لماذا فعل غسان كنفاني هذا بسعيد وصفية؟ كان يستطيع أن يجعل العودة إلى حيفا تنتهي بلقاء مؤثر بين أبوين وابنهما المفقود، وأن يمنح القارئ لحظة اعتراف أو مصالحة بعد عشرين عامًا من الفقد. لكنه اختار الطريق الأقسى: خلدون، الرضيع الذي بقي في البيت سنة 1948، كبر باسم آخر هو دوف، داخل أسرة يهودية، ثم وقف أمام والديه البيولوجيين شابًا لا يرى نفسه الابن الذي عادا لاسترداده.
والأشد قسوة أن كنفاني لا يجعل دوف مترددًا بين هويتين في انتظار أن توقظه كلمة عربية أو صورة قديمة. إنه يعرف قصة مولده، ومع ذلك يقف في الجهة الأخرى. عند هذه النقطة تتغير الرواية كلها. لم تعد المسألة: هل سيستعيد الأبوان ابنهما؟ بل: ما الذي يجعل الإنسان ابنًا لمكان أو أسرة أو تاريخ؟ وهل تكفي رابطة الدم لاستعادة عشرين عامًا عاشها شخص في عالم آخر؟
جعل كنفاني خلدون يصبح دوف ويقف في الجهة الأخرى لأن الرواية تريد أن تهدم فكرة أن الهوية شيء محفوظ داخل الدم ينتظر لحظة العودة كي يستيقظ. خلدون لم يُفقد جسديًا فقط؛ لقد عاش عشرين عامًا داخل اسم ولغة وأسرة وذاكرة مختلفين. ولهذا تصبح الصدمة التي يتلقاها سعيد وصفية درسًا قاسيًا: ما يُترك للتاريخ لا يبقى بالضرورة كما تركناه، والوطن نفسه لا يمكن استعادته بمجرد العودة إلى البيت القديم.
هذه الإجابة تقربنا من قلب "عائد إلى حيفا"، لكنها لا تستنفدها. فكنفاني لا يقدم دوف بوصفه لغزًا نفسيًا منفصلًا عن التاريخ، ولا يجعل اللقاء العائلي مأساة خاصة بأسرة واحدة. وراء باب البيت تقف نكبة 1948، وبعدها هزيمة 1967، وبين الحدثين جيل كامل حمل صورة المكان في الذاكرة ثم واجه حقيقة أن الزمن لم يتوقف في غيابه.
العودة التي جاءت بعد هزيمة أخرى
صدرت "عائد إلى حيفا" سنة 1969، أي بعد حرب يونيو/حزيران 1967 بوقت قصير، وفي مرحلة كانت فيها الكتابة الفلسطينية تعيد النظر في معنى الهزيمة واللجوء والمقاومة. هذه المسافة الزمنية مهمة لفهم النص. كنفاني لا يكتب سنة 1948 وهو داخل صدمة الحدث، بل يعود إليها بعد تجربة سياسية وتاريخية جديدة وضعت أسئلة المسؤولية والفعل والانتظار في مركز النقاش الفلسطيني.
وُلد غسان كنفاني سنة 1936، وعرف اللجوء طفلًا بعد نكبة فلسطين. ثم صار قاصًا وروائيًا وصحفيًا وناقدًا، وكتب قبل "عائد إلى حيفا" أعمالًا مثل "رجال في الشمس" و"ما تبقى لكم"، وكانت قضية المنفى في أدبه مرتبطة دائمًا بسؤال آخر: ماذا يفعل الإنسان بعد أن يدرك ما حدث له؟ فالنكبة في هذا الأدب ليست ذكرى ثابتة يزور الكاتب أطلالها، بل قوة تستمر في تغيير خيارات الناس وصورهم عن أنفسهم.
في الرواية يعود سعيد وصفية إلى حيفا بعد نحو عشرين عامًا من خروجهما منها. البيت موجود، وبعض الأثاث والتفاصيل التي تحملها الذاكرة ما يزال قابلًا للتعرف، لكن البيت لم يعد لهما. تسكنه ميريام، المرأة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين بعد تجربة الاضطهاد النازي في أوروبا، وهي التي ربت الطفل الذي وجدته في المكان وحمل لاحقًا اسم دوف.
كان من السهل أن يبني كنفاني هذا اللقاء على معادلة أخلاقية بسيطة: أصحاب البيت في جانب، ومن أخذ البيت في الجانب الآخر. لكنه يجعل اللقاء أكثر إرباكًا. ميريام ليست مجرد وظيفة روائية صامتة، ودوف ليس قطعة أثاث بقيت في المنزل حتى عاد أصحابها. لكل منهما قصة تشكلت خلال السنوات التي غاب فيها سعيد وصفية، وهذه القصص لا تلغي التاريخ الذي أخرج الأسرة الفلسطينية من بيتها، لكنها تمنع الرواية من التحول إلى مشهد استرداد سهل.
والسياق التاريخي نفسه كان عنيفًا. ففي أبريل/نيسان 1948 شهدت حيفا قتالًا واسعًا وخروجًا جماعيًا لمعظم سكانها الفلسطينيين. داخل الرواية، تتحول الفوضى الكبرى إلى تفصيل عائلي لا يحتمل: أم تفصلها الحشود والقتال عن بيتها، وأب لا يستطيع العودة إليه، ورضيع يبقى في الداخل. هكذا يصغر التاريخ حتى يدخل غرفة طفل، ثم يكبر مرة أخرى حين يعود ذلك الطفل بعد عشرين سنة في صورة رجل لا يعترف بالمعنى الذي منحه والداه لاسمه القديم.
لماذا لم يحتفظ خلدون بهويته الأولى؟
أكثر الإجابات العاطفية راحة تقول إن خلدون كان فلسطينيًا في الأصل، وإن دوف مجرد قشرة صنعتها التربية. لكن الرواية نفسها تقاوم هذه الراحة. فالطفل لا يحمل داخل جسده ملفًا سريًا كاملًا عن اللغة والوطن والانتماء. حين يُنتزع رضيع من بيئة ويكبر في بيئة أخرى، فإن سنوات الحياة اليومية ليست تفصيلًا يمكن محوه بمجرد ظهور الأب والأم البيولوجيين.
خلدون اسم منحه إياه والداه. دوف هو الاسم الذي عاش به. وبين الاسمين تقع طفولة كاملة، ومدرسة ولغة وأصدقاء وبيت وذاكرة وعلاقات. لهذا يصبح تبدل الاسم أحد أكثر العناصر فاعلية في الرواية. المسألة ليست أن شخصًا غيّر بطاقة تعريفه، بل أن اسمًا يمثل حياة لم يعشها صاحبها، واسمًا آخر يمثل الحياة التي يعرفها فعلًا.
يمكن النظر إلى ذلك بجوار سؤال الهوية في الأدب الفلسطيني عمومًا. ففي شعر محمود درويش وتجربته مع المنفى والاسم والعودة نجد أن الهوية ليست مجرد جواب ثابت، بل علاقة بين الفرد والمكان والذاكرة والتاريخ. ومع أن تجربة درويش الشعرية تختلف عن بناء كنفاني الروائي، فإن كليهما يصل، بطريقته، إلى مأزق واحد: ماذا يحدث عندما يعود الإنسان إلى المكان فيجده موجودًا وغير موجود في الوقت نفسه؟
دوف لا يستيقظ حين يسمع اسم خلدون لأن الرواية لا تؤمن بالسحر العاطفي. وهذا بالضبط ما يجعل المشهد مؤلمًا. لو انهمر الشاب باكيًا في حضن صفية، لتحولت السنوات العشرون إلى انقطاع مؤقت. أما رفضه فيجعل الزمن نفسه جزءًا من المأساة. لقد حدثت أشياء لا يمكن الرجوع عنها بمجرد فتح باب البيت.
ومن هنا نفهم لماذا لا ينبغي اختزال دوف إلى عبارة "الابن الخائن". الخيانة تفترض عادة علاقة واعية سابقة ثم قرارًا بنقضها. أما دوف فقد تشكل وعيه في حياة أخرى قبل أن يمتلك أصلًا القدرة على الاختيار. حين يأتي سعيد وصفية، يأتيان إليه بذاكرة لا يشاركهما إياها. هما يعرفان الطفل الذي فقداه؛ أما هو فلا يعرف نفسه طفلًا في تلك الذاكرة إلا بوصفها قصة رواها له الآخرون.
هذا لا يعني أن كنفاني يطلب من القارئ أن يتعامل مع كل المواقف داخل اللقاء بوصفها متساوية أخلاقيًا، ولا أنه يمحو ظروف الاقتلاع التي صنعت المأساة أصلًا. على العكس، الرواية تذكّر مرارًا بأن سعيد وصفية لم يخرجا من البيت في رحلة هادئة ثم نسيا طفلهما. لكن الكاتب يرفض أن يجعل ظلم البداية قادرًا وحده على تفسير كل ما حدث بعد ذلك.
دوف لا يحاكم والديه فقط، بل يجرحهما في أكثر نقطة حساسة
حين يواجه دوف سعيد وصفية، لا يقدم لهما ما جاءا يبحثان عنه. لا يعترف بأن الدم حسم المسألة، بل يعيد إليهما سؤالًا أشد إيلامًا: أين كنتما طوال هذه السنوات؟
بالنسبة إلى سعيد، هذا السؤال ظالم لأنه يتجاهل القوة التي منعته من الرجوع. لكن قوة المشهد تأتي من أن الجواب التاريخي الصحيح لا يمحو وقع السؤال الشخصي. يستطيع سعيد أن يفسر لماذا لم يعد، لكنه لا يستطيع أن يعيد عشرين عامًا إلى الوراء.
وهنا يصبح اللقاء امتحانًا للذاكرة الفلسطينية نفسها. طوال سنوات المنفى كان خلدون جزءًا من الصورة التي احتفظ بها الأبوان للماضي: الطفل الذي بقي هناك، والبيت الذي بقي هناك، والمدينة التي بقيت هناك. كانت الذاكرة تجمّد الأشياء من أجل حماية أصحابها من الفقد الكامل. فإذا بالعودة تكشف أن الواقع لم يقبل أن يتجمد معها.
ولهذا لا تعود حيفا التي يصل إليها سعيد هي حيفا التي خرج منها. الشوارع موجودة، والبحر موجود، والبيت يمكن العثور عليه، لكن العلاقة القديمة بين الإنسان وهذه الأشياء انكسرت. تقول إحدى القراءات الأكاديمية المهمة للرواية إن كنفاني يعيد بناء مفهوم البيت نفسه بحيث لا يعود مجرد مساحة جغرافية قابلة للامتلاك، بل موضعًا تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والهوية. وهذه نقطة تساعد على فهم سر خيبة العودة: العثور على العنوان لا يعني العثور على الماضي.
المكان هنا يشبه الذاكرة من بعيد فقط. الذاكرة تحتفظ بالكرسي في موضعه وبصورة الطفل وبالانتظار الذي لم ينته. أما المكان الحقيقي فيواصل حياته من دون أن يسأل الغائب كيف يريد أن يجده عند عودته.
هل يمثل دوف إسرائيل ويمثل خلدون فلسطين؟
يمكن أن تُقرأ الشخصية رمزيًا، لكن اختزالها إلى معادلة واحدة يضيّق الرواية أكثر مما يفسرها. نعم، يحمل تحول خلدون إلى دوف معنى يتجاوز الأسرة: طفل فلسطيني يولد في عالم، ثم تعيد أحداث 1948 تشكيل حياته داخل عالم آخر. والاسم الجديد، والزي العسكري، والصدام مع الأب البيولوجي كلها تجعل البعد الوطني والسياسي حاضرًا بقوة.
لكن دوف يظل أيضًا شخصًا داخل القصة. ولو كان مجرد رمز، لما احتاج كنفاني إلى كل هذا التوتر العائلي. قوة الشخصية تأتي من أنها تعمل في مستويين معًا: هي ابن ضائع في مأساة خاصة، وهي في الوقت نفسه نتيجة حية لتاريخ أعاد توزيع البيوت والأسماء والذكريات.
وهذا ما يجعل اختيار الابن أكثر قوة من اختيار بيت أو مفتاح أو شجرة رمزًا رئيسيًا للفكرة. البيت يمكن أن يتغير ساكنه، لكن الابن يمس أعمق تصورات الإنسان عن الاستمرار. نحن نتصور عادة أن أبناءنا يحملون شيئًا منا حتى عندما يبتعدون. كنفاني يضع سعيد وصفية أمام احتمال أكثر رعبًا: أن يستمر الجسد الذي أنجباه، بينما تنقطع الاستمرارية التي تخيلاها.
ليس معنى ذلك أن خلدون اختفى بالمعنى الحرفي. بل إن خلدون بوصفه الصورة التي عاش الأبوان معها هو الذي لم يعد موجودًا. أمامهما دوف، شخص حقيقي لا يتطابق مع الشخص الذي صنعته الذاكرة خلال الغياب.
وهنا يصير السؤال عن الأبوة معقدًا. من الأب؟ الرجل الذي أنجب الطفل وفقده قسرًا، أم الأسرة التي ربته؟ ما حدود الدم أمام التربية؟ وما الذي يحدث عندما يدخل التاريخ والحرب إلى علاقة يفترض الناس أنها من أكثر العلاقات خصوصية؟
الرواية لا تمنح جوابًا قانونيًا أو فلسفيًا نهائيًا. ما تفعله هو وضع التعريفات المعتادة للأبوة والوطن أمام حالة قصوى ثم مراقبة تصدعها.
سعيد نفسه هو الشخصية التي تتغير حقًا
قد يبدو دوف للوهلة الأولى مركز الرواية لأنه المفاجأة الكبرى فيها، لكن الشخصية التي تمر بالتحول الأوضح هي سعيد. لقد جاء إلى حيفا معتقدًا، في مستوى ما من وعيه، أن العودة يمكن أن تسترجع شيئًا. وحين يغادر، يكون قد فهم أن الماضي لا ينتظره في الداخل.
في البداية يتعامل مع الأشياء القديمة كما لو أن وجودها المادي يمنحه حقًا في استعادة الزمن المرتبط بها. يتذكر تفاصيل البيت والطريق، ويختبر المسافة بين الذاكرة والمشهد الحاضر. ثم يأتي دوف ليحطم آخر ما يمكن للذاكرة أن تتشبث به: حتى الابن لم يبق كما كان.
هذه الصدمة تدفعه إلى إعادة التفكير في فكرة الوطن نفسها. فالوطن، في التحول الذي تمر به رؤيته، لا يعود مجموعة أشياء فقدها الإنسان وينتظر فرصة لاستعادتها. يصبح أيضًا مسؤولية وعلاقة بالفعل.
لهذا ترتبط النهاية بخالد، ابن سعيد الآخر، لا بدوف وحده.
قبل الرحلة كان سعيد يعارض رغبة خالد في الالتحاق بالفدائيين. كان الأب يريد أن يحمي الابن الموجود أمامه بعدما أمضى عمرًا يحمل ألم الابن الذي فقده. هذا مفهوم إنسانيًا: من خسر طفلًا لا يريد أن يضع طفلًا آخر في طريق الخطر.
لكن لقاء دوف يقلب المعادلة. سعيد يكتشف أن الحماية وحدها لا تجيب عن السؤال الذي فتحته العودة. إذا كان خلدون قد ضاع في لحظة لم يستطع أبوه التحكم فيها، فإن خالد يمثل جيلًا يطلب أن يختار موقعه بنفسه.
ومن هنا تأتي الجملة الفكرية التي تقود النهاية: سعيد، الذي كان يرفض ذهاب خالد، يغادر حيفا وهو يتمنى أن يكون ابنه قد ذهب.
ما معنى نهاية "عائد إلى حيفا"؟
النهاية لا تعني ببساطة أن كنفاني استبدل ابنًا بابن، ولا أن خلدون "سيئ" وخالد "جيد". هذا تبسيط يلغي ما بنته الرواية طوال صفحاتها.
الأقرب أن دوف وخالد يمثلان إمكانين مختلفين في علاقة الجيل الجديد بالتاريخ. دوف تشكل في واقع فُرض قبل أن يستطيع الاختيار، ثم تبنى لاحقًا الهوية التي نشأ داخلها. أما خالد فهو شاب وصل إلى لحظة يريد فيها أن يختار فعله، فيما يقف أبوه في البداية حاجزًا أمام ذلك الاختيار.
التحول الحقيقي في النهاية يقع داخل سعيد. لقد أمضى سنوات يتعامل مع الماضي بوصفه خسارة يجب أن تُرد إليه. وبعد اللقاء يبدأ في إدراك أن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس ما الذي كان ينبغي أن يبقى له، بل ماذا سيفعل الآن بما بقي لديه.
لهذا يمكن قراءة نهاية الرواية بوصفها انتقالًا من منطق الاستعادة إلى منطق المسؤولية. العودة إلى حيفا لا تصلح الماضي، لكنها تغير الطريقة التي يفهم بها سعيد الحاضر.
وقد لاحظت دراسات نقدية حديثة أن "عائد إلى حيفا" تربط ذاكرة النكبة بتحول في الوعي بعد 1967، بحيث لا تبقى الصدمة مجرد جرح يستعاد، بل تصبح موضوعًا لإعادة التفكير في الفعل والمستقبل. وهذا يساعد على فهم سبب وضع خالد عند الباب الأخير للرواية. فالنص بدأ بابن تُرك في الماضي، وينتهي بابن يتجه نحو مستقبل لم يعد الأب قادرًا على منعه.
إنها حركة دقيقة: خلدون هو سؤال "ماذا فقدنا؟"، وخالد يفتح سؤال "ماذا سنفعل؟".
هل يلوم كنفاني سعيد وصفية على ترك الطفل؟
هذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى الحذر في قراءة الرواية. عندما يتهم دوف والديه بأنهما تركاه، لا ينبغي مساواة كلام الشخصية بحكم المؤلف أو بالحقيقة التاريخية الكاملة.
النص نفسه يقدم الخروج من حيفا في سياق الفوضى والقتال والاقتلاع، لا باعتباره تخليًا طوعيًا عن رضيع. لذلك يكون اتهام دوف ناقصًا من حيث فهمه لما وقع سنة 1948.
لكن كنفاني لا يمنع الاتهام من أداء وظيفة أخرى. إنه يجبر سعيد على سماع السؤال حتى لو كان مصدره لا يفهم الظروف كلها. وفي هذه النقطة تنتقل الرواية من سؤال المسؤولية عن وقوع النكبة إلى سؤال المسؤولية بعد وقوعها.
هناك فرق كبير بين القول إن اللاجئ مسؤول عن اقتلاعه، وهو ما لا تقوله الرواية، وبين السؤال عما يفعله الإنسان بعد أن يقع عليه الظلم. كنفاني مهتم بالثاني.
ولذلك فإن اللوم في "عائد إلى حيفا" ليس محكمة تقرر من تسبب تاريخيًا في ضياع الطفل. إنه أداة لزعزعة حالة الانتظار. سعيد يعرف لماذا أُجبر على الرحيل، لكنه يعود ليكتشف أن معرفة السبب وحدها لا تعيد إليه ما خسره.
هذه المسافة بين تفسير الماضي وبناء المستقبل هي التي تمنح الرواية قوتها الأخلاقية. فالإنسان يستطيع أن يكون ضحية لحدث لم يختره، ثم يظل مطالبًا بأن يقرر كيف سيعيش بعده. الاعتراف بالظلم لا يلغي الفعل، والفعل لا يبرر الظلم السابق.
ميريام ليست تفصيلًا زائدًا
وجود ميريام ضروري لأن كنفاني كان يستطيع أن يكتب بيتًا استولى عليه شخص بلا ماضٍ ولا صوت، لكنه اختار شخصية تحمل هي الأخرى ذاكرة اضطهاد وفقد أوروبيين.
هذا الاختيار لا يجعل التجربتين التاريخيتين متطابقتين، ولا يلغي علاقة القوة القائمة في فلسطين، لكنه يمنع القارئ من الراحة داخل صورة بشرية مسطحة. الشخص الذي يعيش في البيت ليس فراغًا سرديًا، والابن الذي تربى فيه لم ينشأ داخل فراغ كذلك.
وهذه إحدى علامات نضج النص: قدرته على تثبيت التجربة الفلسطينية في المركز من غير أن يحتاج إلى إلغاء إنسانية كل شخصية تقف على الجانب الآخر من المواجهة.
لكن التعرف إلى معاناة الآخر لا يحل النزاع على البيت. فالتعاطف الإنساني لا يغير وحده حقيقة أن البيت كان لسعيد وصفية، ولا يمحو خروج الفلسطينيين من حيفا. كنفاني يترك الحقيقتين تتجاوران داخل غرفة واحدة، ولهذا لا يجد القارئ مخرجًا عاطفيًا مريحًا.
هذه القدرة على إبقاء الهوية والتاريخ والإنسان الفرد في حالة توتر تذكر، من زاوية مختلفة، بالطريقة التي يرفض بها درويش في "جدارية" اختزال الإنسان في هوية واحدة. في الحالتين لا تختفي فلسطين، لكنها لا تمنع الأدب من سؤال ما يحدث للإنسان داخل التاريخ، لا خارجه.
لماذا البيت مهم إلى هذه الدرجة؟
لو كان هدف سعيد استعادة عقار فحسب، لأصبحت الرواية نزاعًا على الملكية. لكن البيت عند كنفاني يحمل زمنًا كاملًا. النافذة والأثاث والطريق إلى الحي ليست أشياء محايدة؛ إنها الوسائط التي حفظت الذاكرة من خلالها صورة الحياة السابقة.
وحين يدخل سعيد البيت، تبدأ الذاكرة بمقارنة كل شيء. هذه المقارنة تكشف مأزق العائد: إنه لا يرى المكان كما هو فقط، بل كما كان. كل تفصيل حاضر يستدعي شبح تفصيل غائب.
من هنا يصبح دوف أكثر من ابن مفقود. إنه أكثر الأشياء قدرة على كشف الفرق بين البيت المحفوظ في الذاكرة والبيت الذي استمر في الزمن. الأثاث قد يبقى سنوات من غير أن يتغير كثيرًا، أما الإنسان فلا يستطيع ذلك.
وهذا ما يجعل العنوان نفسه، "عائد إلى حيفا"، يحمل مفارقة. سعيد يعود فعلًا إلى المدينة، لكن هل العودة هي الوصول الجغرافي؟ الرواية تجيب عمليًا بالنفي. يمكنك أن تقطع الطريق إلى البيت، وأن تدخل الغرفة، وأن ترى الأشياء، ثم تكتشف أنك لا تستطيع العودة إلى اللحظة التي خرجت منها.
إنها عودة تكشف استحالة العودة إلى الزمن، لا استحالة المطالبة بالمكان أو تذكره. والفرق بين الأمرين جوهري.
هل فقد سعيد ابنه مرتين؟
في سنة 1948 يفقد سعيد خلدون جسديًا. وفي اللقاء بعد عشرين عامًا يفقد الصورة التي أبقاها حيّة عنه. الخسارة الثانية قد تكون أشد قسوة لأنها تحدث والابن واقف أمامه.
لو كان خلدون قد مات، لبقي في الذاكرة طفلًا فلسطينيًا إلى الأبد. لكن بقاءه حيًا جعل التاريخ قادرًا على تغييره. هذه المفارقة هي أحد أكثر اختيارات كنفاني إيلامًا: النجاة الجسدية لا تعني نجاة الهوية التي يتخيلها الآخرون للشخص.
صفية تنظر إلى ابنها بعاطفة الأم التي ترى ما وراء السنوات. أما دوف فيرى أمامه رجلًا وامرأة يرتبط بهما بيولوجيًا، لكنه لا يمتلك معهما ذكريات طفولة مشتركة. كل طرف يتحدث من زمن مختلف.
لذلك يفشل الحوار في إنتاج الأسرة التي حلم بها الأبوان. اللغة نفسها لا تكفي، لأن الكلمات تأتي محملة بخبرات لا يشترك فيها الجميع.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم اختيار كنفاني ألا يجعل النهاية مصالحة. المصالحة كانت ستمنح القارئ راحة نفسية لكنها ستضعف الفكرة. المطلوب ليس إصلاح الأسرة في الصفحات الأخيرة، بل إجبار سعيد، والقارئ معه، على قبول أن بعض نتائج التاريخ لا يمكن محوها بمشهد عاطفي جميل.
من خلدون إلى خالد: حرف واحد ومسافة تاريخ كامل
هناك مفارقة لافتة في الاسمين: خلدون وخالد. كلاهما مشتق لغويًا من معنى البقاء والخلود، لكن الرواية تجعل كل واحد منهما في مسار مختلف.
خلدون هو الابن الذي حاولت الذاكرة إبقاءه كما كان. ومع ذلك تغير.
خالد هو الابن الموجود في الحاضر، والذي يحاول الأب أن يبقيه قربه ويحميه من الخطر. لكن النهاية تفتح له الطريق كي يختار.
لا تحتاج هذه المقابلة إلى أن تكون شيفرة رمزية محسومة حتى تكون ذات دلالة. فالرواية كلها تسأل عما يبقى وما يتغير. البيت بقي وتغير. حيفا بقيت وتغيرت. الطفل بقي حيًا وتغير اسمه ووعيه. سعيد نفسه يعود بالشخص نفسه ويغادر برؤية ليست هي التي دخل بها.
البقاء، إذن، ليس جمودًا.
ومن هنا يأخذ عنوان الرواية معنى أعمق. العائد ليس فقط سعيدًا الذي يقود سيارته إلى حيفا. العائد أيضًا ماضٍ كامل يرجع كي يُختبر أمام الحاضر. وما يكتشفه سعيد أن الماضي حين يعود لا يأتي بالشكل الذي حفظناه له.
النهاية ليست جوابًا عن الوطن بقدر ما هي تغيير للسؤال
قد يبحث القارئ عن معنى نهائي: هل يقول كنفاني إن الوطن هو السلاح؟ هل يقول إن الأسرة أقل أهمية من القضية؟ هل يقول إن الإنسان لا يملك إلا أن يختار أحد جانبين؟
مثل هذه الصيغ تغري لأنها تجعل الرواية قابلة للاختصار في جملة واحدة، لكنها تظلم تعقيدها.
الأوضح أن النص ينقل سعيد من تعريف ساكن للوطن إلى تعريف مرتبط بالفعل والمسؤولية. في البداية يبدو الوطن شيئًا كان موجودًا ثم فُقد: بيت، مدينة، طفل، حياة سابقة. وفي النهاية لا تختفي هذه الأشياء، لكن معنى الوطن لا يعود محصورًا فيها.
ولهذا لا يخرج سعيد حاملًا خلدون إلى السيارة. يخرج حاملًا معرفة أشد مرارة: لا يستطيع أحد أن يعيد إليه السنوات التي ضاعت، لكنه يستطيع أن يقرر ماذا يفعل بعد أن يعرف ذلك.
هذه هي النقطة التي تجعل النهاية أكبر من مفاجأة دوف. لو كانت الرواية تنتهي عند رفض الابن لوالديه، لكانت حكاية خسارة ثانية. لكنها تستدير في اللحظة الأخيرة نحو خالد، فتتحول الخسارة إلى سؤال عن الجيل التالي.
وليس من الضروري أن يشارك كل قارئ الموقف السياسي الذي تتجه إليه الشخصية حتى يدرك البناء الأدبي لهذه الحركة. ما يهم في منطق الرواية أن سعيد ينتقل من محاولة استرجاع شيء لم يعد قادرًا على استرجاعه إلى قبول حق الابن الموجود في الحاضر في اتخاذ قرار يتعلق بمستقبله.
بهذا المعنى لا تنتهي "عائد إلى حيفا" داخل البيت الذي بدأت العودة من أجله. تنتهي خارجه.
وهذا تفصيل بالغ الدلالة. البيت يكشف الحقيقة، لكنه لا يقدم الحل. على سعيد أن يغادره مرة أخرى، إلا أنه في الخروج الثاني ليس الرجل نفسه الذي دخله.
في الخروج الأول سنة 1948 كان التاريخ يدفعه بعيدًا عن حيفا. وفي الخروج الثاني يعود بإرادته إلى الطريق، وقد تغير فهمه لعلاقته بالماضي والحاضر.
ربما لهذا بقيت "عائد إلى حيفا" قادرة على إثارة القارئ بعد أكثر من نصف قرن. إنها تبدأ من سؤال سياسي وتاريخي واضح، لكنها تصل إلى منطقة أكثر قلقًا: ماذا يعني أن نعود إلى شيء فقدناه؟ وهل نستعيد المكان حين نصل إليه، أم نكتشف فقط مقدار ما فعله الزمن بنا وبالذين تركناهم وراءنا؟
لم يجعل كنفاني خلدون يقف في الجهة الأخرى لمجرد صدمة القارئ. جعله هناك لأن وجوده في تلك الجهة يحطم الوهم الذي كان لا بد أن يتحطم كي تتغير الرواية: وهم أن الماضي محفوظ كما هو، وأن الدم وحده أقوى من عشرين عامًا من الحياة، وأن الوصول إلى البيت يكفي كي تعود الأشياء إلى أصحابها بالصورة نفسها.
حين يفشل اللقاء، لا تكون النتيجة أن البيت بلا معنى أو أن الذاكرة بلا قيمة. على العكس، يصبح معناهما أكثر صعوبة. الذاكرة ضرورية لأنها تحفظ ما حدث، لكنها تصبح خطرة إذا أقنعت الإنسان بأن الزمن توقف عند اللحظة التي فقد فيها الشيء. والبيت مهم لأنه كان بيتًا حقيقيًا لا استعارة، لكن العودة إليه تكشف أن الوطن أكبر من الجدران التي تحفظ آثار أصحابه.
أما خلدون، فهو أكثر أسرار الرواية إيلامًا لأنه حي. لو اختفى نهائيًا لظل فقده في الماضي. لكنه عاد باسم دوف لكي يجعل الماضي يقف أمام سعيد ويتكلم بصوت لم يكن يتوقعه.
وعندها فقط يفهم الأب أن السؤال لم يعد: كيف أستعيد ابني الذي تركته في حيفا؟
لقد صار السؤال: ماذا سأفعل تجاه الابن الذي ما زال أمامي، وتجاه المستقبل الذي لم يقع بعد؟
ولو عاد خلدون إلى والديه في النهاية كما كانا يتمنيان، هل كانت "عائد إلى حيفا" ستبقى الرواية نفسها، أم أن رفضه العودة هو بالضبط ما منحها سؤالها الأكبر عن الهوية والذاكرة والوطن؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق