اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعر علي طه النوباني: من جنازة حمورابي إلى الحقل المحترق تحولات الشعرية ورؤية العالم

 بورتريه فني بأسلوب الألوان المائية للشاعر الأردني علي طه النوباني، بملامح هادئة وخلفية تجريدية بألوان ترابية وزرقاء ناعمة، ضمن أجواء تأملية تناسب تجربته الشعرية.

بقلم: الورّاق الجزائري

ليس من السهل وضع تجربة علي طه النوباني الشعرية تحت عنوان واحد مغلق. فهي تجربة تمتد زمنًا طويلًا، وتتحرك بين القصيدة العمودية والتفعيلة وقصيدة النثر، وبين التاريخ والأسطورة والواقع السياسي والتجربة الذاتية والحب والموت والمكان والاغتراب. وإذا كانت مجموعاته الأولى، منذ "جنازة حمورابي الأخيرة"، قد كشفت مبكرًا انشغالًا واضحًا بمصير الإنسان في عالم العنف والقهر، فإن وصول التجربة إلى "الحقل والأرانب" يوضح أن هذا السؤال لم يختف، بل تغيرت اللغة التي يُطرح بها، وأصبحت أكثر غرابة وأشد توترًا وأكثر ميلًا إلى المفارقة والعبث.

لهذا لا يمكن قراءة "الحقل والأرانب" باعتبارها مجرد امتداد لما سبقها، ولا باعتبارها قطيعة معه. إنها استمرار وتحول في آن واحد. فالإنسان المهدد الذي ظهر في "جنازة حمورابي الأخيرة" و"دورة تشرين" و"الدرب والحكايات" و"شارع آخر" و"عندما نقمت علينا الريح" ما يزال موجودًا، لكن العالم الذي يتحرك فيه أصبح أكثر التباسًا؛ لم يعد الظالم دائمًا ظاهرًا في هيئة نمرود أو دكتاتور، ولم يعد السجن مجرد جدران، ولم يعد الطريق يؤدي بالضرورة إلى مكان يمكن الوصول إليه. فالأشياء نفسها أصبحت غير موثوقة: الحقل قد يُحرَق، والأرنب قد يُقتل باسم الخوف عليه، والطريق قد يفقد ذاكرته، والقطار قد يقود إلى اغتراب آخر، والمرآة قد تعيد للإنسان وجهًا لا يعرفه.

 

الشعر قبل القصيدة: الذاكرة الأولى للصوت

لفهم هذه الرحلة من المفيد العودة إلى البدايات التي يرويها النوباني نفسه في مقدمة أعماله الشعرية الكاملة. فقد نشأ الشعر لديه في فضاء البيت قبل أن يتحول إلى ممارسة ثقافية واعية. كان الأب ينشد القصائد في حوش الدار تحت الدالية، وتتغير نبرة الإنشاد باختلاف النوع الشعري، بينما كان الطفل يراقب الصوت والانفعال والحضور الجماعي للشعر. ومن هذه التجربة السمعية المبكرة يمكن فهم العلاقة العميقة بين شعر النوباني والموسيقى، حتى حين يكتب قصيدة النثر. فقد عرف الشعر أولًا بوصفه صوتًا، لا بوصفه وزنًا مكتوبًا فحسب.

ومع اتساع قراءاته انتقل من الشعر العمودي إلى التفعيلة ثم إلى قصيدة النثر، لكنه لم يهجر أي شكل سابق. وقد صاغ موقفه بوضوح حين رفض الصرامة في الثبات على شكل واحد، ورأى أن الحالة الشعورية هي التي تستدعي بنيتها المناسبة، وأن التنوع والتجريب قادران على إغناء الشعر العربي. هذه الفكرة ستصبح أكثر وضوحًا عندما نصل إلى "الحقل والأرانب"، حيث تتجاور القصيدة الموزونة مع النص المفتوح والقصيدة المشهدية والمقطع الذي يكاد يكون قصة قصيرة أو حلمًا أو مونولوجًا داخليًا.

 

من حمورابي إلى الحقل: ماذا تغيّر؟

بين "جنازة حمورابي الأخيرة" و"الحقل والأرانب" مسافة فنية ودلالية كبيرة. في الأولى يستعين الشاعر بتاريخ ضخم كي يواجه الحاضر. حمورابي ونمرود والملوك والقضاة والجياع والضمير العالمي يدخلون القصيدة بوصفهم علامات على علاقة القوة بالعدالة حيث التاريخ مسرح رمزي كبير. أما في "الحقل والأرانب" فإن المشهد يتقلص ظاهريًا: حقل، قمح، أرانب، طيور، غيمة، دخان. لكن هذا التقلص لا يعني أن السؤال أصبح أصغر؛ على العكس، أصبح أكثر رعبًا لأن العنف انتقل من التاريخ الكبير إلى المجال الحميم.

في "جنازة حمورابي" نرى الظلم في العالم.

وفي "الحقل والأرانب" نراه داخل الذات نفسها.

وهذا التحول بالغ الأهمية في فهم تطور شعرية النوباني.

 

التاريخ بوصفه محكمة للحاضر

في البدايات كان الرمز التاريخي من أبرز أدوات الشاعر ف"جنازة حمورابي الأخيرة" لا تستدعي الملك البابلي من أجل الاحتفاء بالماضي، وإنما من أجل طرح سؤال العدالة في الحاضر. وتتحول الجنازة إلى مسرح يلتقي فيه نمرود بالعالم الحديث، وتتشابك الجريمة القديمة بالاقتصاد والحرب والسياسة المعاصرة. وفي أحد المقاطع يسير نمرود سعيدًا في الجنازة، بينما يتعرض مفهوم العدالة نفسه للتهشيم.

ومن هنا يظهر مبكرًا أن التاريخ عند النوباني ليس ذاكرة ساكنة. إنه أداة للمقارنة الأخلاقية. فإذا كان الإنسان الحديث يعلن أنه أكثر تحضرًا، فلماذا يستمر الجوع؟ ولماذا تستمر الحرب؟ ولماذا يظل القوي قادرًا على سحق الضعيف؟

بهذا المعنى يصبح حمورابي رمزًا لما غاب أكثر مما يصبح تمثالًا لما كان.

 

الحضارة بوصفها مفارقة

هذا الشك في مفهوم الحضارة يستمر في "دورة تشرين". ففي قصيدة "الحضارة" تتحول العلاقات إلى نظام افتراس، ويستخدم الشاعر صور الحوت والسردين والتماثيل والجدران لكي يقلب معنى الحضارة رأسًا على عقب. فالمدينة أو الدولة أو التقدم التقني لا تكفي لكي يكون المجتمع متحضرًا، وإنما تُختبرُ الحضارة عند حدود الإنسان الضعيف. وهذه الفكرة ستظل حاضرة في التجربة كلها، لكنها ستغير أدواتها. ففي مرحلة مبكرة تُقال عبر الرموز التاريخية والسياسية، ثم تتحول لاحقًا إلى مشاهد أكثر غرابة وعبثًا.

 

بورتريه مائي للشاعر الأردني علي طه النوباني ممسكًا بميكروفون، أمام خلفية تجسّد حقلًا محترقًا، مع مقطع من قصيدة "الحقل والأرانب": "أحرقتُ الحقلَ لأنَّ العجوزَ المملَّ حدَّثني طويلًا عن محاسن الفشل".

الإنسان المهدد

أهم شخصية في شعر النوباني ليست حمورابي ولا نمرود ولا الدكتاتور ولا الحبيبة. إنها الإنسان الجائع، والفقير، والسجين، والعاشق، والمهاجر، والطفل، والأب، والمرأة، والمقهور، والمقاوم، والمسافر. وقد خلصت إحدى الدراسات الأكاديمية التي تناولت الاغتراب في شعر النوباني إلى أن تجربته مشبعة بأشكال من الاغتراب الاجتماعي والسياسي والروحي، وبالشعور بالتشيؤ وفقدان القدرة على التحكم بالمصير. وهذا الاستنتاج ينسجم بقوة مع الدواوين نفسها.

لكن الإنسان عند النوباني ليس ضحية ثابتة. إنه يريد المقاومة حتى حين يفشل، ويريد الحب حتى حين يتوقع الفقد، ويحاول السفر حتى حين يعرف أن الطريق قد يعيده إلى نقطة البداية. إنه إنسان يعرف الهزيمة ولا يتصالح معها.

 

الطريق: الجغرافيا الوجودية

منذ "الدرب والحكايات" تتكرر الطريق بوصفها واحدة من العلامات المركزية في التجربة. فالرحيل، والترحال، والسفر، والمسافر، والطريق، والخطوة، والدرب، والعودة، والمركب، والمرافئ؛ كلها مفردات تتكرر باستمرار. لكن الطريق لا يمثل السفر الجغرافي فقط؛ إنه صورة للحياة نفسها، فالإنسان يمشي، لكنه لا يعرف دائمًا إلى أين. وقد يواصل السير حتى تتغير الأمكنة والوجوه ولا يعود أحد يعرفه. ويصبح هذا المعنى أكثر حدة في "الحقل والأرانب"، حيث تقول الذات إنها حين عادت لم تجد شيئًا يعرفها: لا المركبات ولا الصفارات ولا العابرون، حتى يكاد الوطن نفسه يصبح مكانًا غريبًا.

هنا يتحول الاغتراب من البعد عن الوطن إلى الغربة داخل الوطن. وهذه درجة أكثر عمقًا من الاغتراب.

 

"باقة من حكايات التيه": السرد وقد أصبح متاهة

من أكثر نصوص "الحقل والأرانب" دلالة على التحول الفني "باقة من حكايات التيه". العنوان نفسه مهم، فنحن أمام "حكايات"، أي أمام نزعة سردية، لكن هذه الحكايات لا تقود إلى معرفة، وإنما إلى "التيه" حيث تظهر شخصيات: طفل، عجوز، فتاة، شرطي، خطيب، مسافرون. ويظهر القطار والنهر والأسوار والشوارع والمدارس والكروم. لكن الحكاية لا تنتظم في مسار سببي مطمئن. الأحداث أشبه بقطع ذاكرة متناثرة.

يسأل الطفل: هل جاء «غدًا»؟

والسؤال في بساطته شديد القسوة، لأن المستقبل نفسه يتحول إلى شخصية منتظرة. ثم تمتد الأسئلة: لماذا تبكي السنابل؟ لماذا تبكي الشوارع والمدارس؟ لماذا تئن الكروم؟

بهذه الطريقة يتحول العالم كله إلى كائن جريح. وليس الإنسان وحده من يعاني. فالسنابل والمدرسة والشارع والكرمة تدخل جميعًا في خبرة الألم. وهذا توسيع لما كان موجودًا في الدواوين السابقة من أنسنة الأرض والطبيعة، لكنه هنا أكثر شمولًا وغرابة.

 

انهيار الهوية

من أكثر لحظات "حكايات التيه" إثارة تلك التي تتعرض فيها الشخصية لفقدان الاسم والوجه والصوت. يتغير الاسم، ويتغير الوجه، ويتغير الصوت. ثم تُمنح الشخصية مرآة وتُطلق في الفراغ، وتصل المفارقة إلى ذروتها حين ترى الأم لكنها لا تُعرف من قبلها. وهذا المشهد يتجاوز الاغتراب المكاني. إنه اغتراب الهوية نفسها حيث لم يعد السؤال: أين أنا؟ بل: من أنا إذا كان اسمي ووجهي وصوتي لم يعودوا لي؟

وهذه النقطة تمثل تطورًا مهمًا في شعرية النوباني. ففي النصوص السابقة كان الإنسان غالبًا يعرف نفسه ويواجه العالم. أما هنا فإن العالم يتدخل في تكوين الذات نفسها، ويصبح قادرًا على تشويه صورتها إلى درجة أنها لا تعود قادرة على التعرف إلى ذاتها.

 

اللغة حين تستعير صوت الغراب

في "الحقل والأرانب" لا تتعرض اللغة للتفكك بمعنى فقدانها الدلالة فحسب، بل تبحث أحيانًا عن وسائل أخرى لإنتاج الدلالة خارج الجملة المألوفة. ومن أكثر الأمثلة وضوحًا ذلك المقطع الذي تُطلَق فيه الغربان من أقفاصها، فيتردد صوتها: «قاع... قاع...»، ثم يمتد ويتكاثر حتى يكاد يملأ فضاء النص.

ليس هذا التكرار لعبًا صوتيًا ولا مجرد محاكاة لنعيق الغراب. فالغراب، بما يحمله في المخيال العربي من اقتران بالشؤم والفراق والخراب، يدخل القصيدة بوصفه علامة دلالية كاملة. وحين يتحول نعيقه إلى إيقاع متكرر، فكأن الشؤم نفسه ينتشر في الأفق، ولا يعود شيئًا يمكن للشاعر أن يصفه من الخارج، بل يصبح صوتًا يقتحم اللغة ويحتلها. وهنا تكمن حداثة الاستخدام. فالشاعر لا يقول إن الأفق قاتم أو إن العالم غارق في التشاؤم، وإنما يجعل القارئ يسمع هذا الشؤم حيث تتحول الدلالة من الخبر إلى الصوت، ومن العبارة التي تصف الخراب إلى نعيق يجسده. ومع استطالة "قاع" يصبح الصوت أشبه بموجة سوداء تتمدد في النص، حتى يبدو العالم نفسه فضاءً للغراب.

والأهم أن هذا يحدث عقب خروج الغربان من أقفاصها؛ أي إن الشؤم لم يعد محصورًا أو قابلًا للاحتواء. لقد أُطلق في الفضاء. ولهذا يتجاوز المقطع مجرد الرمز التقليدي للغراب، ليجعل من الصوت نفسه بنية شعرية للشؤم.

 

السجن الذي لم يعد يحتاج إلى باب

السجن من الصور المتكررة في شعر النوباني، لكنه يتغير دلاليًا. ففي القصائد السياسية قد يكون السجن مؤسسة معروفة وجدارًا وحاكمًا. أما في "الحقل والأرانب" فتظهر العبارة اللافتة: "خلعوا باب السجن"، وظاهريًا، يبدو ذلك تحريرًا؛ لكن السجن يستمر. بل إن النص يتحدث لاحقًا عن انتقال السجن من الصحراء إلى الأرواح، وهذه صورة بالغة القوة. فأخطر السجون ليس الذي يمنع الجسد من الخروج، بل الذي يصبح داخل الإنسان. وعندما يتحول السجن إلى حالة داخلية، يصبح فتح الباب غير كافٍ. وهذه الفكرة تلتقي بقوة مع تطور مفهوم الاغتراب في التجربة؛ فالقهر لم يعد خارجيًا فقط. لقد تعلم الإنسان شروط السجن إلى درجة أن السجن صار قادرًا على الاستمرار من غير جدران.

 

الحب والطبيعة

مع ذلك، لا يتحول "الحقل والأرانب" إلى كتاب ظلام كامل. ثمة قصائد تواصل الخط الوجداني والطبيعي في التجربة السابقة، ولكنها تمنحه نضجًا أكثر هدوءًا. ففي إحدى القصائد تتغير الحبيبة «مع الفصول»، وتصبح حنطية ووردية وسمراء وبيضاء، ثم تتوحد مع الزهور وترحل مع الطيور وتعزف للأحلام. والمرأة هنا ليست منفصلة عن الطبيعة؛ إنها تدخل في دورة الفصول. وهذا يتصل بخيط قديم في شعر النوباني يجعل المرأة والأرض والطبيعة حقولًا متداخلة. لكن اللافت أن الحب ذاته لا يلغي الضياع، فالقصيدة تقول إن الحبيبة "تجمل ضياعنا".

إنها لا تنهي الضياع، وهذا فارق مهم.

الحب في هذه المرحلة لا يُقدَّم خلاصًا سحريًا، وإنما جمالًا يستطيع الإنسان أن يحمله داخل عالم لم يتوقف عن الانكسار.

 

الطبيعة لم تعد بريئة

لكن الطبيعة في "الحقل والأرانب" تحمل وجهًا آخر أيضًا. فالأشجار مهاجرة. والسنابل تبكي. والكروم تئن. والغيم قد يصبح جزءًا من المأساة. والحقل نفسه سيُحرَق.

بهذا تنتقل الطبيعة من كونها ملاذًا إلى كونها شريكًا في المصير. وذلك تطور لافت إذا قارناه بحضور الأرض في "شارع آخر"، حيث كانت الأرض والحبيبة والزيتون والقمر أقرب إلى فضاء الانتماء.

في "الحقل والأرانب" تدخل الطبيعة هي الأخرى في أزمة العالم. حتى النبات لم يعد خارج التاريخ.

 

"مرثية النهارات الحزينة": الزمن نفسه موضوع للرثاء

عنوان "مرثية النهارات الحزينة" يكشف تحولًا آخر، فالمرثي ليس شخصًا؛ إنها النهارات نفسها. الزمن هو الذي يموت. ويكتب الشاعر "شيئًا من أحاديث الصباح على المساء"، ثم تتضاءل الأصوات، ويصبح دم الشوارع الأخضر ماء، وينشر صوته فوق "مقبرة الضياء". إنها صور تجعل الزمن مرئيًا. فالصباح والمساء والظهر والليل ليست أوقاتًا فقط، بل حالات وجودية. ويبدو أن الزمن لم يعد يتقدم نحو المستقبل بقدر ما يدخل في دورة الحزن. لهذا يتكرر لاحقًا سؤال الطريق الذي "يمشي إلى الوراء". إنه سؤال في الزمن بقدر ما هو سؤال في الطريق.

 

الغراب: عودة الرمز القديم بصورة جديدة

الغراب من الكائنات التي تتكرر في التجربة الشعرية للنوباني. ففي الموروث الثقافي يحمل الموت والنذير والتشاؤم، لكن استخدامه يتجاوز هذه الدلالة المباشرة. ففي "الحقل والأرانب" تدخل الغربان في اللغة وفي المشهد، وتستبيح الليل أحيانًا، وتخرج من أقفاصها في مشاهد أخرى. وهنا تصبح الغربان أشبه بطاقة للفوضى. إنها ليست مجرد رمز جاهز للموت؛ بل هي ما يحدث عندما ينكسر النظام. واللافت أن صوتها يتحول إلى مادة لغوية:

قعقعة.

قاع.

قاع.

حتى تنهار الكلمة إلى صوت طويل. وهذا يعني أن الرمز لم يعد موضوعًا للقصيدة فقط، بل دخل في بنيتها الصوتية.

 

"الحقل والأرانب": قلب المجموعة وقلب التحول

تأتي القصيدة التي تحمل المجموعة اسمها بوصفها واحدة من أكثر النصوص كثافة في المشروع كله.

وتبدأ بالفعل الصادم:

إحراق الحقل.

وقتل الأرانب.

لا يقدم النص تمهيدًا أخلاقيًا يجعل القارئ يطمئن إلى موقعه.

فالمتكلم نفسه هو الفاعل. وهذا يختلف جذريًا عن كثير من القصائد السابقة التي كان فيها الشاعر يقف بوضوح إلى جانب الضحية ضد القامع.

هنا القامع والضحية يلتبسان.

يقول المتكلم إنه أشعل الحقل لأن القمح "يطيل العمر"، وقتل الأرانب لأنها "متحمسة جدًا"

منطق الجريمة عبثي. لكنَّ هذا العبث ليس خاليًا من المعنى. إنه منطق عالم انقلبت فيه أسباب الحياة إلى أسباب للموت. فالقمح، رمز الخصب والغذاء والاستمرار، يصبح سببًا لإحراق الحقل لأنه يطيل العمر. والأرانب، رمز الحياة والخصوبة والحركة، تُقتل لأنها متحمسة للحياة أكثر مما ينبغي.

إنها جريمة ضد الحياة بذريعة الخوف عليها.

وقد توقفت قراءة نقدية منشورة حديثًا عند هذه المفارقة تحديدًا، مشيرة إلى أن القصيدة تبدأ بفعلين صادمين هما إحراق الحقل وقتل الأرانب، وأنها لا تمنح القارئ براءة الحكم السريع على المتكلم.

 

الجلاد الذي يحب ضحيته

يصبح النص أكثر تعقيدًا حين يقول المتكلم لأرنبته بعد قتلها: "سامحيني". فهو يعترف بأنه يقتل ما يحب. ويبرر فعلته بالخوف من فناء الحقول وبقائها وحيدة وسط الدخان الأسود. وهذه اللحظة تنقل القصيدة من العبث إلى المأساة الأخلاقية، فالمتكلم ليس قاتلًا بسيطًا؛ إنه شخص يقنع نفسه بأن الجريمة حماية. وهذه واحدة من أخطر آليات العنف الإنساني: أن يرتكب الإنسان الأذى باسم الحب أو الخوف أو المستقبل. وهنا تتجاوز القصيدة معناها الفردي لتصبح قابلة لقراءات سياسية واجتماعية ووجودية متعددة.

كم من سلطة قتلت الإنسان باسم حمايته؟

وكم من فرد دمّر شيئًا يحبه خوفًا من أن يخسره؟

وكم من مجتمع ضحّى بالحياة دفاعًا عن صورة متخيلة للحياة؟

والقصيدة لا تقدم جوابًا. وهذا تحديدًا مصدر قوتها.

 

المفارقة الأخلاقية

في الدواوين الأولى كانت المفارقة تكشف التناقض بين ادعاء الحضارة وممارسة القتل. أما في "الحقل والأرانب" فإن المفارقة تدخل الذات حيث المتكلم يعرف أن الأرنب "حبيبته"، ومع ذلك يقتلها. ويعرف أن الحقل هو فضاء الحياة، ومع ذلك يحرقه. وهكذا ينتقل الشر من "هناك" إلى "هنا".

لم يعد الشاعر قادرًا على رسم خط مريح بين البراءة والذنب. وهذا تحول فني وفكري بالغ النضج، فالعالم المعقد لا يتكون دائمًا من ضحايا أبرياء وجلادين واضحين، وأحيانًا يسكن الجلاد والضحية الإنسان نفسه.

 

تكرار الجريمة

القصيدة مبنية على مقاطع يعاد فيها فعل إحراق الحقل وقتل الأرانب بأسباب مختلفة.

مرة لأن القمح يطيل العمر.

ومرة لأن العصافير رفضت أن تزقزق.

ومرة يظهر البرغوث.

ومرة الحشرات.

ويستمر التبرير. وهذا التكرار لا يعيد الحدث فقط؛ إنه يكشف آلية التفكير. فالإنسان الذي اتخذ قرار التدمير يستطيع دائمًا أن يجد سببًا جديدًا يبرره. وهذا يجعل التكرار بنية أخلاقية لا موسيقية فقط؛ فكل سبب جديد أكثر غرابة من سابقه. لكن غرابته لا تمنع الجريمة. وبهذا يتدرج النص من المفارقة إلى العبث، ومن العبث إلى الرعب.

 

الضحك عند الموت

من أقسى صور القصيدة أن الأرنب "ماتت وهي تضحك". وهذه الصورة تقلب العلاقة بين القاتل والضحية؛ فالذي يفترض أنه يملك القرار يصبح هو موضع السخرية. إن ضحك الأرنب ينسف منطق القاتل كله، وكأن الضحية تعرف شيئًا لا يعرفه.

وقد يكون الضحك رفضًا.

وقد يكون معرفة بعبث التبرير.

وقد يكون انقلابًا أخيرًا في علاقة القوة.

فالقاتل يستطيع إنهاء الجسد، لكنه لا يستطيع السيطرة على معنى الموت.

 

"نفق الحقيقة"

تنتهي حركة القصيدة تقريبًا عند لحظة شديدة الدلالة حين يمشي المتكلم "في نفق الحقيقة وحده"، والحقيقة هنا ليست نورًا. إنها نفق! وهذا اختيار مهم جدًا؛ ففي كثير من الخطابات الفكرية تُقدَّم الحقيقة بوصفها انكشافًا أو ضوءًا. أما هنا فالوصول إليها عزلة وظلمة؛ فكلما اقترب المتكلم من معرفة ما فعل، ازداد انفصاله عن العالم. وهذا يجعل "الحقل والأرانب" قصيدة في ثمن المعرفة أيضًا. فالجهل يسمح للإنسان بأن يعيش مع أوهامه، أما الحقيقة فقد تجبره على مواجهة الجريمة التي شارك فيها.

 

من الاحتجاج إلى الشك

هذا هو أهم تحول يمكن رصده بين المجموعات الأولى و"الحقل والأرانب"، ففي البدايات كان الشاعر واثقًا نسبيًا من موقعه الأخلاقي.

هناك ظلم يجب رفضه.

هناك فقير ينبغي الوقوف معه.

هناك دكتاتور يمكن مخاطبته وسؤاله: كيف تنام؟

أما في المجموعة السادسة، فإن السؤال يصبح أكثر قلقًا: هل أنا نفسي جزء من الآلة التي أرفضها؟ وهنا يتحول الاحتجاج إلى نقد ذاتي. ولا يعني ذلك اختفاء الموقف الأخلاقي، بل ربما يصبح أكثر عمقًا، لأن الضمير لم يعد يحاكم الآخرين وحدهم.

 

من "إلى الدكتاتور" إلى "الحقل والأرانب"

يمكن رؤية هذا التطور بوضوح إذا وضعنا قصيدة "إلى الدكتاتور" بجانب "الحقل والأرانب"، ففي الأولى هناك مخاطَب واضح: السجن واضح، والفاعل معروف. ويسأل الشاعر في النهاية كيف يستطيع الدكتاتور أن ينام بعد كل ما فعل.

أما في الثانية فلا وجود لهذا اليقين، المتكلم نفسه يحمل النار، هو الذي يحرق، وهو الذي يقتل، ثم يطلب المغفرة. وهذه المسافة بين النصين تلخص تطورًا مهمًا من الشعر السياسي المباشر نسبيًا إلى الشعر الوجودي الرمزي الذي يجعل الإدانة أكثر تعقيدًا.

 

السخرية السوداء

تبلغ السخرية السوداء في مجموعة "الحقل والأرانب" مستوى أكثر تطورًا.

هناك مذيع يتحدث عن الطقس، ثم تنهار الأخبار.

هناك شخصيات تفقد أسماءها.

هناك غراب يتحول صوته إلى "قاع".

هناك أرنب يموت ضاحكًا.

وهناك كائن مجنون تسأله القصيدة عمّا يريد.

السخرية هنا لا تمنح القارئ راحة. إنها جزء من القلق، وقد كانت السخرية موجودة منذ "الحضارة" ومنذ صور نمرود والدكتاتور، لكنها في "الحقل والأرانب" تقترب من العبث الحديث؛ يصبح العالم مضحكًا لأن منطقه انهار، لا لأن الموقف طريف.

 

البناء المشهدي

تكشف المجموعة السادسة "الحقل والأرانب" أيضًا عن تطور الحس المسرحي والسردي. فهناك شخصيات تتكلم، وتتغير مواقعها، يأتي العجوز، وتجيب الفتاة،ويظهر الشرطي، ويصعد الخطيب. وتتحول القصيدة إلى مشاهد. هذا الأسلوب موجود منذ الأعمال الأولى، لكنه هنا يصبح أكثر استقلالًا عن القصيدة الخطابية. فلا يوجد دائمًا راوٍ يعرف كل شيء. الأصوات تتجاور، وأحيانًا تتناقض، ويضطر القارئ إلى تركيب الحكاية بنفسه. وهذا أحد أسباب شعور «التيه» الذي تنتجه المجموعة. فالتيه لا يقع في الموضوع فقط. إنه جزء من طريقة السرد.

 

المكان بعد أن فقد أمانه

في الأعمال السابقة كان المكان قادرًا على الاحتفاظ بشيء من الهوية. جرش، جدارا، حوران، الزيتون، الأرض. أما في "الحقل والأرانب"، فحتى الأمكنة المألوفة تبدو قابلة للتحول إلى فضاءات غريبة: الشوارع تبكي، والمدارس تدخل الألم، والمرافئ تتغير، والطريق يكذب. والنوافذ تبتعد، والسجن ينتقل إلى الأرواح. وهذا تطور دلالي كبير. فالمكان لم يعد وطنًا مضمونًا؛ لقد أصبح هو الآخر مهددًا بالاغتراب.

 

"قمر الخليج": الرحيل والعاطفة

مع ذلك، لا تتخلى المجموعة عن القصيدة الغنائية. ففي "قمر الخليج" يخاطب الشاعر امرأة يحيطها بضوء القمر والصباح والفَراش والرحيل، ثم يصف نفسه بعد الرحيل كطائر نسي الفضاء وضاع في كهف الظلام، بينما تغير كل شيء إلا المخاطبة.

هذه القصيدة تعيدنا إلى البعد العاطفي المعروف في التجربة، لكنها تحمله أيضًا على بنية الرحيل، فالحب لا ينفصل عن الفقد، والمرأة لا تنفصل عن المسافة، وحتى الضوء لا يظهر إلا في مواجهة الظلام.

 

الموت بوصفه معرفة قديمة

في أواخر "الحقل والأرانب" يصرح الصوت بأن الموت "قصة قديمة جدًا"، وأنه شاهَدَهُ في الخطوات الحزينة وفي خيبة الترحال وفي الولادة الممزوجة بالبكاء. هذه ليست نظرة عدمية بسيطة، فالموت لا يقف في نهاية الحياة؛ إنه موزع فيها منذ البداية، فحتى الولادة تحمل البكاء، والترحال يحمل احتمال الخيبة. لكن المفارقة أن هذا الإدراك لا يقود إلى الاستسلام. ففي مقاطع لاحقة يعلن الصوت:

"أنا قصيدة الأرض والسماء"

وتعود القصيدة إلى تعريف الذات بواسطة الشعر نفسه. وهنا يعود الشعر إلى وظيفته القديمة في تجربة النوباني: مقاومة المحو.

 

الدائرة بين المساء والصباح

تبدأ مجموعة "الحقل والأرانب" بـ"المساء"، وتنتهي في صفحاتها الأخيرة بصورة "الصباح". وهذه البنية ذات دلالة. فالمساء في البداية يحمل غموض الرحلة والأسئلة، وفي النهاية يأتي الصباح والقلب يعانق الشجر. إنها ليست نهاية انتصارية بالضرورة؛ لكنها تمنع الظلام من أن يكون خاتمة مغلقة. والعودة إلى الشجر مهمة جدًا بعد الحقل المحترق؛ فالتجربة التي وصلت إلى إحراق الحقل لا تنتهي عند الرماد؛ بل يعود الشجر، ويأتي الصباح.

 

صورة الطبيعة بين البدايات والنهايات

من المفيد هنا مقارنة الدالية التي تظهر في طفولة الشاعر بالدالية والشجر والكرمة في المجموعة السادسة. ففي الطفولة كانت الدالية مظلة العائلة والصوت والشعر. وفي النصوص المتأخرة تصبح الكرمة قادرة على الحزن والهجرة والانتظار؛ أي أن الطبيعة التي بدأت ذاكرة أمان أصبحت شريكة في القلق الإنساني. لكنها لم تفقد قدرتها على التجدد تمامًا؛ ولهذا يكون الصباح الأخير أكثر من وصف للطبيعة؛ إنه استعادة بعيدة لذلك العالم الأول الذي كان فيه الشجر والشعر متجاورين.

 

شعرية الاغتراب

"الحقل والأرانب" هو أحد المفاتيح المركزية لقراءة التجربة كلها، لكنه ليس اغترابًا واحدًا. فهناك اغتراب سياسي أمام السلطة، واغتراب اجتماعي أمام الفقر والتهميش، واغتراب مكاني في الرحيل، واغتراب زمني عندما يعود الماضي ولا يأتي المستقبل، واغتراب لغوي عندما تفقد الكلمات قدرتها على القول. ثم هناك أخطر الأنواع: اغتراب الذات عن نفسها. وهذا الأخير تبلغ المجموعة السادسة فيه أقصى درجاتها. فالإنسان يستطيع أن يعود ولا يتعرف إليه الوطن، ويمكن أن يرى أمه فلا تعرفه، ويمكن أن يحمل اسمًا ليس اسمه، ويمكن أن ينظر إلى المرآة ولا يجد وجهه. وهنا تصبح الغربة حالة وجود، لا حادثة سفر.

 

شعرية الحيوان

من اللافت أيضًا أن الحيوان ظلَّ عنصرًا مهمًا منذ الأعمال الأولى، لكنه يؤدي أدوارًا مختلفة.

في "الحضارة" نجد الحوت والسردين.

وفي "خذلان" الذئب والعنزة.

وفي نصوص أخرى الغربان.

ثم تصبح الأرانب مركز المجموعة السادسة. فالحيوان عند النوباني ليس تفصيلًا طبيعيًا؛ إنه مرآة للإنسان. لكن الأرنب يضيف بعدًا خاصًا، لأنه رمز للضعف والخصوبة والبراءة والحركة، ولذلك فإن قتله أكثر إزعاجًا من قتل حيوان مفترس. فقتل الأرنب هو قتل لما لا يمثل تهديدًا، ومن هنا تتضاعف المفارقة.

 

من الذئب إلى الأرنب

ولعل المقارنة بين "خذلان" و"الحقل والأرانب" مفيدة. ففي الأولى ينهار الفرق بين المفترس والفريسة، فيتحول الذئب نفسه إلى ضحية محتملة. وفي مجموعة "الحقل والأرانب" يذهب الشاعر إلى ما هو أبعد. فالسؤال لم يعد: من هو الذئب ومن هي الفريسة. والإنسان نفسه يقتل الأرنب الذي يحبه. وهنا يصبح العنف أكثر تعقيدًا؛ لأنه لم يعد مرتبطًا بطبيعة المفترس. إنه اختيار بشري.

 

الشكل المفتوح

تؤكد "الحقل والأرانب" كذلك أن موقف النوباني القديم من الشكل الشعري لم يكن مجرد تنظير. فهو الذي أعلن رفضه الانغلاق داخل العمود أو التفعيلة أو النثر، وهو الذي يكتب هنا نصوصًا تختلف جذريًا في بنائها. فهناك المقطع الغنائي، والقصيدة ذات اللازمة، والحكاية المتسلسلة، والمشهد الدرامي، والمونولوج، والقصيدة الرمزية الطويلة. وتبدو الحدود بين الأجناس في بعض النصوص أقل صرامة. وهذا ينسجم مع النزعة السردية الموجودة أصلًا في تجربة شاعر هو في الوقت نفسه قاص وروائي.

 

الإيقاع خارج الوزن

في مجموعة "الحقل والأرانب" تظهر قيمة خاصة للإيقاع الداخلي. فالتكرار يؤدي دورًا أساسيًا، وعبارة "تتغيرين مع الفصول" تتكرر مثل لازمة موسيقية، وفعل إحراق الحقل وقتل الأرانب يعود في المقاطع المتتابعة، وصوت "قاع" يتكرر حتى يتحول إلى مادة صوتية مستقلة. وهكذا يصبح الإيقاع ناتجًا عن عودة العبارة والصوت والصورة، لا عن الوزن وحده. وهذا تطبيق عملي للمفهوم الذي عبّر عنه النوباني في مقدمة أعماله حين رأى أن اللغة العربية قادرة على إنتاج إيقاعات تتجاوز نظام الوزن الخليلي.

 


تحولات الصورة

يمكن أيضًا رصد تحول في الصورة الشعرية عبر المسار كله. ففي البدايات كانت الصورة تميل إلى الضخامة: التاريخ، الجنازة، العالم، الملوك، نمرود. ثم اقتربت تدريجيًا من المشهد المحلي: الطريق، الأرض، الزيتون، جدارا، حوران. وفي "الحقل والأرانب" تصل أحيانًا إلى الشيء الصغير جدًا: أرنب، حشرة، مرآة، لعبة خشبية، حجر، صوت غراب. لكن الشيء الصغير يحمل الآن ثقل العالم. وهذه واحدة من أهم علامات النضج الفني. فالقصيدة لم تعد بحاجة إلى إمبراطورية كاملة كي تتحدث عن خراب الحضارة. ويكفيها أرنب ميت يضحك.

 

المفارقة بوصفها جوهرًا للشعرية

عند إعادة النظر في المجموعات الست كلها، تبدو المفارقة ربما أكثر العناصر ثباتًا، فحمورابي صاحب القانون يُدفن في عالم بلا عدالة، والحضارة تتحول إلى افتراس، والذئب يصبح فريسة. والدكتاتور يعيش وينام مثل بقية الناس بينما يتساءل الشاعر كيف يستطيع النوم، والوطن يصبح مكانًا لا يعرف أبناءه، والسجن يُفتح لكنه ينتقل إلى الروح، والحقل يُحرَق لأنه يمنح الحياة، والأرنب يُقتل لأنه يحب الحياة أكثر مما ينبغي.

إنها سلسلة طويلة من الأشياء التي تنقلب على معانيها. ولذلك يمكن القول إن العالم في شعر النوباني عالم فقد التطابق بين الاسم وحقيقته.

فالحضارة ليست دائمًا حضارة.

والوطن ليس دائمًا وطنًا.

والحرية قد تكون سجنًا.

والحب قد يرتكب القتل.

والحماية قد تصبح تدميرًا.

وهنا يكمن أحد أعمق أبعاد تجربته.

 

تطور الخطاب السياسي

لا يعني ذلك أن السياسة اختفت من المجموعة الأخيرة. لكنها تغيرت. ففي الشعر المبكر يمكن أن نجد الدكتاتور والسجن وفلسطين والشعارات والصراع بصورة مباشرة نسبيًا. أما في "الحقل والأرانب" فتدخل السياسة في الرموز: الخطابات، والشرطة، والأسوار، والسجن الذي ينتقل إلى الأرواح، والأخبار التي تنهار، والأسماء التي تتغير. كل هذه الأفكار يمكن قراءتها سياسيًا، لكن النص لا يحصرها في حادثة سياسية بعينها، وهذا يمنحها قابلية أوسع للبقاء، فالرمز يستطيع أن يتجاوز الحدث الذي أنشأه.

 

الشعرية والنقد الأخلاقي للحقيقة

من أعمق التحولات في "الحقل والأرانب" علاقة الإنسان بالحقيقة؛ ففي الدواوين الأولى يبدو كشف الحقيقة فعل مقاومة؛ أما هنا فالحقيقة نفسها مخيفة. المتكلم يقول إنه حزين عندما يكشف الأسرار، ثم يدخل "نفق الحقيقة" وحده.

إذن المعرفة ليست خلاصًا مجانيًا. إنها مسؤولية، وقد يكون من يعرف أكثر أقل قدرة على العيش مطمئنًا، وهذه الفكرة تنقل شعر النوباني من الاحتجاج الاجتماعي والسياسي إلى مساحة فلسفية أوسع.

 

من شعرية المقاومة إلى شعرية المساءلة

يمكن، بناءً على ذلك، وصف المسار كله بأنه انتقال تدريجي من شعرية المقاومة إلى شعرية المساءلة؛ فالمقاومة لم تختف، لكنها لم تعد كافية. ففي البداية يسأل الشاعر العالم: لماذا تفعلون هذا بالإنسان؟ وفي "الحقل والأرانب" يظهر سؤال إضافي: وماذا يفعل الإنسان نفسه بالإنسان وبالعالم وبما يحب؟ هذا هو التطور الأهم، فالقصيدة لم تعد فقط شاهدًا على الجريمة، لقد أدخلت الشاهد إلى قفص الاتهام.

 

الحب بعد الخراب

ومع ذلك يبقى الحب حاضرًا. وتلك مسألة جوهرية في شعر النوباني؛ فلو كان العالم مظلمًا بصورة مطلقة لما بقي للحبيبة أو الأرض أو الشجر أو الصباح وظيفة، فالحب ليس علاجًا سهلًا؛ لكنه يمنع الخراب من احتلال الوجود كله، وفي قصائد الكرمة والحبيبة والفصول يصبح الجمال فعلًا من أفعال الاستمرار؛ فحتى وسط الخراب يمكن للإنسان أن "يخلق الجنات" من اللون والروح، كما توحي إحدى قصائد المجموعة.

 

الأب والذاكرة

يبقى الأب أيضًا واحدًا من الجذور الأعمق للتجربة، فهو مصدر الشعر الأول في طفولة الشاعر، ثم يتحول بعد الغياب إلى جزء من ذاكرة البيت. ولهذا يبدو حضور الذاكرة العائلية مختلفًا عن الذاكرة التاريخية.

حمورابي يعود بوصفه رمزًا.

أما الأب فيعود بوصفه فراغًا ملموسًا.

كان يطرق الباب.

وكان الأطفال يهتفون للجد.

ثم تصمت الأشياء بعد غيابه. وهذه الثنائية بين الذاكرة الكبرى والذاكرة الحميمة جزء من اتساع التجربة.

 

القصيدة في مواجهة المحو

إذا كان ثمة خيط واحد يصل المجموعات الست، فهو رفض المحو. التاريخ مهدد بالمحو، فيستعيده الشعر. والفقير مهدد بأن يصبح رقمًا، فتمنحه القصيدة صوتًا. والأب يموت، فتستعيده الذاكرة. والأرض تتحول، فيعيدها الشعر إلى مركز الهوية. والإنسان يفقد اسمه، فتروي القصيدة فقدانه. حتى الأرنب الذي قتله المتكلم يستعيد وجوده داخل النص، ويظل ضحكه أقوى من التبرير الذي قتله.

بهذا المعنى الشعر نفسه فعل مقاومة للنسيان.

 

مسار المجموعات الست

يمكن النظر إلى مجموعات النوباني الست بوصفها مراحل في حركة واحدة. ففي "جنازة حمورابي الأخيرة" يتأسس المسرح التاريخي الكبير، ويحضر سؤال العدالة والحرب والجوع. وفي "دورة تشرين" يتعمق نقد مفهوم الحضارة، وتتضح السخرية السياسية والاجتماعية. وفي "الدرب والحكايات" تزداد مركزية الطريق والحكاية والذات المسافرة. وفي "شارع آخر" تتسع علاقة الشاعر بالمكان والأرض والتاريخ المحلي والحب والحرية. وفي "عندما نقمت علينا الريح" يصبح التنوع الشكلي أكثر وضوحًا، وتتجاور القصيدة السياسية والوجدانية والومضة والعمود والنثر والتفعيلة.

ثم تأتي "الحقل والأرانب" لتدخل التجربة مرحلة أكثر التباسًا: الاغتراب يصبح داخليًا، والسجن ينتقل إلى الروح، واللغة نفسها تتشقق، والجلاد لا يعود دائمًا شخصًا آخر. وبذلك لا تكون المجموعة السادسة مجرد حلقة إضافية، بل مفتاحًا لإعادة قراءة ما سبقها.

 

العنوان الجديد للتجربة: من جنازة حمورابي إلى الحقل المحترق

إذا كانت "جنازة حمورابي الأخيرة" تمثل لحظة يقف فيها الشاعر أمام خراب العالم، فإن "الحقل والأرانب" تمثل لحظة يكتشف فيها أن الخراب يستطيع أن يدخل إلى الذات. ومن هنا يبدو الانتقال من الجنازة إلى الحقل المحترق أكثر دلالة من الانتقال بين تاريخي إصدارين. فالجنازة تشير إلى موت قيمة كبرى، أما الحقل المحترق فيشير إلى تدمير مصدر الحياة نفسه. والأكثر مأساوية أن اليد التي أشعلت النار ليست مجهولة. إنها يد المتكلم. وهذا يجعل المجموعة السادسة أكثر قسوة على الذات من كثير من الأعمال السابقة.

 

شعرية علي طه النوباني: ضمير لا يطمئن

بعد قراءة التجربة من بدايتها حتى "الحقل والأرانب"، يمكن القول إن شعرية النوباني لا تقوم على الشكل بقدر ما تقوم على عدم الاطمئنان.

عدم الاطمئنان إلى السلطة.

إلى التاريخ الرسمي.

إلى مفهوم الحضارة.

إلى الطريق.

إلى اللغة.

إلى الهوية.

وفي المرحلة الأخيرة، حتى إلى الذات نفسها. وهذا هو سبب استمرار السؤال في شعره، فالقصيدة لا تأتي لتقدم إجابة نهائية؛ إنها تعطل الإجابات السهلة، ولهذا فإن أفضل نصوصه ليست تلك التي تقول للقارئ ماذا عليه أن يعتقد، بل تلك التي تضعه أمام مفارقة لا يستطيع مغادرتها بسهولة.

حمورابي الميت.

الدكتاتور النائم.

الذئب الذي يصبح فريسة.

الوطن الذي لا يعرف صاحبه.

والأرنب الذي يموت ضاحكًا.

 

خاتمة: من مقاومة العالم إلى محاكمة الذات

تكشف المجموعات الشعرية الست لعلي طه النوباني عن تجربة لم تتوقف عند صيغة واحدة للشعر أو رؤية واحدة للعالم. لقد بدأت من ذاكرة سمعية حميمة تحت الدالية، ثم دخلت التاريخ والأسطورة والسياسة، وانتقلت بين العمود والتفعيلة والنثر، وأقامت حوارًا طويلًا مع الحرية والمكان والحب والموت والاغتراب. لكن أهم ما تكشفه "الحقل والأرانب" هو أن هذه التجربة لم تبق في المكان الذي بدأت منه.

في "جنازة حمورابي الأخيرة" كان السؤال: ماذا فعل العالم بالإنسان؟

وفي "الحقل والأرانب" يصبح السؤال أشد قسوة:

ماذا يفعل الإنسان بما يحب حين يسيطر عليه الخوف واليأس والرغبة في النجاة؟

وهنا تبلغ شعرية النوباني واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا؛ لأن القصيدة لم تعد تسمح للشاعر أو القارئ بالوقوف دائمًا خارج الجريمة؛ لقد أصبح الحقل داخلنا، والأرانب داخلنا، والنار كذلك، ومع ذلك لا تنتهي التجربة بالنار وحدها.

في طرفي المجموعة يعود الصباح، ويعانق القلب الشجر، وتظهر الذات وهي تصف نفسها بأنها "قصيدة الأرض والسماء". وهكذا يستمر التوتر الأساسي في شعر النوباني بين الخراب والرغبة في الحياة. ولعل هذا هو جوهر تجربته كلها: أن يرى العالم بوضوح يكفي لليأس، ثم يواصل الكتابة كما لو أن الكلمة ما تزال قادرة على إنقاذ شيء منه.

لقراءة بعض أشعار علي طه النوباني على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق