اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

آنا كارينينا: هل استوحى تولستوي بطلة الرواية من امرأة حقيقية؟

بورتريه ماريا ألكسندروفنا غارتونغ ابنة بوشكين التي ارتبط مظهرها بشخصية آنا كارينينا
ماريا ألكسندروفنا غارتونغ، ابنة ألكسندر بوشكين. ربطت شهادات من محيط تولستوي بين مظهرها وبعض الملامح الخارجية لآنا كارينينا. لوحة لإيفان ماكاروف، نحو 1860، متحف ليف تولستوي.
امرأتان حقيقيتان، ومصير متخيَّل: كيف صنع تولستوي واحدة من أشهر شخصيات الرواية؟

هل كانت آنا كارينينا امرأة حقيقية عرفها ليف تولستوي ثم نقل قصتها إلى الرواية؟ يبدو السؤال بسيطًا، لكن البحث وراءه يقود إلى نتيجة أكثر إثارة من الجواب المعتاد. لم توجد، فيما نعرف، امرأة واحدة عاشت حياة آنا كارينينا بكل تفاصيلها ثم غير تولستوي اسمها. الشخصية متخيلة، لكن تكوينها لم يأت من فراغ: امرأة حقيقية تركت أثرًا في مظهرها، وأخرى تركت مأساة موتها أثرًا عميقًا في مصيرها، ثم جاء الأدب ليحوّل هذه العناصر المتفرقة إلى إنسانة روائية لا يمكن ردها إلى أي واحدة منهما.

والجواب المختصر الذي يمكن أن يبدأ منه القارئ هو هذا: آنا كارينينا ليست صورة أدبية لامرأة حقيقية بعينها. تشير الأدلة إلى أن تولستوي استلهم بعض ملامحها الخارجية من ماريا ألكسندروفنا غارتونغ، ابنة الشاعر ألكسندر بوشكين، بينما ترتبط النهاية تحت عجلات القطار بواقعة حقيقية هي انتحار آنا ستيبانوفنا بيروغوفا سنة 1872. أما آنا التي نعرفها في الرواية، بعلاقتها بفرونسكي وكارينين وابنها وبالمجتمع الذي يحاصرها، فهي بناء أدبي أوسع بكثير من هذين المصدرين.

هذا الفرق مهم. فالسؤال ليس في النهاية: "من كانت آنا كارينينا الحقيقية؟"، بل: كيف يستطيع الروائي أن يأخذ هيئة من امرأة، وحادثة من حياة أخرى، ومشاهد من المجتمع الذي يعيش فيه، ثم يصنع من ذلك كله شخصية تبدو لنا أكثر واقعية من كثير من الأشخاص الذين حفظت كتب التاريخ أسماءهم؟


ماريا غارتونغ: المرأة التي لفتت نظر تولستوي

في سنة 1868 التقى تولستوي ماريا ألكسندروفنا غارتونغ، الابنة الكبرى لألكسندر بوشكين. لم تكن شخصية مجهولة في المجتمع الروسي؛ فقد حملت اسم واحد من أكبر شعرائه، وعاشت في الدائرة الاجتماعية التي كان تولستوي يعرفها جيدًا. لكن ما يجعل اللقاء مهمًا بالنسبة إلى آنا كارينينا هو شهادة تاتيانا كوزمينسكايا، شقيقة زوجة تولستوي، التي عرفت الأشخاص والبيئة التي خرجت منها الرواية.

بحسب ما سجلته كوزمينسكايا، لم تكن ماريا غارتونغ نموذجًا لحياة آنا ولا لطبعها، وإنما لمظهرها. وهذا التفصيل يحمي الحكاية من المبالغة التي لحقت بها لاحقًا. فحين يقال إن ابنة بوشكين كانت "آنا كارينينا الحقيقية" تضيع الدقة تمامًا؛ لأن الشهادة المنقولة من محيط تولستوي تضع حدًا واضحًا: التشابه في الهيئة الخارجية، لا في السيرة ولا المصير.

كانت غارتونغ في اللقاء ترتدي الأسود، وتلفت الانتباه بأناقتها وحركتها وشعرها الداكن وتلك الخصل الملتفة عند العنق. وهذه التفاصيل تستدعي فورًا ظهور آنا في بعض أكثر مشاهد الرواية شهرة، خصوصًا حضورها في الثوب الأسود وقدرتها على السيطرة على المجال من حولها من غير استعراض مباشر.

ليس هذا إثباتًا بأن تولستوي جلس بعد اللقاء ونسخ ملامح ماريا غارتونغ واحدة واحدة. الكتابة الروائية لا تعمل بهذه البساطة. لكن لدينا هنا شهادة قريبة من الكاتب، ومؤسسة متخصصة هي متحف ليف تولستوي تعرض هذا الارتباط ضمن تاريخ نشوء الرواية. ولذلك يمكن وضع هذا الجزء من الحكاية ضمن ما تدعمه الأدلة بقوة، لا ضمن الأساطير التي أضيفت لاحقًا.

واللافت أن صورة ماريا التي بقيت لنا تساعد على فهم ما قد يكون جذب عين الروائي. ليست المسألة جمالًا مثاليًا بالمعنى التقليدي، بل حضورًا مركبًا: وقار اجتماعي، أناقة، شيء من الغموض، وملامح تسمح للعين بأن تتوقف عندها. هذه صفات أقرب إلى طريقة تولستوي في تقديم آنا من مجرد وصف امرأة "جميلة".

أما النهاية فجاءت من امرأة أخرى

إذا كانت ماريا غارتونغ تساعدنا على الاقتراب من المظهر، فإن الطريق إلى مصير آنا يقود إلى اسم آخر: آنا ستيبانوفنا بيروغوفا.

كانت بيروغوفا مرتبطة بألكسندر بيبيكوف، أحد ملاك الأراضي القريبين من ياسنايا بوليانا، ضيعة تولستوي. وفي يناير/كانون الثاني 1872، بعد أزمة عاطفية مرتبطة بعلاقتها به، ذهبت إلى خط السكة الحديد وألقت بنفسها أمام قطار بضائع. كان موتها عنيفًا، وعرف تولستوي المرأة والظروف المحيطة بالقصة، بل رأى جثمانها بعد الحادث.

يصعب بعد ذلك أن يقرأ المرء نهاية آنا كارينينا بوصفها مصادفة لا صلة لها بشيء عاشه الكاتب في محيطه. المصادر المرتبطة بأعمال تولستوي وسيرته نفسها تذكر الواقعة بوصفها من العناصر التي أوحت بمصير البطلة. والأكثر دلالة أن الحادثة وقعت سنة 1872، بينما بدأ تولستوي كتابة الرواية في مارس/آذار 1873.

الفاصل الزمني قصير جدًا. لم تكن بيروغوفا أسطورة بعيدة سمع بها الكاتب في طفولته، بل مأساة حديثة من عالم يعرفه، مرتبطة بأشخاص يعرفهم وبمكان قريب منه.

ومع ذلك، حتى هنا يجب ألا نقفز من التأثير إلى التطابق. بيروغوفا ليست آنا كارينينا. لم تكن زوجة أليكسي كارينين، ولم تعش قصة الرواية مع فرونسكي، ولم تمر بالبناء النفسي والاجتماعي نفسه. الذي انتقل إلى الأدب أساسًا هو قوة الواقعة وصورتها: امرأة دفعتها أزمة عاطفية إلى السكة الحديد، والقطار الذي يحوّل لحظة اليأس إلى نهاية لا رجعة فيها.

ومن هنا يصبح من الأدق أن نقول إن بيروغوفا كانت وراء أحد أكثر القرارات السردية حسمًا في الرواية، لا أنها كانت الأصل الكامل للشخصية.

لماذا يبدأ أثر الموت قبل أن تموت آنا؟

ما فعله تولستوي بالواقعة الحقيقية أهم من مجرد استعارة طريقة الموت. فالقطار لا يظهر فجأة في الصفحات الأخيرة ليؤدي وظيفة ميكانيكية هي قتل البطلة. إنه موجود منذ دخول آنا إلى الحكاية.

تلتقي آنا بفرونسكي في محطة القطار، وهناك يقع موت عرضي لعامل على السكة. منذ البداية إذن تجتمع في مكان واحد ثلاثة أشياء ستصبح مركزية في مصيرها: القطار، وفرونسكي، والموت.

ولا يحتاج القارئ إلى اعتبار ذلك "نبوءة" بالمعنى الغيبي. تولستوي يبني شبكة من الإشارات تجعل النهاية كامنة في بداية العلاقة نفسها. وسيلة النقل التي تجمع الشخصيتين تصبح لاحقًا وسيلة الفصل النهائي بين آنا والعالم.

وهذا بالضبط هو المكان الذي يتحول فيه المصدر الواقعي إلى فن. الحادثة التي وقعت لبيروغوفا كانت حدثًا واحدًا وقع في يناير 1872. أما في الرواية، فإن السكة والقطارات والمحطات تصبح فضاءً للقاء والرحيل والخوف والموت. الواقع يعطي الكاتب الشرارة، لكن البنية الأدبية تمنحها المعنى.

لو أن تولستوي اكتفى بنقل حادثة امرأة ألقت بنفسها تحت القطار، لبقيت لدينا قصة مأساوية مستمدة من خبر حقيقي. لكن الرواية تفعل شيئًا آخر: تجعل القطار جزءًا من النظام النفسي للنص. صوته وحركته والازدحام المحيط بالمحطات يرافقان علاقة تتجه تدريجيًا إلى نقطة لا تستطيع البطلة الرجوع منها.

بوشكين كان حاضرًا أيضًا عند ولادة الرواية

ثمة مصدر ثالث لا ينبغي أن يضيع بين البحث عن النساء الحقيقيات: الأدب نفسه.

بدأ تولستوي العمل على آنا كارينينا في مارس 1873 بعد قراءته بوشكين. وتشير رسائله وتاريخ مخطوطات الرواية إلى أن دفعة قوية جاءت من قراءته قطعة بوشكينية غير مكتملة تبدأ باجتماع ضيوف في منزل ريفي. وقد وصف تولستوي نفسه بداية الفكرة في رسالة إلى الناقد نيكولاي ستراخوف بأنها جاءت بصورة غير متوقعة وبفضل بوشكين.

هذه الحقيقة تجعل وجود ماريا غارتونغ في تاريخ الرواية أكثر طرافة: ابنة بوشكين تمنح البطلة شيئًا من هيئتها، ونثر بوشكين يمنح تولستوي دفعة نحو شكل الرواية نفسها.

لكن الأمر لا يعني أن آنا كارينينا رواية مشتقة من نص بوشكين. المخطوطات تبين أن تولستوي أعاد كتابة البداية مرارًا، وأن المشروع تغير كثيرًا. النص الذي نعرفه اليوم لم يظهر مكتملًا في لحظة إلهام واحدة، بل خرج من سنوات من الحذف والتوسيع وإعادة النظر في الشخصيات وفي موقف الكاتب منها.

وهذا يفيدنا في تفكيك فكرة "النموذج الحقيقي". الشخصية العظيمة لا تُلتقط عادة من الشارع مكتملة ثم توضع في كتاب. إنها تنمو أثناء الكتابة نفسها. قد يبدأ الروائي بوجه يعرفه أو حادثة سمعها أو صورة بقيت في ذاكرته، لكن الشخصية تبدأ بعد ذلك في فرض منطقها الخاص داخل النص.

آنا الأولى لم تكن آنا التي نعرفها

حين بدأ تولستوي مشروعه لم تكن شخصية آنا قد وصلت بعد إلى التعقيد الذي نعرفه في النسخة النهائية. المسودات المبكرة تكشف عملية بحث طويلة عن شكل الرواية وعن علاقتها الأخلاقية ببطلتها. تغيرت النبرة، وتغيرت التفاصيل، واتسع العمل حتى أصبح شيئًا أكبر بكثير من حكاية امرأة تخون زوجها.

وهذه نقطة أساسية؛ لأن الاعتقاد بوجود "امرأة حقيقية" وراء الشخصية يدفعنا من دون أن نشعر إلى البحث عن تفسير كل شيء في سيرتها. لماذا أحبت فرونسكي؟ نبحث عن رجل حقيقي. لماذا كرهت وضعها الاجتماعي؟ نبحث عن واقعة تاريخية. لماذا وصلت إلى اليأس؟ نفتش في حياة امرأة ما عن تشخيص جاهز.

لكن تولستوي لا يبني آنا بهذه الطريقة. إنه يدخل قارئه إلى وعيها، ويجعلنا نرى كيف تتغير نظرتها إلى نفسها وإلى فرونسكي وإلى كارينين وإلى المجتمع. هذه الحياة الداخلية ليست وثيقة عن امرأة تاريخية؛ إنها نتيجة العمل الروائي نفسه.

وكلما تقدمت الرواية أصبح من الأصعب فصل "الذنب الشخصي" عن ضغط البيئة التي تعيش فيها. المجتمع الروسي الأرستقراطي في الرواية يستطيع التساهل مع الخيانة ما بقيت خلف الأبواب وفي حدود النفاق المقبول، لكنه يصبح أكثر قسوة حين تتحول العلاقة إلى تحد علني لقواعده. الرجل والمرأة لا يدفعان الثمن الاجتماعي نفسه، وآنا تكتشف ذلك بالتدريج.

هنا تتجاوز الشخصية أي نموذج واقعي محتمل. إننا لا نقرأ فقط قصة امرأة أحبت رجلًا غير زوجها، بل نقرأ تجربة امرأة تحاول أن تعيد بناء حياتها خارج النظام الذي منحها أصلًا مكانتها واسمها واحترامها الاجتماعي.

هل أدان تولستوي آنا أم تعاطف معها؟

هذا السؤال أصعب كثيرًا من البحث عن نموذجها الواقعي، وربما هو السبب الذي أبقى الشخصية حية إلى اليوم.

يمكن العثور في الرواية على نظرة أخلاقية شديدة إلى الأسرة والزواج والمسؤولية، كما أن تولستوي قال في السنوات التي كان ينجز فيها العمل إن الفكرة العائلية تحتل موقعًا أساسيًا فيه. لكن اختزال الرواية إلى درس يقول إن "الخيانة تؤدي إلى العقاب" يجعل معظم ما كتبه بلا ضرورة.

لو كان الهدف مجرد إصدار حكم على آنا لما احتاج تولستوي إلى أن يمنحها كل هذا الحضور الداخلي، وأن يجعل القارئ يرى العالم عبر حساسيتها وقلقها واندفاعها وشكوكها.

بل إن المفارقة أن الشخصية تصبح أكثر إنسانية كلما اقتربت من الكارثة. القارئ يستطيع أن يرى أخطاءها من دون أن يتوقف عن الشعور بمأساتها. ويمكنه أن يفهم كارينين أحيانًا من دون أن يصبح خصمًا لآنا، وأن يرى ضعف فرونسكي من دون أن يحوله إلى شيطان أحادي البعد.

هذا التوزيع المعقد للتعاطف هو ما يفصل الرواية عن الحكاية الأخلاقية البسيطة. لا يوجد فيها طرف يحتكر الحقيقة كلها.

ولذلك فإن محاولة معرفة المرأة "الحقيقية" التي تقف وراء آنا يمكن أن تكون ممتعة من الناحية التاريخية، لكنها تصبح مضللة إذا استخدمناها مفتاحًا وحيدًا لفهم الرواية. فماريا غارتونغ تخبرنا شيئًا عن المظهر، وبيروغوفا تخبرنا شيئًا عن أصل النهاية، لكنهما لا تستطيعان تفسير الشخصية كلها.

ما الذي صنعه تولستوي من حادثة بيروغوفا؟

في الحياة الواقعية يمكن اختصار حادثة بيروغوفا في بضعة أسطر: علاقة مضطربة، امرأة مجروحة، سكة حديد، وموت. أما الرواية فتضع قبل اللحظة النهائية مئات الصفحات من الخبرة الإنسانية.

وهذه المسافة هي الأدب.

تولستوي لا يطلب منا أن نرى الموت فقط، بل أن نصل إليه بعد أن عرفنا آنا وهي أم، وامرأة مرغوبة، وزوجة، وعاشقة، وشخصًا قادرًا على الفرح والغيرة والقسوة والحنان في الوقت نفسه. لذلك لا يكون القطار تفسيرًا لموتها، بل نهايته المادية فحسب.

الموت الحقيقي يمكن تسجيله في تقرير. أما الرواية فتسأل: كيف تصل النفس إلى النقطة التي يبدو فيها إلغاء الذات ممكنًا؟

وهنا يجب الحذر من تحويل الأدب إلى تشخيص نفسي بأثر رجعي. النص لا يمنحنا ملفًا طبيًا لآنا، ولا نحتاج إلى أن نضع عليها تسمية حديثة لكي نفهم تدهورها. ما يعرضه تولستوي هو تراكم: العزلة الاجتماعية، والانفصال عن الابن، وعدم استقرار وضعها مع فرونسكي، والغيرة، وفقدان شبكة العلاقات التي كانت تمنح حياتها شكلًا، ثم تضيق الرؤية تدريجيًا حتى يصبح الألم هو الشيء الذي يملأ المجال كله.

بهذا المعنى أخذ تولستوي نهاية واقعية، لكنه اخترع الطريق إليها.

امرأة من الواقع أم امرأة من الأدب؟

إذا أردنا ترتيب الأدلة بعيدًا عن الحكايات الشعبية، يمكن القول إن أمامنا ثلاث طبقات واضحة.

الطبقة الأولى قوية التوثيق: تولستوي عرف ماريا غارتونغ، وشهادة تاتيانا كوزمينسكايا تربط مظهرها الخارجي بصورة آنا، لا حياتها ولا طبعها. كذلك وقعت مأساة آنا بيروغوفا سنة 1872، وعرف تولستوي صاحبتها ورأى جثمانها، وتربط المصادر المحيطة بتاريخ الرواية هذه الواقعة بمصير آنا تحت القطار.

الطبقة الثانية هي الاستنتاج الأدبي المعقول: أن ذكريات هاتين المرأتين، مع معرفة تولستوي الواسعة بالمجتمع الروسي، اختلطت في أثناء الكتابة بعناصر أخرى لا يمكن تحديد مصدر واحد لها.

أما الطبقة الثالثة فهي الأسطورة السهلة التي تبحث دائمًا عن اسم واحد وتقول: "هذه هي آنا كارينينا الحقيقية". لا توجد أدلة كافية تسمح بهذا الاختزال.

والطريف أن البحث عن "الشخص الحقيقي" وراء شخصية روائية يكشف شيئًا فينا نحن القراء أيضًا. حين تبدو الشخصية مقنعة جدًا، يصعب علينا قبول أنها لم تعش. نشعر بأن هذا المقدار من التناقض والخوف والرغبة لا بد أن يكون منقولًا عن إنسان موجود.

لكن هذه ربما تكون إحدى قدرات الرواية الكبرى: أن تجعل شخصًا لم يوجد قط يمتلك تاريخًا نفسيًا في ذاكرتنا، بينما تتحول المرأة الواقعية التي ألهمت جزءًا من الحكاية إلى هامش يحتاج الباحثون إلى استعادته.

الاسم الذي غلب أسماء النساء الحقيقيات

ماريا غارتونغ عاشت فعلًا. وآنا بيروغوفا عاشت فعلًا. لكل منهما تاريخها الخاص الذي لا ينبغي اختزاله في وظيفة "إلهام تولستوي".

لكن المفارقة أن الاسم الذي يعرفه ملايين القراء ليس اسم أي منهما، بل اسم امرأة لم توجد: آنا كارينينا.

هذا لا يعني أن الفن أهم من الحياة، بل يكشف طبيعة مختلفة للذاكرة. التاريخ يحفظ أن شخصًا عاش وحدث له شيء ما، بينما الأدب يستطيع أن يمنح التجربة شكلًا يجعل أناسًا بعيدين في اللغة والزمن يتعرفون إلى شيء من أنفسهم فيها.

فالقارئ لا يحتاج إلى أن يكون امرأة روسية من طبقة أرستقراطية في سبعينيات القرن التاسع عشر لكي يفهم خوف آنا من فقد الحب، أو حاجتها إلى أن تكون حياتها أكثر من الدور الاجتماعي المرسوم لها، أو كيف تتحول الغيرة حين تنغلق النفس على نفسها إلى آلة تعيد تفسير كل إشارة باعتبارها تهديدًا.

لهذا كانت الشخصية أكبر من مصادرها. ماريا قد تمنحها انحناءة العنق والثوب الأسود والشعر، وبيروغوفا قد تمنح الحكاية صورة القطار والموت، وبوشكين قد يمنح تولستوي دفعة الكتابة، لكن الرواية هي التي صنعت آنا.

من حادثة محدودة إلى سؤال عن الحرية

حين ننظر إلى آنا كارينينا من خلال سؤال "هل كانت حقيقية؟" نبدأ من فضول تاريخي، لكننا ننتهي أمام مشكلة أدبية أوسع.

ما مقدار الحرية الذي يملكه الإنسان حين تكون هويته كلها متشابكة مع الأسرة والطبقة والسمعة؟ وهل يكفي أن يكسر القاعدة لكي يصبح حرًا؟ أم أن الخروج من نظام اجتماعي لا يعني بالضرورة امتلاك بديل قادر على حماية الفرد؟

آنا تكسر جزءًا من النظام، لكنها لا تنجو منه تمامًا. تبقى محتاجة إلى الاعتراف الذي حرمها منه، وإلى الأمان الذي فقدته، وإلى حب فرونسكي بوصفه التعويض شبه الوحيد عن العالم السابق. وعندما يحمل شخص واحد كل هذا العبء، يصبح أي تغير في نظرته أو سلوكه أكبر من حجمه الحقيقي.

وهنا تظهر قيمة الخط الثاني في الرواية، قصة ليفين وكيتي. ليست وظيفتهما أن يقدما "الحب الصحيح" في مقابل "الحب الخاطئ" بطريقة مدرسية، بل أن يسمحا للرواية بأن تضع أشكالًا مختلفة من الأسرة والحب والعمل اليومي والبحث عن معنى الحياة في المجال نفسه.

لهذا يصعب اختزال آنا كارينينا في قصة علاقة عاطفية مأساوية. حتى تولستوي نفسه كان يرى "فكرة الأسرة" في قلب العمل. والحياة الأسرية في الرواية ليست جنة مقابلة للرغبة، بل مكانًا آخر للنقص والتفاوض والتعب والاستمرار.

إذن، هل استوحى تولستوي آنا كارينينا من امرأة حقيقية؟

نعم، إذا كان المقصود أن نساء حقيقيات تركن آثارًا يمكن توثيقها في تكوين الشخصية ومصيرها.

ولا، إذا كان المقصود أن هناك امرأة واحدة يمكن أن نشير إليها ونقول: هذه هي آنا كارينينا التي غير تولستوي اسمها فقط.

ماريا ألكسندروفنا غارتونغ تساعدنا على فهم بعض الملامح التي ثبتت في عين الكاتب. وآنا ستيبانوفنا بيروغوفا تقف وراء الواقعة الأكثر ظلمة في مصير البطلة. وبين الاثنتين توجد سنوات من الكتابة وإعادة الكتابة، وقراءة بوشكين، وتجربة تولستوي للمجتمع والأسرة، وقدرته على خلق حياة داخلية مستقلة للشخصية.

ولهذا ربما تكون العبارة الأدق أن آنا كارينينا لها جذور في الواقع، لكنها لم تكن موجودة إلا في الأدب.

والفرق بين الجملتين هو الفرق بين النسخ والخلق.

الروائي الذي ينسخ امرأة حقيقية يترك لنا صورة عنها. أما تولستوي فأخذ شظايا من الواقع وجعل بينها علاقات لم تكن موجودة من قبل، حتى نشأت شخصية تستطيع أن تنفصل عن مصادرها وتعيش في أذهان القراء.

بعد أكثر من قرن، نستطيع النظر إلى بورتريه ماريا غارتونغ والبحث في وجهها عن آنا. ونستطيع قراءة قصة بيروغوفا فنشعر بالصدمة من التشابه مع النهاية. لكن ما إن نفتح الرواية حتى يحدث العكس: لا نعود نبحث عن امرأة وراء آنا، بل نبدأ في رؤية العالم من خلال آنا نفسها.

وهنا ينجح الأدب في فعل شيء غريب: يبدأ من أشخاص حقيقيين، ثم يصنع إنسانًا لم يوجد، وبعد ذلك يجعل ذلك الإنسان المتخيَّل أكثر حضورًا في الذاكرة من مصادره الواقعية.

إذا كانت آنا كارينينا قد صُنعت من أجزاء متفرقة من الواقع، فهل معرفة نماذجها الحقيقية تقرّبنا منها أكثر، أم أن قوة الشخصية تبدأ تحديدًا عند النقطة التي تنفصل فيها عن كل نموذج؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق