اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

تحليل قصيدة "جدارية" لمحمود درويش

 

بورتريه مائي للشاعر الفلسطيني محمود درويش رافعًا يده، أمام خلفية هادئة مستوحاة من أجواء قصيدة "جدارية".

حين حاور الشاعر الموت وبحث عن الخلود في اللغة

بقلم: الورّاق الجزائري

كان الموت حاضرًا في شعر محمود درويش قبل "جدارية" بسنوات طويلة، فقد عرفه في صور الشهيد والمنفي والوطن المهدد، ورآه يتسلل إلى تفاصيل الحياة الفلسطينية حتى يغدو احتمالًا يوميًا لا حادثة بعيدة. غير أن حضوره في هذه القصيدة يختلف عما سبقه؛ إذ لم يعد خبرًا يأتي من الخارج أو مصيرًا يصيب الآخرين، بل صار واقفًا عند سرير الشاعر، قريبًا من قلبه بالمعنى الجسدي المباشر. ومن هذه المسافة الضيقة بين نبضة وأخرى بدأت واحدة من أوسع قصائده أفقًا وأكثرها انشغالًا بمصير الإنسان.

كتب درويش "جدارية" بعد أزمة صحية خطرة وجراحة في القلب أجريت له في باريس في أواخر تسعينيات القرن العشرين، ثم صدرت القصيدة في كتاب مستقل سنة 2000. وتفسر هذه التجربة بعض مشاهد المستشفى والغيبوبة والبياض التي تملأ بدايتها، لكنها لا تختصر معناها. فالشاعر لا يقدم سجلًا طبيًا، ولا يكتفي بوصف الخوف الذي رافق العملية، وإنما يعيد بناء اللحظة في الخيال حتى تصبح مناسبة لسؤال أقدم من المرض وأبقى منه: ماذا يظل من الإنسان عندما يتوقف جسده عن الكلام؟

لهذا تتحرك القصيدة في أكثر من اتجاه. إنها سيرة ذاتية تعود إلى الاسم والطفولة والمنفى والحب، وتأمل فلسفي في الزمن والعدم، وحوار مع التراث الديني والأسطوري، وقصيدة عن الشعر نفسه وقدرته المحدودة على مقاومة الزوال. وتتجاور هذه المستويات من غير أن يذوب أحدها في الآخر؛ فمحمود درويش المريض يظل حاضرًا، والشاعر الفلسطيني لا يغيب، لكن تجربتهما تنفتح على قارئ لا يحتاج إلى أن يكون فلسطينيًا أو شاعرًا كي يشعر أن السؤال موجه إليه.

تنبع قيمة "جدارية" من أن درويش لم يحول تجربة الاقتراب من الموت إلى حكمة مطمئنة. لقد أبقى الخوف حيًا، وترك الأسئلة مفتوحة، وسمح لصوته بأن يتردد بين التحدي والرجاء والسخرية والقبول. لذلك لا تقدم القصيدة جوابًا نهائيًا عن الموت، بل تكشف ما يحدث للوعي حين يرى نهايته قريبة، ثم يحاول أن يصنع من ذلك القرب لغة قابلة للبقاء.


من سرير المستشفى إلى جدارية الكلمات

تبدأ التجربة في فضاء منزوع الملامح، تغمره بياضات المستشفى ويتراجع فيه الإحساس بالزمن والمكان. لا يعرف المتكلم على وجه اليقين أين يقف: أهو عائد من الغيبوبة، أم ما يزال في الممر الواقع بين الحياة والموت؟ ويتناسب هذا الالتباس مع تجربة الجسد حين يفقد سيطرته على نفسه؛ فالأشياء التي كانت بديهية، مثل معرفة المكان أو الإحساس بتتابع الساعات، تصبح أسئلة تحتاج إلى إعادة اكتشاف.

في هذا الفراغ يظهر الاسم بوصفه أول ما يعيد الذات إلى نفسها. يسمعه الشاعر من امرأة غامضة ثم تختفي، فيبدو النداء كأنه إثبات مؤقت لوجوده. وما دام الاسم قابلًا للنطق، فإن صاحبه لم يتحول بعد إلى غياب كامل. غير أن الاسم يحمل مفارقة خفية؛ فهو يستطيع أن يبقى بعد موت الجسد، لكنه قد ينفصل عندئذ عن الإنسان الحي الذي حمله، ويتحول إلى أثر يتداوله الآخرون.

أما المرأة التي تظهر في المشهد الأول فلا يمنحها النص هوية حاسمة. قد تكون ممرضة التقط صوتها وعي المريض، وقد تكون صورة للحياة أو رسولًا جاء من الجهة الأخرى. هذا الغموض لا يطلب حلًا، لأن وظيفته أن يحفظ المشهد في المنطقة الفاصلة بين الواقعي والحلمي. لقد أخذت القصيدة مادة ملموسة من المستشفى، ثم وسعتها حتى صار الممر طريقًا لولبيًا، وصار النداء إعلانًا عن ولادة جديدة أو بداية رحيل مؤجل. ومن هنا تتضح دلالة العنوان. فالجدارية أثر واسع يثبت على جدار ويقاوم سرعة العبور، كما أنها تتكون من مشاهد تتجاور في مساحة واحدة. وقصيدة درويش مبنية على هذا النحو؛ إذ تتراكم فيها طبقات من السيرة والأسطورة والذاكرة، ويتجاور الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل. وإذا كان الجسد مهددًا بالمحو، فإن الشاعر يقيم له جسدًا لغويًا يظل معروضًا أمام الزمن، وإن لم يكن خالدًا بالمعنى المطلق.

لا تعني هذه التسمية أن القصيدة نصب يمجد صاحبه. فالجدارية، على سعتها، معلقة على جدار يمكن أن يتشقق، واللغة نفسها معرضة للنسيان وسوء الفهم. ولذلك يسكن القلق عنوان النص كما تسكنه الرغبة في البقاء. إن الشاعر يبني أثره وهو يعرف أن كل أثر بشري محدود، وهذه المعرفة هي التي تحمي القصيدة من الادعاء.


الاسم والهوية حين تتفكك صورة الذات

يعيد الاقتراب من الموت ترتيب السؤال عن الهوية. ففي الحياة اليومية يعرف الإنسان نفسه من خلال جسده وبيته ووثائقه وعلاقاته وماضيه، لكن هذه العلامات تتراجع في الغيبوبة، ولا يبقى منها سوى شذرات متناثرة. لذلك لا تتعامل "جدارية" مع الذات بوصفها حقيقة مكتملة، بل بوصفها بناء يمكن أن يتصدع حين ينقطع خيط الذاكرة أو يعجز الجسد عن الاستجابة.

تتعدد الضمائر في القصيدة، فيخاطب الشاعر نفسه أحيانًا كما لو كان شخصًا آخر، ويوجه الكلام إلى الموت، ثم يتسع صوته ليقترب من صوت الجماعة. ويكشف هذا الانتقال أن الأنا لا تعيش منفردة؛ فهي تتكون مما قاله الآخرون عنها، ومن الأمكنة التي عبرتها، ومن اللغة التي ورثتها وأضافت إليها. وحين يسأل الشاعر عن مصيره، يعود في الوقت نفسه إلى كل ما صنع صورته في العالم.

يحمل الاسم هنا بعدًا فلسطينيًا لا يمكن إغفاله. فدرويش ابن قرية محيت، وشاعر شعب تعرض مكانه واسمه وروايته للإنكار. ولهذا يلتقي خوف الفرد من الغياب بخبرة جماعية تعرف معنى أن يصبح إثبات الوجود فعل مقاومة. ومع ذلك لا يجوز رد القصيدة كلها إلى الرمز الوطني؛ لأن درويش يتعمد أن يحتفظ بحقه في أن يكون فردًا يخشى موتًا خاصًا، لا ممثلًا سياسيًا يتحدث باسم القضية في كل لحظة.

هذا التوازن من أهم إنجازات النص. فلسطين حاضرة في طبقات الذاكرة والمنفى والاقتلاع، لكنها لا تغلق المعنى على سياق واحد. لقد حمل الشاعر سؤال الهوية الفلسطينية إلى أفق إنساني أوسع، من غير أن يمحو أصله التاريخي. وبذلك يستطيع القارئ أن يرى في الاسم اسم محمود درويش، واسم الفلسطيني المهدد بالمحو، واسمه الشخصي أيضًا.

ولا تستقر الذات في نهاية هذا البحث على تعريف نهائي. إنها تظل في حالة مراجعة، كأن الاقتراب من الموت أتاح لها أن تنظر إلى صورتها من الخارج. ويتساءل النص ضمنًا عما إذا كان الإنسان هو حياته التي عاشها، أم ما كتبه عنها، أم الصورة التي تحتفظ بها ذاكرة الآخرين. لا يختار درويش جوابًا واحدًا، لكنه يبين أن كل تعريف يفقد شيئًا من الإنسان الذي يريد الإمساك به.


الموت من قوة غامضة إلى مُحاوِر يومي

لا يبقى الموت في "جدارية" فكرة مجردة. يمنحه الشاعر هيئة المخاطب، ويدعوه إلى الانتظار والجلوس، ويسأله عن الرحلة كما لو كان زائرًا ثقيلًا وصل قبل موعده. وبهذه الحيلة الفنية ينقل المجهول إلى مجال اللغة؛ فما دام الموت طرفًا في الحوار، يستطيع الشاعر أن يصفه ويماطله ويسخر من هيبته، وإن لم يستطع إلغاء سلطانه. وتأتي السخرية في بعض المقاطع من التفاصيل اليومية التي يقحمها الشاعر في المشهد المهيب. فبدل الاستعداد الأسطوري للرحيل، يفكر المسافر في حاجاته العادية وترتيب أشيائه. تبدو هذه التفاصيل مضحكة ومؤلمة في آن، لأنها تكشف عجز الإنسان عن تصور غيابه إلا بعادات الحياة نفسها. إنه يهيئ حقيبة لرحلة يعرف أن الأمتعة لن تنفع فيها، لكنه يتمسك باللغة المنزلية كي يمنع الموت من احتكار المشهد.

ومع ذلك لا تتحول المواجهة إلى بطولة زائفة؛ فالمتكلم يعرف أن خصمه أقوى من الطب ومن حيل البلاغة، وأن نجاته من العملية ليست سوى تأجيل. لذلك يتغير صوته بين مقطع وآخر؛ يتحدى حين يشعر بقوة القصيدة، ويرجو المهلة حين يتذكر ما لم ينجزه، ثم يقترب من القبول عندما يدرك أن الموت ليس استثناءً وقع عليه وحده. هذا التردد لا يضعف الموقف، بل يجعله أقرب إلى خبرة الإنسان الحقيقية.

يبدو الموت أحيانًا ظلًا ملازمًا، لا عدوًا يأتي من خارج الحياة. فمنذ الولادة يبدأ الزمن في استهلاك الجسد، وكل يوم يضيف إلى التجربة مقدارًا من الحياة ومقدارًا من الفقد. وبهذا المعنى لا تقع المواجهة عند سرير المستشفى فقط؛ إنها قائمة في الحب والشيخوخة والذاكرة، وفي إدراك أن الأشياء الجميلة لا تدوم.

غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يقود إلى الاستسلام. فدرويش يرفض أن يمنح الموت وقارًا مجانيًا أو يجعله سيدًا مطلقًا على المعنى؛ فالموت يستطيع أن يوقف القلب، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده كيف تُقرأ الحياة التي سبقت توقفه. وهنا يبدأ عمل القصيدة؛ فهي لا تغير النهاية، لكنها تنتزع تفسير الحياة من يد الفناء.


جلجامش والتراث في رحلة البحث عن البقاء

يجد درويش في ملحمة جلجامش مرآة قديمة لتجربته. فقد بدأ الملك السومري بحثه عن الخلود بعد أن رأى الموت في جسد صديقه أنكيدو، واكتشف أن القوة والمجد لا يحميان صاحبهما من المصير البشري. أما درويش فقد رأى النهاية تقترب من جسده هو، فانطلق في رحلة لا تعبر البحار والصحارى، بل تعبر الكتب والذاكرة واللغة. فهو لا يعيد حكاية جلجامش كما وردت في الألواح، وإنما يستدعي سؤالها المركزي: ماذا يفعل الإنسان عندما يعرف أنه فان؟ والفرق أن بطل "جدارية" لا يبحث جديًا عن عشبة تعيد الشباب، فهو يعرف مصير ذلك الوهم. إنَّه يُوجِّه بحثَه إلى القصيدة، لأنها الوسيلة التي يستطيع بها تحويل التجربة الفردية إلى أثر يتجاوز زمن الجسد.

إلى جانب جلجامش، تنفتح القصيدة على إشارات دينية وصوفية وأدبية متعددة تحضر صور الخلق والقيامة والجنة والعبور، وتتداخل أصداء الموروث العربي مع الأساطير القديمة. لكن درويش لا يجمع هذه العناصر للزينة الثقافية، ولا يستدعيها لإظهار سعة معرفته. إنه يختبر من خلالها الأجوبة التي بنتها البشرية حول الموت، ثم يعيدها إلى قلق فرد يقف وحده أمام ما لا يعرف. لذلك لا تستقر "جدارية" عند يقين عقائدي مغلق، كما لا تنفي إمكان الغيب. يتقدم الشاعر حتى حدود السؤال، ويصغي إلى الصور التي منحها الدين والأسطورة للرحيل، لكنه يحتفظ بمسافة تسمح للخيال بأن يعمل. وهذا الموقف ملائم لطبيعة الشعر؛ فمهمته هنا ليست البرهنة على العالم الآخر، بل الكشف عن أثر احتماله في نفس الإنسان.

يمنح التناص القصيدة عمقًا تاريخيًا، لكنه يؤدي وظيفة أكثر قربًا أيضًا. فعندما يضع درويش خوفه إلى جانب خوف جلجامش وأسئلة الأنبياء والمتصوفة والشعراء، يخرج المرض من عزلته الشخصية. يصبح سرير المستشفى موضعًا جديدًا لسؤال قديم، وتغدو التجربة الحديثة حلقة في حوار بشري لم ينقطع منذ بدأت الكتابة.


الجسد والذاكرة والحب في صف الحياة

على الرغم من اتساع التأمل الفلسفي، تظل "جدارية" مرتبطة بالجسد. فالقلب المريض هو الباب الذي دخل منه الموت إلى القصيدة، والجسد العاجز على السرير هو الذي جعل الأسئلة ملحة. لا يحتقر درويش هذا الجسد ولا يعده سجنًا ينبغي التحرر منه؛ فهو يعرف أنه مصدر الألم، لكنه الوسيلة الوحيدة التي عرف بها العالم. فمن خلال الجسد أحب الشاعر ورأى ومشى وذاق وعرف رائحة المكان، ولذلك تستعيد القصيدة التفاصيل الحسية كلما اقتربت من التجريد. الهواء والماء والضوء واليد والأشجار ليست خلفية جمالية، بل أدلة على حياة يخشى فقدانها. وكلما صار الموت فكرة كونية أعادته صورة صغيرة إلى الأرض، كأن الحواس تحتج على تحويل الإنسان إلى مفهوم.

وتؤدي الذاكرة عملًا مشابهًا. فهي تجمع صور الطفولة والأمكنة والوجوه والرحلات، لكنها لا تعرضها وفق تسلسل السيرة التقليدية؛ فما يعود في لحظة الخطر هو ما ترك أثرًا عميقًا، لا ما يبدو مهمًا في سجل الأحداث. وقد تتقدم لمسة أو رائحة على واقعة عامة، لأن الوعي لا يقيس حياته بموازين المؤرخ. لكن الذاكرة ليست انتصارًا خالصًا على الموت؛ فما نتذكره يكون قد غاب في الغالب، ولهذا يحمل الاستذكار لذة الاستعادة وألم الفقد معًا. إن الماضي يعود في اللغة، ولا يعود في الزمن. ومن هذه المفارقة تنشأ قرابة عميقة بين الذاكرة والشعر: كلاهما ينقذ الأثر، لكنه لا يستطيع إعادة الشيء كما كان.

أما المرأة فتظهر بصور تتراوح بين الأم والحبيبة والنداء الغامض. ولا تنحصر دلالتها في شخصية بعينها، لأنها تمثل الصلة التي تعيد الفرد إلى الحياة وإلى الآخر. في مقابل الموت الذي يفصل ويعزل، يفتح الحب باب المشاركة ويمنح الزمن المحدود قيمة. ومع أن الحب لا يمنع الفناء، فإنه يقدم سببًا واضحًا للرغبة في التأجيل. لهذا لا تبدو رغبة الشاعر في البقاء تعلقًا مجردًا بطول العمر. إنه يريد مزيدًا من الوقت لأنه لم يفرغ من اختبار العالم وكتابة ما يراه؛ فالحياة في "جدارية" جديرة بأن تُعاش؛ لأنها قابلة للحب والمعرفة والخلق، ولأن محدوديتها تجعل كل تفصيل فيها غير قابل للتعويض. 


القصيدة بوصفها شكلًا من أشكال الخلود

حين يعلن الشاعر انتصاره على الموت، لا ينبغي قراءة قوله بوصفه ادعاء بالنجاة الجسدية. فهو أدرى من أن يصدق أن عملية ناجحة ألغت النهاية، وقد عاش بعد "جدارية" وهو يعرف أن المواجهة مؤجلة. المقصود أنه استطاع تحويل ما كاد يسلبه الكلام إلى مادة للكلام، وانتزع من الغيبوبة نصًا يواصل حضوره خارج غرفة المستشفى. وهذا هو انتصار الفن وحدوده في الوقت نفسه. فالقصيدة لا تعيد القلب إلى النبض ولا تضمن لصاحبها ذكرًا أبديًا، لكنها تمنع التجربة من أن تنتهي في لحظتها. يستطيع قارئ لم يكن قد وُلد حين كُتبت القصيدة أن يتلمّس خوف الشاعر، وأن يرى فيه شيئًا من خوفه الشخصي. وهكذا تعبر تجربة الشاعر إلى أجيال لاحقة، وتواصل حضورها بعد غياب صاحبها. 

غير أن درويش لا يفصل الشاعر عن تراثه. فالقصيدة التي قد تبقى بعده صنعتها أصوات سابقة أيضًا، من الأسطورة والنصوص المقدسة والشعر العربي والذاكرة الشعبية. وبقاؤها المحتمل لا يعني خلود فرد معزول، بل استمرار اللغة في حمل آثار الذين مروا بها. الشاعر يضيف طبقة إلى الجدارية الكبرى، ثم يتركها لمن يأتي بعده.

وتكشف القصيدة وعيًا حادًا بالعلاقة بين الشاعر وصورته العامة. فقد أصبح اسم محمود درويش قبل كتابتها رمزًا وطنيًا وثقافيًا واسعًا، وربما شعر أحيانًا أن الرمز يضيق على الإنسان. أمام الموت تتراجع الألقاب والجماهير، ويقف الفرد وحيدًا، لكن القصيدة تعيده إلى الناس بطريقة أخرى: لا بوصفه تمثالًا، بل صوتًا يعترف بالهشاشة. وهنا تكمن قوة الخلود الذي تقترحه "جدارية"؛ فهو لا يقوم على إنكار الموت، وإنما على قبول أن ما يبقى من الإنسان ناقص ومتغير. سيقرأ الآخرون النص بطرق لم يتوقعها صاحبه، وقد يقتطعون منه ما يوافق تجاربهم. يفقد الشاعر السيطرة على أثره، لكنه يمنحه بذلك فرصة حياة مستقلة.

لعل هذا ما يجعل الانتصار في القصيدة مقنعًا على الرغم من محدوديته. لم يهزم درويش الموت في ميدانه، بل رفض أن يترك له الميدان كله. ترك للجسد مصيره، واحتفظ للغة بحق الاعتراض.


بنية جدارية وإيقاع الوعي بين الغيبوبة واليقظة

لا تسير القصيدة في خط حكائي مستقيم، لأنها تحاكي وعيًا مضطربًا يعبر بين الغيبوبة واليقظة حيث تتقدم صورة ثم تنقطع، ويستدعي السؤال ذكرى، وتفتح الذكرى بابًا إلى أسطورة أو مشهد حواري. وقد تبدو بعض الانتقالات مفاجئة عند القراءة الأولى، غير أن ما يجمعها هو حركة الذهن الذي يحاول إعادة تركيب العالم بعد أن اهتزت حدوده.

تتكون "جدارية" من حركات طويلة تتبدل فيها النبرة والسرعة. فهناك مقاطع قريبة من المناجاة، وأخرى تتسع للإنشاد، وأجزاء تقوم على حوار شبه مسرحي مع الموت، ثم لحظات هادئة تنظر إلى تفصيل يومي. وهذا التنويع ضروري في قصيدة بهذا الطول، لأنه يمنع الفكرة الواحدة من التحول إلى خطاب فلسفي جامد.

ويؤدي تكرار الكلمات والصور دورًا بنائيًا. فالاسم والبياض والموت والسماء والذاكرة تعود في سياقات جديدة، فتكتسب في كل عودة معنى إضافيًا. ليست القصيدة مجموعة مقاطع منفصلة، بل شبكة تتجاوب أطرافها؛ وما يبدو غامضًا في موضع قد يضيئه تكراره لاحقًا.

أما الإيقاع فيتبع حركة النفس أكثر مما يتبع قالبًا ثابتًا حيث تطول الجملة حين يتسع التأمل، وتقصر عندما يشتد الخوف أو تقترب المواجهة من النداء. ويساعد التوازي والترجيع الصوتي على حفظ الوحدة، بينما تسمح مرونة شعر التفعيلة للجملة بأن تتحرك بين السرد والغناء من غير أن تفقد موسيقاها.

في بعض المواضع ترتفع البلاغة وتتكاثف الإشارات حتى تتطلب من القارئ معرفة واسعة وصبرًا على التأويل. وقد يرى قارئ أن هذا التراكم يبطئ حرارة التجربة أو يحمّلها أكثر مما تحتاج. غير أن القصيدة تستعيد حيويتها كلما عادت إلى الجسد أو السخرية أو تفصيل عابر، ولذلك لا يستقر التجريد طويلًا من غير أن يجد ما يوازنه. وهذه الملاحظة لا تنتقص من مكانة النص، بل توضح طبيعة مغامرته. فقد أراد درويش أن يبني عملًا يتسع للسيرة والفلسفة والأسطورة والغناء، وكان لا بد لهذه السعة أن تنتج تفاوتًا في الصفاء والكثافة. ومع ذلك يظل الصوت الشخصي قويًا بما يكفي لجمع العناصر، وتظل تجربة الخطر هي الخيط الذي يمنع الجدارية من التفكك.


موقع جدارية في تجربة محمود درويش

تمثل "جدارية" مرحلة متقدمة في تحول شعر محمود درويش من التعبير الوطني المباشر إلى تركيب تتداخل فيه القضية الفلسطينية مع الأسئلة الوجودية. ولا يعني ذلك أن الشاعر تخلى عن وطنه أو عن تاريخه، بل إنه صار أقل قبولًا بأن تختصر قصيدته في وظيفة سياسية واحدة. أراد أن يكتب الفلسطيني بوصفه إنسانًا كاملًا يحب ويخاف ويشيخ ويسأل عما بعد النهاية.

في أعماله الأولى كان الموت يرتبط غالبًا بالمواجهة والاحتلال والشهادة، أما هنا فيدخل من باب المرض والزمن. وهذا الانتقال يغير زاوية النظر من غير أن يقطع الصلة بالماضي؛ فخبرة المنفى والمحو تظل كامنة في السؤال عن الاسم، وصوت الجماعة يظل حاضرًا داخل الأنا الفردية. والجديد هنا أن الشاعر يضع مصيره الشخصي في المركز من غير أن يحوله إلى شكوى.

كما تكشف القصيدة نضج علاقته باللغة إذ لم تعد البلاغة وسيلة لإعلان موقف جاهز، بل صارت مختبرًا للأسئلة. إنه يجرب الصورة ثم يشك فيها، ويستدعي الأسطورة ثم يعيدها إلى هشاشة الجسد، ويرفع صوته متحديًا ثم يخفضه حين يدرك حدود الكلام. هذه القدرة على مراجعة النبرة من داخلها منحت القصيدة صدقها وحمتها من أن تصبح نشيد انتصار سهلًا.

ويمكن النظر إلى "جدارية" بوصفها تمهيدًا لأعمال درويش اللاحقة التي ازداد فيها انشغاله بالغياب وبكتابة الذات من مسافة. لقد خرج من تجربة المرض وهو أكثر وعيًا بأن السيرة لا تُكتب لاستعادة الماضي وحده، بل للتدرب على رؤية الذات كأنها غائب سيأتي يوم لا يستطيع فيه تصحيح ما يقال عنه. ومع ذلك تحتفظ القصيدة بوهج الحياة؛ فلا يطغى موضوع الموت على الألوان والأمكنة والحب والموسيقى، بل يجعلها أوضح. وكأن درويش احتاج إلى أن يرى الباب الأخير كي ينتبه مرة أخرى إلى قيمة الطريق الذي يقود إليه.


لماذا ما تزال جدارية قادرة على مخاطبة القارئ

لا تستمد "جدارية" قوتها من سيرة شاعر مشهور أو من حادثة نجاته وحدها. إنها تبقى لأن كل قارئ يحمل معرفة مؤجلة بموته، وإن كان يتجنب النظر إليها. تقترب القصيدة من هذه المعرفة من غير وعظ، وتمنح الخوف شكلًا يمكن تأمله بدل أن يظل غامضًا في الداخل. كما أنها لا تطلب من القارئ أن يتبنى جوابًا محددًا. يستطيع المؤمن أن يرى فيها اقترابًا من الغيب، ويستطيع القارئ الوجودي أن يراها دفاعًا عن المعنى الذي يصنعه الإنسان في زمن محدود، ويستطيع الفلسطيني أن يقرأ فيها صراع الاسم مع المحو. وتسمح القصيدة بهذه القراءات لأنها لا تحسم التوترات التي صنعتها.

لكنها لا تساوي بين جميع الأجوبة؛ فهي تنحاز بوضوح إلى الحياة، وإلى الحب والذاكرة والكتابة بوصفها أفعالًا تمنح العمر قيمته. وهي لا تعد الإنسان بأنه سيبقى، بل تذكره بأن أثره قد يعبر إلى حياة أخرى إذا استطاع أن يحول تجربته إلى معنى مشترك.

وفي النهاية، لا يقدم محمود درويش خلودًا يحرر الإنسان من الموت، وإنما يقدم صورة أكثر تواضعًا وصدقًا للبقاء. يمضي الجسد، ويبقى منه اسم يتغير على ألسنة الناس، وذكرى ناقصة، وكلمات قد يجد فيها غريب عزاء أو سؤالًا. ذلك هو الانتصار الممكن للقصيدة: ألا تمنع النهاية، بل تمنعها من إلغاء ما سبقها. ولهذا تبدو "جدارية" أقرب إلى سيرة حياة كُتبت تحت ضوء الموت منها إلى مرثية مبكرة. لقد عاد الشاعر من حافة الغياب وهو يعرف أن الوقت مستعار، فاختار أن ينقش على جداره ما تعلمه هناك. ولم يكن ما تعلمه جوابًا عن الموت، بل معرفة أشد بالحياة: قيمة "جداريَّ" ليست في أن تدوم، وإنما في أن تترك، قبل انطفائها، أثرًا يستحق أن يُقرأ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق