بقلم: الورّاق الجزائري
لم تعد السلطة في
البلاد العربية تنظر إلى الشعر بوصفه زينة لغوية بريئة، حتى حين تتظاهر بذلك. فهي
تدرك، بخبرتها الطويلة، أن القصيدة ليست مجموعة صور واستعارات فحسب؛ إنها طريقة في
رؤية العالم، وقدرة على تسمية ما تحاول اللغة الرسمية إخفاءه، وذاكرة تستطيع أن
تحفظ ما يراد له أن يُنسى. ولهذا كانت العلاقة بين الشعر والسلطة دائمًا علاقة
جدلية: تحتاج السلطة إلى الشاعر كي يمنحها صورة أجمل، وتخشاه حين يستعيد وظيفته
بوصفه شاهدًا على عصره وناطقًا باسم الأسئلة التي لا تجد مكانًا في الخطب الرسمية.
في العصور القديمة
كان الاحتواء أكثر وضوحًا. يمدح الشاعر الحاكم فينال العطاء والمنزلة، أو يهجوه
ويخرج على سلطانه فيتعرض للملاحقة والحرمان. أما في العصر الحديث فقد أصبحت
المسألة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تعد السلطة بحاجة إلى أن تطلب قصيدة مدح مباشرة، ولم
يعد القمع الصريح هو وسيلتها الوحيدة. لقد تطورت أدواتها، فانتقلت من شراء القصيدة
إلى صناعة البيئة التي تتحرك داخلها، ومن إسكات الشاعر بالقوة إلى تعليمه كيف
يراقب نفسه بنفسه.
وهكذا لم يعد
السؤال: هل يمدح الشاعر الحاكم أم يهجوه؟ بل أصبح: من يملك المنبر؟ ومن يمنح
الشرعية الأدبية؟ ومن يحدد الأسماء التي تستحق الظهور؟ ومن يقرر أيّ شعر يمثل
الوطن وأيّه يُدفع إلى الهامش؟
من القمع إلى الاحتواء
القمع المباشر واضح
ويمكن التعرف إليه: منع كتاب، مصادرة ديوان، اعتقال شاعر، إلغاء أمسية أو التضييق
على صحيفة. أما الاحتواء فأكثر مراوغة؛ لأنه لا يسلب الشاعر صوته بصورة معلنة، بل
يمنحه مساحة مشروطة للكلام. يسمح له بأن يكتب وينشر ويظهر، ما دام لا يقترب من
الخطوط التي رسمتها المؤسسة، أو ما دام نقده عامًا وغائمًا لا يمس بنية السلطة ولا
يكشف المسؤولين عن الظلم.
في هذا النموذج لا
تقول السلطة للشاعر: "اصمت"، بل تقول له: "تكلم كما تشاء، ولكن
داخل هذا الإطار". ويمكنه أن يتحدث عن الحزن والموت والمنفى والحرية، شريطة
أن تظل هذه المفردات مجردة من سياقها الواقعي. يستطيع أن يرثي الإنسان، لكن من دون
أن يسأل عمّن قتله، وأن يكتب عن السجن، لكن من دون أن يحدد السجّان، وأن يتغنى
بالوطن، لكن من دون أن يميز بين الوطن ومن يستولي على صوته.
إنها حرية شكلية
تسمح للقصيدة بأن تحتفظ بمظهرها، بينما تنزع منها قدرتها على المساءلة.
صناعة الشاعر المقبول
لا تعمل السلطة على
احتواء الشعر فقط، بل تسهم في صناعة نموذج محدد للشاعر الذي يمكن قبوله والاحتفاء
به. إنه شاعر موهوب بالقدر الذي يمنح المؤسسة وجاهة ثقافية، لكنه مأمون بالقدر
الذي لا يسبب لها إحراجًا. قد يستخدم لغة حداثية جريئة، ويجرب في الشكل، ويتحدث عن
القلق الوجودي، لكنه يتجنب الأسئلة الاجتماعية والسياسية التي تكشف مصادر القمع
والتفاوت والفساد.
لا يُطلب من هذا
الشاعر أن يكتب المديح التقليدي. يكفي أن يلتزم الصمت في اللحظات الحاسمة، أو أن
يحوّل الوقائع إلى استعارات بعيدة لا يمكن تحميلها موقفًا واضحًا. وعندما يحتدم
الصراع بين المجتمع والسلطة، يلجأ إلى عبارات متوازنة ظاهريًا، تساوي بين المعتدي
والضحية، وتستنكر "العنف من جميع الأطراف"، وتستبدل المسؤولية السياسية
بتأملات عامة في شرور الإنسان.
بهذه الطريقة ينشأ
نموذج الشاعر الذي يبدو حرًا في لغته، لكنه محسوب في مواقفه. وقد يكون قادرًا على
كسر قواعد النحو والعروض والصورة، لكنه يعجز عن كسر حدود المؤسسة التي صنعت حضوره.
الجوائز بوصفها نظامًا للشرعية
تعد الجوائز من
أبرز وسائل الاحتواء الثقافي الحديثة. والجائزة في ذاتها ليست موضع إدانة؛ فهي قد
تنصف تجربة مهمة وتوفر للشاعر فرصة الانتشار والتفرغ. غير أنها تصبح أداة للسلطة
عندما تتحول من تقدير للإبداع إلى نظام لتوزيع الشرعية. فالجائزة لا تمنح المال وحده، بل تمنح لقبًا
ومكانة وحضورًا إعلاميًا وفرصًا لاحقة في النشر والتحكيم والمهرجانات. وعندما
تتركز هذه المنظومة في يد المؤسسات الرسمية أو الجهات القريبة منها، يصبح الاعتراف
الأدبي مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بدرجة القبول السياسي والاجتماعي.
ليس ضروريًا أن
تتلقى لجان الجوائز أوامر صريحة باستبعاد هذا الشاعر أو تقديم ذاك. فالرقابة يمكن
أن تعمل من خلال شبكة من التوقعات المفهومة سلفًا: من هو الاسم المريح؟ من يمكن
تكريمه من دون إثارة مشكلة؟ من يحافظ على علاقات جيدة مع المؤسسة؟ ومن يمكن أن
يصبح فوزه مصدر حرج أو احتجاج؟
ومع تكرار العملية،
تتشكل ذاكرة ثقافية مصطنعة. فالأسماء التي تحصد الجوائز تتصدر الصحف والمناهج
والدراسات، ثم يُستدل بكثرة حضورها على استحقاقها، مع أن الحضور نفسه كان نتيجة
لاختيار مؤسسي سابق. وهكذا تتحول الجائزة من اعتراف بالقيمة إلى أداة لإنتاجها أو
الإيهام بها.
المهرجانات ومنح حق الظهور
تؤدي المهرجانات
والأمسيات والملتقيات دورًا مشابهًا. فهي لا تحدد فقط من يقرأ الشعر، بل تحدد
أيضًا من يظهر بوصفه ممثلًا للحركة الشعرية في بلده. وتستطيع المؤسسة، من خلال
الدعوات المتكررة، أن تصنع أسماء دائمة الحضور، في حين تترك أسماء أخرى خارج
الصورة مهما كانت قيمة تجاربها.
ويبدأ الاحتواء
غالبًا بإغراء بسيط: دعوة إلى مهرجان، إقامة فندقية، تذكرة سفر، تغطية إعلامية،
صورة مع مسؤول، أو عضوية في لجنة. وليست المشكلة في هذه الأمور بذاتها، بل في
تحولها إلى نظام للمكافأة والعقاب. فالشاعر الذي يلتزم الحدود يبقى على قوائم
الدعوات، بينما يكتشف المختلف أن هاتفه قد توقف عن الرنين، وأن اسمه سقط بهدوء من
البرامج الثقافية.
لا يصدر قرار بمنعه،
ولا يجد وثيقة تثبت أنه تعرض للإقصاء. كل ما يحدث أن الأبواب تُغلق واحدة بعد
أخرى، تحت ذرائع تنظيمية وفنية غامضة. وهنا تظهر فاعلية الاحتواء الحديث: إنه
يعاقب من دون أن يعترف بوجود العقوبة.
الوظيفة والمنصب وامتياز القرب
قد يدخل الشاعر إلى
شبكة السلطة من خلال وظيفة ثقافية أو إدارية: اتحاد للكتاب، وزارة، صحيفة، مؤسسة
نشر، جامعة، لجنة تحكيم أو إدارة مهرجان. وهذه المواقع ليست فاسدة بالضرورة، بل
يحتاج العمل الثقافي إليها. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المنصب من وسيلة لخدمة
الثقافة إلى أداة لضبط المثقف وإعادة تشكيل ولائه. فالمنصب يمنح صاحبه دخلًا ومكانة وعلاقات وقدرة
على التأثير. وبالتدريج يصبح الدفاع عن المؤسسة دفاعًا عن مصالحه الشخصية أيضًا.
وقد لا يُطلب منه تغيير موقفه دفعة واحدة؛ يكفي أن يتجنب الاعتراض في قضية، ثم
يبرر الصمت في قضية أخرى، ثم يكتشف بعد سنوات أن المسافة بينه وبين صوته القديم
أصبحت واسعة.
وتنبع خطورة هذه
الآلية من أنها تحول الرقابة الخارجية إلى مصلحة داخلية. لم يعد الشاعر يخشى عقوبة
مجردة، بل يخشى خسارة شبكة كاملة من الامتيازات: الوظيفة والسفر والنشر والصداقات
والوجاهة. لذلك قد يقنع نفسه بأن الصمت حكمة، وأن المهادنة مرونة، وأن الدفاع عن
المؤسسة نوع من الواقعية السياسية.
الإعلام وصناعة الشهرة الانتقائية
تملك السلطة، بصورة
مباشرة أو عبر حلفائها، قدرًا كبيرًا من وسائل إنتاج الحضور العام. الصحف والقنوات
والمنصات الثقافية لا تنقل القيمة الأدبية فقط، بل تسهم في صناعتها. فعندما يتكرر
اسم شاعر في المقابلات والبرامج والتغطيات، يترسخ في وعي الجمهور بوصفه اسمًا
مركزيًا، بينما يصبح الغائب عن الإعلام شبيهًا بمن لم يكتب.
ولا تعني السيطرة
الإعلامية أن كل شاعر يظهر في وسيلة رسمية تابع للسلطة، كما لا يعني الغياب أن كل
مهمش صاحب تجربة عظيمة. لكن الخلل يبدأ حين لا يكون الوصول إلى الإعلام قائمًا على
قيمة المنجز، بل على قابلية صاحبه للاندماج في الخطاب المقبول.
وقد يتمثل الثمن في
الامتناع عن إعلان موقف، أو المشاركة في مناسبة ذات وظيفة دعائية، أو منح تصريح
يجمّل واقعًا ثقافيًا مأزومًا. وقد يُستدعى الشاعر ليكون دليلًا على انفتاح
المؤسسة وتسامحها، بينما تُستخدم صورته لحجب الإقصاء الواقع على أصوات أخرى. وفي هذه الحالة لا يكون الشاعر مجرد مستفيد
من الإعلام، بل يصبح جزءًا من الصورة التي تريد السلطة إنتاجها عن نفسها.
الاتحادات والروابط وحراسة البوابة
لا تمارس الدولة
وحدها سلطة الاحتواء. فقد تظهر داخل الحقل الثقافي سلطات صغيرة تعيد إنتاج المنطق
نفسه: اتحادات وروابط ومجلات ودور نشر وجماعات أدبية وشبكات من النقاد والمحررين.
وتكتسب هذه الجهات قدرتها من التحكم في المرور إلى المنابر، ولذلك يمكن وصف
القائمين عليها بحراس البوابات الثقافية.
يحدد هؤلاء ما الذي
يُنشر، ومن يُدعى، وأي كتاب يُراجع، ومن يدخل لجنة الجائزة، ومن يُقترح لتمثيل
البلاد في الخارج. وقد تُمارس هذه السلطة باسم الذائقة أو الجودة، بينما تحكمها في
الواقع اعتبارات الولاء والصداقة والمصلحة والانتماء الأيديولوجي أو المناطقي.
وغالبًا لا تكون
العلاقة بين السلطة السياسية وهذه الشبكات علاقة أوامر مباشرة. يكفي أن تدرك
النخبة الثقافية ما تفضله المؤسسة، فتتكفل هي بعملية الفرز. وهكذا تنشأ رقابة
موزعة لا يمكن تحديد مركزها بسهولة: كل طرف يقول إنه لم يمنع أحدًا، لكن النتيجة
النهائية هي اختفاء الأصوات المزعجة وتكاثر الأصوات المأمونة.
احتواء النقد: حين تتحول القراءة إلى صناعة للشرعية
لا يكتمل احتواء
الشعر من دون احتواء النقد؛ فالسلطة تستطيع أن تمنح الشاعر منبرًا وجائزة، لكنها
تحتاج إلى الناقد كي يحوّل هذا الامتياز إلى قيمة أدبية تبدو مستقلة عن مصدرها.
وإذا كان الإعلام يصنع الشهرة، فإن النقد يمنحها مظهر الاستحقاق، ويحوّل الاختيار
المؤسسي إلى حكم جمالي قابل للتداول في الصحف والجامعات والمناهج والرسائل
الأكاديمية.
ولا يحدث التأثير
في النقد دائمًا عن طريق توجيه مباشر أو أمر معلن. قد يبدأ بمنحة بحثية، أو عضوية
في لجنة تحكيم، أو منصب جامعي، أو دعوة إلى مؤتمر، أو فرصة للنشر في مجلة مرموقة.
ومع تكرار هذه الامتيازات تتشكل شبكة من المصالح تجعل بعض النقاد أكثر استعدادًا
للكتابة عن الأسماء القريبة من المؤسسة، وأكثر حذرًا في تناول الأعمال التي تصطدم
بها.
وهكذا لا تقول
السلطة للناقد بالضرورة: "امتدح هذا الشاعر"، بل تصنع مناخًا يعرف فيه
أن الكتابة عن اسم معين تفتح له الأبواب، بينما قد تجلب الكتابة عن اسم آخر
التجاهل أو الاتهام أو الاستبعاد. ويبدأ الناقد، بوعي أو من دونه، باختيار
موضوعاته وفق ما يضمن له الاستمرار داخل المشهد الثقافي؛ فتتحول حرية الاختيار
عندئذ إلى رقابة ذاتية تعمل قبل الشروع في القراءة.
وتستطيع المؤسسة
أيضًا توجيه النقد عن طريق التحكم في دائرة المرئي. فهي تكثر من طباعة أعمال
شعرائها، وتنظم حولها الندوات، وترشحها للجوائز، وتتيحها للباحثين، بينما تترك
الأعمال الخارجة عن شبكتها من دون توزيع أو أرشفة أو تغطية. وعندما يختار الناقد
دراسته من بين الكتب المتاحة أمامه، يبدو قراره حرًا، مع أن السلطة سبق أن تدخلت
في تحديد ما يمكن أن يصل إليه.
والأخطر من تجاهل
الشعراء المستقلين هو استخدام اللغة النقدية لتجميل الشعر المهادن. فبدل النظر في
علاقة القصيدة بالواقع وموقعها من خطاب القوة، قد ينشغل الناقد بجمالياتها الشكلية
وحدها، فيحتفي بالتجريب والإيقاع والانزياح وتعدد الدلالة، متجنبًا السؤال عمّا
تخفيه هذه الجماليات أو تبرره. فالأدوات النقدية لا تكون خاطئة في ذاتها، لكنها
تصبح وسيلة للتعمية عندما تُستخدم لعزل النص عمدًا عن شروط إنتاجه ووظيفته
الثقافية.
وفي مقابل ذلك، قد
يتعرض الشعر المعارض لمحاكمة لا تقتصر على مستواه الفني حيث يُوصف بأنه خطابي، أو
مباشر، أو أيديولوجي، أو تحريضي، حتى قبل فحص بنيته الشعرية. وقد تكون هذه الأحكام
صحيحة في بعض الحالات، فالموقف العادل لا يحوّل النص الضعيف إلى شعر جيد؛ لكنها
تصبح مشبوهة حين يُحاسَب بها الشعر المعارض وحده، بينما تُغتفر المباشرة والشعارات
للنصوص التي تمدح الوطن بصيغته الرسمية أو تكرر سردية المؤسسة.
وقد يمارس الناقد
نوعًا آخر من الاحتواء حين يفصل الشاعر عن موقفه، فيختار من تجربته ما يمكن إدخاله
إلى الخطاب المقبول ويهمل ما عداه. يُحتفى بصوره العاطفية وتأملاته الوجودية،
بينما تُستبعد قصائده التي تسمي القمع أو تكشف التفاوت أو تنحاز إلى ضحاياه. وهكذا
لا يُمنع الشاعر، بل يعاد تركيبه نقديًا، ويُختزل في نسخة مهذبة يمكن للمؤسسة
استيعابها.
كما تؤثر السلطة في
الجامعات، حيث يُنتج جزء مهم من الشرعية النقدية. فقد تتكرر الدراسات حول أسماء
محددة لأنها متاحة وآمنة وتحظى برضا المشرفين والمؤسسات، بينما يتردد الباحثون في
تناول شعراء مهمشين أو معارضين خشية صعوبة المصادر أو حساسية الموضوع. ومع تراكم
الرسائل والأبحاث، يبدو أن الشعراء الأكثر دراسة هم بالضرورة الأهم، مع أن كثافة
الدراسات قد تكون نتيجة قوة المؤسسة التي تقف خلف حضورهم.
وينشأ عن ذلك ما
يمكن تسميته "النقد التبريري": كتابة لا تسأل عن قيمة العمل بقدر ما
تبحث عن المصطلحات المناسبة لإثبات أهميته. يبدأ الناقد من النتيجة التي تريدها
المؤسسة، ثم يجمع الشواهد التي تؤيدها. وبذلك يفقد النقد وظيفته في التمييز
والمساءلة، ويتحول إلى جهاز علاقات عامة يستخدم لغة أكاديمية.
ومع ذلك، لا يجوز
اتهام كل ناقد يكتب عن شاعر قريب من مؤسسة بأنه مأجور أو تابع. فالتأثير غالبًا
بنيوي وغير مباشر، وقد يعمل من خلال توافر الكتب، وشبكات المعرفة، وموضوعات
المؤتمرات، وفرص النشر، وتوقعات الوسط الثقافي. ولذلك فإن نقد هذه الظاهرة ينبغي
أن يتناول النظام الذي يوجه الاختيارات، لا أن يكتفي بإدانة الضمائر أو توزيع
الاتهامات.
ولا يستعيد النقد
استقلاله إلا عندما يعلن معاييره، ويفصل بين العلاقات الشخصية والحكم الأدبي،
ويمنح النصوص المهمشة حقها في القراءة، ويخضع الأعمال المكرسة للمساءلة نفسها التي
يطبقها على غيرها. فمهمة الناقد ليست تثبيت سلم المكانة الذي صنعته الجوائز
والإعلام، بل اختباره وإعادة النظر فيه.
إن فساد النقد أشد
خطرًا من قصيدة المديح؛ لأن القارئ يستطيع غالبًا أن يتعرف إلى المديح، بينما يأتي
التحيز النقدي متخفيًا في لغة المعرفة والموضوعية. وحين يُحتوى النقد، لا تكتفي
السلطة بصناعة شاعرها، بل تصنع أيضًا الأدوات التي سيُقرأ بها، ثم تقدم هذا البناء
كله إلى المجتمع بوصفه تاريخ الأدب وحكم الذائقة.
شراء الصمت لا شراء المديح
كان الحاكم قديمًا
يكافئ الشاعر على قصيدة تمدحه. أما السلطة الحديثة فقد تكون أكثر اهتمامًا بشراء
الصمت من شراء المديح. فالمديح المباشر قد يبدو فاضحًا ويفقد قائله صدقيته، بينما
يؤدي الصمت وظيفته من دون ضجيج.
لا يُطلب من الشاعر
أن يقول إن الواقع عادل؛ يكفي ألا يتحدث عن الظلم. ولا يُطلب منه إنكار القمع؛
يكفي أن ينشغل عنه بقضايا لا تهدد أحدًا. وقد يُسمح له بنقد أخطاء صغيرة أو
مسؤولين ثانويين، ما دام لا يقترب من البنية التي تنتج تلك الأخطاء. وبذلك تمنح السلطة بعض
الشعراء هامشًا محدودًا من النقد، تستفيد منه لإظهار التسامح والانفتاح. ويؤدي
النقد المسموح به وظيفة مزدوجة: يخفف الاحتقان، ويمنح المؤسسة حجة تقول بها إن
حرية التعبير موجودة. لكن هذا الهامش ينتهي فور انتقال الشاعر من نقد النتائج إلى
مساءلة الأسباب، أو من الحديث الأخلاقي العام إلى تسمية المسؤولية.
الرقابة الذاتية: انتصار السلطة داخل الشاعر
تبلغ عملية
الاحتواء ذروتها عندما لا تعود السلطة مضطرة إلى التدخل. فبعد سنوات من المراقبة
والاستبعاد والمكافأة، يتعلم الشاعر الحدود ويستبطنها. يبدأ بحذف العبارات الخطرة
قبل أن يقرأها أحد، ويستبدل الاسم بالإشارة، والمسؤولية بالغموض، والموقف بالتأمل. قد يقول إن الغموض ضرورة
فنية، وقد يكون ذلك صحيحًا في كثير من الحالات؛ فالشعر ليس منشورًا سياسيًا. لكن
الغموض يصبح موضع سؤال حين يعمل دائمًا في اتجاه واحد: إخفاء المسؤول القوي
والإبقاء على ألم الضحية مجردًا من أسبابه.
هكذا تتشكل الرقابة
الذاتية التي هي أشد فاعلية من الرقابة الرسمية؛ لأنها تُقدَّم إلى الشاعر بوصفها
اختياره الفني. إنه لا يشعر بأنه مُنع من الكلام، بل يظن أنه اختار الصمت بحرية.
وحين تستقر عين الرقيب داخل وعيه، تستطيع المؤسسة أن تخفف حضورها الظاهر، لأن
الشاعر أصبح يؤدي المهمة نيابة عنها.
تحويل التمرد إلى ديكور
تمتلك السلطة
الحديثة قدرة عالية على استيعاب الخطابات التي كانت تبدو معارضة لها. فقد تحتفي
بشاعر سبق أن اصطدم بها، أو تكرمه بعد موته، أو تستعير أبياته في المناسبات
الوطنية، بعد تفريغها من سياقها الاحتجاجي. وهكذا يتحول الشاعر المتمرد إلى رمز
رسمي لا يزعج أحدًا.
قد تُطبع أعماله في
سلسلة حكومية، وتُطلق تسميته على قاعة أو شارع، وتُقتبس أبياته في خطب المؤسسة
التي كان ينتقدها. يبدو ذلك إنصافًا لذاكرته، لكنه قد يكون أيضًا طريقة للسيطرة
عليها. فالسلطة لا تمحو الصوت المعارض دائمًا؛ أحيانًا تحفظه بعد أن تعيد تفسيره
وتختار منه ما يناسبها. والأمر نفسه يحدث مع
المفردات الكبرى: الحرية، الثورة، الوطن، الكرامة، الفقراء حيث يمكن السماح بتداولها
بكثافة إذا انفصلت عن مطالبها الواقعية؛ فيصبح التمرد أسلوبًا جماليًا، وتتحول
الثورة إلى مهرجان، ويغدو الاحتجاج زينة لغوية داخل مؤسسة لا تسمح بآثاره السياسية.
الإغراق في معارك الهوية
من وسائل الاحتواء
أيضًا دفع الشعراء إلى معارك جانبية تستنزف طاقاتهم وتبعدهم عن مساءلة السلطة حيث
يتمُّ تَشجيع الانقسامات الأيديولوجية والطائفية والمناطقية، ويتحول النقاش من
علاقة الثقافة بالحرية والعدالة إلى خصومات حول الانتماء والأصالة والحداثة
والمركز والهامش. وفي هذه الأجواء ينشغل
الشعراء بتبادل الإقصاء، بينما تبقى البنية التي تضبط المجال الثقافي بعيدة عن
النقد. وقد تمنح المؤسسة كل فريق مساحة محدودة، فتضمن استمرار الصراع الأفقي بين
المثقفين بدل أن يتجه السؤال عموديًا نحو مراكز القوة.
ولا تحتاج السلطة
هنا إلى فرض خطاب واحد؛ فقد يكون من مصلحتها تعدد الخطابات المتنازعة، ما دامت
عاجزة عن الاجتماع حول قضايا الاستقلال الثقافي وحرية التعبير وعدالة توزيع الفرص.
الحصار الاقتصادي وإنتاج الطاعة
لا يمكن فصل احتواء
الشعر عن هشاشة الوضع الاقتصادي للمثقف العربي. فحين لا يستطيع الشاعر أن يعيش من
كتابته، ولا توجد مؤسسات مستقلة كافية للنشر والدعم، تصبح المنحة والجائزة
والوظيفة والدعوة أكثر تأثيرًا في قراراته. فالسلطة تعرف أن الحاجة قد تكون أبلغ من الرقابة. والشاعر الذي
يعتمد في دخله وحضوره على مؤسسة واحدة يصبح أكثر حذرًا في مواجهتها. وليس من العدل
اختزال اختياراته في فساد أخلاقي فردي؛ لأن منظومة كاملة تدفعه إلى المفاضلة بين
استقلاله وأمنه الاقتصادي.
لكن فهم الظروف لا
يعني تبرير كل تنازل. فهناك فرق بين شاعر يقبل دعمًا عامًا من دون أن يغيّر موقفه،
وآخر يتحول إلى أداة لتبرير القمع مقابل استمرار الامتياز. المسألة ليست في المال
ذاته، بل في الشروط المعلنة أو الضمنية المصاحبة له.
المنفى بوصفه احتواءً آخر
قد يبدو خروج
الشاعر من بلده تحررًا من سلطة الداخل، لكنه قد ينتقل إلى منظومة أخرى من الشروط.
فالمؤسسات الخارجية ووسائل الإعلام ودور النشر الدولية قد تبحث بدورها عن نموذج
محدد من "الشاعر العربي": الضحية، أو المنفي، أو الشاهد الذي يؤكد
الصورة التي تريد المؤسسة تقديمها عن المنطقة. وقد يجد الشاعر نفسه مطالبًا بإعادة إنتاج هويته
وألمه وفق توقعات السوق الثقافية الجديدة. فإذا كانت سلطة الداخل تطلب منه الصمت
عن أشياء معينة، فقد تطلب منه سلطة الخارج الكلام المتكرر عن أشياء بعينها. وفي
الحالتين يتعرض تعقيد تجربته للاختزال.
ونحن هنا لا نساوي
بين القمع الداخلي وفرص النشر في الخارج، لكننا نكشف أن استقلال الشاعر لا يتحقق
بمجرد تغيير المكان؛ فالاحتواء قد يرتدي خطاب الحرية كما قد يرتدي خطاب الوطنية.
المنصات الرقمية وتبدل أدوات السيطرة
أتاحت المنصات
الرقمية للشعراء فرصًا لم تكن متوفرة من قبل؛ إذ أصبح بإمكانهم الوصول إلى الجمهور
من دون المرور الكامل بالمحرر والاتحاد والمهرجان. غير أن هذه الحرية أنشأت
أشكالًا جديدة من السلطة: خوارزميات تحدد الوصول، وجيوش إلكترونية تشوه السمعة،
وحملات تخوين، ومنصات تستطيع حذف المحتوى أو تقليل انتشاره.
كما تعلمت المؤسسات
الرسمية استخدام الفضاء الرقمي في صناعة نجومها وتضخيم حضورهم. فلم يعد الاحتواء
يقتصر على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون، بل أصبح يتم عبر الترويج المنظم،
والجوائز الإلكترونية، والحسابات المدعومة، وإعادة النشر المتكرر. وفي المقابل، قد يتحول
الشاعر نفسه إلى أسير لرضا الجمهور، فيكتب ما يضمن التفاعل السريع، ويتجنب المواقف
التي قد تكلفه المتابعين. وهنا تنضم سلطة السوق والخوارزمية إلى السلطة السياسية
والثقافية، فتتعدد الجهات التي تحاول تشكيل صوته.
كيف يتضرر الشعر؟
لا يؤدي الاحتواء
إلى إضعاف الموقف الأخلاقي وحده، بل يترك أثرًا عميقًا في الكتابة. فعندما يكتب
الشاعر وهو يفكر في رضا اللجنة والمسؤول والمحرر، تبدأ اللغة بفقدان توترها
الداخلي. تتكرر الموضوعات المأمونة، ويكثر الغموض الزخرفي، وتتحول الحداثة إلى
تقنيات منفصلة عن الأسئلة الحقيقية. وينشأ ما يمكن تسميته
"الشعر الرمادي": شعر مصقول وقابل للنشر والاحتفاء، لكنه لا يخاطر بشيء.
يتحدث عن العالم من دون أن يمسه، وعن الألم من دون أن يكشف أسبابه، وعن الحرية من
دون أن يدخل في صراع من أجلها. لا يمكن اتهامه بالمديح، لكن يصعب أيضًا العثور فيه
على موقف يعرض صاحبه لأي خسارة.
والضرر لا يقع على
الشعراء المستبعدين وحدهم. حتى المستفيدون من المنظومة قد يصبحون ضحايا لها؛ إذ
تمنحهم شهرة لا تساعدهم على تطوير تجاربهم، وتحجب عنهم النقد الجاد، وتحيطهم
بالمجاملات. ومع الوقت قد يختلط عليهم الاعتراف المؤسسي بالقيمة الفنية، فيفقدون
القدرة على مراجعة أعمالهم.
صناعة تاريخ أدبي ناقص
حين تتحكم السلطة
في النشر والتكريم والتوثيق، فإنها لا تدير الحاضر الثقافي فقط، بل تشارك في كتابة
تاريخ الأدب. فالباحث اللاحق سيجد أمامه أسماء حظيت بالجوائز والمقابلات والدراسات
والطبعات المتعددة، بينما يصعب عليه العثور على أعمال الذين عاشوا خارج المؤسسات. وهكذا قد يتحول الامتياز
المؤقت إلى خلود أدبي ظاهري، ويتحول التهميش الإداري إلى نسيان تاريخي؛ فلا تختار
المؤسسة من يتكلم في الحاضر فحسب، بل تؤثر أيضًا فيمن سيتذكره المستقبل.
ولهذا فإن مقاومة
الاحتواء لا تقتصر على كتابة قصيدة معارضة، بل تشمل بناء أرشيف مستقل، وتوثيق
التجارب المهمشة، وإنشاء منابر لا تعتمد كليًا على التمويل الرسمي، وإخضاع الجوائز
والاتحادات والمهرجانات لمعايير معلنة وقابلة للنقد.
ليس كل اقتراب خيانة ولا كل معارضة بطولة
من الضروري ألا
تتحول مناقشة الاحتواء إلى محكمة أخلاقية متسرعة. فليس كل شاعر يعمل في مؤسسة
رسمية تابعًا لها، وليس كل من يحصل على جائزة قد باع صوته، كما أن الوقوف خارج
المؤسسات لا يمنح صاحبه قيمة شعرية أو نزاهة تلقائية. قد يستخدم شاعر مستقل موقعًا
رسميًا لتوسيع مساحة الحرية، وقد يرفع آخر شعارات المعارضة بحثًا عن شهرة بديلة.
المعيار الأدق هو
مقدار ما احتفظ به الشاعر من استقلال في الرؤية والموقف. هل يستطيع نقد الجهة التي
كرمته؟ هل يدافع عن حق المختلفين معه في الظهور؟ هل يستخدم نفوذه لفتح الأبواب أم
لإغلاقها؟ هل وظّف الدعم الذي تلقّاه في خدمة الثقافة، أم دفع استقلاله ثمنًا له
وتحول إلى شاهد زور؟ فالاستقلال لا يعني القطيعة المطلقة مع المؤسسات، لأن الثقافة
تحتاج إلى بنى للنشر والتعليم والدعم، وإنما يعني ألا تتحول هذه البنى إلى مالك
لضمير الشاعر.
الشعر الذي يفلت من القبضة
لا تكون مقاومة
الاحتواء بالشعارات وحدها. فقد تكتب قصيدة عالية الصوت سياسيًا لكنها تكرر لغة
جاهزة، وقد تكتب قصيدة هادئة عن حياة فرد واحد فتفضح نظامًا كاملًا من القهر. قوة
الشعر لا تأتي من ذكر الحاكم أو الهتاف ضده بالضرورة، بل من رفض اللغة التي تحجب
الإنسان وتمحو مسؤوليّة الظلم. فالشعر يقاوم حين يحفظ
ذاكرة الضحايا، ويمنح المهمشين أسماء ووجوهًا، ويكشف التناقض بين الخطاب الرسمي
والحياة اليومية، ويرفض تحويل الوطن إلى ملكية خاصة للحاكم أو الحزب أو المؤسسة.
ويقاوم كذلك حين يحمي اللغة من الابتذال الدعائي، فلا يسمح للكلمات الكبرى بأن
تصبح ستارًا للواقع.
إن السلطة تستطيع
أن تشتري المنابر، وأن تنظم المهرجانات، وأن توزع الجوائز، وأن تصنع شهرة مؤقتة،
لكنها لا تستطيع أن تضمن القيمة الأدبية لما تختاره. فقد تمنح الشاعر حضورًا
واسعًا في حياته، ثم يتركه الزمن، بينما يعيد القراء اكتشاف صوت عاش طويلًا في
العتمة.
خاتمة: حين يسكن الرقيب في القصيدة
أخطر ما تفعله
السلطة بالشعر في العصر الحديث ليس أن تمنعه، بل أن تُبقيه حاضرًا بعد أن تنزع منه
قدرته على الإزعاج. إنها لا تحتاج دائمًا إلى شاعر يمدحها؛ يكفيها شاعر لا يسألها.
ولا تحتاج إلى قصيدة تكرر خطابها؛ يكفيها أن تتحول القصيدة إلى عالم مغلق لا صلة
له بمصائر الناس.
يبدأ الاحتواء
بمنحة أو دعوة أو جائزة، لكنه لا يكتمل إلا عندما تصبح الخسارة المحتملة جزءًا من
عملية الكتابة، وحين يسأل الشاعر نفسه، قبل كل كلمة، عمّا إذا كانت ستغلق في وجهه
بابًا. في تلك اللحظة ينتقل الرقيب من المكتب إلى المخيلة، وتصبح القصيدة أكثر
السجون خفاءً، لأنها تبدو من الخارج حرة.
ومع ذلك، لا يستطيع
الاحتواء أن ينجح نجاحًا كاملًا. فالشعر، في جوهره، ينحاز إلى ما لا تستوعبه اللغة
الرسمية: الفرد في مواجهة الجماعة المصنوعة، والذاكرة في مواجهة النسيان، والسؤال
في مواجهة اليقين المفروض. وكلما نجحت السلطة في صناعة شعرائها، ظهر من الهامش صوت
لا ينتظر جائزتها ولا اعترافها، ليذكّرها بأن القصيدة قد تُحاصر، لكنها لا تُمتلك.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق