اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

حول العالم في ثمانين يومًا: هل كان من الممكن فعلها فعلًا في زمن جول فيرن؟

مشهد توضيحي لرحلة حول العالم في القرن التاسع عشر يجمع قطارًا بخاريًا وباخرة وخريطة وساعة جيب ترمز إلى تحدي الثمانين يومًا
صورة توضيحية أصلية تستحضر وسائل النقل والزمن اللذين جعلا رهان فيلياس فوغ يبدو ممكنًا في عصر جول فيرن.

حين أصبح العالم أصغر من أن يحتاج إلى ثلاثة أشهر

لو وقف رجل في لندن سنة 1872 وقال إنه سيغادر المدينة مساء اليوم، يدور حول الأرض مستخدمًا القطارات والبواخر، ثم يعود بعد ثمانين يومًا بالضبط، فهل كان سيقترح مغامرة ممكنة فعلًا أم شيئًا لا يصلح إلا لرواية جول فيرن؟

هذا هو السؤال الذي تقوم عليه رواية "حول العالم في ثمانين يومًا"، لكنه أيضًا سؤال تاريخي حقيقي. فالرهان الذي يعقده فيلياس فوغ مع أعضاء نادي الإصلاح في لندن لا يقوم على آلة خيالية ولا على وسيلة نقل لم تكن قد اخترعت بعد. لا صاروخ، ولا طائرة، ولا اختصار سحري للمسافات. الرجل يعتمد على القطار والباخرة وجدول المواعيد والقدرة على الانتقال من وسيلة إلى أخرى في اللحظة المناسبة.

الجواب المختصر: نعم، كان الدوران حول العالم في نحو ثمانين يومًا ممكنًا من حيث المبدأ سنة 1872، لأن شبكة جديدة من السكك الحديدية والبواخر وقناة السويس جعلت المسار الذي يستخدمه فوغ واقعيًا إلى حد بعيد. لكن إنجاز الرحلة في ثمانين يومًا بالضبط كان يحتاج إلى توافق استثنائي في المواعيد، وغياب التأخيرات الكبيرة، ومال كثير، وقدرة على معالجة المشكلات فور وقوعها. أي أن جول فيرن لم يخترع الإمكان، لكنه حول إمكانًا هشًا إلى رهان أدبي.

وهنا تبدأ متعة الرواية الحقيقية. فما يبدو اليوم قصة مغامرات عن رجل يسابق الساعة كان عند صدوره نصًا شديد الالتصاق بواحدة من أكبر التحولات التي عرفها القرن التاسع عشر: للمرة الأولى تقريبًا، أصبح بالإمكان النظر إلى العالم كله باعتباره شبكة مواصلات يمكن وضعها داخل جدول.


من أين جاءت الثمانون يومًا؟

داخل الرواية لا يخترع فيلياس فوغ الرقم اعتباطًا. أعضاء النادي يتناقشون في خبر صحفي عن إمكان الدوران حول الأرض بعد تحسن خطوط النقل، ثم يظهر الحساب واضحًا. لندن إلى السويس سبعة أيام، السويس إلى بومباي ثلاثة عشر يومًا، بومباي إلى كلكتا ثلاثة، كلكتا إلى هونغ كونغ ثلاثة عشر، هونغ كونغ إلى يوكوهاما ستة، يوكوهاما إلى سان فرانسيسكو اثنان وعشرون، سان فرانسيسكو إلى نيويورك سبعة، ثم نيويورك إلى لندن تسعة أيام.

المرحلة المدة في حساب الرواية
لندن - السويس7 أيام
السويس - بومباي13 يومًا
بومباي - كلكتا3 أيام
كلكتا - هونغ كونغ13 يومًا
هونغ كونغ - يوكوهاما6 أيام
يوكوهاما - سان فرانسيسكو22 يومًا
سان فرانسيسكو - نيويورك7 أيام
نيويورك - لندن9 أيام
المجموع80 يومًا

هذا الجدول هو قلب الرواية قبل أن تبدأ المغامرة. لا يراهن فوغ على السرعة المطلقة بقدر ما يراهن على الاتصال بين الخطوط. يمكن أن تكون الباخرة سريعة، لكن ذلك لا يفيد إن وصلت بعد مغادرة القطار. ويمكن أن يعبر القطار قارة كاملة، لكن تأخره ساعات قد يعني انتظار السفينة التالية أيامًا.

بمعنى آخر، كان التحدي الحقيقي سنة 1872 ليس أن توجد وسيلة سريعة في كل مكان، بل أن يصبح العالم شبكة متصلة بما يكفي لكي ينتقل المسافر من حلقة إلى أخرى من دون أن تنكسر السلسلة.

ثلاثة أحداث جعلت رواية جول فيرن ممكنة

لو كتب فيرن الرواية قبل عقد واحد فقط، لكان الرهان أصعب كثيرًا في التصديق. بين ستينيات القرن التاسع عشر وبداية السبعينيات حدثت تغيرات هائلة اختصرت المسافات بصورة لم يعرفها المسافرون السابقون.

أهمها قناة السويس التي افتتحت سنة 1869. قبل القناة كانت السفن المتجهة من أوروبا إلى الهند وشرق آسيا تحتاج إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. القناة لم تجعل البحر أقصر بالمعنى الجغرافي، لكنها صنعت ممرًا جديدًا بين المتوسط والبحر الأحمر، وغيّرت حساب الزمن بين أوروبا وآسيا.

وفي السنة نفسها اكتمل الخط الحديدي الأول العابر للقارة في الولايات المتحدة. كان عبور أمريكا من الساحل إلى الساحل رحلة يمكن أن تستغرق شهورًا؛ وبعد اتصال شبكات السكك أصبح من الممكن قطع الجزء الأكبر من القارة في نحو أسبوع.

أما الهند، وهي الحلقة التي يحتاجها مسار فوغ بين بومباي وكلكتا، فقد شهدت توسعًا سريعًا للسكك الحديدية. وفي سنة 1870 تحقق اتصال حديدي يسمح بالسفر بين المدينتين عبر شبكة تربط غرب شبه القارة بشرقها.

هذه الوقائع الثلاث ليست خلفية بعيدة للرواية. إنها هي التي تجعل سؤالها ممكنًا أصلًا. البحر اختصرته قناة، والقارة الأمريكية شقها خط حديدي، والهند أخذت تتحول من فضاء تقاس رحلاته بالأسابيع إلى شبكة يمكن إدخالها في حساب بالأيام.

لذلك يمكن قراءة "حول العالم في ثمانين يومًا" باعتبارها رواية عن لحظة بدأ فيها الإنسان يشعر أن الأرض نفسها قد صغرت.

لكن فيرن غيّر الواقع حين احتاجت الرواية إلى ذلك

هنا تظهر مفارقة جميلة تكشف أن الكتاب ليس دليل سفر متنكرًا في شكل رواية.

في بداية العمل يُقال إن الخط الحديدي الهندي أصبح مفتوحًا بما يسمح بالانتقال من بومباي إلى كلكتا في ثلاثة أيام. ثم، بعد أن يدخل فوغ الهند، يتوقف القطار فجأة عند قرية خيالية تقريبًا في منطق الرحلة، ويكتشف المسافرون أن هناك نحو خمسين ميلًا لم تكتمل فيها السكة حتى الله آباد. ومن هذه الفجوة يولد أحد أشهر مشاهد الكتاب: شراء الفيل ومواصلة الطريق بوسيلة لا علاقة لها بعالم الجداول الدقيقة الذي بدأ منه فوغ.

المثير أن الربط الحديدي الحقيقي بين بومباي وكلكتا كان قد تحقق قبل زمن الرواية. أي أن فيرن أخذ شبكة مواصلات حقيقية كانت أكثر اكتمالًا مما يسمح به المشهد، ثم أعاد فتح فجوة داخلها لأنه يحتاج إلى أن يخرج بطله مؤقتًا من سلطان الجدول.

وهذا التغيير يقول شيئًا مهمًا عن طريقة عمل الأدب. الكاتب يستفيد من الحقيقة التي تمنح قصته المصداقية، لكنه ليس موظفًا في شركة السكك الحديدية. عندما يصبح الواقع منظمًا أكثر مما ينبغي، يمكن للرواية أن تكسر إحدى وصلاته كي تبدأ الحكاية.

والمسافة بين الوثيقة والخيال هنا تشبه، من جهة أخرى، الطريقة التي أخذ بها دانيال ديفو حادثة بحار حقيقي ثم صنع منها عالمًا أوسع في قصة روبنسون كروزو وعلاقتها بألكسندر سيلكيرك. الواقع يمنح الكاتب المادة الأولى، لكنه لا يفرض عليه شكل الرواية النهائي.

فوغ لا يسافر تقريبًا.. إنه يحسب

أغرب ما في بطل رواية يفترض أنها تحتفي بالسفر أن فيلياس فوغ ليس رحالة بالمعنى الرومانسي.

لا يخرج من لندن لأنه يحلم برؤية تاج محل أو الصين أو المحيط الهادئ. لا يجمع الذكريات ولا يكتب وصفًا للمدن التي يمر بها. غالبًا ما يتعامل مع المكان بوصفه نقطة في جدول: وصل، غادر، كسب ساعات، خسر ساعات.

حتى باريس، التي يمكن أن تكون محطة تستحق التوقف، تمر في حساب الرحلة مثل نافذة. والسويس وبومباي وهونغ كونغ ويوكوهاما ليست لديه وعودًا بالاكتشاف بقدر ما هي عقدًا في شبكة زمنية.

بهذا المعنى، يبدو باسبارتو أكثر قربًا من صورة المسافر التقليدي. يندهش، ينظر، يخطئ، يتورط، يشعر بأن العالم غريب وواسع. أما فوغ فيحاول باستمرار أن يحول هذا العالم إلى شيء يمكن قياسه.

وهنا تقع المفارقة المركزية: الرواية التي جعلت أجيالًا تحلم بالسفر حول الأرض بطلها رجل يكاد لا يهتم بالمشاهدة.

هو يسافر في الزمن أكثر مما يسافر في المكان.

يحمل معه دليل Bradshaw، وهو من أدلة المواعيد التي كانت تجمع معلومات القطارات والبواخر، ويتعامل معه كما يتعامل المرء اليوم مع تطبيق يربط رحلة جوية بقطار ثم بعبّارة. كل محطة لها وقت، وكل تأخير يمكن تحويله إلى رقم.

ذلك التفكير لم يكن تفصيلًا شخصيًا في شخصية فوغ. كان تعبيرًا عن عالم جديد تتكاثر فيه الساعات العامة، والجداول، ومواعيد القطارات، والتلغراف، والشركات التي تعد المسافر بالوصول في زمن محدد. الزمن الذي كان مرتبطًا بالشمس والفصول والمسافة صار شيئًا مطبوعًا في جداول.

هل يستطيع إنسان عادي أن يفعل ما فعله فوغ؟

هنا يجب التفريق بين عبارتين تبدوان متشابهتين: "كان ممكنًا" و"كان سهلًا".

المسار كان ممكنًا من حيث البنية الأساسية، لكن فوغ ليس مسافرًا عاديًا. إنه رجل ثري جدًا. يحمل مبلغًا ضخمًا وينفق من دون تردد عندما يصبح المال وسيلة لشراء الوقت.

إذا تعطل الطريق، يبحث عن وسيلة خاصة. إذا احتاج الأمر إلى مكافأة الطاقم، يدفع. وعندما يصبح النقل المنتظم غير كاف، يمكنه أن يحول المال إلى حل.

لهذا فإن الثمانين يومًا لا تمثل ديمقراطية السفر الحديثة. إنها إمكانية أصبحت متاحة تقنيًا، لكن استخدامها بهذه المرونة كان يتطلب موارد لا يملكها معظم الناس.

ثم هناك مشكلة المواعيد. الجداول التي تجعل الرحلة ممكنة هي نفسها التي تجعلها هشة. إذا وصلت سفينة بعد مغادرة السفينة التالية بقليل، فقد لا تخسر ساعات بل عدة أيام. وإذا أدى الطقس إلى إبطاء باخرة، لا توجد شركة طيران في اليوم التالي تعوض التأخير.

ولهذا يضع فيرن في قلب الرواية تناقضًا واضحًا: فوغ يتصرف كما لو أن العالم آلة دقيقة، بينما العالم لا يتوقف عن إثبات أنه ليس كذلك.

الطقس يتغير. القطارات تتوقف. السفن تغادر. البشر يمرضون ويخطئون ويتخاصمون. الشرطة تتدخل. وحتى الجغرافيا نفسها تستطيع أن تحول جدولًا أنيقًا إلى فوضى.

هل كان فيلياس فوغ مبنيًا على رحالة حقيقي؟

هذه واحدة من القصص التي تحبها الإنترنت لأنها تمنح كل شخصية أدبية أصلًا واحدًا واضحًا. كثيرًا ما يُذكر الأمريكي جورج فرانسيس ترين بوصفه "فيلياس فوغ الحقيقي"، لأنه قام برحلات حول العالم وروّج لاحقًا لفكرة أنه كان مصدر الشخصية.

لكن الحكاية ليست محسومة بهذه البساطة.

ترين شخصية حقيقية، وكانت رحلات الدوران حول العالم قد بدأت تجذب اهتمام الصحافة والجمهور قبل صدور الرواية. كما ظهرت خلال تلك السنوات مقالات وحسابات وجداول تتخيل المدة التي يمكن فيها الدوران حول الأرض باستخدام شبكة النقل الجديدة.

الأهم أن جول فيرن نفسه قدّم تفسيرًا أبسط لنشأة الفكرة. في مقابلة أجرتها معه الصحفية الأمريكية نيللي بلاي لاحقًا، قال إنه قرأ في صحيفة فرنسية حسابًا يفيد بأن الدوران حول العالم يمكن إنجازه في ثمانين يومًا، وأن الفكرة جذبت انتباهه. ثم لاحظ أن اختلاف خطوط الطول يستطيع أن يمنحه نهاية روائية تقوم على كسب يوم أثناء السفر شرقًا.

هذا التفسير أقوى من الحاجة إلى البحث عن رجل واحد نقول إنه "فوغ الحقيقي". الرواية ولدت في بيئة كاملة كانت مأخوذة بفكرة تقلص العالم: صحف تنشر جداول، شركات سكك حديدية تعلن طرقًا جديدة، بواخر تختصر البحار، ورحالة يحاولون تحويل الكرة الأرضية إلى رقم قياسي.

فوغ هو ابن ذلك العالم أكثر مما هو نسخة مؤكدة من شخص واحد.

اليوم الضائع الذي لم يكن خدعة

لا يمكن مناقشة إمكان الرحلة من دون التوقف عند الحيلة الأشهر في النهاية.

يعود فوغ مقتنعًا بأنه تأخر وخسر الرهان، ثم يكتشف أنه وصل في الموعد لأن سفره المستمر نحو الشرق جعله يكسب يومًا تقويميًا.

هذه الفكرة ليست سحرًا روائيًا. من يدور حول الأرض شرقًا يضبط ساعته تدريجيًا إلى الأمام كلما انتقل بين خطوط الطول. وعندما تكتمل دورة كاملة يتراكم فرق يعادل يومًا.

لكن العالم سنة 1872 لم يكن قد توصل بعد إلى النظام الدولي الموحد للتوقيت وخط التاريخ كما نعرفه اليوم. وهذا لا يلغي المبدأ الفلكي الذي يعتمد عليه فيرن؛ بل يجعل الرواية أكثر إثارة لأنها تكتب في زمن كان البشر فيه ما يزالون يحاولون تنظيم مشكلة الزمن العالمي التي صنعتها القطارات والتلغراف والسفر السريع.

لم يعد الزمن محليًا تمامًا. إذا كنت تستطيع الانتقال بين قارات خلال أسابيع، فالسؤال البسيط "أي يوم هو اليوم؟" يبدأ في التعقيد.

وهنا يصبح الحل النهائي أكثر من مفاجأة في الحبكة. إن التقنية التي جعلت العالم صغيرًا بما يكفي للدوران حوله في ثمانين يومًا جعلت البشر أيضًا مضطرين إلى إعادة التفكير في طريقة حساب الوقت نفسه.

الرواية ليست احتفالًا بسيطًا بالتكنولوجيا

من السهل قراءة الكتاب باعتباره نشيدًا للقطار والباخرة والتقدم الصناعي. وهناك ما يدعم هذه القراءة فعلًا. العالم في الرواية أصبح أسرع، والمسافات التي كانت ترعب المسافرين السابقين دخلت في نطاق الحساب.

لكن الرواية أكثر حذرًا مما تبدو.

فوغ يؤمن بالجدول، بينما الأحداث تذكّره بأن الحياة لا تعمل مثل الجدول. وكلما تقدم في الرحلة اضطر إلى الاعتماد على أشخاص وقرارات ومصادفات لا يستطيع Bradshaw أن يضعها في صفحة مواعيد.

في الهند يخرج من القطار ويشتري فيلًا. في البحر يحتاج إلى قرارات بشرية تتجاوز النظام المقرر. وفي أمريكا لا تكفي السكة الحديدية وحدها لحمايته من كل ما قد يقع.

كأن الرواية تبني آلة ضخمة من المواعيد، ثم تقضي معظم صفحاتها في اختبار المواضع التي يمكن أن تتعطل فيها تلك الآلة.

ويمكن أن نرى شيئًا قريبًا من ذلك في أدب المغامرة البحري الذي يجعل الخريطة تبدو دقيقة قبل أن يكشف أن ما ينتظر المسافر خارجها أكثر فوضى؛ وهي فكرة تظهر بطريقة مختلفة في جزيرة الكنز وعلاقة خريطتها بعالم القراصنة الحقيقي.

غير أن فيرن يضيف عنصرًا حديثًا: الخطر لا يأتي من المجهول وحده، بل من الاعتماد الشديد على نظام يفترض أن كل شيء سيعمل في وقته.

العالم الذي صغر لم يكن متساويًا

هناك جانب آخر لا ينبغي أن تختفي ملامحه وراء سحر المغامرة.

شبكة السفر التي تسمح لفوغ بالدوران حول الأرض ليست مجرد نتيجة محايدة للتقدم العلمي. كثير من طرقها نشأ داخل عالم الإمبراطوريات والتجارة والاستعمار. بريطانيا التي ينطلق منها فوغ كانت تملك شبكة واسعة من المصالح والموانئ والطرق البحرية، والهند كانت تحت الحكم البريطاني، وقناة السويس أصبحت عقدة حاسمة في الطريق إلى آسيا.

لهذا فإن حرية فوغ في الحركة ليست حرية إنسان مجرد من التاريخ. جوازه وماله وجنسيته وصلاته بشبكة النقل الإمبراطورية تمنحه نوعًا من القدرة على العبور لا يملكه الجميع.

بل إن الرواية نفسها تحمل بعض الصور والأحكام عن الشعوب والمجتمعات التي تنتمي بوضوح إلى نظرة أوروبية في القرن التاسع عشر، ولا ينبغي أن نعيدها اليوم باعتبارها وصفًا محايدًا للعالم.

هذه الملاحظة لا تلغي متعة الرواية ولا تحولها إلى منشور سياسي. لكنها تجعل سؤال "هل كان ممكنًا؟" أكثر عمقًا. الممكن لمن؟ وبأي شبكة؟ ومن الذي بنى هذه الشبكة؟ وما العلاقة بين سرعة المسافر الأوروبي وبين النظام الاقتصادي والسياسي الذي سمح له بالمرور من ميناء إلى آخر؟

فالعالم ربما صار أصغر بالنسبة إلى فوغ، لكنه لم يصبح أكثر عدلًا بالضرورة.

لماذا ما زالت الثمانون يومًا مثيرة بعد أن صار العالم أسرع بكثير؟

اليوم يستطيع مسافر بالطائرة أن يعبر المسافة بين لندن ونيويورك في ساعات، ويصل إلى الهند أو اليابان في أقل من يوم إذا حسبنا زمن الطيران وحده. لذلك فقد الرقم "80" قدرته على إبهارنا بوصفه إنجازًا تقنيًا.

ومع ذلك لم تفقد الرواية توترها.

السبب أن الثمانين يومًا لم تعد مهمة بذاتها. المهم هو الفكرة التي يمثلها الرهان: ماذا يحدث عندما يحاول الإنسان فرض نظام كامل على عالم لا يمكن التحكم فيه بالكامل؟

فوغ يبدأ كرجل يكاد يشبه الساعة. حياته في لندن محسوبة، خطواته محسوبة، طعامه في أوقات محددة، وعلاقته بالعالم تقوم على الدقة أكثر من العاطفة.

ثم تجبره الرحلة على الدخول في ما لا يمكن حسابه.

يقابل أشخاصًا لم يكونوا موجودين في الجدول. يتخذ قرارات لا تحقق أسرع طريق دائمًا. يخاطر بالوقت من أجل إنسان آخر. ومع تقدم الرحلة يصبح السؤال الأدبي أقل تعلقًا بما إذا كانت القطارات والبواخر ستصل في الموعد، وأكثر تعلقًا بما إذا كان الرجل الذي غادر لندن سيعود الشخص نفسه.

هذه النقلة هي ما يمنع الرواية من أن تصبح مجرد استعراض لتكنولوجيا القرن التاسع عشر.

لو كان فوغ يربح فقط لأنه قرأ المواعيد بصورة صحيحة، لكانت الحكاية مسألة حسابية. لكن الرحلة تعلمه أن الحياة ليست مجموع دقائق الوصول والمغادرة.

إذن: هل كان من الممكن فعلها فعلًا؟

إذا أردنا جوابًا تاريخيًا دقيقًا، فالأقرب هو: نعم، كان من الممكن نظريًا أن يدور مسافر ثري ومنظم حول العالم في نحو ثمانين يومًا سنة 1872 باستخدام شبكة النقل التي كانت متاحة آنذاك. لم يخترع جول فيرن القطارات العابرة للقارات ولا قناة السويس ولا خطوط البواخر التي تعتمد عليها الرحلة.

لكن "ثمانين يومًا بالضبط" كانت حدًا متوترًا أكثر منها مدة مريحة. نجاح الرحلة الواقعية كان سيعتمد على الطقس، وانتظام السفن، ودقة القطارات، وسرعة الانتقال بين الموانئ والمحطات، وعدم وقوع مشكلات كبيرة.

كما أن بعض تفاصيل المغامرة ليست تسجيلًا حرفيًا للبنية التحتية الموجودة، وأوضح مثال على ذلك الفجوة التي يضعها فيرن في السكة الهندية رغم أن الاتصال بين بومباي وكلكتا كان قد تحقق قبل زمن الرواية.

وهذا بالضبط ما يجعل الكتاب أكثر إثارة من سؤال صحة الجدول.

فيرن لم يتنبأ بعالم لم يكن موجودًا. فعل شيئًا أدق: رأى عالمًا بدأ يتشكل أمامه، وأدرك قبل كثيرين أن شبكة القطارات والبواخر والتلغراف لا تغير طريقة السفر فقط، بل تغير إحساس الإنسان بحجم الأرض والزمن والمسافة.

قبل ذلك كانت الكرة الأرضية فكرة جغرافية هائلة. في روايته أصبحت جدولًا يمكن وضعه على طاولة نادي في لندن، وجمع أرقامه، ثم القول بثقة: ثمانون يومًا.

غير أن الرواية تقضي بعد ذلك مئات الصفحات لتثبت أن العالم، مهما أصبح قابلًا للقياس، يظل أكبر من الجدول.

ولو كنت تعيش سنة 1872 وتملك مال فوغ ودليله وثقته بالمواعيد، هل كنت ستراهن بثروتك على أن العالم كله يمكن أن يعمل في الوقت المحدد ثمانين يومًا متواصلة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق