اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

ساق البامبو: لماذا لم يجد عيسى وطنًا في الكويت أو الفلبين؟

ساق بامبو في مشهد رمزي يوحي بالاقتلاع والبحث عن أرض للانتماء
صورة توضيحية أصلية تستلهم سؤال الانتماء في رواية «ساق البامبو».

حين لا تكفي الجذور وحدها لصنع وطن

لماذا لا يستطيع عيسى، بطل رواية «ساق البامبو»، أن يفعل ما يوحي به عنوانها: أن يُنقل من أرض إلى أخرى فينبت ببساطة؟ وُلد في الكويت لأب كويتي وأم فلبينية، ثم نشأ في الفلبين وهو ينتظر العودة إلى بلد أبيه. تبدو الحكاية، للوهلة الأولى، بحثًا عن نصف هوية ضائع. لكن عيسى لا يصل إلى الكويت ليكتشف جزءًا مجهولًا من نفسه فحسب؛ يصل ليعرف أن معرفة النسب شيء، وأن اعتراف الناس به شيء آخر.

الجواب المبكر هو أن الإنسان لا يشبه ساق البامبو تمامًا. يستطيع النبات أن يمد جذوره حين يجد شروط نموه، أما عيسى فيحتاج، إلى جانب الأرض والاسم والأوراق، إلى علاقة متبادلة مع من يعيش بينهم. في الكويت تصطدم أحقيته في الانتساب إلى أبيه بالصورة التي يرسمها الآخرون لابن العاملة الفلبينية. وفي الفلبين لا يمحو دفء الأم والعائلة السؤال الذي تركه الأب والبلد البعيد. لذلك يصبح عنوان الرواية أمنية يختبرها السرد، لا وصفًا ناجزًا لقدرة البطل على التأقلم.

صدرت «ساق البامبو» لسعود السنعوسي عام 2012، وفازت بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2013. تقدمها صفحة الجائزة بوصفها رواية تقترب من أحوال العمالة الأجنبية وتسأل عن الهوية من خلال شاب يعود إلى الكويت التي تخيلها منذ طفولته أرضًا موعودة. غير أن أهمية هذا التقديم لا تعني أن نقرأ عيسى ممثلًا لكل أبناء الزيجات المختلطة، أو أن نعامل أحداث الرواية إحصاءً اجتماعيًا. إنه شخصية متخيلة تسمح حالتها الخاصة برؤية قواعد غير مكتوبة تتحكم في القبول والانتماء.

اسم الأب لا يفتح باب البيت

تبدأ العقدة قبل رحلة عيسى بين البلدين. تعمل جوزافين، أمه الفلبينية، في بيت أسرة الطاروف الكويتية، وترتبط براشد ابن العائلة وتتزوجه. لكن العلاقة التي يمكن للطرفين فهمها بوصفها زواجًا تصبح، في نظر الأسرة، تهديدًا لمكانتها وصورتها أمام المجتمع. يعود عيسى مع أمه إلى الفلبين، فيما يظل أبوه حاضرًا في القصص والوعود والاسم أكثر من حضوره في حياته اليومية.

هذا الفرق بين الواقع والصورة هو الذي يحدد طفولته. الكويت التي يعرفها ليست بلدًا اختبر شوارعها وعلاقاتها، بل بلدًا تلقاه عبر رواية أمه عنه. يكبر وفي ذهنه مكان سيصحح ما نقص من حياته: سيحمل اسم أبيه بين أهله، ويعيش في بيته، ويتوقف عن شرح أصله للآخرين. ومن الطبيعي أن تجذبه هذه الصورة؛ فالطفل الذي غاب عنه أبوه لا يطلب بطاقة تعريف وحدها، بل يطلب قصة يستطيع أن يضع نفسه داخلها.

عندما يصل إلى الكويت، لا يختبر صحة الحلم على مستوى الشعارات. الاختبار أصغر وأشد إيلامًا: أين يمكنه أن يقيم؟ كيف يُقدَّم للآخرين؟ هل يُذكر اسمه مقرونًا بالعائلة من دون حرج؟ وهل تستطيع قرابة الدم أن تمنحه المكان الذي مُنح تلقائيًا لأفراد آخرين؟ هنا تميز الرواية بين أن يكون للإنسان أصل معروف وأن يجد لهذا الأصل مكانًا في حياة الناس. الأبوة حقيقة داخل الحكاية، لكن الأسرة تستطيع أن تجعل إعلانها مكلفًا، وأن تطلب من الابن أن يتحمل كلفة السر الذي لم يصنعه.

لا ينبغي لهذا التحليل أن يمحو اختلاف مواقف الشخصيات الكويتية. فالعائلة ليست صوتًا واحدًا، كما أن عيسى لا يواجه مجتمعًا مكوّنًا كله من نسخ متطابقة. تظهر إمكانات للقرب والمساندة، ولا سيما عبر علاقته بأخته خولة، إلى جانب الخوف والتحفظ والرغبة في إخفائه. هذا التفاوت يجعل الجرح أكثر إقناعًا: فباب البيت ليس مغلقًا بإحكام، لكنه لا يُفتح له بما يكفي ليعيش فيه بلا شروط مهينة.

ومن هذه الزاوية تصبح المقارنة مع سؤال الاسم والوطن في شعر محمود درويش مفيدة للقارئ، مع بقاء اختلاف التجربتين التاريخيتين واضحًا. في الحالتين لا ينتهي معنى المكان عند الوصول الجغرافي إليه؛ فقد يحضر الإنسان في مكان يرتبط به بقوة، ثم يجد أن الاعتراف بحضوره ما زال موضع نزاع.

لماذا يحمل البطل أكثر من اسم؟

عيسى في الكويت هو هوزيه أو خوسيه أو جوزيه، بحسب اللسان الذي ينطق اسمه والسياق الذي يضعه فيه. لا تتعلق المسألة بترجمة صوتية طريفة. الاسم علامة على الجهة التي تتقدم من سيرته في كل مرة: ابن راشد، أم ابن جوزافين؟ الكويتي القادم إلى بيت أبيه، أم الفلبيني الذي يراه الآخرون في ملامحه ولهجته ونشأته؟ لا يستطيع أن يأمر الوجوه بأن ترى فيه ما يريد؛ فالناس يسمونه أيضًا من خلال أحكامهم المسبقة.

تستخدم الرواية تعدد الأسماء لكي تضع القارئ داخل هذا الاضطراب. فاختيار أحدها في موضع معين ليس إجراءً محايدًا تمامًا. الاسم العربي لا يلغي سنوات الفلبين، والاسم الفلبيني لا يبطل صلته بأبيه. لو كان الانتماء جمعًا حسابيًا بسيطًا، لأمكنه أن يحتفظ بالاسمين ويمضي. لكن المشكلة أن المحيطين به كثيرًا ما يطالبونه بصورة واضحة ومريحة لهم: أن يكون «واحدًا منا» وفق شروطهم، أو أن يبقى غريبًا يمكن إبقاؤه على مسافة.

تظهر هنا حدود القول المألوف إن على عيسى أن «يختار هويته». يستطيع الإنسان أن يختار أشياء كثيرة في حياته، لكن لا يستطيع وحده أن يقرر كيف سيستقبله بيت أو حي أو مجتمع. كذلك لا يملك أن يلغي أمه كي يطمئن أهل أبيه، أو أن يمحو أباه كي يتوقف عن الإحساس بالنقص في الفلبين. لو أجبرناه نقديًا على اختيار نصف واحد نكون قد كررنا المأزق الذي صنعت منه الرواية سؤالها.

وتزيد صورة الجسد حدة هذا المأزق. فملامح عيسى تدخل الغرفة قبله؛ تُقرأ وتُصنَّف قبل أن تُسمع حكايته. ليست المشكلة في شكله، بل في النظرة التي تجعل لون البشرة والهيئة والعمل الذي أدته الأم دليلًا كافيًا على المكانة. في هذه اللحظات يتبين أن الهوية الاجتماعية لا تتشكل مما يقوله المرء عن نفسه فقط، بل أيضًا مما يُسمح له بأن يكونه في عيون الآخرين.

الأم حاضرة، لكن عملها يجعلها غير مرئية

قد يختزل القارئ المتعجل جوزافين في دور الأم التي تنقل ابنها من الكويت إلى الفلبين. غير أن موقعها في الرواية أساسي لفهم سبب تعثره لاحقًا. فهي ليست عنصرًا إضافيًا في نسبه؛ إنها المرأة التي نشأ معها، وتلقى من خلالها اللغة الأولى للبيت وصورة الكويت. وفي الوقت نفسه، ترتبط في نظر أسرة الأب بعملها المنزلي وبالمسافة الطبقية التي يفترضون أنها تفصلها عنهم.

هنا تبلغ الرواية منطقة دقيقة: الأسرة التي تقبل عمل امرأة داخل بيتها قد ترفض أن تدخل المرأة نفسها في شجرة نسبها. يسمح لها النظام اليومي بأن تطبخ وتنظف وتعتني بالآخرين، ثم يتردد عند الاعتراف بأنها صاحبة حياة عاطفية واختيارات وابن له مطالب مشروعة. لا تحتاج الرواية إلى القول إن جميع أفراد المجتمع يتصرفون هكذا؛ تكفي حالة جوزافين لتكشف ما يمكن أن يحدث حين تتحول الوظيفة إلى تعريف شامل للإنسان.

ومن ثم فإن رفض عيسى لا يتعلق به وحده. إنه يرث حكمًا سبق أن صدر على أمه، ويكتشف أن بعض ما يُقال عن أصله هو في الحقيقة كلام عن قيمة المرأة التي أنجبته. لهذا لا تصلح عبارة «أب كويتي وأم فلبينية» بوصفها شرحًا كاملًا للمشكلة؛ إذ تخفي وراء توازنها اللغوي علاقة غير متوازنة في السلطة والمال والمكانة الاجتماعية.

لا يعني ذلك أن الفلبين في الرواية فردوس من القبول يقابل كويتًا من الرفض. هناك فقر وتفاوت وأسئلة انتماء في بلد الأم أيضًا. لكن عيسى يملك هناك تاريخًا محسوسًا: أشخاصًا عرفوه صغيرًا، وبيتًا تشكلت فيه عاداته، وذكريات لا تحتاج إلى وثيقة تثبت وقوعها. لذلك لا تنقسم خريطته إلى وطن حقيقي وآخر زائف. أحد المكانين أعطاه حياته اليومية، والآخر ظل يعده باعتراف تأخر ثم جاء منقوصًا.

الخدعة التي تضع القارئ في موضع الغريب

تبدأ «ساق البامبو» بلعبة سردية تستحق الانتباه. تظهر الرواية في صفحاتها الداخلية كما لو أن صاحب الحكاية هو هوزيه ميندوزا، وأن إبراهيم سلام نقلها إلى العربية، مع حضور خولة في المراجعة والتدقيق. هذه الأسماء تنتمي إلى عالم الرواية؛ أما مؤلف العمل العربي الحقيقي فهو سعود السنعوسي. ليست لدينا هنا شهادة فلبينية مترجمة اكتُشفت مصادفة، بل بناء روائي يقترح علينا أن نصغي أولًا إلى عيسى باعتباره من يروي حياته.

تؤدي هذه الحيلة أكثر من وظيفة. إنها تُبعد صوت المؤلف المباشر، وتمنح البطل حق ترتيب حكايته بدل أن يبقى موضوعًا يصفه الآخرون. كما تجعل القارئ العربي يمر بتجربة خفيفة من عدم اليقين: من كتب هذا الكلام أصلًا، وبأي لغة بدأ؟ صحيح أننا نقرأ نصًا عربيًا، لكن الرواية تطلب منا أن نتخيل مسافة بين التجربة كما عاشها صاحبها المتخيل والكلمات التي وصلت إلينا. المسافة نفسها التي تفصل عيسى، مرارًا، عن الطريقة التي يفهمه بها من حوله.

ولا ينبغي أخذ الجهاز السردي دليلًا على أن كل رأي يقوله عيسى هو رأي السنعوسي، أو أن الشخصية تسجل وقائع من حياة المؤلف. النص يتعمد صنع وسيط بين الكاتب والقارئ. نستطيع نقد ما يراه الراوي أو ما يغفله؛ بل إن انشغاله الطويل بأبيه قد يجعلنا أحيانًا ننتبه إلى حياة أمه متأخرين. هذا جزء من طبيعة الرواية التي تُروى من منظور شخص يبحث عما ينقصه، لا تقرير يوزع انتباهه بالتساوي على الجميع.

حتى اللغة التي يكتب بها النص تدخل في لعبة الانتماء. يبدو عيسى قادرًا على أن يمنح خبرته شكلًا مفهومًا للقارئ العربي، مع أن الحكاية تذكّره باستمرار بأن اللغة ليست بيتًا مضمونًا له. وهكذا لا يصبح «المترجم» المتخيل مجرد زينة شكلية؛ إنه علامة على الحاجة إلى وسيط كي تُسمع حكاية إنسان يعيش بين عالمين. ومع ذلك لا نحتاج إلى تصديق الترجمة الوهمية للاستفادة من أثرها الفني.

هل الرمز النباتي وعد صادق؟

تبدو ساق البامبو في المخيلة الروائية قابلة للنقل والغرس بعيدًا عن منشئها. لذلك يستطيع العنوان، في البداية، أن يمنح عيسى صورة مريحة: ربما يكون وطنه حيث يجد فرصة للنمو، وربما يستطيع العبور من مكان إلى آخر من دون أن يفقد نفسه. غير أن الأحداث تجعل التشبيه أقل طمأنينة. فالإنسان يحمل ذاكرة وعلاقات ولغة وطبقات من نظرات الآخرين؛ لا يُغرس في أرض جديدة بالطريقة التي تُغرس بها عقلة نبات.

يمكن قراءة العنوان، إذن، على مستويين متعارضين يعملان معًا. إنه تعبير عن رغبة عيسى في المرونة والنجاة، وفي الوقت نفسه مقياس للفارق بين تلك الرغبة وما تسمح به حياته. لو كان قادرًا على النمو أينما وُضع، لما تحولت العودة إلى اختبار قاسٍ. ولو كانت الجذور البيولوجية كافية، لفتح له نسب أبيه الطريق كله. الرواية لا تسخر من حلمه، لكنها ترفض أن تخلط الأمل بوصف الواقع.

تتصل هذه القراءة بمسألة أوسع من الاغتراب الفردي. فالقول لشخص مستبعد إن عليه فقط أن «يتأقلم» قد يعفي المجتمع من فحص القواعد التي تستبعده. عيسى يحاول أن يفهم المكانين، ويتعلم كيف يتحرك بينهما، ويعيد النظر في حلم طفولته. لكن مرونته وحدها لا تستطيع أن تلغي تصنيفًا يسبقه أينما ذهب. هناك فرق بين أن يمتلك الإنسان القدرة على العيش في أكثر من ثقافة، وبين أن يُطلب منه دائمًا إثبات حقه في الوجود داخل كل واحدة منها.

لهذا تفيد قراءة الرواية إلى جانب ما كتبه الورّاق الجزائري عن الاسم والذات في «جدارية»: لا لأن تجربة القصيدة تكرر حكاية عيسى، بل لأن العملين، بطريقتين مختلفتين، يرفضان اختصار الإنسان في الاسم الذي يحمله أو الصورة التي يستقر عليها في ذاكرة غيره. الاسم مهم، لكنه لا يستوعب صاحبه كله.

وطن على الورق ووطن في الحياة

تطرح الرواية أسئلة عن الجنسية والنسب والوثائق، لكن من الخطأ تحويلها إلى فتوى قانونية بشأن حالة متخيلة. ما يمكن قوله من داخل النص أدق من ذلك: ثمة فرق بين صلة يستطيع عيسى أن يسميها، وحق يتوقعه، ومكان يستطيع أن يعيش فيه علنًا من غير أن يكون حضوره مشكلة يتداولها الآخرون. هذه المستويات تتجاور ولا تتطابق بالضرورة. وقد تمتلك الشخصية حجة قوية في أحدها، فيما تظل محرومة من الطمأنينة في مستوى آخر.

كما أن الاعتراف لا ينبغي اختزاله في مشهد احتفالي واحد تقبله فيه العائلة فجأة. الاعتراف فعل يومي: أن يُسمح له بالظهور باسم أبيه، وأن تُعامل أمه باحترام، وأن تكون صلته بأخته طبيعية، وأن يُسأل عما يريد هو بدل أن يُقرر الآخرون أين يجب أن يعيش. هذه التفاصيل هي التي تجعل الوطن قابلًا للسكن. من دونها قد تتحول العودة إلى زيارة طويلة في مكان ظل المرء يسميه بيته.

لا تمنح «ساق البامبو» عيسى جوابًا بسيطًا من نوع أن الوطن الحقيقي هو بلد الأب أو بلد الأم. وتلك إحدى مزاياها: إنها لا تعالج التمزق بمحو أحد طرفيه. يستطيع عيسى أن يحب أشخاصًا في الكويت وأن يتأذى من طريقة استقباله فيها؛ ويستطيع أن يشعر بقرب الفلبين منه من غير أن ينتهي سؤاله عن أبيه. التناقض هنا ليس خللًا في شخصيته، بل نتيجة حياة لا تنقسم بخط مستقيم بين بلدين.

يعود السؤال الأول بعد هذه الرحلة بصورة أكثر تحديدًا: لماذا لا تنبت ساق البامبو البشرية حيث تُغرس؟ لأن التربة في الرواية ليست ترابًا ومناخًا فحسب؛ إنها شبكة من البشر، وما يعترفون به وما يخفونه. عيسى لا يحتاج إلى أن يثبت أن نصفه الكويتي «أصدق» من نصفه الفلبيني، ولا العكس. يحتاج إلى عالم يستطيع أن يراه كاملًا من غير أن يطالبه أولًا بالتخلي عن جزء من قصته.

وربما كان أصعب ما تقوله الرواية أن الوطن لا يُقاس فقط بشدة رغبتنا في الوصول إليه. قد يصل الإنسان، ثم يبدأ لأول مرة في فهم المسافة التي ما زالت تفصله عنه. إذا كنا نستطيع الاعتراف بجذور عيسى على الورق، فما الذي يمنعنا من الاعتراف بحياته كلها حين يقف أمام الباب؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق