اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

الناجون بعد الحرب: لماذا تصبح العودة إلى الحياة أصعب من النجاة؟

عودة محارب قديم وأسرته بعد الحرب في ملصق أمريكي عن صعوبات العودة إلى الحياة المدنية
ملصق أمريكي من سنوات الحرب العالمية الثانية يطرح الوجه الآخر للعودة: ماذا ينتظر الناجي بعد انتهاء القتال؟ المصدر: الأرشيف الوطني الأمريكي NARA، رقم 514525، ملكية عامة.
حين ينتهي إطلاق النار ويبقى الإنسان عالقًا في زمن لم ينته داخله

ماذا يحدث للإنسان حين ينجو من الحرب، ثم يكتشف أن النجاة كانت الجزء الأسهل؟

يبدو السؤال قاسيًا لأن اللغة التي تصف الحروب تعلمنا عادة أن النجاة هي النهاية السعيدة. يخرج الجندي من الجبهة، يعود الأسير، يعثر اللاجئ على مكان آمن، تفتح المدينة طرقها من جديد، ثم تبدأ الحياة. هكذا تنتهي الأخبار، وهكذا تنتهي أفلام كثيرة، وهكذا تُبنى الذاكرة العامة حول لحظة العودة: قطار يصل، باب يفتح، أسرة تعانق الغائب، موسيقى ترتفع، ثم يسدل الستار.

لكن الأدب والسينما اللذين اقتربا من الناجين بجدية اكتشفا شيئًا آخر. الحرب قد تنتهي في الخرائط قبل أن تنتهي في الجسد. وقد يعود الإنسان إلى البيت من دون أن يعود إلى حياته. بل إن البيت نفسه قد يصبح مكانًا غريبًا لأن الشخص الذي غادره لم يعد هو الشخص الذي رجع إليه.

لهذا لا يبدأ أدب الناجين الحقيقي من سؤال: كيف بقي هذا الإنسان حيًا؟ بل من سؤال أشد تعقيدًا: ماذا سيفعل بهذه الحياة التي بقيت له؟

هنا تتغير صورة البطولة. ففي أثناء الحرب قد يكون المطلوب واضحًا على نحو وحشي: البقاء، الهرب، العثور على الطعام، حماية طفل، اجتياز ليلة أخرى، تجنب القذيفة التالية. أما بعد الحرب فيختفي ذلك الوضوح. لم يعد هناك خطر واحد يمكن الفرار منه، وإنما تفاصيل يومية يفترض أن تكون طبيعية: النوم، العمل، الحب، الجلوس إلى مائدة، سماع صوت مرتفع من دون ارتجاف، تذكر المفقودين من دون أن يبتلعوا الحاضر.

عند هذه النقطة يصبح السؤال عن الناجين جزءًا من سؤال أكبر طرحه الأدب الحديث مرارًا: هل يمكن للإنسان أن يعود حقًا إلى العالم القديم بعد أن رأى ما يكفي لتغيير معنى العالم نفسه؟


الحرب تنتهي في التقويم ولا تنتهي في الذاكرة

لم يكن للقرن العشرين منذ بدايته قاموس مستقر يصف ما تفعله الحرب بالنفس. خلال الحرب العالمية الأولى شاع تعبير "صدمة القذائف" لوصف أعراض ظهرت لدى جنود عانوا الارتجاف والكوابيس واضطراب النوم وفقدان التركيز والخوف المفاجئ. في البداية ارتبط الأمر جسديًا بانفجارات المدفعية، ثم تبين أن أعراضًا مشابهة يمكن أن تظهر لدى من لم يتعرضوا مباشرة لانفجار قريب.

تغيرت الأسماء بعد ذلك. قيل إنها عصاب حرب، وإرهاق معركة، وإجهاد قتالي. وكانت التسمية نفسها تكشف أحيانًا نظرة المجتمع إلى المصاب: هل هو جريح يستحق الرعاية، أم إنسان ضعيف لم يحتمل ما احتمله غيره؟ ولم يدخل مصطلح اضطراب ما بعد الصدمة بصورته التشخيصية الحديثة إلى الدليل الأمريكي للاضطرابات النفسية إلا سنة 1980، بعد خبرات طويلة من الحروب ودراسة آثار الصدمة في الجنود والمدنيين والناجين من الاعتقال والعنف والكوارث.

لا يعني ذلك أن الصدمة لم تكن موجودة قبل أن تحصل على اسم. الأدب عرفها قبل الطب الحديث بزمن طويل، لكنه لم يسمها بالضرورة مرضًا. كان يصف رجلًا لا ينام، أو عائدًا لا يستطيع الكلام عما رآه، أو شخصًا يعود بصورة متكررة إلى اللحظة نفسها. وما سيصبح لاحقًا لغة طبية كان قد ظهر في الرواية والشعر والمذكرات بوصفه اضطرابًا في علاقة الإنسان بالزمن.

الناجي لا يتذكر الماضي فحسب. أحيانًا يتصرف الماضي في حياته كأنه حاضر. صوت سيارة قد يستدعي انفجارًا. رائحة معينة قد تفتح مشهدًا مغلقًا منذ سنوات. حلم يعيد الإنسان إلى المكان الذي هرب منه، ثم يوقظه في غرفة آمنة بينما جسده لم يفهم بعد أن الخطر انتهى.

ومن هنا جاءت واحدة من أكثر خصائص أدب ما بعد الحرب دلالة: الزمن المكسور.

لا تسير الحكاية دائمًا من الماضي إلى الحاضر في خط مستقيم، لأن تجربة الناجي نفسها لا تسير هكذا. الماضي يقاطع الحاضر، والحاضر يعيد تفسير الماضي، والذاكرة تحذف أشياء وتضخم أخرى. وقد يصبح تكسير البناء السردي أكثر صدقًا من ترتيب الأحداث ترتيبًا تاريخيًا، لأن الإنسان المصاب بذاكرة الحرب لا يحمل داخله أرشيفًا مرتبًا، بل شظايا.

حين يصبح الناجي غريبًا في بيته

من أكثر الصور رسوخًا في ثقافة الحرب مشهد العودة إلى الوطن. لكنه يخفي سؤالًا لا يقل أهمية عن الحرب نفسها: إلى أي وطن يعود العائد؟

الصورة الرئيسية لهذه المقالة، وهي ملصق أمريكي من زمن الحرب العالمية الثانية، تحمل في عنوانها سؤالًا يكاد يلخص المشكلة كلها: عودة إلى الوطن، ولكن من دون منزل؟ لم تكن القضية فلسفية فقط. ملايين البشر كانوا يعودون إلى مجتمعات تغيرت أثناء غيابهم، وإلى أسر تعلمت العيش من دونهم، واقتصادات تعيد ترتيب نفسها، وبيوت لم تعد موجودة أحيانًا.

والجندي الذي يعود إلى الحي نفسه قد يشعر بأنه وصل إلى مكان يعرفه ولا يعرف كيف يعيش فيه. كان يعرف مهمته في الجبهة، لكنه لا يعرف دوره الآن. يستطيع أن يتعامل مع الخطر، لكنه قد يعجز عن التعامل مع صباح هادئ. قد ينجو من القصف ثم يجد نفسه عاجزًا أمام سؤال بسيط في مقابلة عمل، أو أمام صمت زوجة لا تعرف الشخص الذي عاد إليها.

هذه المفارقة كانت في قلب فيلم The Best Years of Our Lives الذي أخرجه وليام وايلر سنة 1946، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. لا يتتبع الفيلم المعارك، بل يبدأ تقريبًا حيث تنتهي أفلام الحرب التقليدية: ثلاثة عسكريين عائدين إلى مدينة أمريكية ومحاولة كل واحد منهم استعادة حياته المدنية.

أحدهم يحمل آثار الحرب في جسده مباشرة. وقد أدى الدور هارولد راسل، وهو جندي سابق فقد كلتا يديه أثناء خدمته العسكرية. لم يكن وجوده مجرد وسيلة لإضافة "واقعية" بصرية، بل جعل الفيلم يواجه سؤالًا يصعب حله بالموسيقى الوطنية أو بخطاب الانتصار: ماذا يعني أن يعود الإنسان إلى مجتمع يريد الاحتفاء به بطلًا، بينما يحتاج هو إلى أن يُعامل إنسانًا قادرًا على بناء حياة؟

الشخصيات لا تعاني من شيء واحد. هناك البطالة، والعلاقات الزوجية المضطربة، وشرب الكحول، والخوف، والإحساس بعدم الانتماء، والجسد الذي تغير. وهذا ما يجعل الفيلم أكثر أهمية من مجرد قصة ثلاثة محاربين سابقين. فهو يزيل كلمة "العودة" من معناها الجغرافي البسيط. يمكن للقطار أن يصل في موعده، لكن النفس قد تحتاج سنوات كي تصل.

الذنب الذي يحمله من بقي حيًا

ليست كل معاناة الناجين خوفًا من الماضي. هناك أيضًا سؤال أكثر خفاء: لماذا أنا؟

في الحروب لا تكون النجاة دائمًا نتيجة بطولة أو قرار حكيم. قد يغير الإنسان مكانه قبل دقيقة من سقوط قذيفة. قد يمرض جندي فيغيب عن معركة يموت فيها رفاقه. قد يخرج شخص من مبنى ويبقى آخر داخله. وقد يجد الناجي نفسه بعد ذلك أمام حقيقة لا يستطيع تحويلها إلى تفسير أخلاقي: أنا حي لأن المصادفة اختارتني.

من هنا يأتي ما يسمى عادة بذنب الناجي. لا يلزم أن يكون الناجي مسؤولًا عن موت أحد حتى يشعر بالذنب. يكفي أحيانًا أنه بقي بينما مات شخص يحبه. وقد يعيد السؤال نفسه بلا نهاية: هل كان يمكن أن أفعل شيئًا؟ لماذا لم أعد؟ لماذا تركته؟ لماذا نجوت أنا؟

الأدب شديد الحساسية لهذه المنطقة لأنه لا يحتاج إلى حلها. القضاء يحتاج إلى مسؤول، والتاريخ يبحث عن أسباب، والسياسة تبني رواية، أما الرواية فتستطيع أن تترك الإنسان أمام سؤال لا جواب نهائيًا له.

ولهذا كثيرًا ما يرفض أدب الناجين البطولة المريحة. لا يقول إن الناجي قوي لأنه نجا، ولا إن موته الداخلي حتمي لأنه تألم. يتركه في المنطقة الأصعب بين الاثنين: إنسانًا حيًا يحمل موت الآخرين معه.

وهذا قريب مما يفعله الأدب حين يعيد النظر في صورة البطل التي صنعتها ثقافة الحرب. فالبطل التقليدي يعود ومعه قصة يمكن روايتها: واجه الخطر وانتصر. أما الناجي فقد يعود بقصة لا يعرف كيف يرويها أصلًا، أو لا يريد روايتها، أو يشعر أن مجرد تحويلها إلى قصة يقلل من حقيقة ما حدث.

هيروشيما: حين كان على العالم أن يرى الناجين أفرادًا

بعد عام تقريبًا من إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما، خصصت مجلة The New Yorker عددها الصادر في 31 أغسطس/آب 1946 لنص واحد كتبه الصحفي والروائي جون هيرسي. حمل النص عنوانًا بسيطًا: Hiroshima.

لم يبن هيرسي روايته حول القنبلة بوصفها إنجازًا عسكريًا أو قرارًا استراتيجيًا، ولم يجعل مركز النص الطائرة أو القادة أو الحسابات السياسية. اختار ستة أشخاص نجوا من الانفجار، وتابع ما حدث لهم منذ اللحظة الأولى وما تلاها.

هنا حدث تحول بالغ الأهمية في سرد الحرب. الرقم أصبح اسمًا. والمدينة المدمرة أصبحت أجسادًا وأعمالًا وعائلات وذكريات. بدل أن يقول النص إن عددًا من الناس نجا، جعل القارئ يرافق أشخاصًا عليهم أن يستيقظوا في اليوم التالي، وأن يبحثوا عن الآخرين، وأن يفهموا ما أصاب أجسادهم ومدينتهم.

قوة العمل لا تأتي من المبالغة اللغوية. العكس هو الصحيح. اشتهر هيرسي بنبرة شديدة الاقتصاد والهدوء، وكأن اللغة تتراجع قليلًا حتى لا تنافس ما تصفه. وهذه مسألة أخلاقية بقدر ما هي فنية: كيف نكتب عن الكارثة من دون أن نستعمل ألم الآخرين مادة للاستعراض؟

إن كتابة الناجي تضع الكاتب أمام خطرين متعاكسين. إذا جفف اللغة تمامًا فقد يحول البشر إلى معلومات، وإذا بالغ في البلاغة فقد يحول العذاب إلى مشهد جمالي. وبين الاثنين يبحث أدب الشهادة عن لغة تستطيع أن تنقل الألم من دون أن تدعي امتلاكه.

لذلك لا يكون السؤال: هل يستطيع الأدب أن يعيد إلينا ما حدث كما كان؟ لا يستطيع. لكن يمكنه أن يقاوم الطريقة التي تجعل بها المسافة التاريخية الكارثة مجرد تاريخ.

الناجي يكتب لأن الذاكرة لا تعرف كيف تصمت

لماذا يكتب بعض الناجين؟

لا توجد إجابة واحدة. قد تكون الكتابة شهادة، أو محاولة لفهم ما حدث، أو وفاء لمن لم يعودوا قادرين على الكلام. وقد تكون محاولة لوضع التجربة خارج النفس، في جمل وصفحات يمكن النظر إليها من مسافة.

لكنها قد تكون أيضًا عودة إلى الجرح. الكاتب الذي يروي لا يغادر التجربة بالضرورة؛ أحيانًا يدخلها من جديد.

كورت فونيغت مثال واضح على العلاقة المعقدة بين النجاة والكتابة. كان أسير حرب أمريكيًا في مدينة دريسدن عندما تعرضت المدينة للقصف في فبراير/شباط 1945، ونجا مع أسرى آخرين كانوا في مبنى استخدم لحفظ اللحوم وعُرف باسم المسلخ رقم خمسة. بعد أكثر من عقدين نشر روايته Slaughterhouse-Five سنة 1969.

الرواية لا تقدم دريسدن في سرد مستقيم، ولا تتصرف كأن الذاكرة تستطيع ترتيب الماضي ببساطة. بطلها بيلي بيلغريم يصبح، بحسب التعبير الشهير في الرواية، منفلتًا من الزمن. ينتقل السرد بين مراحل حياته كما لو أن الزمن نفسه فقد قدرته على إبقاء الماضي في مكانه.

ويمكن قراءة هذا التفكك بوصفه حيلة روائية، لكنه يؤدي وظيفة أعمق: إنه يجعل شكل الرواية يحمل أثر الصدمة. ليست الحرب فصلًا انتهى ثم تبعته الحياة؛ الحرب موجودة داخل الحياة اللاحقة، ويستطيع الماضي أن يقتحم الحاضر في أي لحظة.

هنا لا يصف الأدب الذاكرة فقط، بل يقلد حركتها. وكأن البناء المكسور يقول ما لا تستطيع الجملة المباشرة قوله: حدث شيء جعل الزمن نفسه غير موثوق.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كثير من أدب الحرب الحديث. فالاضطراب في الترتيب، وتعدد الأصوات، والفجوات، والتكرار، والانتقال المفاجئ بين الأزمنة ليست دائمًا تجارب شكلية منفصلة عن الموضوع. أحيانًا تكون الطريقة الوحيدة لكتابة تجربة لا تصل إلى الكاتب في صورة قصة مكتملة.

عودة الجندي ليست عودة المدني

من الخطأ مع ذلك أن نجعل "الناجي" شخصية واحدة. تجربة الجندي ليست تجربة المدني، وتجربة الأسير ليست تجربة الطفل، وتجربة من يعود إلى بيت قائم تختلف عن تجربة من يعود إلى مكان اختفى بيته منه.

الجندي قد يحتاج إلى الانتقال من عالم تقوم فيه النجاة على سرعة رد الفعل والاشتباه بالخطر إلى مجتمع يطلب منه الهدوء والثقة. المدني قد يحمل ذاكرة مختلفة: الاختباء، فقدان الأسرة، الجوع، النزوح، انتظار خبر المفقودين. والطفل الذي نشأ في زمن الحرب قد لا تكون لديه أصلًا "حياة سابقة" يعود إليها.

أما اللاجئ أو المهجّر فيحمل مفارقة أشد قسوة. كلمة العودة توحي بأن المكان ينتظر صاحبه، لكن التاريخ لا يجمد الأمكنة. البيوت تهدم أو يسكنها آخرون، الأحياء تتغير، الحدود تظهر، والأطفال يكبرون في مدن لم يعرفها آباؤهم.

لذلك تصبح العودة في الأدب مسألة زمن بقدر ما هي مسألة مكان.

وهذه الفكرة تظهر بوضوح في تجربة محمود درويش، التي تناولنا جوانب منها في مقالة محمود درويش: حياته وشعره وأشهر قصائده. فالعودة لديه لا تستعيد ببساطة البيت الذي حفظته الذاكرة. من يعود يحمل معه سنوات الغياب، ويجد مكانًا حمل بدوره سنواته الخاصة. لذلك يمكن أن يكون الإنسان في وطنه، ومع ذلك يظل شيء من المنفى قائمًا داخله.

إن أكثر أشكال العودة إيلامًا ربما يكون أن تصل إلى المكان فعلًا ثم تكتشف أن الوصول لا يستطيع إلغاء الزمن.

السينما واكتشاف ما يحدث بعد عبارة "انتهت الحرب"

السينما بطبيعتها تميل إلى اللحظة المرئية. الانفجار مرئي. المعركة مرئية. سقوط المدينة مرئي. أما ما يحدث في رأس رجل يجلس وحده بعد عشر سنوات من الحرب فليس سهل التصوير.

ولهذا ظلت سينما الحرب طويلًا أكثر راحة مع الحركة منها مع الأثر. البندقية تمنح الصورة فعلًا، بينما الذاكرة تمنحها صمتًا.

لكن أفضل أفلام ما بعد الحرب تعلمت أن الصمت نفسه يمكن أن يكون حدثًا سينمائيًا. وجه لا يستجيب للاحتفال. رجل يراقب الآخرين ولا يستطيع الاندماج بينهم. عائلة تتحدث حول شيء يعرفه الجميع ولا يجرؤ أحد على تسميته. غرفة مألوفة تبدو أضيق مما يتذكرها العائد.

وفي سبعينيات القرن العشرين، مع محاولة السينما الأمريكية فهم آثار حرب فيتنام، أصبحت العودة نفسها موضوعًا رئيسيًا. في Coming Home وThe Deer Hunter لم تعد الحرب مجرد ما جرى في الخارج، بل ما عاد مع الجنود إلى الداخل.

فيلم The Deer Hunter مثلًا يبني جزءًا كبيرًا من أثره على الفرق بين المجتمع قبل الحرب وبعدها. الشخصيات والمكان والطقوس الاجتماعية موجودة، لكنها لم تعد تحمل المعنى نفسه. الحرب لم تدمر البلدة ماديًا، ومع ذلك وصلت إليها.

ومع هذا يطرح الفيلم نفسه مشكلة نقدية مهمة. فقد تعرضت بعض تمثيلاته للفيتناميين، ولا سيما المشاهد الشهيرة المرتبطة بالروليت الروسية، لانتقادات تتعلق بالدقة التاريخية وبصورة الآخر. وهذه ملاحظة ضرورية لأن الفيلم الذي يحاول كشف صدمة طرف قد يقع في الوقت نفسه في اختزال الطرف الآخر.

لذلك لا يكفي أن يكون الفيلم "ضد الحرب" كي يصبح تمثيله للحرب بريئًا من الأسئلة. يستطيع العمل أن ينتقد أثر الحرب على أبطاله، وفي الوقت نفسه يعيد إنتاج صورة مبسطة أو عدائية عن بشر آخرين.

وهذه إحدى القضايا التي تعيدنا إلى موضوع شعرية الحرب وتفكيك الخراب عند عبد المنعم المحجوب، حيث تصبح اللغة نفسها جزءًا من الصراع: فالحرب لا تحتاج إلى السلاح فقط، بل تحتاج أيضًا إلى قصة تبرر القتل، وصورة تجعل موت طرف أكثر قابلية للرؤية من موت طرف آخر.

الجسد الذي يعود قبل صاحبه

الحرب لا تستقر في الذاكرة وحدها. هناك من يعود بجسد تغير إلى الأبد.

وهنا يصبح المجتمع أمام اختبار أخلاقي لا يقل أهمية عن احتفاله بالمقاتلين أثناء الحرب. من السهل رفع صورة الجندي وهو في الزي العسكري؛ الأصعب هو بناء مدينة ووسيلة نقل ومكان عمل وحياة اجتماعية تستطيع استقبال الجسد الذي عاد بإعاقة دائمة.

هذه نقطة كان The Best Years of Our Lives سباقًا في وضعها داخل فيلم جماهيري كبير. لم يجعل شخصية هومر مجرد رمز للحزن، ولم يحصره في سؤال ما فقده، بل وضعه أمام سؤال الاستقلال والحب ونظرة الآخرين.

والفرق بالغ الأهمية. فحين تختزل السينما الإنسان ذي الإعاقة في مأساته، تصبح الحرب هي الفاعل الوحيد في حياته، ويبقى هو مجرد شاهد على الدمار. أما حين تمنحه رغبات وعلاقات وخيارات وكرامة واستقلالًا، فهي تعيد إليه ما تميل الحرب نفسها إلى مصادرته: فرديته.

العودة الحقيقية إذن لا تعني مطالبة المصاب بأن يصبح كما كان. قد يكون ذلك مستحيلًا، وقد يكون السؤال نفسه ظالمًا. الأجدر أن نسأل إن كان المجتمع قادرًا على أن يتغير هو أيضًا.

كثير من خطابات ما بعد الحرب تطلب من الناجي التأقلم مع المجتمع. لكن ماذا لو كان المجتمع هو الذي يحتاج إلى التأقلم مع الناجين؟

لماذا لا يستطيع بعض الناجين أن يتكلموا؟

نميل إلى تصور الشهادة فعلًا طبيعيًا: من رأى شيئًا مهمًا سيرويه. لكن الصمت من أكثر ظواهر ما بعد الحرب تعقيدًا.

قد يصمت الإنسان لأنه لا يجد الكلمات. وقد يصمت لأنه يخاف ألا يصدقه أحد. أو لأن الكلام سيعيد إليه ما حاول أن يدفنه. وقد يشعر بأن المستمع يريد قصة مرتبة ذات بداية ونهاية، بينما ما لديه ليس قصة بل صور وروائح وأسماء وذنب وأسئلة.

وأحيانًا يكون المجتمع نفسه غير مستعد للسمع.

بعد الحروب تحتاج الدول إلى بناء سردية جديدة عن المستقبل. تريد إعادة الإعمار، والعمل، والنهوض، والوحدة. وهذه حاجات مفهومة، لكنها قد تجعل ذاكرة الناجي مزعجة. فالناجي يذكّر الجماعة بأن النصر لا يعيد الموتى، وأن نهاية الحرب الرسمية لا تلغي ما حدث، وأن بعض الأثمان لا تدخل بسهولة في خطاب الاحتفال.

من هنا يصبح الصراع حول الذاكرة صراعًا حول من يملك حق رواية الحرب بعد انتهائها.

الدولة تملك الأرشيف والنصب التذكارية والمناسبات الرسمية. المؤرخ يملك الوثائق. السينما تملك الصورة. لكن الناجي يملك تفصيلًا لا تستطيع الإحصاءات حمله: اللحظة التي انطفأت فيها الكهرباء، اليد التي أفلتها، الباب الذي لم يفتحه، اسم الشخص الذي انتظره ولم يعد.

الأدب الجيد لا يستبدل التاريخ بهذه الذاكرة الفردية، ولا يدعي أن كل ما يتذكره الإنسان حقيقة وثائقية كاملة. الذاكرة تخطئ وتتغير وتتأثر بما جاء بعد الحدث. لكنها تكشف نوعًا مختلفًا من الحقيقة: كيف عاش الإنسان الحدث، وكيف ظل الحدث يعيش فيه.

هل الشفاء يعني النسيان؟

ربما تكون كلمة "الشفاء" نفسها خادعة إذا فهمناها على أنها محو الماضي.

بعض التجارب لا تزول لكي يستطيع الإنسان أن يعيش. ما يتغير هو علاقتها ببقية حياته. قد يتذكر من دون أن يصبح كل تذكر سقوطًا كاملًا في اللحظة القديمة. وقد يستطيع أن يحزن من دون أن يتوقف العالم كله عند مصدر الحزن.

وهذا فرق مهم بين الذاكرة والسجن.

الأدب والسينما لا يقدمان علاجًا، ولا ينبغي أن نطالبهما بذلك. لكنهما يستطيعان مقاومة تصور ساذج للحياة بعد الحرب، تصور يضع الناجين أمام خيارين فقط: إما البطولة وإما الانهيار.

الإنسان أكثر تعقيدًا من الاثنين.

قد يعمل ويضحك ويحب ويحمل في الوقت نفسه ذكرى ثقيلة. قد يبني أسرة ولا يتوقف عن افتقاد من ماتوا. وقد ينجح في حياته من دون أن تصبح الحرب "شيئًا تجاوزه" بالمعنى البسيط.

ولهذا فإن أفضل الأعمال عن الناجين لا تبحث دائمًا عن نهاية مغلقة. النهاية المغلقة تمنح القارئ راحة قد لا تمنحها الحياة لأصحاب التجربة. أحيانًا يكون أكثر أشكال الصدق الفني احترامًا للناجي هو ترك شيء من السؤال مفتوحًا.

من البطل الذي انتصر إلى الإنسان الذي يحاول أن يعيش

لعل أهم ما فعله أدب ما بعد الحرب وسينماه هو أنه غيّر مركز الحكاية.

لم تعد البطولة بالضرورة في اقتحام الموقع أو إسقاط العدو أو احتمال الألم بلا شكوى. البطولة، إذا أردنا استخدام الكلمة أصلًا، قد تصبح أقل صخبًا بكثير: أن يدخل إنسان إلى بيته بعد سنوات من الرعب ويحاول أن يكون أبًا من جديد. أن يتعلم جسده طريقة مختلفة للحركة. أن يسمح لنفسه بالحب بعد أن اعتاد الفقد. أن يعترف بالخوف بدل أن يحوله إلى عنف. أن يعيش مع ذاكرته من دون أن يسلم لها بقية عمره.

هذه التحولات غيّرت الرواية أيضًا. بعد الكوارث الكبرى في القرن العشرين صار من الأصعب تقديم العالم باعتباره نظامًا واضحًا يستطيع الراوي أن يفسره كله. كثرت الأصوات المتعددة، والقصص المبتورة، والرواة غير الموثوق بهم، والزمن المتشظي. لم تكن الحرب السبب الوحيد في الحداثة الأدبية أو في التجريب السردي، لكنها منحت الشك الحديث مادة بشرية هائلة.

ماذا يعني أن نقول "تقدم" بعد رؤية مدن حديثة تستخدم أحدث المعرفة لتدمير مدن أخرى؟ ماذا تعني البطولة بعد الخنادق والمعسكرات والقصف الشامل؟ وماذا يعني التاريخ بالنسبة إلى شخص يعرف أن الفرق بين حياته وموته ربما كان مترًا واحدًا أو دقيقة واحدة؟

هنا يصبح الناجي شخصية مركزية في فهم القرن العشرين، لا لأنه رأى الموت فحسب، بل لأنه اضطر بعد ذلك إلى اختبار الحياة بمعرفة لم يكن يريد امتلاكها.

الحرب التي تورث نفسها

هناك بعد آخر لا ينتهي عند الجيل الذي خاض الحرب مباشرة. العائلات ترث القصص والصمت معًا.

طفل قد يكبر وهو يعرف أن موضوعًا معينًا لا يُذكر أمام أبيه. ابنة قد تحتفظ بصورة قريب لم تعرفه لأن موته ظل حاضرًا في بيتها. عائلة مهجرة قد تنقل أسماء القرى والشوارع ومفاتيح البيوت إلى جيل لم ير تلك الأماكن.

وهكذا تتحول الحرب من تجربة عاشها أفراد إلى ذاكرة جماعية.

لكن الذاكرة الجماعية ليست نسخة واحدة ثابتة. الجيل الأول قد يتذكر الخوف، والثاني قد يتلقى قصة البطولة، والثالث يعود إلى الأرشيف ليسأل عما حُذف من القصة. الفيلم الذي كان يُستقبل يوم صدوره بوصفه تمثيلًا طبيعيًا للحرب قد يُقرأ بعد خمسين سنة قراءة مختلفة، لأن الجمهور نفسه تغير.

لذلك لا تحتفظ الثقافة بالحرب كما هي؛ إنها تعيد كتابتها باستمرار.

وهذا أحد أسباب بقاء أدب الناجين حيًا. إنه يضع عقبة أمام الرواية المريحة التي تريد اختزال الحرب في منتصر ومهزوم وتاريخ بداية وتاريخ نهاية. يقول الناجي، بوجوده نفسه، إن التاريخ الذي أغلق المؤرخ فصله قد يظل مفتوحًا في حياة إنسان واحد.

الفن لا يعيد الحياة، لكنه يعيد الاسم

لا يستطيع فيلم أن يعيد ميتًا، ولا تستطيع رواية أن تلغي ليلة قصف، ولا تستطيع قصيدة أن تجعل المهجر يعود إلى البيت الذي عرفه طفلًا.

لكن الفن يستطيع أن يفعل شيئًا أقل من المعجزة وأكثر من التوثيق.

يستطيع أن يعيد الاسم إلى الشخص الذي حولته الحرب إلى رقم. يستطيع أن يجعل القارئ يرى أن عبارة "الناجون" لا تصف جماعة متشابهة، بل ملايين المصائر المنفردة. يستطيع أن يذكرنا بأن السلام ليس مجرد توقف المدافع، وأن إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وطرقات فقط.

فالمدينة قد تبنى من جديد ويبقى أهلها غير قادرين على السكن في ذاكرتها. والجندي قد يخلع الزي العسكري وتبقى الجبهة في نومه. والطفل قد يكبر جسديًا وهو ما يزال يحمل غرفة لم يعد لها وجود. واللاجئ قد يصل إلى مكان آمن، لكنه يكتشف أن الأمان نفسه يحتاج إلى تعلم.

عندها نفهم المفارقة التي بدأنا بها.

أثناء الحرب يكون على الإنسان أن ينجو من الموت. أما بعدها فعليه أن يتعلم ماذا يفعل بحياته.

والمهمة الثانية قد تستمر سنوات، وقد لا تكتمل تمامًا. لكنها تكشف ما تحجبه صور النصر والهزيمة معًا: أن الإنسان لا يخرج من التاريخ عندما تتوقف المعركة. إنه يحمل التاريخ معه إلى المطبخ وغرفة النوم والعمل والحب والشيخوخة، ثم يحاول، يومًا بعد يوم، أن يجعل للحاضر مساحة لا يحتلها الماضي كله.

لهذا لا يكون الناجي شاهدًا على الحرب وحدها. إنه شاهد كذلك على ما تحتاجه الحياة كي تعود حياة.

إذا كانت الحرب تنتهي حين يصمت السلاح، فمتى تنتهي بالنسبة إلى الإنسان الذي ظل يسمعها داخله سنوات بعد ذلك؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق