اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعر الأردني جريس سماوي: شعرية الجسد الراقص والهوية الباحثة عن بلادها

 

بورتريه عمودي بالألوان المائية للشاعر الأردني جريس سماوي، بملابس رسمية وخلفية فنية هادئة مستوحاة من الطبيعة الأردنية.


بقلم: الورّاق الجزائري

لا يمكن الدخول إلى عالم الشاعر الأردني جريس سماوي من باب واحد؛ فقصيدته تتحرك بين الحب والتاريخ، وبين الجسد والروح، وبين فرح الحياة وقلق المصير. وهي، في حركتها هذه، لا تفصل بين التجربة الفردية والأسئلة الكبرى، بل تجعل العاشق والمؤرخ والمنفي والمتصوف وابن المكان أصواتًا متعددة لذات واحدة تحاول أن تعثر على انسجامها الداخلي، وأن تسترد صورتها من بين الصور التي فرضها الآخرون عليها.

لهذا تبدو شعرية سماوي قائمة على الحركة أكثر من استقرارها في معنى نهائي. إنها شعرية الرقص والطواف والسباحة والارتحال والعروج واقتفاء الأثر. حتى عندما يجلس الشاعر صامتًا، فإن روحه تواصل رحلتها في الداخل، وحين يستعيد الماضي لا يقف أمامه بوصفه زمنًا منقضيًا، بل يسير نحوه وينقّب فيه ويعيد ارتداءه. وحين يتحدث عن الوطن، لا يصف خريطة ساكنة، وإنما يراه كائنًا مهددًا بالسقوط، فيحاول أن يسنده بيديه ويصلّي من أجله وإليه.

إنه شاعر يكتب العالم كما لو أنه رقصة كونية كبرى، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الراقص قد يكون وحيدًا، وأن الموسيقى قد تنقطع، وأن الجسد المضيء يحمل في أعماقه خوفه من الغياب.

 

القصيدة بوصفها نسبًا وطقسًا واشتعالًا

في قصيدة "حطب الكلام" يقدّم سماوي واحدة من أكثر صوره دلالة على مفهومه للشعر:

كأنك يا حبر أبي،
وكأنك يا ريشة أمي..
وأنا زوجتي القصيدة،
أدخل إلى جسدها المضيء
وأشتعل

لا تظهر الكتابة هنا باعتبارها مهنة أو تمرينًا لغويًا، وإنما باعتبارها نسبًا عائليًا وارتباطًا جسديًا وطقسًا من طقوس التحول. الحبر يأتي من الأب، والريشة تأتي من الأم، أما القصيدة فهي الزوجة التي يدخل الشاعر إلى جسدها كي يشتعل. وهكذا تتجمع في صورة واحدة علاقات الأبوة والأمومة والزواج والميلاد. لا يكتب الشاعر القصيدة من خارجها، بل يدخل فيها، ولا تظل هي موضوعًا بين يديه، بل تصبح جسدًا مضيئًا تنبعث منه النار. غير أن هذه النار ليست نار الإحراق وحده؛ إنها طاقة الخلق التي تسمح للكلام بأن ينتقل من مادته الخام إلى وجوده الشعري. ولعل عنوان القصيدة، "حطب الكلام"، يلخص هذه الرؤية: الكلمات حطب، لكنها لا تصبح شعرًا إلا حين تمسها جمرة التجربة. والصفحة، بهذا المعنى، ليست مستودعًا للعبارات، بل موضع اشتعال.

ويمضي سماوي في تأصيل هذا النسب حين يجعل الشعر "الجد العظيم" الذي يرقص بعصاه ويمنحه خاتمه وصولجانه وعباءته "المنسوجة من حرير الأسطورة". إن الشاعر لا يدّعي بداية مطلقة، بل يعلن انتماءه إلى سلالة رمزية بعيدة. وهو يتلقى منها سلطة القول، لكنه لا يرثها في صورة قواعد جامدة، وإنما في صورة رقصة وعباءة وخاتم. التراث هنا احتفال حي، لا متحف مغلق.

ومن اللافت أن القصيدة التي تبدأ بعلاقة حميمة بين الشاعر والكتابة سرعان ما توسع مجالها، فيطلب سماوي من الشعر أن يدخل "في طقوس الفلاحين وغناء الناس"، وأن يهبط "على أرجل الراقصين والراقصات". فالشعر الذي يبدأ سرًا شخصيًا ينبغي أن ينتشر كالغيمة، ويختلط بالعمل والغناء والرقص والحياة اليومية. إنه لا يكتمل في عزلة الشاعر، بل حين يسري في أجساد الناس وأصواتهم وذاكرتهم الجمعية.

 

الرقص: فلسفة الجسد وإيقاع الوجود

إذا كان ثمة مفتاح مركزي لعالم جريس سماوي فهو الرقص. غير أن الرقص لديه ليس زينة مشهدية أو فعلًا احتفاليًا عابرًا، بل طريقة في فهم الجسد والكون والشعر. يقول في قصيدة "المزهرية سجن صغير":

الرقص إعادة للتوازن
بين الكون والجسد
الرقص موسيقى الأعضاء
الرقص لغة
والراقصون شعراء

تضع هذه العبارة الرقص في منزلة الشعر نفسه. فكما يعيد الشعر ترتيب العلاقة بين اللغة والعالم، يعيد الرقص التوازن بين الجسد والكون. الجسد لا يعود كتلة مادية صامتة؛ إنه مجموعة من الأعضاء التي تؤلف موسيقاها الخاصة، وحركاته تتحول إلى كلام لا يحتاج إلى ألفاظ. ومن هنا تأتي عبارته الحادة:

المرء ذو القدمين
اللتين لا ترقصان
كسيح الروح والمعنى

العجز المقصود هنا ليس عجز الجسد، وإنما تعطّل الطاقة الروحية فيه. فالقدمان قد تكونان سليمتين من الناحية الجسدية، لكنهما عاجزتان عن الفرح والانعتاق والتجاوب مع إيقاع الوجود. وعلى العكس من ذلك، قد يكون الرقص فعلًا داخليًا تمارسه الروح حتى حين تعجز القدم أو يصمت اللحن. بهذا المعنى، لا يقيس سماوي اكتمال الإنسان بسلامة أعضائه، بل بقدرته على تحويل وجوده إلى إيقاع. وتتجلى هذه الفكرة بصورة أكثر تفصيلًا في قصيدة "في الفالنتاين أدعوها إلى الرقص". تبدأ القصيدة بحوار بسيط بين رجل وامرأة؛ يطلب منها أن تعلمه الرقص، فتخبره أين يضع يديه وكيف ينقل قدميه. لكن الدرس سرعان ما يتجاوز تعليم الحركات:

دع الروح ترقص،
واحلم، وطر، وانعتق،
علِّ إلى فوق، حلق، تألق

يتحول الرقص إلى تدريب على التحرر. وما تتعلمه الذات ليس تناسق الخطوات، بل الخفة والخيال والانعتاق من ثقلها. ولهذا يكتشف الاثنان أنهما يرقصان من دون لحن خارجي، فتشير المرأة إلى القلب وتقول إن الموسيقى هناك. إن الجسدين لا ينتظران موسيقى تأتيهما من الخارج؛ فالحب هو الذي يخلق إيقاعهما، وهما "كوكبان" تتحول حركتهما إلى حساب فلكي.

وفي نهاية القصيدة ينكشف المعنى الأعمق: لم يكن العاشقان يتعلمان الرقص، بل كان كل واحد منهما يعلّم الآخر الحب. الرقص إذن صورة للعلاقة المتبادلة التي لا يكون فيها طرف معلّمًا بصورة نهائية والآخر متلقيًا سلبيًا. كلاهما يقود ويُقاد، يمنح ويتلقى، يطوف ويُطاف به. وهذه التبادلية من أجمل ملامح الرؤية العاطفية عند سماوي، لأنها تنقذ الحب من علاقات السيطرة، وتجعله مشاركة في خلق الإيقاع.

 

أنوثة الماء وماء الأنوثة

تحتل المرأة مساحة واسعة في شعر جريس سماوي، لكنها لا تظهر في صورة واقعية محددة بقدر ما تتشكل من عناصر الطبيعة والأسطورة والحلم. إنها امرأة مائية ونارية، قريبة وبعيدة، حسية وأثيرية في آن واحد.

في "امرأة الرصيف العائم" تجلس حورية البحر على رصيف فوق الماء، بينما يبدو الكون كله منهمكًا في تهيئة مسرح ظهورها. السماء تشعل قناديلها، والثريا ترعى نعاس الفضاء، والمشتري يعلق ميزانه، والنجوم تؤجل مواعيدها. لا تدخل المرأة إلى مشهد مكتمل قبلها؛ ظهورها هو الذي يدفع الطبيعة إلى إعادة تنظيم عناصرها.

ويستعين سماوي بالأسطورة كي يحرر المرأة من حدود اللحظة العابرة. فهي "آلهة أيلة"، وابنة البحر، وكاهنة الريح، وسليلة "أنثى الخرافة". إلا أن الأسطورة عنده لا تحولها إلى تمثال بعيد، بل تضاعف حضورها الحسي. شعرها وقرطاها وفمها وخطواتها وأثرها في الماء عناصر محسوسة، لكنها تظل محاطة بغموض لا يُستنفد. وتقوم القصيدة على توتر خصب بين الماء والنار. حورية البحر تصبح في الخاتمة "امرأة النار"، ويُطرح السؤال:

هل تنطفئ،
أم الماء ينشف؟

لا يقدّم الشاعر جوابًا، لأن جمالية الصورة تقوم على استحالة حسمها. فإذا غلب الماء انطفأت المرأة، وإذا غلبت النار جف الماء، لكن الشعر يبقي العنصرين متجاورين، ويجعل الأنوثة قوة تجمع ما يبدو متناقضًا.

وفي قصيدة "السابحة" تصبح العلاقة بين المرأة والماء أكثر حميمية. ليست السباحة فعلًا تؤديه المرأة داخل الماء فحسب؛ فالماء نفسه يتغير بها:

بها يبدأ الماء
خافتًا وبهيًا
بها يتدرج نحو الأنوثة
مستسلمًا، طائعًا، ونديًا

تنعكس العلاقة المألوفة بين الإنسان والطبيعة. لا تدخل المرأة في صفات الماء، بل يدخل الماء في أنوثتها ويتعلم منها الليونة والانثناء. وعلى الرغم من أن الماء "صعب عصي" وذو "روح مهر عنيد"، فإن السابحة تعرف سره ومفاتيحه. وحركتها تشق الموج حتى يصير صفين من الحرس، كأن الطبيعة نفسها تقيم لها ممرًا ملكيًا.

هذه القصيدة مثال واضح على قدرة سماوي على بناء الصورة الحركية. الذراع مسحوبة على الماء، والأخرى معلقة في الهواء، والرأس يلتفت، والجسد ينساب، والموج يرتفع، والشمس تُستدعى لتجفف آثار الماء. الصورة لا تُرى دفعة واحدة، بل تتكون متتابعة كما تتكون اللقطة السينمائية. وربما كان لخبرته البصرية والإعلامية أثر في هذا الميل إلى تنظيم المشهد، وإدارة الضوء، ومتابعة حركة الجسد داخل المكان.

لكن حسية هذه القصائد لا تنتهي عند افتتان العين بالجسد. فالجسد عند سماوي ليس نقيضًا للروح؛ إنه أحد أشكال ظهورها. لذلك يصف العري بأنه "مقدس" و"مضيء"، ويقول في إحدى ومضاته:

الجسد العاري
لا نراه مخجلًا
إلا إذا كانت أرواحنا عارية

الخجل الحقيقي، في هذه الرؤية، لا يأتي من انكشاف الجسد، بل من خواء الروح وسقوطها الأخلاقي. ومن هنا يستعيد الشاعر الجسد من منظومة التحريم، ويضعه في فضاء جمالي وروحي، حيث يصبح الانثناء والسباحة والرقص طرائق للكشف عن الانسجام الكامن في الإنسان.

 

الأم في مواجهة المؤرخ

إذا كانت المرأة في قصائد الحب حورية وسباحة وراقصة، فإنها في قصيدة "أقتفي أثري أنقّب عن بلادي" تظهر في صورة الأم التي تنسج هوية ابنها. تبدأ القصيدة بمواجهة واضحة بين روايتين للتاريخ:

خاط المؤرخ لي رداءً ضيقًا
نسجته ريشته التي كُتبت بها
خطب الطغاة
وصممته حروبهم وسيوفهم
فخلعته عني

الرداء الذي يخيطه المؤرخ ليس بريئًا؛ إنه مصنوع من لغة السلطة والحروب. إنه هوية جاهزة، ضيقة، لا تلائم جسد الذات ولا "تسامق هامتها". ويقابل الشاعر هذا الرداء برداء الأم الذي خاطته بيدين "منصتتين للمعنى" و"لنبض الله في الإنسان". والمواجهة هنا ليست بين تاريخ مكتوب وذاكرة شفوية فحسب، بل بين طريقتين في صناعة الهوية. المؤرخ الرسمي ينسج صورته من خطب الطغاة والسيوف، أما الأم فتنسجها من القمح والكروم والأنهار والمدن والقصائد والحكايات. الأول يختزل الذات في حدود سياسية وعقائدية ضيقة، والثانية تمنحها فضاء يتسع للكواكب والهجرات واللغات.

ويمتد ثوب الأم في القصيدة حتى يغدو خريطة حضارية واسعة. عليه حوران والأوراس والشام والقيروان والموصل والبترا وإنطاكية والإسكندرية، وعليه أدونيس وثور أوروبا وحوافر خيل قدموس. نحن أمام هوية لا تطلب نقاءً عرقيًا أو دينيًا، بل ترى نفسها حصيلة الترحال والتفاعل والاختلاط. إنها هوية مشرقيّة ذات طبقات، تحتفظ بأثر الحضارات من غير أن تتحول إلى نسخة من إحداها.

ولا يكتفي الشاعر باكتشاف الانتماء إلى هذه الخريطة، بل يكتشف تناقضه داخلها:

أنا الضحية والمضحّي
والصلاة،
أنا التقى، العصيان، نصل السيف، تأنيب الضمير

هذا الاعتراف بالغ الأهمية؛ لأن الهوية لا تظهر بوصفها براءة مطلقة. فالذات تحمل تاريخ الضحية والجلاد، والإيمان والعصيان، والسيف والضمير الذي يؤنبه. إنها لا تختار من التاريخ ما يرضي صورتها المعاصرة فقط، بل تعترف بما فيه من تصادمات. ومن ثم يغدو اقتفاء الأثر نوعًا من المحاسبة، لا بحثًا عن مجد مفقود وحسب.

وفي إعلان انتمائه إلى الشرق وبلاد الشام، يستحضر سماوي مسيحية مشرقية متداخلة مع المجال العربي والإسلامي. فهو "الأرامي" و"الأريسي" و"الحنيفي"، وهو بحيرى وابن نوفل والمعمّد والذبيح، وهو "جميع الهرطقات" و"كل الرسالات". قد تبدو هذه الكثافة الاسمية مغامرة معرفية تضع ضغطًا على البناء الشعري، لكنها تكشف بوضوح رفضه للهويات المغلقة. إنه يبحث عن جوهر روحي وإنساني أوسع من التصنيفات، ويجعل الشرق فضاءً للتجاور والصراع والتلاقح، لا ملكية حصرية لجماعة واحدة.

 

الوطن: أبٌ وحبيبٌ وسند مهدد

في قصيدة "ثلاث ليال سويًا" يتخذ سؤال الوطن طابعًا وجوديًا حميمًا. يبدأ النص بحالة من الاعتكاف: الشاعر يجلس على "سجادة الصمت"، يستبطن ذاته، يصغي إلى روحه، ويرى أسلافه يمرون في العماء. اللغة هنا تستدعي أجواء الصلاة والعروج والهيكل والكهانة، لكنها لا تقود إلى يقين مكتمل. فالشاعر "مستتر في انكشافه"، وصمته ليس فراغًا بل طريقًا إلى عتبات لا يصل إليها الكلام المباشر.

ومن قلب هذا الاعتكاف يظهر الوطن:

وأصلّي إليكَ
وأرجوكَ يا وطني
يا حبيبي ويا سندي

التحول من الصلاة من أجل الوطن إلى الصلاة إليه يرفع العلاقة إلى درجة قصوى من الاندماج. الوطن ليس موضوع ولاء سياسي، بل حبيب وأب وسند وموضع رجاء. غير أن هذا السند نفسه يتداعى، فيطلب من الشاعر أن يحمله، بينما يعترف الشاعر بأنه لا يملك أجنحة، وأن ما يبدو ريشًا ليس سوى تعبه.

تنقلب العلاقة التقليدية هنا: الوطن الذي يفترض أن يحمي أبناءه صار بحاجة إلى من يسنده، والابن الذي يفترض أن يستمد منه القوة صار مطفأً. يقول:

أنا مطفأ يا أبي
أوتطلب من جمرتي قبسًا؟
أنت يا أبتي لا تنير
كما كنت من قبل تشعل أرواحنا
وأنا لم أعد مثلما كنت مؤتلقًا

ليس الخراب خارجيًا فقط؛ لقد دخل في العلاقة بين الوطن وأبنائه. كلاهما يعاتب الآخر، وكلاهما فقد بعض نوره. ومع ذلك لا تتحول المرارة إلى إعلان قطيعة. فالشاعر يقول إنه لا يرثي وطنه ولا يخونه، بل يظل محتفظًا باحتمال الولادة في نهاية القصيدة:

ويا زكريا سيولد يحيى
سيولد يا زكريا

تستعيد الخاتمة قصة البشارة بولادة يحيى بعد انقطاع الأسباب الظاهرة. وهي بذلك لا تقدم تفاؤلًا سهلًا، بل رجاءً يولد في قلب العجز. فالشاعر لا ينكر الفجيعة، ولا يدّعي أن الخلاص قريب، لكنه يتمسك بفكرة أن الولادة قد تحدث حين يبدو الزمن عاقرًا.

 

بلاد الشام بوصفها قرابةً حية

تظهر وحدة بلاد الشام في شعر سماوي بوصفها شعورًا حيًا يتجاوز التقسيم السياسي. ففي "ياسمين الشام" يطل الشاعر من قاسيون على دمشق، لكنه لا يقف فيها بوصفه غريبًا أو سائحًا. المدينة امرأة تتزين بالضوء، وبردى أبٌ، والياسمين نساء تفوح أنوثتهن على الماء. وحين يسأله قاسيون: "ابن من أنت؟"، لا يجيب بوثيقة أو اسم دولة، بل بسيرة ماء وقمح:

ابن نهر قريب جنوب الشام
أبي جاء من بانياس
وسار جنوبًا إلى الغور
يحرسه العشب والماء،
أمي حفيدة حوران،
عائلتي القمح والدالية

تتحول الجغرافيا إلى نسب. فالنهر أب، وحوران جدة، والقمح والدالية عائلة. وبذلك يعيد الشاعر رسم الخريطة وفق حركة الطبيعة والقرابة والثقافة، لا وفق الحدود الحديثة. والماء الذي يجري من الشمال إلى الجنوب يوحد ما فرقته السياسة.

غير أن هذه الوحدة لا تأتي في خطاب مباشر أو شعار قومي جاهز؛ إنها تُبنى من الروائح والمياه والقمح والياسمين. وهذا ما يمنحها شعريتها. الانتماء لا يُعلَن فقط، بل يُشم ويُذاق ويُرى، ويغدو حاجة جسدية تشبه العطش. لذلك يكرر الشاعر أنه لم يرتوِ من فيض والده النهر ولا من شم الياسمين. الوطن الموسع ليس فكرة عقلية، بل رغبة في الارتواء والعودة إلى أصل روحي وجمالي.

 

الأسلاف والبحث عن الأب

يتكرر حضور الأب والجد والأسلاف في قصائد سماوي. فالحبر حبر الأب، والشعر هو الجد العظيم، والوطن أب، والنهر أب، والصديق قد يخاطبه الشاعر بقوله: "يا صاحبي وأبي". وهذا التكرار يشير إلى أن الذات الشعرية تبحث دائمًا عن سند رمزي يربطها بما سبقها. لكن الأب في هذه القصائد ليس دائمًا قويًا أو قادرًا على الحماية. قد يكون منهكًا، أو غائبًا، أو عاجزًا عن الإضاءة كما كان. وفي "الصديق" يأتي الرفيق من "نعاس بعيد" ليرى جثة المتكلم، لكنه لا يبكي، بل يأمره بألا ينام ثم يتجه إلى نشيد جديد. هذه الصداقة لا تقوم على الرثاء السلبي؛ الصديق الحقيقي يوقظ صاحبه من موته الرمزي ويدعوه إلى استئناف النشيد.

تكشف القصيدة أيضًا عن قلق ديني وتاريخي شديد. يعلن المتكلم أنه من "بقايا النساطرة التائهين"، وأن أسقفه ورعاته خانوه، وأن الأبرشية ضاقت بملته. لكنه، في لحظة الشك، يتلقى وصية بالاتئاد:

فالديك صاح هنا صيحتين
فلا تنكر الرب في الثالثة

تستدعي الصورة إنكار بطرس للمسيح، لكنها تحول القصة إلى تحذير موجه إلى الذات المعاصرة. لا يعني ذلك أن القصيدة تنتهي إلى إيمان مطمئن؛ فهي تبقى معلقة بين المرارة والشك والرجاء. وهذه المنطقة القلقة هي من أهم سمات الرؤية الروحية لدى سماوي: الإيمان عنده ليس امتلاكًا نهائيًا للحقيقة، بل مكابدةٌ لها، وتساؤلٌ في شأنها، وخوفٌ دائم من خيانة الإيمان نفسه.

 

الصورة الحسية واتحاد العناصر

يعتمد سماوي بكثافة على عناصر الماء والنار والهواء والتراب، لكنه لا يستخدمها بمعاني رمزية ثابتة. فالماء قد يكون أنوثة وحياة وذاكرة وأبوة، وقد يصبح مضطربًا كقلب عاشق. والنار قد تكون الشهوة أو الشعر أو الحضور الأنثوي أو الذاكرة المتقدة. والهواء قد يحمل الرؤى، لكنه قد يصبح "هواءً خبيثًا" ينذر بالوباء والموت. أما التراب فهو موضع اكتشاف الشبيه والجذر والبلاد.

وتنبع حيوية الصورة من تداخل هذه العناصر. امرأة البحر تصبح امرأة النار، والغيمة ابتهال صاعد بينما المطر سجود، والعطر عاشقة متصوفة تلاشى جسدها. لا يقيم الشاعر حدودًا حاسمة بين المادة والروح؛ فكل مادة قابلة لأن تُروحن، وكل معنى روحي يبحث عن هيئة حسية يتجلى فيها. يقول:

الغيمة ابتهال صاعد
والمطر سجود

الصورة قصيرة، لكنها تعيد بناء دورة الماء في صورة شعيرة كونية: تصعد الغيمة كما يصعد الدعاء، ثم يعود المطر إلى الأرض كما ينحني الجسد في السجود. الطبيعة لا تزيّن الفكرة الدينية، بل تؤديها. ويظهر هنا ميل سماوي إلى استعادة المقدس خارج المؤسسة والطقس الرسمي؛ إنه يجده في الغيمة والمطر والجسد والرقص والعطر.

وتكشف الومضات القصيرة في "المزهرية سجن صغير" وجهًا آخر من أسلوبه، بعيدًا عن النفس الطويل والتراكم الأسطوري. تبدأ القصيدة بحكم مكثف:

المزهرية سجن صغير
والأصص منفى
والحديقة وطن

ثلاثة أمكنة تتدرج من الأسر إلى المنفى ثم إلى الوطن. الزهرة المقطوفة قد تبدو جميلة في المزهرية، لكن جمالها لا يلغي سجنها؛ والوطن، في هذه الومضة، هو المجال الذي يسمح للكائن بأن ينمو وفق طبيعته. إنها صياغة شديدة الاقتصاد لفكرة الحرية والانتماء، وتبرهن أن سماوي يستطيع بلوغ الشعرية بالتكثيف كما يبلغها بالتدفق.

 

بين التدفق والتكثيف

تتحرك لغة جريس سماوي بين نمطين بارزين. الأول تدفقي، يقوم على تتابع الصور والأسماء والأفعال والنداءات، كما في "أقتفي أثري أنقّب عن بلادي" و"ثلاث ليال سويًا". وفي هذا النمط تبدو القصيدة كأنها نهر يجرف في طريقه التاريخ والجغرافيا والأسطورة والذاكرة الشخصية. لا تتوقف الصورة عند حدودها، بل تستدعي صورة أخرى، ولا يكتمل الاسم إلا حين يجاوره اسم جديد.

أما النمط الثاني فومضي وتأملي، يعتمد المفارقة والعبارة القصيرة، كما في:

العطر عاشقة متصوفة
تلاشى جسدها

هنا يُختزل فعل التصوف كله في تحول الجسد إلى أثر لا يُرى، لكنه يُشم، فالعطر روح نجت من غياب الجسد، أو حب تحرر من مادته من دون أن يفقد حضوره.

ولكل واحد من النمطين مكاسبه ومخاطره. فهو يمنح تدفق القصيدة طاقة إنشادية وقدرة على بناء عالم واسع، لكنه يقترب أحيانًا من الإفراط في التعداد وتزاحم الرموز، ولا سيما حين تتوالى الأسماء التاريخية والدينية والجغرافية. أما الومضة فتمنح العبارة صفاءها وقوة مفارقتها، لكنها قد تقترب أحيانًا من الحكمة النثرية إذا لم تسندها دهشة الصورة. غير أن أجمل شعر سماوي هو الذي يجمع بين الطاقتين: امتداد المشهد من ناحية، وقدرة العبارة المفردة على الإضاءة من ناحية أخرى.

 

موسيقى التكرار وحركة الأفعال

لا تقوم موسيقى سماوي أساسًا على الوزن الظاهر أو القافية المنتظمة، وإنما تنشأ من التكرار والتوازي وتوالي الأفعال. في "حطب الكلام" تتكرر عبارة "كأنك يا حبر أبي، وكأنك يا ريشة أمي"، وفي "ثلاث ليال سويًا" تتكرر الصلاة والنداءات والأسئلة، وفي "ياسمين الشام" يعود الإعلان: "لم يرتو الابن"، أما قصيدة الرقص فتقوم على الأوامر القصيرة: ارقص، احلم، طر، انعتق، حلق، تألق.

هذه الأفعال لا تصف الحركة فقط، بل تصنعها إيقاعيًا، فالقارئ لا يتلقى فكرة عن الرقص، وإنما يشعر بتتابع الخطوات داخل الجملة. وكذلك حين يقول الشاعر في "السابحة": "ينحني، ينطوي تحتها، ينثني"، تتكرر البنية الصوتية والصرفية فتجعل العبارة نفسها لينة ومتموجة.

وللتكرار وظيفة نفسية أيضًا. إنه يدل أحيانًا على الإلحاح والعطش، وأحيانًا على الدعاء أو التعويذة، وأحيانًا على عجز الذات عن تجاوز سؤالها. فالعودة إلى العبارة لا تعني إعادة المعنى نفسه، لأن السياق يكون قد تغير. حين يكرر الشاعر صلاته للوطن، تصبح الصلاة في كل مرة أكثر هشاشة وأشد التصاقًا بالخوف.

 

ذات حديثة تحمل ذاكرة قديمة

تبدو الذات في شعر جريس سماوي ذاتًا حديثة لأنها قلقة ومركبة ولا تدّعي الانسجام الكامل. إنها تنظر إلى نفسها وتسائل يقينها: "هل يقيني يقيني، يقينًا؟"، وتعترف بأنها الضحية والمضحّي، والمؤمن والخارج، والصلاة والعصيان. لكنها في الوقت نفسه تحمل ذاكرة قديمة كثيفة: الآلهة والأسلاف والأنبياء والمدن والهرطقات والقمح والربابة وطقوس الفلاحين.

لا يستخدم سماوي هذه الذاكرة للفرار من الحاضر، بل ليقاوم اختزاله. الماضي يوسع هوية الذات ويمنحها أكثر من حياة، لكنه لا يحل أزمتها بصورة نهائية. فالشاعر الذي يجد جذوره في البلاد القديمة يظل يسأل عن وطنه، والذي يستحضر الأسلاف يظل وحيدًا على سجادة الصمت، والذي يملك عباءة من حرير الأسطورة يظل معرضًا للانطفاء. ومن هذه المفارقة تتولد حداثة تجربته: التراث ليس جوابًا جاهزًا، بل مادة لسؤال جديد.

 

فرح يقف على حافة الفجيعة

قد توحي كثرة الرقص والنساء والماء والعطر والياسمين بأن عالم سماوي احتفاء صافٍ بالحياة. غير أن هذا الفرح يجاور الموت باستمرار. ثمة جثة في "الصديق"، وفجيعة مفتوحة على ردهة الموت في "ثلاث ليال سويًا"، ومدن وموانئ مهددة، وهواء خبيث، ووطن يخشى الشاعر أن يخونه أو يتداعى بين يديه. لكن شعره لا يستسلم لمرثية شاملة. إنه يحاول انتزاع الحركة من قلب السكون، والرقص من قلب التعب، والولادة من قلب العقم. حتى النار التي تحرق تصبح شرطًا لاشتعال القصيدة، وحتى الحزن يُدفع نحو النشيد الجديد.

هذه ليست بهجة ساذجة لا ترى الخراب، بل بهجة مقاومة تعرف أن الموت حاضر، ولذلك تتمسك أكثر بالماء والضوء والجسد والرقص. إن المرأة تسبح لأن البحر عصي، والروح ترقص لأنها مثقلة، والشاعر يقتفي أثر بلاده لأنها ضاعت تحت رداء المؤرخ، ويصلي للوطن لأنه لم يعد قويًا كما كان.

 

خاتمة: اكتمال لا يلغي التناقض

تنبني شعرية جريس سماوي على رغبة عميقة في استعادة وحدة بدئية بين أشياء فرقتها الثقافة الحديثة: بين الجسد والروح، والحب والتصوف، والمرأة والطبيعة، والدين والشك، والأردن وفضائه المشرقي، والفرد وأسلافه. لكنه لا يصل إلى هذه الوحدة بإلغاء التناقضات، بل بإبقائها حية داخل القصيدة. فالمرأة ماء ونار، والوطن أب يحتاج إلى ابنه، والشاعر مؤمن وعاصٍ، والهوية ضحية ومضحّية، والصمت كلام داخلي، والرقص حب، والعطر جسد تلاشى وبقي أثره. كل صورة تحمل نقيضها، ومن احتكاكهما يتولد التوهج. وربما لهذا يقول في ختام "أقتفي أثري أنقّب عن بلادي":

كأنني ضوء وأمتلك الجهات

إنه لا يقول إنه امتلك الحقيقة، بل امتلك الجهات؛ أي احتمالات السير كلها. والضوء نفسه لا يستقر في موضع واحد، بل ينتشر ويكشف ويعبر المسافات. هكذا تبدو تجربة جريس سماوي: قصيدة تسير في أكثر من جهة، تحمل جسدها وأساطيرها وقلقها المشرقي، وتبحث وسط التاريخ والحب والفجيعة عن لحظة توازن، يستطيع فيها الإنسان أن يرقص من جديد.

اقرأ بعض قصائد الشاعر جريس سماوي على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق