حين سبقت الخريطة الرواية: كيف صنع ستيفنسون عالمًا بدا أكثر حقيقة من تاريخ القراصنة؟
هل كانت جزيرة الكنز مكانًا حقيقيًا؟ وهل كان القراصنة الذين ملأوا رواية روبرت لويس ستيفنسون البحار بالخيانة والروم والذهب المدفون رجالًا عاشوا فعلًا؟ وهل توجد وراء الخريطة الشهيرة قصة كنز ضائع انتقلت من التاريخ إلى الأدب؟
سهولة السؤال تغري بإجابة سهلة. يمكن البحث عن جزيرة تشبه خريطة ستيفنسون، أو عن قرصان ذي ساق واحدة يشبه لونغ جون سيلفر، أو عن سفينة أخفت ذهبها في مكان مجهول، ثم إعلان العثور على "الحقيقة وراء الرواية". لكن الوثائق التي تركها ستيفنسون تقود إلى قصة أكثر إثارة من ذلك. لم ينطلق الكاتب، بحسب شهادته، من كنز تاريخي محدد ثم يحوله إلى رواية. حدث العكس تقريبًا: رسم جزيرة لم تكن موجودة، فتحت الخريطة أمامه الطريق إلى الحكاية.
الجواب المختصر: لا توجد أدلة على أن "جزيرة الكنز" مأخوذة من جزيرة حقيقية واحدة أو من واقعة واحدة عن كنز مدفون. لكن الرواية ليست خيالًا منفصلًا عن التاريخ أيضًا. استعار ستيفنسون أسماء وتفاصيل ومواد من تاريخ القراصنة ومن كتب سبقته، واستلهم بعض ملامح شخصياته من أناس عرفهم، ثم أعاد تركيب هذه العناصر داخل عالم متخيل كان للخريطة نفسها دور أساسي في ولادته.
الخريطة التي جاءت قبل الحكاية
في صيف عام 1881 كان ستيفنسون يقيم في برايمار باسكتلندا. وكان معه لويد أوزبورن، ابن زوجته، وهو فتى يحب الرسم. يروي ستيفنسون لاحقًا أنه شاركه ذات يوم رسم الخرائط والصور، فرسم جزيرة ملونة أعجبه شكلها، وأضاف إليها المرافئ والتلال والتفاصيل، ثم كتب عليها اسمًا سيصبح بعد ذلك واحدًا من أشهر أسماء الأمكنة المتخيلة في الأدب: Treasure Island.
هذه المعلومة مهمة لأنها تقلب الطريقة المعتادة في التفكير في أصل الروايات. فنحن نتصور غالبًا أن الكاتب يمتلك قصة ثم يحتاج إلى مكان يضع أحداثها فيه. أما هنا فقد كان المكان المرسوم هو الذي بدأ يستدعي الأحداث. الخريطة لم توضح عالمًا روائيًا مكتملًا؛ بل ساعدت على خلقه.
قال ستيفنسون في مقال كتبه بعد سنوات عن نشأة الكتاب إن أسماء الأماكن وأشكال الغابات ومسارات الطرق والأنهار كانت تثير خياله. ومع تأمله الخريطة بدأت شخصيات الرواية المقبلة تظهر أمامه. ثم ذهب أبعد من ذلك حين وصف الخريطة بأنها كانت الجزء الأكبر من الحبكة، وقال ما معناه إنه يكاد يعدها الحبكة كلها.
ليس هذا مجرد تعليق طريف لكاتب يتذكر شبابه. بعض تفاصيل الرواية تشهد على أن الجغرافيا المرسومة سبقت الحدث. وضع ستيفنسون في الخريطة موضعًا سماه "جزيرة الهيكل العظمي"، ثم احتاج السرد لاحقًا إلى تبرير هذا الاسم. ورسم مرفأين، فكان على السفينة هيسبانيولا أن تتحرك بطريقة تجعل هذين الموضعين جزءًا من الأحداث. أي أن الخط على الورق كان يفرض أحيانًا قرارًا على الروائي.
بهذا المعنى، لا ينبغي أن نسأل أولًا: أين تقع الجزيرة الحقيقية؟ السؤال الأدق هو: كيف تحولت ورقة مرسومة إلى مكان يشعر ملايين القراء بأنهم يستطيعون الوصول إليه؟
لكن أين الخريطة الأصلية؟
هنا تدخل الواقعة التي تبدو وكأنها فصل إضافي من الرواية نفسها. عندما تقرر نشر القصة في كتاب، أرسل ستيفنسون المخطوط والخريطة إلى دار Cassell. وصلت البروفات، لكنه لم يسمع شيئًا عن الخريطة. وحين سأل عنها قيل له إنها لم تصل.
ضاعت إذن الخريطة الأولى التي كانت الرواية قد نشأت منها.
المشكلة لم تكن أن يرسم ستيفنسون جزيرة أخرى تشبهها فحسب. لقد كتب القصة وفق الخريطة القديمة: الاتجاهات والمسافات وأسماء المواقع وحركة الشخصيات صارت موجودة في النص. وكان عليه الآن أن يفعل عكس ما فعله في البداية. بدل أن يكتب الرواية انطلاقًا من الخريطة، اضطر إلى قراءة الرواية وإعادة بناء الخريطة انطلاقًا من الرواية.
راجع الإشارات الجغرافية في الكتاب، واستعان بالقياسات، وأعاد رسم الجزيرة. وفي مكتب والده أضيفت إليها زينة من السفن والكائنات البحرية، وساهم والده توماس ستيفنسون في الخطوط التي نسبت داخل العالم المتخيل إلى القبطان فلينت وبيلي بونز.
كان الناتج قريبًا بما يكفي لخدمة الكتاب، لكن ستيفنسون بقي يشعر أن شيئًا قد فُقد. الخريطة الثانية صحيحة سرديًا، إلا أنها لم تكن بالنسبة إليه الخريطة الأولى التي أطلقت الخيال.
إنها مفارقة نادرة: النسخة التي يعرفها القراء لم تعد أصل الرواية، بل أصبحت نسخة أعيد استخراجها من الرواية بعد ضياع الأصل.
هل كانت الجزيرة نفسها حقيقية؟
على مر السنين ظهرت محاولات كثيرة للعثور على نموذج جغرافي لجزيرة الكنز. وهذا مفهوم؛ فالخرائط ذات خطوط الطول والعرض والمرافئ والتلال تمنح الخيال هيئة وثيقة. لكن شهادة ستيفنسون نفسه لا تقدم جزيرة حقيقية واحدة بوصفها النموذج الذي نسخه.
وهو حين عدد المواد التي اجتمعت في الكتاب ذكر ذكريات قرائية من إدغار آلان بو ودانيال ديفو وواشنطن إرفنغ، وكتابًا عن القراصنة، وعبارة "Dead Man's Chest" التي عرفها من تشارلز كينغسلي، وبعض ذكرياته البحرية، ثم الخريطة.
هذا لا يعني أن خبرة ستيفنسون بالأمكنة والبحر لم تتسلل إلى الصورة. الكاتب لا يرسم فراغًا خالصًا، والجزيرة المتخيلة يمكن أن تجمع في شكل واحد أشياء شاهدها أو قرأ عنها أو تخيلها. لكن القول إن جزيرة بعينها هي "جزيرة الكنز الحقيقية" يحتاج إلى دليل أقوى من مجرد تشابه الساحل أو شكل الخليج.
الأدب هنا لا يخفي عنوانًا جغرافيًا يحتاج الباحث إلى اكتشافه. إنه يصنع جغرافيا مقنعة من ذاكرة قرائية وبصرية واسعة.
القراصنة: أين ينتهي التاريخ ويبدأ ستيفنسون؟
إذا كانت الجزيرة متخيلة، فإن عالم القراصنة ليس مختلقًا من الصفر. قبل ستيفنسون بزمن طويل كانت أخبار القراصنة قد تحولت إلى مادة شعبية في الكتب والصحف والسير. ومن أهم الكتب التي عرفها كتاب "تاريخ عام للقراصنة" الصادر في القرن الثامن عشر باسم الكابتن تشارلز جونسون، وهي هوية ما تزال موضع نقاش بين الباحثين.
ذلك الكتاب جمع سير عدد من أشهر قراصنة العصر الذي يسمى عادة العصر الذهبي للقرصنة، ومنهم إدوارد تيتش المعروف ببلاكبيرد، وبارثولوميو روبرتس، وتشارلز فين، وكاليكو جاك، وآن بوني، وماري ريد. وقد أصبح هو نفسه مصدرًا ضخمًا للصورة الثقافية اللاحقة للقرصان، مع ضرورة التعامل معه بحذر، لأنه يجمع بين المادة التاريخية والسرد الذي لا نستطيع دائمًا التحقق من تفاصيله.
ستيفنسون لم يدّع أنه يؤرخ للقرصنة. لقد دخل إلى هذا الأرشيف وانتقى ما يحتاجه الروائي.
أوضح مثال هو إسرائيل هاندز.
الاسم لم يخترعه ستيفنسون. إسرائيل هاندز شخصية تاريخية ارتبطت بطاقم بلاكبيرد في أوائل القرن الثامن عشر. لكنه حين يدخل "جزيرة الكنز" يصبح رجلًا من رجال فلينت ثم أحد بحارة هيسبانيولا، ويأخذ موقعه في الصراع مع جيم هوكنز. وجود الاسم الحقيقي لا يحول الشخصية الروائية إلى سيرة تاريخية لإسرائيل هاندز الحقيقي.
وهذه نقطة ضرورية لفهم الطريقة التي يعمل بها الخيال التاريخي: الاسم قد يكون وثيقة، أما الشخصية التي يحملها فقد تكون اختراعًا.
فلينت: أشهر قرصان لم يوجد
أما القبطان فلينت فيقف في الجانب الآخر من المعادلة. داخل الرواية يبدو له تاريخ كامل. كان قائدًا مرعبًا، جمع كنزًا هائلًا، وخدم تحت إمرته عدد من الرجال الذين نلتقيهم أو نسمع عنهم. الشخصيات تخشاه حتى بعد موته، وخريطته تحرك الرحلة كلها.
لكن فلينت ليس واحدًا من قراصنة التاريخ المعروفين الذين نقلهم ستيفنسون إلى الرواية باسمهم. إنه شخصية متخيلة اكتسبت من القوة السردية ما جعلها تبدو لاحقًا كأنها تنتمي إلى السجل التاريخي.
والأكثر إثارة أن فلينت يكاد يحكم الرواية وهو غائب عنها. لقد مات قبل أن يبدأ جيم روايته، ومع ذلك يبقى حضوره في الخريطة والكنز وذاكرة البحارة والخوف الذي تركه وراءه. إنه الشخصية التي صنعت الماضي الذي تتحرك بقية الشخصيات داخله.
حتى ببغاء لونغ جون سيلفر يحمل اسمه.
بهذه الحيلة تصبح الأسطورة أقوى من صاحبها. فلينت لا يحتاج إلى الظهور لأنه ترك آثارًا مادية ونفسية: المال، الخريطة، الرجال الذين خدموا معه، والقصص التي يروونها عنه. وهذا قريب من الطريقة التي تعمل بها الأساطير التاريخية فعلًا؛ لا يعيش الناس الحادثة الأصلية، بل يعيشون ما بقي منها.
وماذا عن لونغ جون سيلفر؟
إذا كان هناك قرصان واحد يختصر صورة "جزيرة الكنز" في الذاكرة الشعبية فهو لونغ جون سيلفر: طباخ السفينة، البحار ذو الساق الواحدة، الرجل الذي يستطيع أن يكون ودودًا ومرعبًا في الجملة نفسها.
لا يوجد ما يثبت أن ستيفنسون نقل سيلفر عن قرصان تاريخي واحد بهذا الاسم وهذه السيرة. لكننا نملك مفتاحًا أوضح إلى جانب من الشخصية: صديقه الشاعر والكاتب وليام إرنست هنلي.
كان هنلي قد فقد إحدى ساقيه نتيجة المرض. غير أن الساق المفقودة وحدها ليست ما جذبت ستيفنسون. في ذكرياته عنه وصفه بوصفه رجلًا قوي الحضور، واسع الكتفين، ذا شخصية نافذة وحيوية واضحة. ومن هذه الطاقة، لا من الإعاقة وحدها، جاءت بعض الملامح التي دخلت في تكوين سيلفر.
وهنا ينبغي تجنب الاختزال الشائع: هنلي لم يكن "لونغ جون سيلفر الحقيقي" بالمعنى الذي يجعل الشخصية صورة فوتوغرافية لصديقه. ستيفنسون أخذ شيئًا من حضوره وشخصيته وهيئته، ثم وضعه داخل بناء مختلف تمامًا: قرصان ماكر يستطيع أن يحمي جيم في لحظة وأن يهدد غيره في اللحظة التالية، وأن ينتقل بين التحالفات من دون أن يفقد سيطرته على نفسه.
سيلفر ناجح أدبيًا لأن القارئ لا يستطيع وضعه بسهولة في خانة واحدة. الشرير البسيط يمكن توقعه، أما سيلفر فيستطيع أن يثير الخوف والإعجاب والحذر في الوقت نفسه.
هل كان القراصنة يدفنون كنوزهم فعلًا؟
هذه ربما أكثر الصور التصاقًا بالقرصان في المخيلة الحديثة: صندوق ثقيل من الذهب، جزيرة مجهولة، خريطة قديمة، علامة حمراء تشير إلى الموضع، ثم سباق بين جماعات متنافسة للوصول إليه.
لكن هذه الصورة أكثر أدبية مما توحي به شهرتها.
كان القراصنة التاريخيون ينهبون السفن فعلًا، وكانت الغنائم قد تشمل العملات والمعادن الثمينة، لكنها شملت أيضًا بضائع يمكن بيعها: المنسوجات والمواد الغذائية والسكر والتبغ والأدوية وغير ذلك. وكان نجاح الطاقم يعتمد عادة على تحويل الغنيمة إلى منفعة سريعة وتقاسمها أو بيعها، لا على دفنها لسنوات في جزيرة مجهولة على أمل العودة إليها لاحقًا.
توجد في تاريخ القرصنة وقائع وحكايات متفرقة عن كنوز أخفيت، وأشهرها ما ارتبط بالكابتن وليام كيد، لكن الانتقال من وجود حالات محدودة إلى اعتبار دفن صناديق الذهب عادة ثابتة للقراصنة انتقال صنعته الثقافة الشعبية أكثر مما يثبته التاريخ.
و"جزيرة الكنز" أدت دورًا بالغًا في تثبيت هذه الصورة. لم يخترع ستيفنسون كل عنصر فيها من العدم، لكنه جمع الخريطة والجزيرة والإحداثيات والعلامة والكنز المدفون والبحارة السابقين في طاقم قرصان ميت داخل حبكة بلغت من الانتشار حدًا جعل القالب يبدو أقدم من الرواية نفسها.
وهنا يحدث شيء طريف: نذهب إلى التاريخ بحثًا عن أصل "جزيرة الكنز"، ثم نكتشف أن كثيرًا مما نتوقع العثور عليه في التاريخ نبحث عنه لأن "جزيرة الكنز" علمتنا أصلًا أن نتخيل القراصنة بهذه الطريقة.
الرواية التي صنعت ذاكرة تبدو تاريخية
هناك كتب تستعير من التاريخ، وهناك كتب تفعل شيئًا إضافيًا: تعيد ترتيب عناصر التاريخ إلى درجة أن الصورة الروائية تصبح أقوى في الذاكرة العامة من الوقائع الأصلية.
"جزيرة الكنز" من هذا النوع.
حين يفكر قارئ لم يدرس تاريخ القرصنة في القرصان، قد تظهر أمامه سلسلة كاملة من العلامات: ساق مفقودة، ببغاء، زجاجة روم، خريطة، جزيرة، علامة X، صندوق ذهب، سفينة شراعية وتمرد. ليست كل هذه العناصر من اختراع ستيفنسون، وبعضها أقدم منه بوضوح، لكن الرواية جمعتها في بنية شديدة النجاح وساعدت على نقلها إلى المسرح والرسم والسينما وأدب الأطفال والثقافة الشعبية.
وهذا يفسر أيضًا لماذا يصعب علينا اليوم قراءة الرواية بعيون قارئ عام 1883. نحن نصل إليها بعد أكثر من قرن من الصور المأخوذة منها. ما كان تفصيلًا روائيًا أصبح رمزًا. وما كان جزءًا من حبكة صار لغة بصرية عالمية.
حتى علامة X على خريطة كنز أصبحت تكاد تكون مفهومة من دون كلمات.
لكن داخل الرواية نفسها لا تعمل الخريطة بوصفها زينة. إنها وعد بالثروة، ولذلك تكشف الشخصيات بقدر ما توجهها. كل واحد ينظر إلى الورقة نفسها لكنه يرى شيئًا مختلفًا: المغامرة، المال، النجاة، السلطة أو الفرصة الأخيرة.
الكنز ليس الجائزة الوحيدة
لو كانت الرواية مجرد سباق للوصول إلى الذهب لكان من الصعب تفسير بقائها بهذا الحضور. رحلات البحث عن الكنوز كثيرة، لكن قوة كتاب ستيفنسون تأتي أيضًا من أنه يضع فتى في عالم بالغين لا يمكن الوثوق بسهولة بمعاييرهم الأخلاقية.
جيم هوكنز يبدأ قريبًا من أمان البيت والنزل والأسرة، ثم يدخل عالمًا تصبح فيه المعلومة قوة، ويصبح الصمت أحيانًا وسيلة للبقاء، ولا يكون الرجل المهذب بالضرورة شجاعًا، كما لا يكون القرصان ذا الساق الواحدة شرًا مسطحًا يمكن فهمه من النظرة الأولى.
سيلفر خصوصًا يربك التقسيم البسيط بين الخير والشر. هو متمرد، ومخادع، ومستعد للعنف، لكنه ذكي وقادر على ضبط أعصابه وعلى قراءة موازين القوى بسرعة. وفي علاقته بجيم تظهر لحظات لا يمكن اختزالها كلها في الخداع.
لذلك يصبح البحث عن الكنز امتحانًا في قراءة البشر بقدر ما هو قراءة للخريطة.
الخريطة واضحة نسبيًا: هنا خليج، وهناك تل، وهنا علامة. أما الإنسان فلا يقدم مفتاحًا بهذه السهولة.
لماذا احتاجت الرواية إلى خريطة؟
ربما كان يمكن لستيفنسون أن يكتب قصة مغامرة بحرية من دون أن يرسم الجزيرة أولًا. لكنه لو فعل لكانت رواية أخرى.
الخريطة تمنح القارئ وهم امتلاك المعرفة. يمكنه أن يرى المكان من أعلى، وأن يتوقع المسافات ويعرف أسماء المواقع قبل وصول جيم إليها. إنها تحول الجزيرة إلى فضاء يمكن تصوره، لا إلى خلفية ضبابية للأحداث.
لكن هذه المعرفة ناقصة. الخريطة تقول أين دُفن الكنز في الماضي، ولا تقول للقارئ ما الذي حدث له بعد ذلك. وهي تستطيع تحديد الجغرافيا، لكنها لا تستطيع توقع الخيانة أو التحالف أو المصادفة.
وهنا يظهر التوتر الجميل بين الخريطة والرواية. الخريطة ثابتة؛ الشخصيات متحركة. الورقة توحي بأن العالم قابل للقياس، لكن القصة تعلم جيم أن ما يهدده حقًا ليس مجهول الجغرافيا وحده، بل مجهول البشر.
وحين يصل الجميع أخيرًا إلى المكان المنتظر، يتبين أن امتلاك الخريطة لا يعني امتلاك الكنز. لقد سبقتهم الحياة إلى الموضع.
من "قصة للصبيان" إلى أسطورة القراصنة
بدأ المشروع في ذهن ستيفنسون باعتباره قصة مغامرة للشباب. وفي رسالة كتبها إلى هنلي في أغسطس 1881 كان متحمسًا لفكرة قصة عن القراصنة والخريطة والكنز والتمرد والطباخ ذي الساق الواحدة.
نُشرت القصة أولًا على حلقات في مجلة Young Folks بين أكتوبر 1881 ويناير 1882، تحت اسم مستعار هو Captain George North، وبعنوان ارتبط بتمرد سفينة هيسبانيولا. ولم يتحول نشرها المتسلسل فورًا إلى ظاهرة كبرى؛ المصادر المتعلقة بتاريخ النشر تشير حتى إلى أن المجلة تلقت شكاوى بشأن القصة وأنها لم ترفع توزيعها على نحو لافت.
لكن صدورها في كتاب عام 1883 فتح أمامها حياة مختلفة.
هذه الحقيقة وحدها تستحق الانتباه في زمن نقيس فيه قيمة النص بعدد النقرات المبكرة. العمل الذي سيصبح لاحقًا نموذجًا عالميًا لرواية القراصنة لم يولد مصحوبًا بإجماع فوري على مكانته.
الكتب، مثل الخرائط، لا تكشف دائمًا منذ البداية إلى أين ستقود.
فما الحقيقة وراء جزيرة الكنز؟
الحقيقة ليست أن باحثًا يستطيع أن يضع إصبعه اليوم على جزيرة في البحر ويقول: هنا أخفى فلينت ذهبه.
فلينت متخيل. والجزيرة، وفق الأدلة التي تركها ستيفنسون عن نشأة الرواية، ولدت أساسًا من خريطة صنعها الخيال. ولونغ جون سيلفر ليس سيرة قرصان واحد حقيقي، وإن كانت بعض ملامحه مدينة لصديق حقيقي. وإسرائيل هاندز يحمل اسم رجل عرفه تاريخ القرصنة، لكنه يعيش في الرواية حياة أخرى. أما الذهب المدفون والخريطة السرية فلهما جذور في حكايات أقدم، إلا أن ستيفنسون أعاد جمعهما في الصورة التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الحديثة للقراصنة.
وهذا لا يجعل الرواية أقل "حقيقة". ربما يجعلها أكثر إثارة من فكرة الأصل الواحد.
ستيفنسون لم يعثر على أسطورة جاهزة فنقلها. لقد دخل إلى مخزن واسع من الكتب والأسماء والقصص والذكريات والصور، وأخذ منه قطعًا متفاوتة، ثم وضعها حول جزيرة لم تكن موجودة إلا على الورق. وبعد ذلك حدث الأمر الذي يطمح إليه قليل من الكتّاب وينجح فيه عدد أقل: خرجت الجزيرة من الكتاب إلى المخيلة العامة.
لهذا يستطيع شخص لم يقرأ "جزيرة الكنز" أن يعرف شكل خريطة الكنز.
ولذلك أيضًا يصعب تحديد اللحظة التي تنتهي عندها الرواية ويبدأ أثرها الثقافي. لقد استعارت من تاريخ القراصنة، ثم أعادت إلى التاريخ صورة جديدة عن القراصنة. وبعد أجيال من الأفلام والرسوم وأدب المغامرات، صرنا ننظر إلى الماضي أحيانًا من خلال عدسة صنعها ستيفنسون في القرن التاسع عشر.
ربما كانت الخريطة الأولى قد ضاعت فعلًا في طريقها إلى الناشر، لكن الخريطة الأوسع لم تضع. انتقلت من يد الكاتب إلى ملايين القراء، ثم لم تعد تشير إلى كنز داخل جزيرة فحسب؛ أصبحت هي نفسها جزءًا من خريطة الخيال الأدبي الحديث.
إذا كان عمل روائي يستطيع أن يجعل صورة متخيلة تبدو بعد أجيال وكأنها جزء من التاريخ، فأيهما يؤثر في ذاكرتنا أكثر: ما حدث فعلًا، أم القصة التي تعلمنا من خلالها كيف نتخيله؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق