حين تحولت حياة الصبي إلى حكاية يرويها رجل ينظر إليه من بعيد
عندما نقرأ "الأيام" نعرف منذ البداية أن الصبي الذي يتحرك بين البيت والكتاب والقرية ثم الأزهر هو طه حسين نفسه. لا يخفي الكتاب هذه الصلة، ولا يحتاج القارئ إلى تحقيق تاريخي طويل ليكتشفها. ومع ذلك يفعل طه حسين شيئًا غريبًا: بدل أن يقول "كنت" يقول في مواضع واسعة من سيرته "كان الصبي"، وينظر إلى طفولته كما لو أنه يروي حياة شخص آخر.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي. إذا كانت الأحداث مستمدة من حياة طه حسين، فلماذا لم يكتبها بالطريقة المباشرة التي نتوقعها من السيرة الذاتية؟ ولماذا نشعر أحيانًا أننا نقرأ رواية، لا دفتر ذكريات؟ وهل غيّر الكاتب ما وقع فعلًا، أم أنه غيّر الطريقة التي أصبحت بها الوقائع أدبًا؟
"الأيام" سيرة ذاتية في أساسها، وليست رواية اخترع طه حسين بطلها وأحداثها من الصفر. لكن السيرة هنا ليست تسجيلًا محايدًا للماضي. أعاد الكاتب اختيار ذكرياته وترتيبها، وصنع مسافة بين ذاته الراهنة وطفولته، واستخدم ضمير الغائب، وحجب أسماء بعض القريبين منه، وبنى المشاهد بإيقاع وحوار ومفارقة. لذلك فالحقيقة التي يقدمها الكتاب حقيقة حياة مرت أولًا عبر الذاكرة، ثم عبر الأدب.
وهذه النقطة ضرورية لأن السؤال عن "الحقيقة" يمكن أن يقودنا بسهولة إلى طريق مضلل. لا توجد أمامنا نسخة محايدة كاملة من طفولة طه حسين نستطيع أن نضعها في عمود، ثم نضع "الأيام" في عمود آخر ونحصي ما حذفه أو أضافه. بل إن جزءًا كبيرًا مما نعرفه عن سنواته الأولى جاء إلينا أصلًا من هذا الكتاب. ولذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل كذب طه حسين؟ وإنما: ماذا فعل الكاتب بحياته حين جعلها نصًا؟
لماذا لا تبدو "الأيام" مثل الاعترافات التقليدية؟
أبسط صورة للسيرة الذاتية أن يقف الكاتب في الحاضر ويقول للقارئ: ولدت هنا، وفعلت كذا، وانتقلت إلى هناك، وحدث لي هذا. تتطابق الأسماء والضمائر بسهولة: المؤلف هو الراوي، والراوي يقول "أنا"، والشخص الذي نتتبعه هو هذا الـ"أنا" في مراحل عمره المختلفة.
لكن طه حسين يكسر هذا التطابق الظاهر منذ مستوى اللغة. الطفل يصبح "الصبي"، ثم يكبر فيصبح "الفتى"، والكاتب الراشد يقف في موضع آخر يراقبه ويعرف ما سيحدث له بعد ذلك. هناك إذن طه حسين الذي عاش التجربة، وطه حسين الذي يكتبها بعد سنوات، وبينهما شخصية أدبية اسمها في النص غالبًا "الصبي".
الفرق ليس مجرد استبدال ضمير بضمير. عندما يقول الإنسان "كنت أخاف" فإنه يستعيد الخوف بوصفه جزءًا من ذاته. أما عندما يقول عن نفسه "كان الصبي يخاف"، فهو يستطيع أن يقترب من ذلك الطفل ويبتعد عنه في اللحظة نفسها. يمكنه أن يشفق عليه، وأن يسخر من بعض أوهامه، وأن يكشف للقارئ ما لم يكن الطفل قادرًا على فهمه وقت وقوع الحادثة.
ولهذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من الحكاية. الصبي يعرف مقدارًا محدودًا من العالم، أما الراوي فيعرف إلى أين انتهت التجربة. يعيش الطفل داخل اللحظة، بينما يراها الكاتب من آخر الطريق تقريبًا. وما نسميه "ذكرى" في "الأيام" ليس الماضي وحده، بل لقاء الماضي بالوعي الذي عاد إليه بعد أن تغيّر.
هل ما يرويه طه حسين حدث فعلًا؟
الخطوط الكبرى لا تترك مجالًا كبيرًا للشك. ولد طه حسين في صعيد مصر، وفقد بصره في طفولته، وتلقى تعليمه الأول في الكتاب، ثم ذهب إلى القاهرة ودرس في الأزهر، وانتقل بعد ذلك إلى الجامعة المصرية، ثم إلى فرنسا. هذه المراحل معروفة أيضًا من سيرته العامة ووثائق حياته، ولا يعتمد وجودها على الخيال الروائي.
لكن إثبات الخطوط الكبرى لا يعني أن كل حوار في الكتاب نسخة حرفية مما قيل قبل عقود، أو أن كل مشهد عاد من الذاكرة كما لو أن كاميرا سجلته في لحظته. هذه ليست الطريقة التي تعمل بها الذاكرة أصلًا.
الإنسان يتذكر بعض التفاصيل وينسى أخرى. وقد يتذكر النتيجة بوضوح أكثر من ترتيب الأحداث التي أوصلت إليها. وقد تظل في ذاكرته جملة لأنها جرحته أو أضحكته بينما تختفي عشرات الجمل التي قيلت في اليوم نفسه. وحين يصبح هذا الإنسان كاتبًا، فإنه لا ينقل المخزون كله، بل ينتخب منه ما يستطيع أن يصنع حكاية ذات معنى.
لذلك لا ينبغي أن نعامل الحوار في سيرة أدبية وكأنه محضر جلسة. القيمة الأساسية ليست في أن نثبت أن شخصًا قال العبارة نفسها بالحروف ذاتها، بل في أن المشهد يعبر عن علاقة عاشها الكاتب ويتذكرها بهذه الصورة: علاقة الطفل بأسرته، وبشيخ الكتاب، وبأخيه، وبالشيوخ، وبالعلم، وبالمدينة التي دخلها غريبًا.
عند هذه النقطة يبدأ الأدب، لا لأنه يلغي الحقيقة، بل لأنه يمنحها شكلًا.
أول ما غيّره طه حسين: حوّل نفسه إلى شخصية
قد يكون هذا أكبر تغيير أجراه على حياته حين كتبها. طه حسين الإنسان لا يمكن أن يشاهد طفولته من الخارج، أما طه حسين الكاتب فيستطيع ذلك. ولهذا يصبح الصبي بطلًا يمكن للقارئ أن يراقب حركاته ومخاوفه وجهله واعتداده بنفسه واكتشافاته الصغيرة.
وفي كثير من السير تكون معرفة القارئ بأن البطل سيصبح شخصًا مشهورًا عبئًا على الكتاب؛ لأن الطفل يظهر منذ الصفحة الأولى كأنه مشروع عبقري يعرف مصيره. "الأيام" أكثر ذكاء من ذلك. الصبي لا يتحرك طوال الوقت تحت لافتة تقول إنه سيصبح "عميد الأدب العربي". إنه طفل يمكن أن يخطئ ويحفظ وينسى ويخاف ويتكبر ويُخدع ويشعر بالمهانة.
هذا الانفصال يسمح للكاتب أيضًا بشيء من القسوة على نفسه. فالذاكرة التي تكتب بصيغة "أنا" قد تميل إلى الدفاع عن صاحبها، أما تحويل الذات إلى شخصية فيخلق إمكانية النظر إليها من الخارج. يصبح بإمكان الراوي أن يرينا الصبي وهو يسيء الفهم أو يتوهم المعرفة من غير أن يتحول النص كله إلى اعتراف مباشر أو تبرير متواصل.
ومن هنا لا يكون ضمير الغائب قناعًا يخفي الحقيقة بقدر ما يصبح أداة لتنظيمها. إنه يجعل الكاتب في موضع الراوي والمراقب معًا.
ثاني ما غيّره: الذاكرة لم تعد مخزنًا، بل أصبحت بناءً
العنوان نفسه جدير بالتوقف: "الأيام". ليس "حياتي"، ولا "سيرتي"، ولا حتى "ذكرياتي". الكلمة توحي بمرور الزمن أكثر مما توحي بسجل وثائقي لحياة رجل.
نحن لا نعيش كل أيامنا بالقوة نفسها، ولا نتذكرها كذلك. تمر سنوات طويلة ثم لا يبقى منها إلا مشهد أو صوت أو خوف صغير، بينما يظل يوم واحد حاضرًا بتفاصيل مدهشة. وفي حالة طه حسين تزداد المسألة تعقيدًا، لأن بناء عالم الطفولة في الكتاب يعتمد بدرجة كبيرة على الصوت واللمس والرائحة وحركة الأشخاص في المكان وعلى ما يصل إلى الطفل من كلام الآخرين.
لهذا لا يعيد "الأيام" إنتاج قرية مصرية كما تفعل صورة فوتوغرافية. إنه يعيد تكوينها من موقع طفل فقد البصر مبكرًا. حدود البيت، الطريق، حركة الناس، صوت الشيخ، تلاوة القرآن، كلام النساء، الضحك، الصمت، رهبة الأماكن التي لا يعرف الصبي مداها: كل ذلك يجعل المكان تجربة حسية قبل أن يكون خريطة.
وهذه واحدة من أهم النقاط التي تفصل بين الواقعة الخام والواقعة الأدبية. القرية التاريخية كانت موجودة خارج طه حسين، لكن القرية التي نقرأها في "الأيام" هي القرية كما انطبعت في وعيه. وهذا لا يجعلها أقل حقيقة؛ بل يجعل نوع حقيقتها مختلفًا.
قد يخبرنا المؤرخ كم كان عدد سكان القرية وأين تقع وما المؤسسات الموجودة فيها. أما السيرة فتخبرنا كيف كان طفل بعينه يشعر عندما يتحرك في عالمها. التاريخ يسجل المكان، والذاكرة تعيد تكوين الإحساس به.
لماذا أخفى أسماء بعض الناس وذكر أسماء آخرين؟
من التفاصيل اللافتة في "الأيام" أن أشخاصًا شديدي القرب من حياة الصبي لا يحضرون دائمًا بأسمائهم الشخصية الواضحة. نلتقي الأب والأم والأخ والشيخ و"سيدنا" وشخصيات تحددها صلتها بالبطل أو وظيفتها داخل العالم أكثر مما تحددها بطاقة اسم كاملة.
وقد لفت نقاد إلى هذه الظاهرة لأنها ليست تفصيلًا بريئًا تمامًا. الاسم يثبت الفرد بوصفه شخصية مستقلة، أما الوصف العائلي أو الاجتماعي فيجعله جزءًا من عالم الصبي. الأب هو الأب قبل أن يكون رجلًا له سيرة خاصة، والشيخ هو السلطة التعليمية قبل أن يكون فردًا مستقلًا عنها.
لا نستطيع أن نحسم دافعًا واحدًا وراء كل حالة من حالات الإخفاء أو التسمية. فقد يكون لبعضها علاقة بالخصوصية، أو بطبيعة الذاكرة، أو بطريقة بناء النص. لكن النتيجة الأدبية واضحة: الشخصيات القريبة تتحول أحيانًا إلى أدوار داخل عالم الطفولة، بينما تبرز أسماء أخرى حين يتسع العالم ويدخل الصبي فضاءات التعليم والثقافة والحياة العامة.
وهنا أيضًا يتدخل الاختيار. الحياة تمنحنا آلاف الأشخاص، أما الكتاب فلا يستطيع الاحتفاظ بهم بالطريقة نفسها. بعضهم يتحول إلى شخصية، وبعضهم إلى ظل، وبعضهم يختفي تمامًا.
هل يمكن أن نسمي هذا "تغييرًا للحقيقة"؟
يعتمد الجواب على ما نقصده بالحقيقة.
إذا كنا نقصد أن السيرة يجب أن تكون تسجيلًا كاملًا ومحايدًا لكل ما وقع، فلن توجد سيرة ذاتية تحقق هذا الشرط. الكاتب لا يستطيع أن يستعيد كل أيامه، والقارئ لا يستطيع أن يقرأها لو فعل. الانتقاء ليس خطأ طارئًا في السيرة، بل شرط وجودها.
أما إذا كنا نقصد اختلاق أحداث جوهرية ثم تقديمها بوصفها وقائع حقيقية، فهنا نحتاج إلى دليل قبل أن ننسب ذلك إلى طه حسين. لا يكفي أن يكون النص جميلًا أو أن يستخدم الحوارات والمشاهد لكي نقول إنه اخترع ماضيه. الأدب لا يبدأ فقط عندما يبدأ الكذب.
ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن طه حسين غيّر العلاقة بين الحقيقة والقارئ. لم يعطنا جدولًا للأحداث، بل جعلنا نعيشها داخل منظور. لم يقل فقط إنه فقد بصره وعانى آثار ذلك، بل بنى عالمًا يجعل القارئ يشعر كيف يمكن أن تصبح المعرفة بالأشياء مرتبطة بما يسمعه الطفل عنها وما يستطيع الوصول إليه بيده وخطوته.
ولم يقل فقط إنه تلقى تعليمًا تقليديًا، بل حوّل التعليم إلى سلسلة من التجارب والمفارقات والشخصيات والسلطات الصغيرة التي تكشف عالمًا اجتماعيًا كاملًا.
هنا تتحول السيرة إلى أدب: لا حين تتخلى عن الواقع، بل حين تتوقف الواقعة عن كونها معلومة وتصبح تجربة.
السخرية: صوت الطفل أم صوت الرجل الذي عرف أكثر؟
هناك لحظات كثيرة في "الأيام" يرى فيها القارئ أكثر مما يرى الصبي نفسه، ويعرف أكثر مما يعرفه. وقد تكون هذه المسافة من أكثر مصادر السخرية تأثيرًا في الكتاب.
الطفل قد يأخذ شخصًا أو فكرة أو عادة بجدية كاملة. لكن الراوي الذي يستعيد الموقف بعد سنوات يستطيع أن يترك في صياغته ما يكشف هشاشة تلك الجدية. هنا نسمع صوتين في الوقت نفسه: وعي الطفل الذي وقع الحدث له، ووعي الكاتب الذي أصبح قادرًا على فهم ما كان خافيًا عليه.
لذلك لا ينبغي أن نفترض أن كل حكم في النص كان موجودًا في عقل الطفل ساعة وقوع الحادثة. بعض المعاني لا يمكن أن تتكون إلا لاحقًا. وهذه من طبيعة كل سيرة ذاتية تقريبًا: نحن لا نتذكر الماضي فقط، بل نفسره بما عرفناه بعده.
الرجل الذي عرف الجامعة وفرنسا والجدل الفكري والحياة الثقافية المصرية يعود إلى الصبي الذي كان يتلقى المعرفة في القرية والأزهر. لا يستطيع أن يمحو ما تعلمه كي يصبح طفلًا من جديد، ولذلك تتجاور داخل النص براءة التجربة الأولى ومعرفة الراوي اللاحقة.
وهذا بالضبط ما يجعل "الأيام" أكثر من شهادة اجتماعية. لو كانت مجرد وثيقة عن التعليم والريف والعمى في مصر مطلع القرن العشرين، لبقيت مهمة للمؤرخين. لكنها تستمر في جذب القارئ لأن الصراع الأساسي فيها يحدث داخل الوعي نفسه: بين من عاش التجربة ومن صار قادرًا على روايتها.
لماذا تبدو بعض الذكريات كأنها مشاهد روائية؟
لأن طه حسين لا يكتفي غالبًا بالإخبار. هناك فرق بين أن تقول: "كنت أخاف شيخ الكتاب"، وبين أن تضع القارئ في المشهد، تجعله يسمع طريقة الكلام ويتابع رد فعل الصبي ويشعر بتوقع العقاب أو الإحراج.
الخبر يختصر الزمن، أما المشهد فيبطئه.
وهنا يتدخل إيقاع السرد. يستطيع الكاتب أن يعبر سنوات في صفحات قليلة، ثم يتوقف طويلًا عند حادثة تبدو صغيرة في الحساب التاريخي. لماذا؟ لأنها كبيرة في حساب الذاكرة.
الطفل لا يبني تاريخه بالطريقة التي تبني بها الدولة أرشيفها. قد تكون وفاة قريب، أو كلمة قاسية، أو ليلة خوف، أو انتصار صغير في الحفظ أكثر حضورًا في تكوينه من حدث سياسي كبير وقع في العام نفسه.
حين يختار الكاتب هذه المشاهد، فإنه يعطينا خريطة أخرى للماضي: خريطة الأثر النفسي.
العمى في "الأيام": حقيقة جسدية أم طريقة في بناء العالم؟
فقدان البصر حقيقة مركزية في حياة طه حسين، لكن اختزال الكتاب كله فيها يظلمه. فالمثير أدبيًا ليس مجرد أن البطل لا يرى، بل أن النص يواجه سؤالًا سرديًا معقدًا: كيف يصف عالمًا عاشه طفل لا يعتمد على الرؤية بالطريقة التي يعتمد عليها أغلب الناس؟
الحل لا يأتي بمحاولة تعويض البصر بوصف بصري مصطنع في كل موضع. العالم يتشكل من الأصوات والمسافات والملمس ودرجة الأمان التي يمنحها المكان أو يسلبها. الأشياء قد تبدأ غامضة ثم يتعلم الصبي حدودها، والناس قد يُعرفون من أصواتهم أو طرائق حركتهم أو علاقتهم به.
لذلك يصبح الإدراك نفسه جزءًا من الفن. فالراوي لا يحكي فقط "ماذا حدث"، بل كيف وصل العالم إلى وعي الطفل.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كان ضمير الغائب ملائمًا إلى حد بعيد لهذه البنية. هناك دائمًا مسافة بين الصبي والعالم، ثم تأتي مسافة ثانية بين الصبي والكاتب الذي يستعيده. النص كله مبني على الاقتراب من شيء لا يمكن امتلاكه كاملًا: المكان، والآخرون، والماضي نفسه.
ثلاثة أجزاء... وثلاثة أزمنة للذاكرة
"الأيام" ليست كتابًا كُتب دفعة واحدة في جلسة طويلة لاستعادة العمر. ظهرت أجزاؤها على مراحل متباعدة، وهو أمر مهم لفهم طبيعتها. فالكاتب الذي يستعيد طفولته ليس هو تمامًا الكاتب نفسه الذي يعود بعد سنوات إلى مراحل أخرى من حياته.
الجزء الأول ارتبط أساسًا بطفولة الصعيد والتعليم الأول، ثم توسعت السيرة إلى سنوات الأزهر والحياة في القاهرة، ووصلت في قسمها المتأخر إلى تجربة فرنسا. وبين هذه المراحل مسافات زمنية حقيقية في حياة المؤلف وفي تاريخ الكتابة نفسها.
وهذا يذكّرنا بأن السيرة ليست مرآة ثابتة. نظرة الإنسان إلى طفولته في سن الأربعين قد تختلف عن نظرته إلى شبابه بعد عقود أخرى. نحن لا نملك ماضيًا واحدًا محفوظًا في صندوق؛ نعود إليه من أعمار مختلفة، وفي كل عودة تتغير الأسئلة التي نطرحها عليه.
ولهذا قد يكون عنوان "الأيام" أصدق مما يبدو. ليس الكتاب حياة مغلقة يعرضها صاحبها من البداية إلى النهاية، بل أيام يعود إليها من مواقع مختلفة، فيكتب بعضًا منها ويترك بعضًا آخر خارج الصفحة.
هل "الأيام" رواية إذن؟
هنا يصبح التصنيف أقل بساطة مما توحي به رفوف المكتبات. يمكن أن نجد الكتاب مصنفًا سيرة ذاتية، ويمكن أن نجد من يصفه بأنه رواية سيرية أو سيرة ذاتية روائية. وليس هذا الخلاف مجرد لعبة مصطلحات.
من جهة المادة الأساسية، نحن أمام حياة طه حسين فعلًا. تطابق المسار العام بين المؤلف والشخصية واضح، والأحداث الكبرى مرتبطة بسيرته المعروفة. وهذا يجعل الانتماء إلى السيرة الذاتية قويًا.
لكن من جهة البناء، يستخدم النص أدوات نربطها عادة بالسرد الأدبي: الشخصية، والمشهد، والحوار، والمفارقة، وتنظيم الزمن، والانتقاء، وتفاوت سرعة السرد، والمسافة بين الراوي والبطل.
ربما تكون محاولة إجبار الكتاب على اختيار جانب واحد هي المشكلة نفسها. فقد أثبت "الأيام" أن الحقيقة الشخصية لا تدخل الأدب من دون أن تتغير صورتها. ليس مطلوبًا أن تصبح كذبًا لكي تصبح أدبًا، ولا أن تتخلى عن جماليات السرد لكي تبقى سيرة.
وقد تناولت مقالة أخرى في "الورّاق الجزائري" مشكلة مشابهة من جهة مختلفة عند بحث ما فعلته السينما بحياة عالم الرياضيات جون ناش في A Beautiful Mind: ما الحقيقة في قصة جون ناش وما الذي غيّره الفيلم؟. هناك كانت السينما تغيّر السيرة لكي تحول تجربة داخلية إلى صور. أما في "الأيام"، فالكاتب نفسه هو الذي يحول حياته إلى لغة، لكن السؤال يظل قريبًا: ماذا يحدث للواقع حين يصبح حكاية؟
ويظهر السؤال نفسه بصورة أخرى في تيتانيك: هل كانت قصة جاك وروز حقيقية؟، حيث تختلط الذاكرة الشعبية للتاريخ بما صنعته الحكاية. الفرق أن "الأيام" لا تضع شخصيات متخيلة في قلب واقعة تاريخية، بل تجعل صاحب الحياة نفسه مادة للفن.
ما الذي غيّره طه حسين فعلًا؟
بعد كل ذلك يمكن العودة إلى السؤال من دون الوقوع في فخ البحث عن قائمة فضائح أو "أخطاء تاريخية".
طه حسين غيّر أولًا موقعه من حكايته. فصل بين الكاتب والصبي، وجعل ذاته القديمة قابلة للمراقبة والنقد والسخرية والشفقة.
وغيّر ثانيًا شكل الزمن. لم يقدم كل ما عاشه بالوزن نفسه، بل جعل بعض اللحظات تتضخم لأنها تركت أثرًا عميقًا، وترك سنوات وأحداثًا تمر سريعًا أو تختفي.
وغيّر ثالثًا طريقة حضور الأشخاص. بعضهم بقي داخل صفة عائلية أو اجتماعية، وبعضهم خرج إلى الاسم والتاريخ، بما يخدم زاوية النظر إلى العالم.
وغيّر رابعًا المادة الخام للذاكرة حين صاغها في مشاهد وحوار وإيقاع وتكرار ومفارقة. لم يعد الماضي مجرد شيء وقع، بل صار شيئًا يمكن للقارئ أن يدخله.
لكنه، في حدود ما نستطيع إثباته، لا يعطينا سببًا كافيًا لكي نحول هذا كله إلى اتهام بأن الكاتب اخترع حياته. الفرق بين التشكيل الأدبي والتزوير أكبر من أن نمحوه بجملة واحدة.
كل سيرة ذاتية تقول الحقيقة بطريقة ما، لكنها لا تقول كل الحقيقة، ولا تستطيع ذلك. اختيار البداية حقيقة، واختيار النهاية حقيقة أخرى، وحذف حادثة واختيار غيرها يغيّر الصورة حتى لو لم تُختلق واقعة واحدة.
الكاتب لا يحتاج إلى أن يضيف حادثة كاذبة لكي يصنع معنى. أحيانًا يكفي أن يضع حادثتين متجاورتين، أو أن يمنح موقفًا صفحة كاملة وآخر سطرًا واحدًا، أو أن يترك الشخص بلا اسم.
أين تنتهي السيرة إذن ويبدأ الأدب؟
ربما لا توجد نقطة نستطيع أن نضع عندها خطًا ونقول: إلى هنا كانت الحياة، ومن هنا بدأ الأدب.
يبدأ الأدب منذ اللحظة التي يقرر فيها الكاتب أي يوم يستحق أن يُروى، ومن الذي سيدخل المشهد، وأين يبدأ، وأين ينتهي، وبأي ضمير سيحكيه. لكنه يظل سيرة ما دام هناك التزام جوهري بأن هذه الحياة هي حياته، وأن العالم الذي يعيده إلى الصفحة متصل بتجربة عاشها لا بشخصية اخترعها من الصفر.
قوة "الأيام" تأتي من هذه المنطقة بين الاثنين. لو كان مجرد سجل دقيق لمراحل التعليم، لقرأناه بوصفه وثيقة عن رجل مهم. ولو كان رواية خيالية خالصة، لفقد ذلك التوتر الخاص الذي ينشأ من معرفتنا بأن الصبي كان موجودًا فعلًا وأن الجرح والخوف والطموح كانت لها جذور في حياة الكاتب.
نحن نقرأه لأننا نعرف أن الحياة حقيقية، ونبقى فيه لأن الطريقة التي رويت بها هذه الحياة أدب.
وربما كانت المفارقة الأجمل أن طه حسين حين أبعد نفسه عن ذاته بضمير الغائب جعل القارئ أقرب إليها. الصبي لم يعد مجرد اسم كبير في تاريخ الثقافة العربية حين كان صغيرًا، بل طفلًا لا يعرف النهاية التي نعرفها نحن. وبهذا يستعيد شيئًا يخسره المشاهير عادة حين تتحول طفولتهم إلى مقدمة حتمية لنجاحهم: حقهم في أن يكون مستقبلهم مجهولًا وهم يعيشون أيامهم الأولى.
لهذا لا تكمن قيمة "الأيام" في أنها تخبرنا فقط كيف أصبح طه حسين طه حسين، بل في أنها تكشف شيئًا أوسع عن الذاكرة نفسها. نحن حين نحكي حياتنا لا نستعيدها كما كانت تمامًا. نختار، ونرتب، ونفسر، ونكتشف أحيانًا معنى لم نكن نراه ونحن نعيش الحدث.
الماضي لا يعود إلينا وحده؛ يعود ومعه الشخص الذي أصبحنا عليه.
إذا كتب كل واحد منا قصة طفولته اليوم، فكم سيكون ما يكتبه ذكرى خالصة، وكم سيكون حياة أعاد الحاضر ترتيبها ليمنحها معنى؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق