هل دانيال بلينفيو رجل صنعته قسوة عصره، أم أن النفط لم يفعل أكثر من كشف ما كان موجودًا داخله منذ البداية؟
هذا هو السؤال الذي يجعل There Will Be Blood، أو سيكون هناك دماء، أكبر من حكاية رجل يعثر على النفط ويصبح ثريًا. فالفيلم لا يطلب منا أن نراقب صعود رجل أعمال فحسب، بل أن نراقب عملية أكثر ظلمة: كيف يتحول النجاح تدريجيًا من وسيلة إلى عقيدة، وكيف يصبح الآخرون في نظر الإنسان الطامح إما أدوات نافعة وإما عوائق يجب إزاحتها.
أخرج بول توماس أندرسون الفيلم عام 2007، وأسند دور دانيال بلينفيو إلى دانيال داي لويس، في أداء أصبح من أشهر أدواره. وإلى جانبه يظهر بول دانو في شخصية إيلاي صنداي، الواعظ الشاب الذي يكتشف، بطريقته الخاصة، أن النفوذ الروحي يمكن أن يكون موردًا لا يقل قيمة عن النفط المختبئ تحت الأرض.
لكن النظر إلى الفيلم باعتباره مجرد مواجهة بين "رجل النفط" و"رجل الدين" يختصره أكثر مما ينبغي. فثمة أب وابن، ورجل يحاول أن يصنع لنفسه عائلة ثم يهدمها، ومجتمع ريفي تتغير ملامحه حين تكتشف الشركات أن أرضه ليست أرضًا فقط، بل مخزن ثروة. وثمة سؤال أمريكي أوسع يمر خلف كل ذلك: ماذا يحدث عندما تصبح القدرة على الامتلاك أهم من القدرة على العيش؟
هل There Will Be Blood قصة حقيقية؟
الإجابة الدقيقة هي: لا، دانيال بلينفيو ليس شخصية تاريخية حقيقية بالمعنى الذي يجعل الفيلم سيرة لرجل بعينه. والفيلم ليس إعادة تمثيل لحياة أحد أباطرة النفط المعروفين.
لكنه في الوقت نفسه ليس منفصلًا عن التاريخ.
الفيلم مستوحى من رواية Oil! التي نشرها الكاتب الأمريكي أبتون سنكلير سنة 1927، وهي رواية نشأت من اهتمام سنكلير بصناعة النفط في كاليفورنيا وبالعلاقة بين رأس المال والسياسة والعمل والدين. وفي الرواية نجد رجل النفط J. Arnold Ross وابنه Bunny Ross، لكننا لا نجد "دانيال بلينفيو" بالشخصية والتركيب نفسيهما اللذين نراهما على الشاشة.
بول توماس أندرسون لم يكتفِ أيضًا بمادة الرواية. فقد أوضح أن بعض التفاصيل القليلة المتعلقة بماضي بلينفيو استُلهمت من رجل النفط الحقيقي Edward L. Doheny: الأصل من Fond du Lac في Wisconsin، والعمل في التعدين والبحث عن الفضة، وبعض ملامح الطريق الذي يقود من المناجم إلى صناعة النفط.
لكن هذه الصلة ينبغي ألا تتحول إلى استنتاج خاطئ من نوع "دانيال بلينفيو هو إدوارد دوهيني". هو ليس كذلك. بلينفيو شخصية درامية مركبة، أخذت شيئًا من التاريخ، وشيئًا من رواية سنكلير، ثم أعاد أندرسون صياغتها لتخدم فيلمًا له مشروع مختلف عن مشروع الرواية.
وهذا التمييز بين الحقيقة والشخصية التي تعيد السينما تركيبها مهم، كما رأينا في قراءة A Beautiful Mind والحقيقة وراء شخصية جون ناش: فوجود مصدر واقعي لا يعني أن كل ما نشاهده على الشاشة وثيقة تاريخية.
الرواية والفيلم: ماذا بقي من Oil!؟
هنا تقع واحدة من أكثر المفاجآت إثارة لمن يقرأ الرواية بعد مشاهدة الفيلم.
فـOil! ليست ببساطة النسخة الورقية من There Will Be Blood. الفارق بينهما عميق إلى درجة أن من يعرف الفيلم فقط قد يدخل الرواية متوقعًا أن يجد دانيال وإيلاي بالصورة نفسها، ثم يكتشف أن مركز الحكاية قد انتقل إلى مكان آخر.
في رواية سنكلير، يشغل Bunny Ross، ابن رجل النفط، مساحة مركزية. ومن خلال عينيه تتشكل مواجهة فكرية واجتماعية بين عالم أبيه الرأسمالي وبين الحركات العمالية والأفكار الاشتراكية والصراعات السياسية التي كانت تهز الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي.
الرواية أكثر صراحة في اهتمامها بالطبقات والفساد السياسي والإضرابات والعمل المنظم والإعلام والعلاقة بين المال والسلطة. أما الفيلم فيضغط ذلك العالم الواسع داخل شخصية واحدة تكاد تبتلع المشهد كله: دانيال بلينفيو.
كأن أندرسون أخذ السؤال الاجتماعي عند سنكلير وسأله من الداخل: ماذا لو تحول النظام الاقتصادي نفسه إلى مزاج إنساني؟ ماذا لو أصبحت المنافسة شخصًا يمشي ويتكلم ويجلس إلى المائدة ويقول إنه لا يريد أن يرى أحدًا ينجح؟
لهذا تبدو كلمة "مقتبس" صحيحة من الناحية الرسمية، لكنها لا تشرح وحدها ما حدث. نحن أمام إعادة بناء، لا أمام نقل مباشر. الشخصيات والعلاقات ومركز الصراع ونبرة العمل تغيرت، بينما بقي النفط بوصفه القوة التي تستخرج من الأرض أكثر مما تستخرج المال: تستخرج الطمع والخوف والطموح والقدرة على الاستغلال.
دانيال بلينفيو: هل يريد المال فعلًا؟
الجواب السهل هو نعم. فهو رجل نفط، يشتري الأراضي، يحفر الآبار، يفاوض، يخدع حين يحتاج إلى الخداع، ويبحث بلا توقف عن الحقل التالي.
لكن المال وحده لا يفسر بلينفيو.
لو كان هدفه المال فقط، لكان قادرًا على التوقف بعد أن يصبح ثريًا. المشكلة أنه لا يعرف التوقف، لأن المنافسة عنده ليست وسيلة إلى الثروة، بل طريقة لفهم وجوده.
يعترف في لحظة شديدة الأهمية بأن فيه روحًا تنافسية، وأنه يريد أن ينجح أكثر من الآخرين، وأنه لا يحب الناس. هنا يقدم الفيلم مفتاح الشخصية من دون أن يحولها إلى تشخيص نفسي جاهز. بلينفيو لا يريد أن يمتلك البئر فقط؛ يريد أن يعرف أن البئر لم يعد في يد شخص آخر.
الفرق صغير في الكلمات، هائل في المعنى.
الرجل الجشع يريد المزيد. أما بلينفيو فيريد أيضًا أن يخسر الآخرون.
لهذا تحمل معاملاته الاقتصادية دائمًا شيئًا شخصيًا. الصفقة ليست تبادلًا بين مصالح؛ إنها اختبار قوة. ومن يرفض عرضه لا يرفض سعرًا فحسب، بل يجرح صورته عن نفسه بوصفه الرجل القادر على السيطرة.
هذه الطبيعة تجعل النجاح نفسه عديم القدرة على إشباعه. ففي بداية الفيلم نراه يعمل بجسده، يسقط في حفرة، يجر نفسه مصابًا، ويواصل. ثمة هدف مادي مباشر يمكن فهمه: العثور على المعدن، ثم النفط، ثم تحسين حياته.
لكن حين نصل إلى النهاية ويصبح غنيًا إلى حد امتلاك قصر وصالة بولينغ خاصة، لا يبدو أكثر امتلاءً. على العكس، يبدو كأنه أفرغ العالم من الناس ولم يبقَ فيه إلا هو.
تلك إحدى أكثر مفارقات الفيلم قسوة: كلما اتسعت ممتلكات دانيال، ضاقت حياته.
لماذا يبدأ الفيلم بالصمت والعمل الجسدي؟
البداية شبه الصامتة ليست مجرد استعراض بصري. أندرسون يؤسس من اللحظة الأولى علاقة بين الإنسان والأرض تقوم على العنف.
دانيال يحفر الأرض. يضربها. ينزل إلى داخلها. يسقط فيها. يخرج منها مصابًا وهو يحمل ما وجده. لا نسمع خطابًا يشرح لنا حلمه الأمريكي ولا ماضيه ولا طفولته ولا دوافعه.
قبل أن يصبح متحدثًا بارعًا ومفاوضًا، نراه جسدًا يعمل.
وهذه نقطة مهمة لأن الفيلم لن يتوقف لاحقًا عن مقارنة العمل الحقيقي باللغة التي تلتف حوله. دانيال يعرف الآلات والأرض والحفر والأنابيب. إيلاي يعرف الكلمات والإيماءات والجمهور والطقس الديني. كلاهما، بطريقته، يحاول تحويل شيء غير مرئي إلى سلطة مرئية: الأول يستخرج النفط من باطن الأرض، والثاني يستخرج الإيمان والخوف والأمل من داخل الجماعة.
النفط ليس رمزًا للمال فقط
يكاد النفط في الفيلم يصبح مادة أخلاقية سوداء. يخرج من الأرض ليلتصق بالوجوه والملابس، ويحجب ملامح الرجال، ويشتعل فيتحول الليل إلى نهار جهنمي.
لكن من السهل الوقوع في تفسير مباشر: النفط = الشر.
الفيلم أكثر ذكاء من ذلك.
النفط في حد ذاته مورد. ما يمنحه معناه هو شبكة العلاقات التي تنشأ حوله. بمجرد اكتشافه تتغير قيمة الأرض، وتتحول العائلات إلى مالكين محتملين أو ضحايا محتملين، ويصبح الطريق وخط الأنابيب والمدرسة والكنيسة أجزاءً من معادلة واحدة.
وحين تشتعل البئر بعد الحادث الذي يصيب H.W.، يقدم الفيلم صورة من أجمل صوره وأكثرها رعبًا: نار هائلة تصعد إلى السماء، فيما يقف دانيال أمامها وقد صار وجهه أسود من النفط.
في المستوى الإنساني هناك طفل فقد سمعه تقريبًا في انفجار مرعب.
وفي المستوى التجاري، يملك دانيال بئرًا قوية.
المأساة والنجاح يحدثان في اللحظة نفسها.
ولهذا يبدو تعبيره أمام الحريق مربكًا. نحن لا نشاهد أبًا فقط ولا رجل أعمال فقط. نشاهد إنسانًا تتصادم داخله قيمتان، ثم يبدأ الفيلم في كشف أيتهما ستنتصر.
H.W.: الابن أم الشريك التجاري؟
من أكثر العلاقات إيلامًا في الفيلم علاقة دانيال بـH.W.
في بدايات العمل يقدم بلينفيو الصبي معه في الاجتماعات. وجود طفل إلى جانب رجل النفط يمنحه وجهًا عائليًا مطمئنًا. حين يحدث سكان بلدة صغيرة عن شركة "عائلية"، فإن الطفل الموجود أمامهم يجعل العبارة أكثر إقناعًا.
السؤال الصعب هو: هل كان H.W. مجرد أداة منذ البداية؟
لا أظن أن الفيلم يسمح بهذه الإجابة السهلة.
دانيال يستعمل صورة الأبوة تجاريًا، نعم. لكنه لا يبدو بلا عاطفة تمامًا تجاه الصبي. وهذه المساحة الرمادية هي التي تجعل علاقتهما مؤلمة. لو لم يكن يحب H.W. أبدًا، لما كان الفشل الأخلاقي مهمًا. المأساة أنه يمتلك إمكانية الحب، لكنه لا يستطيع حماية الحب من رغبته في السيطرة.
بعد فقدان H.W. سمعه يتغير شكل العلاقة. احتياجات الطفل لم تعد متوافقة بسهولة مع آلة العمل التي بناها الأب. ودانيال، الذي يستطيع حل مشكلة أرض أو أنبوب أو صفقة، يجد نفسه أمام إنسان لا يمكن إصلاح ألمه بعقد تجاري.
ثم تأتي المواجهة الأخيرة بينهما لتكشف أن دانيال لا يستطيع تحمل استقلال الابن. حين يريد H.W. تأسيس عمله الخاص والابتعاد، لا يسمع الأب إعلان نضج، بل إعلان منافسة.
وهنا يظهر المرض الحقيقي في منطقه: حتى الابن يمكن أن يتحول إلى خصم إذا خرج من دائرة الملكية.
ولهذا تكون إهانته له وقوله إنه ليس ابنه الحقيقي من أقسى لحظات الفيلم. ليست القسوة في كشف المعلومة وحدها، بل في توقيتها. دانيال يستخدم الحقيقة، أو نسخته من الحقيقة، كسلاح لأنه يريد الفوز بالمواجهة.
الرجل الذي بنى إمبراطورية باستخراج ما تحت الأرض صار يفعل الشيء نفسه مع البشر: يحفر حتى يجد أضعف نقطة ثم يضربها.
دانيال وإيلاي: النفط في مواجهة الدين أم سلطتان تتشابهان؟
من السهل وصف الصراع بين دانيال بلينفيو وإيلاي صنداي بأنه صراع بين الرأسمالية والدين. لكن الفيلم لا يقيم خطًا نظيفًا بين رجل مادي ورجل روحي.
إنه، في الحقيقة، يعرض رجلين يتنافسان على السلطة.
دانيال لديه النفط. إيلاي لديه الكنيسة.
دانيال يعد الناس بالآبار والطرق والتعليم والازدهار. إيلاي يعدهم بالخلاص والشفاء والقرب من الله. كلاهما يعرف كيف يتحدث أمام جمهور، وكلاهما يريد الاعتراف بمكانته، وكلاهما يغضب حين يشعر أن الآخر انتقص من سلطته.
هذا لا يعني أن الفيلم يقول إن الاقتصاد والدين شيء واحد، ولا أن كل إيمان خداع. إيلاي شخصية بعينها، وطريقة ممارسته للسلطة الدينية هي موضع النقد. المشكلة تبدأ حين تتحول العقيدة إلى رأس مال رمزي، ويصبح المنبر وسيلة لمراكمة النفوذ.
والمفارقة أن دانيال، الذي يحتقر طقوس إيلاي، يحتاج إليه في لحظة ما. لكي يحصل على ما يحتاج إليه من الأرض ومن المجتمع، يقبل طقس التعميد المهين.
في الكنيسة يجبره إيلاي على إعلان خطيئته أمام الناس، وخصوصًا اعترافه بالتخلي عن ابنه. لحظتها يبدو الواعظ منتصرًا. يستطيع أن يصفع الرجل الثري، وأن يجعله يكرر كلماته أمام الجماعة.
لكن الفيلم يحتفظ بالحساب إلى النهاية.
السلطة عند الرجلين لا تنسى الإهانة.
لماذا يكره دانيال الناس؟
يقول دانيال إنه يرى أسوأ ما في الناس، وإنه لا يحتاج إلى النظر طويلًا حتى يجد ما يكفي ليكرههم.
لكن هل الفيلم يطلب منا تصديقه؟
ربما العكس.
قد يكون دانيال يرى في الآخرين ما يتوقع رؤيته. الإنسان الذي يتعامل مع العالم بوصفه سوقًا للمنافسة سيجد المنافسة في كل مكان. والذي يدخل كل علاقة وهو مستعد للخيانة سيصبح شديد الحساسية تجاه احتمال أن يخونه الآخرون.
هنري، الرجل الذي يقدم نفسه بوصفه أخاه، يمنح دانيال لحظات نادرة من الانفتاح. فجأة يبدو أن الرجل المنعزل وجد شخصًا يمكن أن يتحدث معه عن الماضي، شخصًا ينتمي إلى المكان الذي جاء منه.
ثم يكتشف الخديعة.
لكن أهمية هنري لا تكمن فقط في أنه خدع دانيال. وجوده يؤكد أسوأ اعتقاداته: أن الثقة خطأ.
ومنذ تلك اللحظة يستطيع بلينفيو أن يقول لنفسه، ولو من دون كلمات: كنت محقًا في الابتعاد عن الناس.
وهكذا يعمل الشك بطريقة دائرية؛ يدفع الإنسان إلى بناء علاقات هشة، ثم تقدم له هشاشتها دليلًا على أن العلاقات كلها بلا قيمة.
هل الفيلم ينتقد الرأسمالية؟
لا يمكن تجاهل هذا البعد. الفيلم مأخوذ أصلًا من رواية لكاتب كان نقده للرأسمالية الصناعية والفساد جزءًا أساسيًا من مشروعه، والنفط هنا مرتبط بشراء الأراضي والمنافسة واستغلال المعلومات غير المتكافئة وتراكم القوة.
لكن There Will Be Blood ليس منشورًا سياسيًا مصورًا، ولا يقدم مخططًا اقتصاديًا بديلًا.
أندرسون يركز على الشخصية أكثر مما يركز على الشرح النظري للنظام. لذلك يصبح دانيال حالة قصوى يمكن من خلالها رؤية منطق المنافسة حين ينفصل عن أي حد أخلاقي.
هو لا يريد فقط أن يكون غنيًا. يريد أن يكون قادرًا على الاستغناء عن الجميع.
وهنا يلتقي الفيلم، من زاوية مختلفة، مع سؤال طرحه Fight Club عن الاستهلاك والسلطة والبحث عن المعنى. كلا الفيلمين يضع رجلًا في مواجهة عالم مادي شديد القوة، لكن أحدهما يبحث عن التحرر من الأشياء ثم يقع في أسر فكرة أخرى، بينما يعتقد دانيال أن امتلاك الأشياء والموارد سيحرره من حاجته إلى البشر.
والنتيجة أن حريته القصوى تشبه السجن.
الصوت والموسيقى: لماذا يبدو الفيلم مرعبًا حتى عندما لا يحدث شيء؟
جزء كبير من توتر الفيلم يأتي من الطريقة التي يستخدم بها الصوت والموسيقى. موسيقى جوني غرينوود لا تؤدي دائمًا الوظيفة المعتادة للموسيقى التصويرية، أي إخبار المشاهد بما ينبغي أن يشعر به بطريقة مريحة.
أحيانًا تبدو الموسيقى كأنها إنذار لا نعرف مصدر الخطر فيه.
هناك احتكاك وتوتر وتكرار ونغمات تمنح المشهد شعورًا بأن شيئًا غير مستقر يتحرك تحت السطح، حتى قبل أن يقع الحدث.
وهذا ينسجم تمامًا مع موضوع الفيلم. فالثروة نفسها موجودة تحت السطح. العنف موجود تحت السطح. كراهية دانيال موجودة تحت مظهر رجل الأعمال المقنع. والصراع مع إيلاي موجود تحت الكلمات المهذبة قبل أن يظهر علنًا.
حتى الآلات لها موسيقاها الخاصة: ضرب الحديد، احتكاك المعدات، اندفاع النفط، النار، الصمت المفاجئ بعد الانفجار. عالم الصناعة لا يظهر خلفيةً للقصة؛ إنه يدخل في إيقاع الفيلم نفسه.
الصورة: الإنسان صغير والأرض هائلة
التصوير الذي أنجزه Robert Elswit لا يجعل حقول النفط جميلة بالمعنى السياحي، لكنه يمنحها مهابة مخيفة.
الأرض واسعة، والرجال صغار داخلها، وأبراج الحفر تقطع الأفق بأشكالها العمودية. في بعض اللقطات تبدو الأبراج كأنها هياكل يبنيها الإنسان للسيطرة على الطبيعة، وفي لقطات أخرى تبدو كأنها آلات ستبتلعه.
والمثير أن الفيلم يبدأ بمساحات مفتوحة وينتهي تقريبًا في فضاء مغلق.
هذه الحركة البصرية مهمة.
في البداية دانيال فقير، لكنه يتحرك في عالم واسع. في النهاية يمتلك مساحة هائلة، لكنه موجود داخل قصر يكاد يخلو من الحياة.
الثروة زادت المسافة بينه وبين الآخرين حتى لم يعد يحتاج إلى الخروج إليهم.
لقد حصل، إلى حد بعيد، على ما أراد.
وهذه هي الكارثة.
ماذا تعني عبارة "I drink your milkshake"؟
مشهد "الحليب" أصبح أشهر مشاهد الفيلم، وأحيانًا يعيش على الإنترنت منفصلًا عن سياقه حتى يبدو نكتة غريبة.
لكن فكرته داخل الفيلم بسيطة وقاسية.
إيلاي يأتي إلى دانيال وهو في حاجة إلى المال، ويحاول بيع حق نفطي يتعلق بأرض عائلة Bandy. غير أن دانيال يخبره بأن النفط لم يعد هناك بالمعنى الذي يتخيله؛ لقد تمكن من الوصول إليه من أرض مجاورة واستنزاف المورد.
ثم يشرح الفكرة بمثال طفولي: إذا كان لديك شراب وأنا لدي قشة طويلة تصل إلى شرابك، يمكنني أن أشربه من مكاني.
الحليب هنا ليس رمزًا غامضًا يحتاج إلى شفرة معقدة. إنه تشبيه لطريقة الوصول إلى النفط من حقل متصل تحت الأرض.
لكن المشهد يصبح أكبر من شرحه التقني لأن دانيال يحول المعلومة إلى طقس إذلال. لا يكفيه أن يكون قد حصل على النفط. يريد من إيلاي أن يعرف أنه خسر، وأن يعترف قبل ذلك بأنه نبي كاذب وأن الله خرافة.
وهنا يرد دانيال طقس الكنيسة بطريقة معكوسة.
في الكنيسة أجبر إيلاي دانيال على ترديد اعتراف أمامه.
في القصر يجبر دانيال إيلاي على ترديد اعتراف مضاد.
كل واحد منهما يريد من الآخر أكثر من الهزيمة؛ يريد منه المشاركة في هزيمته لفظيًا.
لماذا يقتل دانيال إيلاي؟
لا يقدم الفيلم القتل بوصفه ضرورة اقتصادية. الصفقة انتهت أصلًا. إيلاي لم يعد يملك شيئًا يحتاج إليه دانيال.
ولهذا يصبح العنف أكثر دلالة.
لو قتل دانيال رجلًا للحصول على بئر، لاستطعنا وضع الجريمة داخل منطق الجشع المباشر. لكنه يقتل إيلاي بعد أن انتصر عليه اقتصاديًا، وبعد أن أذله لفظيًا.
أي أن العنف تجاوز المنفعة.
الصراع الذي بدأ حول الأرض والمال والاعتراف أصبح شخصيًا خالصًا. دانيال لا يستطيع الاكتفاء بفوزه ما دام الخصم موجودًا أمامه.
تلك النهاية تكشف المدى الذي وصل إليه منطقه التنافسي: المنافسة التي يفترض أن تنتهي حين يفوز أحد الطرفين لا تنتهي إلا باختفاء الطرف الآخر.
ماذا تعني نهاية There Will Be Blood؟
بعد قتل إيلاي، يجلس دانيال على أرض صالة البولينغ، ثم يأتي الخادم ليرى ما حدث.
يرد دانيال بعبارة قصيرة: I'm finished.
"لقد انتهيت."
يمكن فهم العبارة على المستوى المباشر: انتهى مما كان يفعله.
لكن وضعها في آخر ثانية من الفيلم يجعلها تحمل وزنًا أكبر.
هل انتهى من إيلاي؟ نعم.
هل انتهى من الصراع؟ ربما.
هل انتهى هو نفسه، إنسانيًا، بعد أن حقق أقصى ما يستطيع تحقيقه؟ هنا تبدأ القراءة.
الفيلم لا يقدم تفسيرًا رسميًا للجملة، ولذلك ينبغي ألا نحول التأويل إلى حقيقة. لكن البناء كله يجعل النهاية تبدو كأنها إعلان وصول إلى الفراغ.
دانيال حقق الثروة. هزم منافسيه. ابتعد ابنه عنه. أخوه المزعوم مات بيده. وإيلاي مات أمامه. القصر ملكه. صالة البولينغ ملكه. الوقت ملكه.
ولم يبقَ له شيء يفعله بهذه الانتصارات.
في أفلام أخرى يكون الانتصار نهاية الرحلة.
هنا يبدو الانتصار هو الهزيمة نفسها.
هل دانيال بلينفيو وحش منذ البداية؟
هذه القراءة مغرية لأنها تجعل الفيلم بسيطًا: رجل شرير يزداد شرًا حتى يصل إلى جريمة قتل.
لكنها تفقدنا أكثر ما يجعل الشخصية مثيرة.
دانيال في البدايات يمتلك صفات يمكن أن تُقرأ بإيجابية: الصبر، القدرة على تحمل الألم، الذكاء العملي، الشجاعة، التصميم، الاستعداد للعمل بنفسه. إنه ليس وريثًا مدللًا دخل صناعة النفط لأن عائلته تملكها؛ يصنع نفسه من الأرض تقريبًا.
المشكلة ليست أن هذه الصفات زائفة.
المشكلة في الاتجاه الذي تأخذه.
الإصرار يصبح هوسًا. الاستقلال يصبح عجزًا عن الثقة. المنافسة تصبح كراهية. القدرة على قراءة الآخرين تصبح قدرة على استغلالهم. الرغبة في بناء مستقبل تتحول إلى رغبة في منع الآخرين من امتلاك مستقبل مستقل عنه.
ولهذا يرفض الفيلم الطمأنينة الأخلاقية التي تمنحنا إياها شخصية شريرة تمامًا منذ اللقطة الأولى. نحن نشاهد صفات يمكن أن تصنع رجلًا ناجحًا وهي تتحول، درجة بعد درجة، إلى أدوات تدميره الداخلي.
هل إيلاي ضحية في النهاية؟
نعم ولا.
هو ضحية قتل بلا شك. لا شيء في نفاقه أو طموحه أو استغلاله للدين يجعل قتله أمرًا مستحقًا.
لكن الفيلم لا يقدمه قبل ذلك بوصفه بريئًا أخلاقيًا. هو أيضًا يبحث عن النفوذ، ويساوم، ويستعرض سلطته، ويستغل حاجة الآخرين إلى الإيمان، ويتوق إلى الاعتراف العام.
غير أن التشابه بينه وبين دانيال لا يعني التطابق بينهما.
دانيال يملك في النهاية قوة مادية لا يملكها إيلاي. المال والأرض وشبكة الصناعة تمنحه سلطة تتجاوز سلطة المنبر المحلي. وعندما يدخل إيلاي القصر محتاجًا، تكون العلاقة بينهما قد تغيرت نهائيًا.
في الكنيسة كان دانيال مضطرًا إلى الخضوع لإيلاي.
في صالة البولينغ لا يحتاج دانيال إليه في شيء.
وتلك هي اللحظة التي نرى فيها ماذا يفعل صاحب القوة حين لا يعود مضطرًا إلى التظاهر بالاحترام.
لماذا بقي الفيلم حاضرًا؟
لأن There Will Be Blood لا يعتمد على مفاجأة سردية يمكن أن تنتهي صلاحيتها بعد أن نعرفها.
إنه فيلم يمكن إعادة مشاهدته لأن مركزه ليس "ماذا سيحدث؟" بل "كيف يحدث هذا لإنسان؟".
مرة يمكن أن نتابعه بوصفه دراسة للجشع. ومرة بوصفه قصة أبوة فاشلة. ومرة بوصفه صراعًا على السلطة بين المال والدين. ومرة بوصفه حكاية عن بناء الرأسمالية الأمريكية فوق النفط والأرض والمنافسة. ومرة بوصفه مأساة رجل حقق حلم الاستقلال إلى حد أنه لم يعد مرتبطًا بأحد.
وهذا النوع من الأفلام يشبه الأعمال التي تتغير حين نعود إليها في مراحل مختلفة من حياتنا. كما أن Titanic يفصل بين التاريخ الحقيقي والحكاية التي اخترعتها السينما داخله، يفعل There Will Be Blood شيئًا أكثر تركيبًا: يأخذ تاريخًا اقتصاديًا حقيقيًا ورواية سياسية وشذرات من سيرة رجل نفط حقيقي، ثم يصنع منها شخصية لم توجد قط لكنها تبدو كأنها خرجت من قلب ذلك العصر.
فيلم عن النفط أم عن الوحدة؟
عندما ننظر إلى الفيلم كله من نهايته، قد يبدو النفط مجرد الطريق الذي سلكه دانيال للوصول إلى مكان كان موجودًا داخله منذ البداية: العزلة.
لكن الفرق أن عزلته في البداية عوز، وفي النهاية اختيار تحقق بالكامل.
كان يعمل وحده لأنه لم يكن يملك الكثير.
ثم صار يملك الكثير إلى درجة أنه لم يعد يريد أحدًا.
هنا تكمن المفارقة الإنسانية الأعمق في الفيلم. نحن نربط النجاح عادة بزيادة الخيارات والعلاقات والقدرة على الحياة، لكن دانيال يستخدم نجاحه لتقليل حاجته إلى العالم.
يشتري المسافة.
يشتري القدرة على إغلاق الأبواب.
يشتري مكانًا يستطيع أن يعيش فيه من دون أن يضطر إلى التسامح أو المصالحة أو الاعتذار أو التفاوض إلا حين يريد.
وهكذا تتحقق أمنيته الأكثر صدقًا والأكثر رعبًا: ألا يحتاج إلى أحد.
ربما لهذا لا تكون الدماء التي يعد بها عنوان الفيلم هي أهم ما فيه. الدم الحقيقي ليس كمية العنف التي نراها، بل الروابط التي تُقطع: رابطة الأب بالابن، والأخ بالأخ، والفرد بالمجتمع، والإيمان بالأخلاق، والنجاح بأي معنى يمكن أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية.
في النهاية لا يسألنا There Will Be Blood كم من المال يستطيع الإنسان أن يجمع، بل ما الذي قد يضطر إلى التخلص منه كي لا يشاركه أحد في عالمه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق