيقظ باكرًا لرؤية السفينة. لكن الأسقف لا يتوقف فعلًا بين الناس بالطريقة التي يتوقعونها، ويمر حضوره من بعيد.
في الوقت نفسه توجد جريمة وشيكة داخل البلدة نفسها.
يمكن قراءة هذه المفارقة من دون تحويل الأسقف إلى رمز ميكانيكي. المجتمع منشغل بالمشهد الديني الكبير بينما الخطر الأخلاقي الحقيقي يتحرك في الشوارع القريبة. الأب أمادور نفسه يصبح جزءًا من سلسلة التأخر والنسيان التي تمنع وصول التحذير.
لا تقول الرواية ببساطة إن الدين مسؤول عن الجريمة. هذا اختزال لا يحتمله النص. لكنها تكشف المسافة الممكنة بين الطقس الأخلاقي والفعل الأخلاقي: يستطيع الناس انتظار رجل دين كبير، وإعداد الاستقبال، والاحتفاء بالمراسم، وفي الوقت نفسه يعجزون عن تنفيذ الفعل البسيط المطلوب منهم، وهو إنقاذ حياة إنسان.
هل الشرف مجرد عذر للقتل؟
إحدى أكثر أفكار الرواية إزعاجًا أن كلمة الشرف تسمح للأفراد بالتحدث كما لو أن الجريمة لم تعد اختيارًا.
الأخوان يتصرفان كأن المجتمع كتب لهما السيناريو. أنخيلا تخضع منذ البداية لمنطق الزواج العائلي والسمعة. الأم والعائلة تنظران إلى حياتها من خلال ما سيقوله الناس. بعض سكان البلدة يبتعدون لأنهم يعدون القضية شأنًا يخص أصحابها.
بهذه الطريقة تتحول القيمة الاجتماعية إلى ماكينة لإعفاء كل شخص من جزء من مسؤوليته.
القاتل يقول إنه يفعل ما يفرضه الشرف.
المتفرج يقول إنه لا يحق له التدخل في شرف الآخرين.
السلطة تعتقد أن المشكلة انتهت بعد إجراء محدود.
ومن يعرف الخبر يطمئن نفسه بأن الخبر انتشر إلى درجة يستحيل معها ألا يصل إلى سانتياغو.
وهكذا يصبح انتشار المعلومة نفسه سببًا في عدم إيصالها.
كلما عرف عدد أكبر من الناس، شعر الفرد بأن مسؤوليته أقل.
لماذا لا يعرف سانتياغو ما يعرفه الآخرون؟
هذه ربما أكثر مفارقات الرواية إيلامًا.
سانتياغو يتحرك داخل فضاء أصبح فيه اسمه مرتبطًا بالموت، لكنه لا يمتلك المعلومة التي يمتلكها الآخرون. يراه الناس في الشارع. يتحدث معهم. يبدو طبيعيًا. وبعضهم يفسر هدوءه على أنه دليل على أنه يعرف بالتهديد، لأنهم لا يستطيعون تصور أن خبرًا واسع الانتشار لم يصل إليه.
إنه نوع غريب من العمى الجماعي.
الناس لا يرون ما يعرفونه بأعينهم: رجل يتصرف كمن لا يدري أنه مهدد.
وبدل أن تدفعهم هذه العلامة إلى تحذيره، تدفع بعضهم إلى افتراض جديد: لا بد أنه يعرف ويتظاهر بالهدوء.
هذه اللحظة تتجاوز حدود الرواية. فالإنسان كثيرًا ما يفسر تصرف الآخر وفق المعلومة الموجودة في رأسه هو، لا وفق ما يعرفه الآخر فعلًا. وما يبدو لنا واضحًا قد لا يكون وصل أصلًا إلى الشخص الذي تتوقف حياته عليه.
الباب الذي أغلقته أمه
في اللحظات الأخيرة يصل سوء الفهم إلى أكثر صوره قسوة.
تغلق بلاسيدا لينيرو باب البيت لأنها تعتقد، اعتمادًا على ما قيل لها، أن ابنها في الداخل. تريد أن تحميه، لكن الفعل الذي تقصده للحماية يحرمه من أحد منافذ النجاة.
إنها ليست أمًا تختار تسليم ابنها للقتلة. إنها تتصرف وفق معلومة خاطئة.
وهذا هو النموذج المصغر للرواية كلها.
المأساة لا تحتاج دائمًا إلى نية شريرة. أحيانًا يكفي أن يمتلك الأشخاص معلومات ناقصة في اللحظة التي يتخذون فيها قرارات حاسمة.
الباب المغلق يختصر البلدة: كل شخص يعتقد أنه يفعل ما يبدو منطقيًا من موقعه، لكن مجموع هذه الأفعال يقود إلى النتيجة التي لم يكن كثيرون يريدونها.
إذن هل قتل القدر سانتياغو نصار؟
من السهل بعد كل هذه المصادفات أن نقول نعم.
فالتحذيرات تضيع. السكاكين تعود. الأصدقاء يتأخرون. سانتياغو يسلك المسار الخطأ. أمه تغلق الباب. والقاتلان يصلان في اللحظة التي يجب أن يصلا فيها.
لكن تسمية كل ذلك "قدرًا" قد تكون بالضبط العذر الذي تحاكمه الرواية.
فالقدر في قصة موت معلن لا ينزل من السماء كقوة غيبية تجبر الشخصيات على أفعالها. إنه يتشكل أمام أعيننا من خوف وتردد وعادة اجتماعية وسوء تقدير واحترام زائف لحدود الشرف وانتظار دائم لأن يتحمل شخص آخر المسؤولية.
لو تصرف شخص واحد بطريقة مختلفة في لحظة مناسبة، ربما لم تقع الجريمة.
وهذا ما يجعل الرواية أشد قسوة من قصة عن قدر لا يمكن تغييره. لو كان موت سانتياغو مكتوبًا بقوة خارقة، لكانت الشخصيات أقل مسؤولية. أما إذا كان موته قابلًا للمنع عشرات المرات، فإن كلمة "القدر" تصبح طريقة مريحة لوصف مجموع الإخفاقات بعد حدوثها.
الحادثة الحقيقية شيء، والرواية شيء آخر
من المغري بعد معرفة قصة كايتانو جنتيلي أن نطابق كل شخصية روائية بشخص حقيقي، ثم نتعامل مع الكتاب كما لو كان ملف القضية الأصلي. لكن ماركيز حذر بنفسه من هذا النوع من القراءة.
صحيح أن جريمة حقيقية كانت نقطة البداية. وصحيح أن عددًا من الأشخاص والوقائع في الرواية لهم جذور في حياة الكاتب وذاكرته. لكن الشخصيات تغيرت، والعلاقات تغيرت، والمكان أعيد تشكيله، وترتيب الأحداث تحول إلى بناء أدبي محسوب.
حتى الزمن نفسه أصبح أداة فنية. فالراوي لا يسرد الصباح من أوله إلى آخره مرة واحدة، وإنما يعود إليه مرارًا، وفي كل عودة يفتح نافذة جديدة. لذلك نشعر أننا ندور حول الجريمة كما يدور محقق حول مسرحها.
ولا يعود السؤال بعد ذلك: ماذا نقل ماركيز عن الواقع؟ بل: ماذا فعل بالواقع عندما حوله إلى أدب؟
لقد أخذ جريمة محلية كان يمكن أن تبقى خبرًا في أرشيف قديم، وحولها إلى تجربة يستطيع قارئ بعيد عن كولومبيا أن يتعرف فيها إلى آلية بشرية مألوفة: الجميع يرى الخطر، لكن كل فرد ينتظر إشارة أو إذنًا أو شخصًا آخر كي يتحرك.
الموت معلن، أما المسؤولية فمخفية
لهذا يبدو عنوان الرواية أدق مما يظهر أول مرة.
المعلن ليس الموت فقط.
الخطة معلنة. القاتلان معلومان. الضحية معلومة. الدافع معروف. الأدوات ظاهرة. والوقت يمر أمام الناس.
ما يبقى غير معلن هو المسؤولية.
لا أحد تقريبًا يقول في اللحظة المناسبة: إذا لم أتصرف أنا الآن فقد يموت هذا الرجل.
وبعد موته يبدأ الجميع في تركيب الأسباب.
عندها يصبح من السهل التحدث عن المصادفة، وسوء الحظ، والقدر، والعادات، والشرف، والخطأ في التوقيت. وكل واحد من هذه العناصر موجود بالفعل في الرواية، لكنه لا يلغي الحقيقة الأخلاقية التي تظل في الخلفية: كان هناك وقت يمكن فيه منع الجريمة.
وهكذا يغير ماركيز وظيفة السؤال البوليسي. بدل أن نغلق الكتاب بعد اكتشاف المجرم، نغلقه وقد أصبحت دائرة المشتبه بهم أكبر بكثير مما كانت عليه في الصفحة الأولى.
القاتلان معروفان.
أما الذنب، فلا يمكن حصره بسهولة في شخصين.
وهذه هي الإجابة الأعمق عن السؤال الذي بدأنا منه. لم يمت سانتياغو لأن البلدة لم تعرف. مات لأن المعرفة وحدها لا تكفي. المعلومة التي لا تتحول إلى مسؤولية قد تصبح مجرد خبر يتناقله الناس وهم ينتظرون النهاية.
لو كنت واحدًا من سكان البلدة وسمعت أن الأخوين فيكاريو ينويان قتل سانتياغو، في أي لحظة كنت ستعتبر الأمر مسؤوليتك الشخصية لا مسؤولية شخص آخر؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق