اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعرة اللبنانية مريم جنجلو: بلاغةُ الجرح المبتسم وإعادة اختراع الوحدة

 


بقلم: الوراق الجزائري

تكتب مريم جنجلو قصيدتها من منطقة شديدة الالتباس؛ حيث لا يظهر الحزن عاريًا، بل يتنكّر في هيئة صورة ساخرة، أو مفارقة سوداء، أو كائن يوميّ صغير يوشك أن ينطق. ولذلك لا تبدو قصائدها اعترافات وجدانية مباشرة، بقدر ما تبدو محاولات لإعادة تشكيل الألم ومنحه جسدًا مرئيًا حيث يصبح الحزن "إلهًا أزرق"، والشتاء "رجلًا مريضًا"، والقلب "لؤلؤة في جوف سمكة نافقة"، فيما تتحول ضحكات العابرين إلى "قطيع"، ويغدو الباب كائنًا متعَبًا من أخذ مقاس أكتاف العاشقين. إنها كتابة تنقل الانفعال من فضائه المجرّد إلى عالم الأشياء، ثم تمنح تلك الأشياء حياةً سريةً تجعلها أكثر قدرة من الإنسان على الكلام.

في قصيدة "فاجئ نفسك" تنطلق الشاعرة من فكرة تبدو بسيطة: أن يمنح المرء نفسه ما ينتظره من الآخرين. غير أن النص لا يقدّم هذه الفكرة في صورة حكمة جاهزة، بل يبني حولها مشهدًا حميمًا يبدأ بباقة ورد مخبّأة وينتهي أمام المرآة بسؤال موجع: "ماذا لو بباقة وردٍ كبيرةٍ ومن الأمام... عانقك أحدهم؟". وبين البداية والنهاية، تغدو الدعوة إلى حبّ الذات اعترافًا مضمرًا بغياب الآخر. فالأفعال الآمرة: "فاجئ"، "احضن"، "اذهب"، "اسمح"، "اقلب" تمنح النص إيقاعًا تحريضيًا، لكنها تخفي وراء قوتها هشاشةً واضحة؛ إذ إن الذات لا تُطالب بمفاجأة نفسها إلا لأنها تأخرت طويلًا في انتظار من يفعل ذلك.

ويبلغ التشخيص الشعري جماله في قولها: "اسمح للباب لمرة واحدة أن يستند عليك"، فالعلاقة المألوفة بين الإنسان والباب تنقلب؛ لم يعد الإنسان هو الذي يستند إلى الأشياء، بل صارت الأشياء نفسها مرهقة وتحتاج إلى من يحملها. ومن خلال هذا الانقلاب تكشف الشاعرة إنهاك الذات التي ظلت تعبر نحو الآخرين من دون أن تجد من يعبر إليها. أما المرآة فليست أداة للتأمل النرجسي، بل سطح تُقلب عليه الأسئلة، وكأن الوصول إلى حقيقة الذات لا يتحقق إلا بقراءة العالم بصورة معكوسة.


هذه القدرة على قلب العلاقات بين الكائنات والأشياء تمثل أبرز ملامح تجربة جنجلو. ففي "داخل البحر" يصبح الشتاء رجلًا مريضًا، وضلع الشجرة عكازًا، وأوراق الخريف طيورًا بلا مناقير أرادت أن تغني. لا تقوم الصورة هنا على التشبيه الزخرفي، وإنما تتكاثر داخل صورة مركبة، بحيث تلد الاستعارة استعارة أخرى. الشتاء لا يشبه المريض فحسب؛ إن له عكازًا وبيجامة وأحفادًا غائبين وذاكرةً يريد روايتها. هكذا تنمو الصورة حتى تتحول إلى حكاية صغيرة، ويتداخل الشعر بالسرد من غير أن يفقد توتره.

غير أن الخيال لدى مريم جنجلو ليس احتفالًا مجانيًا بالغرابة. إن غرابة صورها متصلة غالبًا بخبرة الفقد والوحدة. فالمنارة تقف "بعين مطفأة"، والطيور محرومة من مناقيرها، والزهرة البرية تبحث عن مكان تنبت فيه، والأغنية تحمل الذات خارج الأفواه، بينما ينام القلب مثل "كسرة خبز مبتلة". تكاد الكائنات كلها تكون ناقصة أو جريحة أو منزاحة عن موضعها الطبيعي. ومن هنا تتشكّل وحدة العالم الشعري: إنه عالم يريد الغناء، لكنه يفتقد المنقار؛ يريد الإضاءة، لكن عينه مطفأة؛ ويريد الحب، لكنه لا يجده إلا في صورة احتمال مؤجل.

في قصيدة "غريب بعينين تبسمان" يتجسد الحزن بوصفه "إلهًا أزرق" يقيم حفلة لتوديع ألوهيته. تجمع الصورة بين الضخامة والهشاشة: فالإله الذي يُفترض أن يخلّص الإنسان يحتاج هو نفسه إلى الخلاص، ويشرب وحيدًا ويختنق بملح عينين. ثم ينحدر المشهد من المقدس إلى الجسدي القاسي حين يتساقط اللحم الفاسد وتصبح الأسنان مادةً للضحك. هذا المزج بين الفجيعة والفكاهة السوداء يحمي النص من الرثاء المباشر؛ فالذات لا تبكي مأساتها فقط، بل تراقب عبثها وتضحك معها. والضحك هنا ليس نقيض الحزن، وإنما أقصى درجات الوعي به.

يتكرر هذا الحس الساخر بوضوح في "وردة داخل قبر". تبني القصيدة شخصية واحدة منقسمة بين بستاني يقتلع الورود وحانوتي يسرقها ويبيعها للموتى. وفي الخلفية شرطي يبتسم للسرقة ثم يسكر ويضرب امرأته خلسة. تتحول الوردة، رمز الحب التقليدي، إلى سلعة تتنقل بين الحديقة والحانة والجنازة، فيما يصبح الموت مؤسسةً سياسية "يفوز في الانتخابات بالتزكية". تكشف المفارقة هنا شبكةً من النفاق والعنف والاستغلال، ولا تعود القصيدة تعبيرًا عن ألم فردي، بل نقدًا لعالم يستثمر حتى في موته. وتمتاز جنجلو بأنها لا تصوغ هذا النقد في خطاب شعاري؛ إنها تترك المشهد السريالي يؤدي مهمته، فيضحك القارئ أولًا قبل أن يكتشف قسوة ما ضحك منه.

وتظهر المرأة في هذه النصوص ذاتًا محاصرةً بالخيبة، لكنها لا تقبل أن تكون مجرد ضحية صامتة. ففي قصيدة "امرأة" تستفيق الشخصية "في منتصف الخيبة"، وتضبط أحمر شفاهها عند "الساعة الخامسة والعشرين". إن الزمن الطبيعي لم يعد كافيًا لقياس تجربتها، ولذلك تخترع القصيدة ساعةً زائدة تقع خارج اليوم، كأن خيبة المرأة فائض لا يتسع له الزمن. وفي "إلى صديقة" يتحول حزن الأم إلى "قلم كحل مكسور"، ثم تلعب الابنة بهذا القلم فيسيل الليل من جرح مالح بين عينيها. وبهذه الصورة المكثفة تشير الشاعرة إلى انتقال الحزن بين الأجيال؛ فما تتركه الأم ظنًّا منها أنه مجرد أداة زينة، تلتقطه الابنة بوصفه ميراثًا من الجرح.

ولا تنفصل الوحدة في شعر جنجلو عن المكان المديني. الأرصفة، ومداخل البنايات، وخزانات المياه الصدئة، والحانات، والمصاعد، والأرائك، والشرفات، والحدائق العامة ليست خلفيات محايدة، بل عناصر فاعلة في التجربة. المدينة لديها فضاء مزدحم بالأجساد وفقير بالنظرات. لذلك تقول الذات في "أيها المساء الكئيب" إنها تريد أن تكون أي شيء كي ينظر إليها أحدهم: ساعة حائط، أو مرآة مصعد، أو لوحة تجارية، أو قطة مكسورة الرجل. وتبلغ الحاجة إلى الاعتراف هنا درجةً تجعل التحول إلى شيء جامد أو كائن جريح أكثر احتمالًا من البقاء إنسانًا غير مرئي.

لغويًا، تعتمد الشاعرة الجملة الواضحة والمفردة اليومية، لكنها تدفعهما إلى علاقات غير متوقعة. لا تقوم شعريتها على الجزالة أو الموسيقى الخارجية، بل على الصدمة المتولدة من اجتماع المتباعدات: نسيم يكوي، وشمس ترتدي فستانًا أسود، وشفاه تتحول إلى طرق وعرة، ورجل يسقط على الأريكة "مثل خبر سيئ". وهي صور تمتاز بسرعة النفاذ إلى المخيلة، لأن أحد طرفيها مألوف والآخر مباغت. كما تستفيد النصوص من السرد والحوار الضمني وتتابع الأفعال، فتبدو القصيدة أحيانًا كأنها فيلم قصير تتحرك مشاهده أمام القارئ. لكن هذا الامتلاء التصويري يمثل في الوقت نفسه منطقة التحدي في التجربة. فحين تتوالى الاستعارات الغريبة بالكثافة نفسها، قد تنافس الصورةُ الصورةَ بدل أن تخدم البناء الكلي، وقد ينشغل القارئ ببراعة العبارة عن الحركة العميقة للنص. وهكذا فإنَّ بعض القصائد تبلغ ذروة دلالية ثم تستمر في إضافة مشاهد كان يمكن اختزالها، فيصبح الاقتصاد اللغوي ضرورةً للحفاظ على قوة المفاجأة. فالصورة المدهشة تحتاج إلى مساحة من الصمت حولها، وإلا فقدت شيئًا من أثرها تحت ضغط صور أخرى لا تقل عنها لمعانًا.

مع ذلك، تنجح مريم جنجلو في بناء صوت يمكن تمييزه: صوت حميم وسريالي، أنثوي من دون انغلاق، ساخر من دون خفة، ومثقل بالموت من دون استسلام كامل له. إن شخصياتها وكائناتها تعيش عند الحافة: بستاني داخل حانوتي، وإله يتخلى عن ألوهيته، ومنارة مطفأة في البحر، وامرأة تقف في ساعة غير موجودة. وحتى عندما يبدو الموت منتصرًا، تظل في النص رغبة عنيدة في إنبات زهرة، أو جمع أغنية، أو انتظار عناق يأتي "من الأمام، تمامًا كما تحب".

إن شعر مريم جنجلو لا يجمّل الجرح، بل يمنحه خيالًا يحول دون تحوله إلى شكوى. ومن هذه المسافة بين الألم وصورته تولد فرادة التجربة: العالم قاسٍ، نعم، لكنه قابل لإعادة التركيب؛ والوحدة ثقيلة، لكنها تستطيع أن تضحك؛ والقلب قد يكون محاصرًا داخل سمكة نافقة، لكنه يظل، على الرغم من كل شيء، لؤلؤة.

اقرأ قصائد مريم جنجلو على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق