من الذي يتحدث إلى الراهب هيبا في رواية «عزازيل»؟ هل يقف الشيطان فعلًا إلى جواره، يدفعه إلى الخطيئة والشك، أم أن هيبا يحتاج إلى أن يخترع شخصًا آخر يحمل عنه عبء ما يفكر فيه ولا يجرؤ على نسبته إلى نفسه؟
هذا السؤال أهم من البحث عن «هوية الشيطان» بالمعنى الحكائي البسيط. فالرواية التي نشرها يوسف زيدان سنة 2008 لا تبني عزازيل كشخصية شريرة تدخل وتخرج من الأحداث بالطريقة المألوفة في الحكايات الدينية، بل تجعله ملازمًا للحظات انقسام هيبا على نفسه: عندما يرغب ويخاف، يؤمن ويشك، يريد الاعتراف ثم يتراجع، ويبحث عن الحقيقة وهو يعرف أن الحقيقة نفسها قد تهدم الطمأنينة التي عاش بها.
الجواب الأقرب الذي يسمح به النص هو أن عزازيل لا يعمل بوصفه شيطانًا خارجيًا فقط، بل بوصفه الصوت الذي يمنح هيبا رغباته وشكوكه المكبوتة شكلًا يمكنه محاورته. إنه «الآخر» الذي يصنعه الراهب داخل نفسه كي يقول ما لا يستطيع قوله بضمير المتكلم. ولذلك فالصراع الحقيقي في الرواية ليس بين راهب وشيطان بقدر ما هو بين الإنسان والصورة التي يريد أن يكونها عن نفسه.
هنا يبدأ معنى العنوان. فلو كان عزازيل مجرد قوة غيبية تغوي البطل، لتحولت الرواية إلى حكاية صراع مألوفة بين الخير والشر. لكن يوسف زيدان يترك الحد الفاصل غائمًا. كلما ظهر عزازيل، ازداد السؤال صعوبة: هل هناك كائن يتحدث، أم أن الكتابة نفسها جعلت هيبا يسمع ما كان يخشاه في داخله؟
لماذا يكتب هيبا أصلًا؟
تبدأ الحيلة الروائية قبل أن تبدأ اعترافات الراهب. فالكتاب يقدم نفسه كما لو أنه ترجمة لمجموعة من اللفائف القديمة المكتشفة في منطقة أثرية قرب حلب، وأن شخصًا مجهولًا قام بترجمتها إلى العربية. هذه بالطبع ليست وثيقة تاريخية حقيقية، وإنما إطار تخييلي متعمد يجعل القارئ يدخل الرواية كما لو كان يفتح صندوقًا أغلق منذ القرن الخامس الميلادي.
اختيار المخطوط ليس زينة شكلية. يوسف زيدان باحث اشتغل طويلًا بالمخطوطات والتراث، وقد صرّح بعد فوز الرواية بأن البحث الذي تراكم خلف «عزازيل» امتد سنوات طويلة، بينما استغرقت الكتابة نفسها فترة أقصر بكثير. لذلك تأتي الحيلة متصلة بعالم يعرفه الكاتب جيدًا: ناسخ، رقوق، هوامش، مترجم متأخر، نص ضائع، ومسافة زمنية تجعلنا غير قادرين على سؤال صاحبه مباشرة عما حدث.
غير أن الأهم من شكل المخطوط هو فعل الاعتراف نفسه. هيبا لا يكتب لأنه يمتلك الحقيقة، بل لأنه لا يمتلكها. الكتابة عنده محاولة لترتيب حياة لم تستقر في معنى واحد. ولهذا يدفعه عزازيل إلى أن يكتب. الصمت يسمح لهيبا بأن يحافظ على صورة الراهب المتماسك، أما الكتابة فتجبره على مواجهة الإنسان الموجود تحت الثوب.
وهذا ما يجعل «عزازيل» رواية عن الاعتراف بقدر ما هي رواية تاريخية. فما يكتبه هيبا لا يقدم محضرًا محايدًا لأحداث القرن الخامس؛ إنه ذاكرة رجل مضطرب عاش الأحداث، أحب وخاف وشعر بالذنب ثم استعاد ما حدث بعد مرور الزمن. وبين الحدث والكتابة توجد دائمًا مساحة يمكن للذاكرة أن تغير فيها ترتيب الأشياء ومعناها.
الجسد الذي لا يختفي تحت ثوب الراهب
الصراع مع الجسد أحد أكثر خطوط الرواية وضوحًا، لكنه يصبح سطحيًا إذا اختصرناه في القول إن راهبًا وقع في غواية امرأتين. أوكتافيا ومارتا ليستا مجرد اختبارين أخلاقيين موضوعين في طريق رجل متدين. كل واحدة منهما تكشف صدعًا أعمق في طريقة هيبا لفهم ذاته.
هيبا يريد من نفسه أن تكون روحًا خالصة تقريبًا. يريد المعرفة والطب واللاهوت والزهد، لكنه يسكن جسدًا يجوع ويتعب ويرغب ويخاف الوحدة ويتأثر بالجمال. المشكلة ليست أن الجسد موجود؛ المشكلة أنه تعلم أن ينظر إلى وجوده بوصفه مشكلة تحتاج إلى تفسير أو مقاومة.
مع أوكتافيا تبلغ المفارقة درجة قاسية. فالعلاقة لا تكشف رغبة الرجل فقط، بل تكشف هشاشة الحدود التي أقامها بين هويته الدينية وهويته الإنسانية. إنه قادر على الرغبة، ثم قادر بالسرعة نفسها على محاكمة نفسه بسبب تلك الرغبة. وما إن يفشل في التوفيق بين الطرفين حتى يحتاج إلى طرف ثالث يحمل التهمة. هنا يستطيع «عزازيل» أن يدخل.
لهذا لا يمكن قراءة الجسد في الرواية باعتباره مرادفًا آليًا للخطيئة. الجسد هو أيضًا الحقيقة التي تمنع هيبا من تحويل نفسه إلى فكرة مجردة. إنه الطبيب الذي يعرف الأجساد ويعالجها، والراهب الذي يريد تجاوز جسده، والرجل الذي يكتشف أن معرفته الطبية لا تمنحه حصانة من الرغبة. هذه التناقضات ليست عرضًا في الشخصية؛ إنها الشخصية نفسها.
وعندما تظهر مارتا لاحقًا لا يعود السؤال كما كان في التجربة الأولى. فسنوات هيبا وخبرته وخوفه لا تلغي احتياجه الإنساني. تتغير المرأة والمكان والمرحلة، لكن الانقسام يبقى. وبذلك تنتقل الرواية من فكرة «الإغواء» إلى سؤال أصعب: ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح بعض احتياجاته الطبيعية متعارضة مع الصورة الأخلاقية التي اختارها لنفسه؟
الشك ليس نقيض الإيمان بهذه البساطة
يعيش هيبا في زمن لم تكن فيه الأسئلة اللاهوتية مسائل أكاديمية محصورة في الكتب. الخلاف حول طبيعة المسيح، ومكانة مريم، والعلاقة بين اللاهوت والناسوت، كان مرتبطًا بالمؤسسات الدينية وبالسلطة وبالجماعات وبمصائر رجال يمكن أن يُعزلوا أو يُنفوا بسبب موقف عقائدي.
وتستدعي الرواية شخصيات تاريخية حقيقية مثل هيباتيا وكيرلس الإسكندري ونسطور، لكنها تضعها داخل سيرة بطل متخيل. هنا يجب التمييز بين التاريخ والرواية. هيباتيا شخصية تاريخية معروفة، وقد قُتلت في الإسكندرية سنة 415 على يد جماعة مسيحية. أما هيبا، الراهب الذي يشاهد الأحداث في الرواية ويحمل أثرها داخله، فهو أداة تخييلية تسمح للكاتب بأن يدخل إلى الحدث من عين فرد مرتبك لا من عين مؤرخ.
وكذلك فإن الصراع بين كيرلس ونسطور يرتبط بخلافات لاهوتية حقيقية بلغت ذروتها في مجمع أفسس سنة 431، لكن الرواية لا تقدم وثيقة بديلة عن كتب التاريخ. إنها تنتقي وتعيد ترتيب وتخلق مشاهد وحوارات كي تسأل عما تفعله الأفكار بالإنسان عندما تتحول إلى مؤسسات وحدود للانتماء.
وهنا يصبح شك هيبا أكثر تعقيدًا من فقدان الإيمان. فهو لا ينتقل ببساطة من اليقين إلى الإنكار. بل يتحرك بين درجات كثيرة: يسأل عن العقيدة، وعن رجال الدين، وعن تفسير النص، وعن العنف الذي يمكن أن يمارس باسم المقدس، وعن الفرق بين الدين نفسه وبين البشر الذين يتحدثون باسمه.
هذه التفرقة مهمة، لأنها تمنع القراءة السهلة التي ترى في «عزازيل» رواية عن انتصار الشك على الإيمان. هيبا نفسه لا يتحول إلى عقلاني معاصر وُضع خطأ في القرن الخامس. إنه ابن زمانه، محكوم بلغته ومخاوفه ومعتقداته. حتى عندما يشك، يشك من داخل العالم الديني لا من خارجه.
ولعل هذا أحد أسباب بقاء الحوار مع عزازيل ضروريًا. لو كان هيبا قد حسم موقفه، لما احتاج إليه. عزازيل يعيش في المسافة التي لم تُحسم.
هيباتيا: حين يرى هيبا العنف ولا يستطيع نسيانه
من أكثر مشاهد الرواية تأثيرًا حضور هيباتيا، الفيلسوفة والعالمة المرتبطة بتاريخ الإسكندرية في أواخر العصور القديمة. غير أن القيمة الروائية للشخصية لا تأتي فقط من كونها امرأة تاريخية شهيرة قُتلت بعنف. بالنسبة إلى هيبا، تصبح هيباتيا اختبارًا لفكرة كان يريد أن يثق بها: أن الحقيقة الدينية يفترض أن تجعل الإنسان أكثر رحمة.
التاريخ يثبت مقتل هيباتيا سنة 415 على يد حشد مسيحي في سياق صراع سياسي وديني مضطرب في الإسكندرية، لكن تحديد المسؤوليات الفردية المباشرة ظل موضوعًا للنقاش التاريخي. الرواية، بطبيعتها، لا تكتفي بهذه المسافة المتحفظة؛ إنها تجعل الواقعة جزءًا من جرح هيبا الشخصي.
وهنا يظهر الفرق بين المؤرخ والروائي. المؤرخ يسأل: ماذا حدث؟ من كتب عنه؟ ما درجة موثوقية الروايات؟ أما الرواية فتستطيع أن تسأل سؤالًا آخر: ماذا يفعل مشهد كهذا بإنسان مؤمن رآه؟
هيبا بعد هيباتيا ليس هو نفسه قبلها، لأن العنف الذي يشهده يجعل الفصل بين العقيدة وممارسات أتباعها ضرورة نفسية وفكرية في آن واحد. إنه يريد أن يصدق أن المقدس بريء من الدم، لكنه لا يستطيع أن يمحو حقيقة أن الدم سال بأيدي أناس يرون أنفسهم مدافعين عن المقدس.
هذا الجرح يعيد تشكيل سؤال الرواية كله. فإذا كان الشر واضحًا وموجودًا خارج الإنسان في صورة «عزازيل»، يصبح العالم أبسط. أما إذا كان البشر قادرين على ممارسة العنف وهم مقتنعون بأنهم يخدمون الخير، فالمشكلة أصعب بكثير.
عزازيل بوصفه حيلة نفسية
يمكن الآن العودة إلى الشخصية التي تحمل الرواية اسمها. لماذا يحتاج هيبا إلى تسمية صوته الداخلي باسم الشيطان؟
لأن التسمية تنشئ مسافة. عندما يقول الإنسان لنفسه «أنا أريد»، يكون مسؤولًا مباشرة عن رغبته. أما إذا قال إن صوتًا آخر يوسوس له، فقد أصبح يستطيع أن يحاور الرغبة بدل أن يعترف فورًا بأنها جزء منه.
بهذا المعنى يؤدي عزازيل وظيفة مزدوجة. هو يريح هيبا ويعذبه في الوقت نفسه. يريحه لأنه يمنحه شخصًا يتهمه، ويعذبه لأنه لا يكف عن طرح الأسئلة التي حاول هيبا دفنها.
ليس من الضروري، مع ذلك، أن نحسم المسألة نفسيًا ونقول إن عزازيل «ليس موجودًا» داخل عالم الرواية. النص أذكى من هذا الحسم. الغموض نفسه جزء من البناء. القارئ يستطيع أن يتلقى الحوار كوسوسة شيطانية، أو كحديث نفس، أو كشكل أدبي يجعل الوعي المنقسم قادرًا على مخاطبة ذاته.
لكن النتائج في الحالات الثلاث متشابهة: عزازيل لا يقدم لهيبا أفكارًا غريبة تمامًا عنه. إنه يستخرج ما هو موجود أصلًا: الخوف، والرغبة، والشك، والفضول، والاحتجاج، والرغبة في الحرية، وحتى الرغبة في أن يكتب اعترافاته إلى النهاية.
لهذا تصير عبارة «الشيطان أغواني» غير كافية. الرواية تسأل ضمنيًا: ماذا لو كان الإنسان يستخدم صورة الشيطان أحيانًا كي لا يرى الجزء الذي يخيفه من نفسه؟
من يتكلم: هيبا أم يوسف زيدان؟
الجدل الذي صاحب الرواية دفع كثيرين إلى قراءة أقوال هيبا كما لو كانت بيانات فكرية مباشرة لمؤلفها. وهذه طريقة مريحة لكنها لا تنصف العمل الروائي.
الراوي شخصية. له طفولته وذاكرته ومصالحه وخوفه ومحدودية معرفته. وعندما يصف كيرلس أو نسطور أو هيباتيا أو النساء اللواتي عرفهن، فنحن لا نستقبل التاريخ «كما وقع»، وإنما كما مر عبر وعي هذا الرجل.
حتى الشكل المخطوطي يضاعف هذه المسافة. نحن، داخل اللعبة الروائية، لا نقرأ هيبا مباشرة فقط، بل نقرأ نصًا قيل إنه كُتب قديمًا ثم اكتُشف ثم تُرجم. كل طبقة تضيف احتمالًا جديدًا للتأويل.
وقد قال يوسف زيدان في مقابلة أعقبت فوز الرواية إن هيبا، قبل أي تصنيف آخر، إنسان. تبدو هذه العبارة مفتاحًا مفيدًا بشرط ألا نحولها إلى تفسير نهائي. فاختيار راهب من القرن الخامس يسمح للرواية بأن تضع الإنسان في أقصى درجات الانقسام: بين المقدس والحسي، بين المؤسسة والضمير، بين المعرفة والخوف، وبين ما يقوله في العلن وما يقوله لنفسه عندما ينفرد برقوقه.
هل «عزازيل» رواية ضد الدين؟
هذا السؤال رافق الجدل حول الكتاب، لكنه قد يكون أضيق من الرواية نفسها. بعض الأصوات الكنسية القبطية اعترضت على معالجة يوسف زيدان للتاريخ المسيحي وعلى تصوير شخصيات وأحداث من تلك المرحلة، بينما رأى قراء ونقاد أن الرواية تمارس حق الخيال التاريخي في إعادة النظر في الماضي.
والباحثة سابا محمود، التي درست الجدل حول «عزازيل»، نبهت إلى أن اختزال القضية في مواجهة بسيطة بين «حرية الأدب» و«سلطة الدين» يفقدنا جوانب مهمة من النزاع؛ لأن الخلاف كان أيضًا حول من يملك حق تفسير التاريخ الديني، وماذا يحدث عندما تستعمل الرواية شخصيات مقدسة أو مركزية لجماعة دينية داخل بناء تخييلي.
وهذا تنبيه مفيد عند قراءة الرواية نفسها. ليس من الضروري الموافقة على صورتها للتاريخ لكي نعترف بأن سؤالها الأدبي يتجاوز الهجوم على عقيدة بعينها. فالعنف والتعصب والسلطة في «عزازيل» ليست مشكلات لاهوتية فقط؛ إنها مشكلات بشرية تظهر حين يتحول اليقين إلى حق في السيطرة على الآخرين.
في المقابل، ليس من الدقة أيضًا اعتبار الرواية سجلًا تاريخيًا محايدًا ثم الاستشهاد بها لإثبات وقائع القرن الخامس. إنها رواية تاريخية تستخدم البحث الواسع، لكنها تظل عملًا تخييليًا له زاوية نظر وانتقاء وبناء درامي.
والفصل بين الأمرين لا يضعف الرواية، بل يساعدنا على قراءتها على المستوى الذي تعمل فيه فعلًا.
الطبيب الذي يريد علاج الآخرين ولا يعرف كيف يعالج نفسه
اختيار الطب مهنةً لهيبا من التفاصيل التي تفتح معنى إضافيًا في الشخصية. فهو يعرف شيئًا عن المرض والأعشاب والأجسام، ويساعد الآخرين بمهارة ملموسة. في الطب، هناك جسد أمامه وأعراض يمكن فحصها وعلاج يمكن تجربته.
لكن أزمته الأساسية لا تستجيب لهذه الطريقة. لا توجد عشبة تزيل الشك، ولا وصفة تنهي الذنب، ولا فحص يحسم أين تنتهي الرغبة وأين تبدأ الخطيئة.
إنه قادر على الاقتراب من جسد المريض من دون خوف، لكنه مرتبك أمام جسده هو. وهذه المفارقة تعطي الصراع بين الروح والجسد بعدًا أكثر إنسانية. ليست المشكلة جهلًا بالجسد، بل العجز عن قبول أن المعرفة لا تمنح صاحبها سلامًا تلقائيًا.
حتى بحثه عن العلم يحمل شيئًا من هذا التوتر. كل معرفة جديدة توسع عالمه، لكنها تفتح أيضًا بابًا لسؤال جديد. والإنسان الذي كان يأمل أن تقوده المعرفة إلى اليقين يكتشف أنها قد تقوده إلى الشك المنظم بدلًا من الطمأنينة.
لماذا لا ينتصر أحد في النهاية؟
من السهل بناء رواية يكون فيها الإيمان طرفًا والشك طرفًا آخر، ثم نجعل أحدهما يهزم الآخر. «عزازيل» لا تسير بهذه الطريقة. فالجسد لا يهزم الروح، والروح لا تلغي الجسد، والشك لا يمحو الإيمان، والإيمان لا يوقف الأسئلة.
حتى عزازيل لا ينتصر بالمعنى الحكائي. وظيفته ليست أن يأخذ هيبا إلى «معسكر» آخر، بل أن يمنعه من العودة إلى النسخة البسيطة من نفسه.
وهنا يمكن فهم الرحلة الجغرافية في الرواية أيضًا. انتقال هيبا من صعيد مصر إلى الإسكندرية، ثم عبر أماكن الشرق المسيحي، لا يمنحه مكانًا يستطيع فيه الهرب من ذاته. تتغير المدن والوجوه والمؤسسات، لكن الأسئلة تسافر معه.
وإذا كانت الإسكندرية تمثل لحظة الصدمة والاحتكاك بالعالم الكبير، فإن العزلة اللاحقة لا تمنحه خلاصًا نهائيًا. الدير نفسه، الذي يفترض أن يكون مساحة للهدوء، يتحول إلى مكان للكتابة. وما إن يبدأ هيبا الكتابة حتى يعود العالم كله إليه: أبوه وأمه، أوكتافيا، هيباتيا، نسطور، مارتا، الخوف، الجسد، والدم.
كأن العزلة لم تكن نهاية الرحلة، بل اللحظة التي أصبح فيها عاجزًا عن تأجيلها.
الشيطان الذي يأمر الراهب بأن يقول الحقيقة
هناك مفارقة عميقة في قلب الرواية: عزازيل، الذي يفترض أن يكون مصدر التضليل، هو الذي يدفع هيبا نحو الاعتراف.
وهذه المفارقة تفسد التقسيم المريح بين صوت خير يقول الحقيقة وصوت شر يدفع إلى الكذب. في عالم هيبا قد يكون الصمت أكثر أمانًا من الكلام، وقد يكون الاعتراف مؤلمًا، وقد يأتي السؤال الذي يكشف الحقيقة من صوت يخشاه صاحبه.
لا يعني ذلك أن الرواية تقلب القيم ببساطة وتجعل الشيطان بطلًا إيجابيًا. بل إنها تستعمل عزازيل لكشف مشكلة أعمق في فكرة الإنسان عن نفسه. نحن نحب أن نعتقد أن داخلنا صوتًا واحدًا متماسكًا، وأننا نعرف دائمًا لماذا نفعل ما نفعل. هيبا يثبت العكس. إنه مجموعة أصوات تتفاوض وتتعارض وتتهم بعضها بعضًا.
والكتابة تمنح هذه الأصوات مكانًا على الورق.
لهذا يمكن النظر إلى اللفائف باعتبارها النتيجة الحقيقية للصراع. لا يستطيع هيبا حل تناقضاته، لكنه يستطيع كتابتها. وما لا يمكن حسمه في الحياة يمكن على الأقل أن يصبح مادة للفهم.
إذن، من هو عزازيل؟
ليس لدينا في الرواية جواب نهائي يختزل عزازيل في تعريف واحد، وربما كان هذا الامتناع عن الحسم جزءًا من قوتها. على المستوى الديني يستطيع القارئ أن يراه الشيطان ووسوسته. وعلى المستوى النفسي يمكن قراءته بوصفه تجسيدًا لصوت داخلي مكبوت. وعلى المستوى الأدبي هو قرين هيبا: الشخصية التي تسمح للراوي بأن يناقش نفسه بصوت مسموع.
لكن أهم ما يفعله عزازيل هو أنه يسحب من هيبا عذر البراءة الكاملة.
ما دام الشر خارج الإنسان تمامًا، يستطيع المرء أن يتخيل نفسه ضحية دائمة لقوة غريبة عنه. أما حين يصبح «عزازيل» قادرًا على النطق بما يريده هيبا أصلًا، فإن المسؤولية تعود إلى مكانها الصعب: داخل الإنسان.
ومن هنا يلتقي الدين بالجسد والشك في نقطة واحدة. هيبا لا يعاني لأن أحد هذه العناصر موجود، بل لأنه يريد فصلها نهائيًا بعضها عن بعض. يريد إيمانًا بلا سؤال، وروحًا بلا جسد، وطهارة بلا ذاكرة، وحقيقة بلا التباس. والرواية، صفحة بعد أخرى، تجعله يكتشف أن الإنسان لا يعيش بهذه النظافة النظرية.
ربما لهذا بقي «عزازيل» حاضرًا بعد الجدل الذي أحاط بتاريخها ولاهوتها. فأسئلتها الأساسية يمكن نقلها خارج القرن الخامس من دون أن تفقد حدتها: كم مرة نسمي رغباتنا باسم آخر حتى لا نعترف بها؟ كم مرة نضع أفكارنا المخيفة في فم خصم داخلي ثم نتظاهر بأنها ليست أفكارنا؟ وكم يحتاج الإنسان إلى الاعتراف قبل أن يستطيع رؤية نفسه من دون أقنعة؟
هيبا لا يصل إلى يقين يريح القارئ. ما يصل إليه هو شيء أقل راحة وأكثر إنسانية: القدرة على النظر إلى تناقضاته وكتابتها.
ولهذا فإن عزازيل، في أعمق طبقات الرواية، ليس الإجابة عن سؤال الشر. إنه الاسم الذي أعطاه هيبا للسؤال حين صار السؤال قريبًا منه إلى حد لا يستطيع احتماله.
ولو استطاع هيبا أن يعترف منذ البداية بأن الرغبة والشك والخوف أجزاء منه، فهل كان سيحتاج إلى اختراع صوت اسمه عزازيل؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق