الفرق لا يظهر دائمًا من شكل السطور
إذا وضعت أمام قارئ بيتًا للمتنبي وفقرة من رواية، فلن يحتاج غالبًا إلى كثير من التفكير ليقول: هذا شعر، وهذا نثر. لكن المسألة تصبح أصعب حين يقرأ قصيدة تفعيلة طويلة الجمل، أو قصيدة نثر تخلو من الوزن الخليلي، أو فقرة روائية شديدة الإيقاع والصور حتى تبدو أقرب إلى القصيدة. عندها لا يعود السؤال البسيط "هل الكلام موزون؟" قادرًا وحده على حل المشكلة.
الفرق الأساسي أن الشعر العربي الموزون ينظم اللغة داخل بناء إيقاعي مقصود يقوم على الوزن، سواء جاء في أبيات متساوية كما في الشعر العمودي أم في أسطر متفاوتة كما في شعر التفعيلة. أما النثر فلا يخضع لوزن عروضي ملزم. لكن غياب الوزن لا يعني غياب الموسيقى أو الصورة أو التكثيف؛ فقد يكون النثر شديد الشعرية، كما أن قصيدة النثر تبني شعريتها من أدوات أخرى غير البحر الخليلي.
إذن نحن أمام سؤالين ينبغي ألا نخلط بينهما: ما الذي يجعل نصًا ينتمي من الناحية الشكلية إلى الشعر الموزون أو إلى النثر؟ وما الذي يجعل نصًا، موزونًا كان أم منثورًا، يمتلك قيمة شعرية؟ الإجابة عن السؤال الأول أسهل بكثير من الإجابة عن الثاني.
حين كان الحد أوضح: الوزن والقافية والمعنى
في النقد العربي القديم كان الفصل بين الشعر والنثر أكثر وضوحًا لأن النموذج الغالب للشعر كان القصيدة الموزونة. ولهذا عرّف قدامة بن جعفر الشعر بأنه قول موزون مقفى يدل على معنى، وربط ابن رشيق بناء الشعر باللفظ والوزن والمعنى والقافية، مع تنبيهه إلى أن مجرد وقوع الكلام موزونًا لا يكفي إذا لم يكن مقصودًا بوصفه شعرًا.
هذا التعريف مفهوم تمامًا داخل البيئة الأدبية التي نشأ فيها. فالبيت الشعري كان وحدة ظاهرة يمكن سماع وزنها، وكانت القافية تؤدي دورًا قويًا في انتظام القصيدة وحفظها. وعندما نقرأ مثلًا قول المتنبي:
وتأتي على قدر الكرام المكارم
فنحن لا نواجه عبارة حكيمة فحسب. هناك انتظام صوتي ووزني، وشطران، وقافية، وبناء يجعل الجملة قابلة للإنشاد والحفظ. ويمكن رؤية أثر هذه العناصر بصورة أوضح في قراءة أجمل أبيات المتنبي في الحكمة وشرح معانيها، حيث لا تعمل الحكمة منفصلة عن الإيقاع والصياغة والتوازن بين أجزاء البيت.
لكن من المهم ألا نقلب هذا التعريف إلى قاعدة تقول إن كل كلام موزون شعر جيد. الوزن يستطيع أن يخبرنا بشيء مهم عن بنية النص، لكنه لا يحكم على قيمته. يمكن لإنسان أن يركب كلمات صحيحة الوزن والقافية ولا ينتج قصيدة مؤثرة، كما يستطيع كاتب نثر أن يصوغ جملة عالية الكثافة والجمال من غير أن يستخدم بحرًا شعريًا.
ولهذا ينبغي منذ البداية التفريق بين التصنيف والقيمة. السؤال "هل هذا النص موزون؟" سؤال بنيوي. أما السؤال "هل هذا شعر جيد؟" فهو سؤال نقدي أشد تعقيدًا.
ما النثر إذن؟
النثر في أبسط معنى هو الكلام الذي لا يخضع لنظام الوزن الشعري. لكن هذه العبارة تقول لنا ما لا يفعله النثر أكثر مما تقول ما يفعله. فالنثر ليس قالبًا واحدًا، بل فضاء واسع تدخل فيه الرواية والقصة والمقالة والخطابة والرسالة والسيرة والتأمل واليوميات وغيرها.
ولهذا لا يصح القول إن النثر بلا إيقاع. يستطيع الكاتب الناثر أن يصنع إيقاعًا من تكرار الكلمات، وتوازن الجمل، وتتابع الأصوات، وطول العبارة وقصرها، والوقفات، والتوازي، وتصاعد الصور. الفرق أن هذا الإيقاع لا يكون ملزمًا ببحر عروضي يتكرر وفق نظام يمكن تقطيعه كما نقطع بيتًا من الشعر.
تأمل المثال التوضيحي الآتي:
هذا نثر. لكنه ليس بلا إيقاع. تكرار تركيب "كان"، ثم تتابع الأشياء: الباب، المصباح، الكوب، الساعة، يصنع حركة متدرجة تنتهي بانزياح تعبيري حين تبدو الساعة كأنها كائن قادر على الانتظار. لا يوجد وزن خليلي، لكن توجد صناعة لغوية.
ولو كتبنا المعنى نفسه هكذا:
يبقى الكلام نثرًا، لكنه يفقد قدرًا كبيرًا من التوتر والإيحاء. وهذا يوضح لماذا لا ينبغي أن نساوي بين "النثر" و"الكلام العادي". النثر قد يكون وظيفيًا مباشرًا، وقد يكون أدبًا بالغ الصنعة.
هل الفرق هو الوزن فقط؟
إذا كان المقصود المقارنة بين الشعر الموزون والنثر، فالوزن هو أقوى العلامات الفاصلة. أما إذا كان السؤال عن الشعر كله في العصر الحديث، فالإجابة تصبح أكثر تعقيدًا بسبب ظهور قصيدة النثر وتوسع مفهوم الشعرية.
| العنصر | الشعر العمودي | شعر التفعيلة | النثر الأدبي | قصيدة النثر |
|---|---|---|---|---|
| الوزن الخليلي | موجود ومنتظم في البيت | موجود، مع مرونة في عدد التفعيلات | غير ملزم | غير ملزم |
| القافية | غالبًا ذات انتظام واضح | قد تتكرر أو تتغير أو تغيب | ليست شرطًا | ليست شرطًا |
| وحدة البناء | البيت والشطر | السطر الشعري والمقطع | الجملة والفقرة والبناء السردي أو الفكري | السطر أو الفقرة بحسب بناء القصيدة |
| الإيقاع | عروضي وداخلي | عروضي وداخلي | يمكن أن يكون داخليًا وغير عروضي | يعتمد بدرجة كبيرة على الإيقاع الداخلي |
| الصورة والتكثيف | يمكن أن يكونا قويين أو ضعيفين | يمكن أن يكونا قويين أو ضعيفين | قد يحضران بقوة | من أهم أدواتها غالبًا |
هذا الجدول يساعد على التمييز، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى آلة تصنيف عمياء. فالكتابة الأدبية تعرف نصوصًا حدودية، وقد تتداخل فيها خصائص السرد والشعر والتأمل والحوار.
شعر التفعيلة لا يخرج من الشعر إلى النثر
أحد أكثر الأخطاء شيوعًا أن يرى القارئ أسطرًا متفاوتة الطول فيظن أن النص نثر، أو أن يعتقد أن شعر التفعيلة تخلى عن الوزن. والحقيقة أن شعر التفعيلة غيّر طريقة تنظيم الوزن ولم يلغ الوزن نفسه.
في القصيدة العمودية يتوقع القارئ بناء البيت المعروف، بينما يستطيع شاعر التفعيلة أن يكرر التفعيلة الواحدة عددًا مختلفًا من المرات في الأسطر، فتطول بعض الأسطر وتقصر أخرى وفق حركة الجملة والتجربة. ولهذا لا يكفي النظر إلى الصفحة. ما يحسم المسألة هو البنية الإيقاعية.
وتظهر هذه المرونة بوضوح في قصيدة طويلة مثل "جدارية" لمحمود درويش؛ ففي قراءتنا لجدارية تتحرك الجملة بين التأمل والسرد والغناء، وتطول الأسطر وتقصر، لكن المرونة البصرية لا تعني أن القصيدة تحولت إلى نثر.
إذن اختلاف طول السطر ليس معيارًا كافيًا. قد يكون أمامك شعر تفعيلة موزون، وقد يكون أمامك قصيدة نثر، وقد يكون مجرد نثر قطعه صاحبه إلى أسطر قصيرة.
المشكلة الأصعب: قصيدة النثر
قصيدة النثر هي المنطقة التي تجعل السؤال "ما الفرق بين الشعر والنثر؟" أكثر إثارة مما يبدو. فهي لا تقوم على الوزن الخليلي، ومع ذلك يكتبها أصحابها ويقرؤها جمهور واسع بوصفها شكلًا شعريًا. ومن هنا نشأ خلاف نقدي طويل: إذا غاب الوزن، فما الذي يبقي النص داخل دائرة الشعر؟
بعض النقاد يتمسك بالوزن شرطًا لتعريف الشعر، ولذلك يرى أن ما لا وزن له نثر مهما بلغت كثافته وجماليته. وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن الشعر لا يختزل في العروض، وأن اللغة قد تصبح شعرية بما تصنعه من كثافة ومفاجأة وصور وإيقاع داخلي وعلاقات غير مألوفة بين الأشياء.
لا يحتاج القارئ إلى حسم هذا الخلاف قبل أن يقرأ. الأهم أن يعرف موضعه. فعندما نقول إن قصيدة النثر لا تستخدم الوزن الخليلي فنحن نصف حقيقة بنيوية. وعندما نسأل هل يكفي الإيقاع الداخلي والصورة والتكثيف لتسميتها شعرًا، فنحن ندخل منطقة نقدية مختلفًا عليها.
والخطأ هنا أن نتعامل مع كل فقرة جميلة على أنها قصيدة نثر. فاللغة العاطفية وحدها لا تكفي، كما أن تقسيم جملة عادية إلى خمسة أسطر لا يمنحها تلقائيًا شعرية.
تخيل مثلًا هذه العبارة:
وكان الجو جميلًا
ورأيت الأشجار
فشعرت بالسعادة
شكلها على الصفحة يشبه القصيدة، لكن التقسيم البصري لم يخلق في ذاته توترًا أو صورة أو بناءً لغويًا خاصًا. ولو أعدناها إلى سطر واحد لما تغير شيء جوهري فيها.
أما في المثال المصنوع الآتي:
فيدخل الصباح وحده؛
أما المدينة
فتظل واقفة عند الباب
بجيوب ممتلئة بالضجيج.
لا يجعل تقطيع الأسطر هذا النص شعرًا تلقائيًا أيضًا، لكنه يكشف عناصر يمكن مناقشتها شعريًا: تشخيص الصباح والمدينة، والمفارقة بين الدخول والبقاء عند الباب، وتحويل الضجيج إلى شيء يمكن أن تملأ به الجيوب. هنا نبدأ في الحديث عن كثافة الصورة والعلاقات اللغوية، لا عن شكل الصفحة وحده.
الشعر شيء، والشعرية شيء آخر
هذه التفرقة تحل كثيرًا من الالتباس. نستطيع أن نستعمل كلمة "الشعر" للدلالة على جنس أدبي له تقاليده وأشكاله، ونستعمل "الشعرية" للدلالة على الطريقة التي تتجاوز بها اللغة وظيفتها المباشرة لتصنع إيقاعًا أو صورة أو دهشة أو معنى متعدد الطبقات.
بهذا المعنى يمكن أن نجد شعرية عالية داخل رواية، كما يمكن أن نجد بيتًا صحيح الوزن ضعيف الشعرية.
ويقدم محمود درويش مثالًا جيدًا على ذلك؛ فقد كتب الشعر وكتب النثر أيضًا. وفي أعمال نثرية مثل "ذاكرة للنسيان" و"في حضرة الغياب" تقترب الجملة أحيانًا من المنطقة الشعرية من غير أن يجعلنا ذلك مضطرين إلى تحويل كل صفحة إلى قصيدة. ويمكن ملاحظة هذه المسافة بين الجنس الأدبي والطاقة الشعرية في قراءة حياة محمود درويش وشعره وأشهر قصائده.
هذا يعني أن السؤال الأدق ليس دائمًا: "هل توجد صورة شعرية؟" فالصورة قد توجد في الرواية والخطبة والمقالة. وليس: "هل توجد موسيقى؟" فالنثر يمكن أن يمتلك إيقاعًا قويًا. السؤال هو: كيف نُظمت هذه العناصر داخل النص، وما العقد الذي يقيمه النص مع قارئه؟
هل القافية تجعل الكلام شعرًا؟
لا. القافية والوزن شيئان مختلفان.
قد يكتب شخص فقرة تنتهي جملها بالكلمات نفسها أو بأصوات متشابهة، فينشأ سجع، لكن ذلك لا يجعلها موزونة. وقد يكتب شاعر قصيدة تفعيلة موزونة من دون قافية ثابتة. وقد تنتظم قصيدة عمودية في وزن وقافية معًا.
ولهذا فإن سماع نهايات متشابهة لا يكفي للحكم. القافية تتعلق بالنهاية الصوتية المنظمة، بينما الوزن يتعلق بتتابع المقاطع والحركات والسكنات ضمن نظام عروضي.
والأمر نفسه ينطبق على الموسيقى. الموسيقى الشعرية أوسع من القافية. فقد تنشأ من تكرار صوت بعينه، أو من التوازي بين عبارتين، أو من عودة كلمة في مواضع محسوبة، أو من تعاقب الجمل القصيرة والطويلة.
هل الشعر أكثر عاطفة والنثر أكثر عقلًا؟
هذه واحدة من التقسيمات التي تبدو مريحة لكنها تنهار سريعًا أمام الأدب الحقيقي.
يمكن للشعر أن يناقش الفلسفة والموت والتاريخ والسياسة، ويمكن للنثر أن يكون اعترافًا عاطفيًا بالغ الحرارة. الرواية ليست أقل قدرة على الحب والحزن من القصيدة، والقصيدة ليست عاجزة عن التفكير لأنها موزونة.
الفرق لا يكمن في أن الشاعر "يشعر" والكاتب الناثر "يفكر". كلاهما يشعر ويفكر. ما يتغير هو طريقة بناء اللغة، ومساحة السرد أو الحجاج، وطبيعة الإيقاع، ودرجة التكثيف، والعلاقة بين الجملة والصورة والزمن.
كذلك لا يصح القول إن الشعر يستخدم المجاز بينما يستخدم النثر الحقيقة المباشرة. الروايات والقصص والخطب والرسائل الأدبية مليئة بالتشبيه والاستعارة والرمز. الصورة الشعرية ليست ملكية حصرية للقصيدة.
كيف تميز بنفسك بين النصوص؟
حين تقع أمام نص لا تعرف تصنيفه، لا تبدأ بالسؤال عن جماله. ابدأ ببنيته.
أولًا: استمع إلى الوزن ولا تكتفِ بالنظر إلى الصفحة
إذا كان الكلام ينتظم في بحر معروف أو يقوم على تفعيلة تتكرر وفق بناء مقصود، فأنت في مجال الشعر الموزون، حتى لو لم تكن هناك قافية ثابتة وحتى لو اختلف طول الأسطر.
ثانيًا: افحص الوحدة التي يتحرك بها النص
هل يقوم البناء على البيت والشطر؟ هل يتحرك في أسطر شعرية مرتبطة بتفعيلة؟ أم يتقدم بالجملة والفقرة والحكاية والحجاج؟ هذه العلامة تساعد، لكنها لا تعمل وحدها لأن القصيدة الحديثة قد تستفيد من السرد، والنثر قد يقترب من لغة الشعر.
ثالثًا: لا تجعل الصورة البصرية حكمًا
وجود فراغات بين الأسطر أو كتابة كل عبارة في سطر لا يصنع الشعر. تخيل النص نفسه بعد إزالة فواصل الأسطر: هل بقيت فيه بنية إيقاعية ولغوية مميزة، أم ظهر أنه مجرد فقرة عادية قطعت بصريًا؟
رابعًا: إذا غاب الوزن فاسأل عن طبيعة التكثيف
هنا ندخل منطقة قصيدة النثر والنثر الشعري. ابحث عن وظيفة الصورة، والتكرار، والوقفات، وتوتر الجملة، والمفاجأة الدلالية، والعلاقة بين الكلمات. لكن لا تتوقع معادلة رياضية تحسم كل نص، لأن الحدود هنا بالفعل أقل صرامة.
خامسًا: افصل التصنيف عن الإعجاب
قد تحدد أن النص قصيدة عمودية ثم تراه ضعيفًا. وقد تحدد أنه نثر ثم تراه شديد الجمال. وقد تختلف مع ناقد في تسمية قصيدة النثر، لكن الخلاف في الاسم لا يعفي من تحليل ما تفعله اللغة فعلًا.
ماذا عن النظم؟ وهل كل موزون شعر؟
من المفيد هنا استعادة تمييز قديم كان النقاد واعين به: انتظام الكلام في وزن لا يعني بالضرورة أنه بلغ مرتبة الشعر بوصفه إبداعًا.
فيمكن نظم قواعد النحو أو العلوم أو الأنساب في أبيات لتسهيل الحفظ. هذه النصوص تستخدم الوزن، لكنها تؤدي غرضًا تعليميًا أساسًا. ولهذا استخدم التراث كلمة "النظم" في سياقات لا يراد منها دائمًا الشعر بمعناه الجمالي الكامل.
هذه الملاحظة مهمة لأنها تمنعنا من الوقوع في الطرف المقابل من الخطأ. فكما أن غياب الوزن لا يعني بالضرورة غياب الشعرية، فإن وجود الوزن لا يضمن وجودها.
الوزن بنية. أما نجاح القصيدة فيحتاج إلى أكثر من البنية: لغة قادرة على المفاجأة، وتجربة، وصورة، وتوتر، واختيار، واقتصاد أو امتداد له ضرورة فنية.
لماذا ظل الفصل بين الشعر والنثر يتغير؟
لأن الأدب نفسه تغير. حين كان النموذج المركزي للشعر العربي هو القصيدة الموزونة المقفاة، كان الحد الشكلي أكثر استقرارًا. ثم جاء التجديد في الأوزان والقوافي، وتطور الشعر المرسل وشعر التفعيلة، واتسعت تجارب قصيدة النثر، ودخل السرد والحوار واليومي والتفاصيل الصغيرة إلى القصيدة، في الوقت الذي أصبح فيه النثر الروائي أكثر تجريبًا وإيقاعًا.
لم يعد الشاعر الحديث مضطرًا إلى البقاء في منطقة الغناء الخالص، كما لم يعد الروائي مضطرًا إلى استخدام لغة تقريرية. تستطيع القصيدة أن تروي، ويستطيع السرد أن يغني، وتستطيع الفقرة النثرية أن تقوم على صورة مركزية كثيفة.
لهذا فالسؤال التاريخي "أيهما الشعر وأيهما النثر؟" ما يزال صالحًا، لكن الإجابة الحديثة تحتاج إلى مستويين: مستوى البنية الشكلية، ومستوى الشعرية.
في المستوى الأول نستطيع غالبًا أن نكون واضحين: هذا موزون، وهذا غير موزون؛ هذا عمودي، وهذا تفعيلة، وهذا نثر. وفي المستوى الثاني يصبح الأمر نقديًا: كيف تعمل اللغة؟ ماذا يفعل الإيقاع؟ هل الصورة ضرورية أم زينة؟ هل التكثيف يولد معنى أم يخفي فراغًا؟
أخطاء تجعل التمييز أصعب مما ينبغي
أول هذه الأخطاء الاعتقاد أن النثر لغة يومية بلا فن، وأن الشعر لغة جميلة بالضرورة. تاريخ الأدب يكفي لنقض هذا التصور؛ فهناك نثر عربي بالغ الصنعة منذ الرسائل والخطب القديمة وصولًا إلى الرواية الحديثة.
والخطأ الثاني مساواة الشعر بالقافية. السجع قافية صوتية من نوع ما، لكنه لا يحول الخطبة أو الرسالة إلى قصيدة. كما أن كثيرًا من الشعر الحديث لا يعتمد قافية موحدة.
والثالث الاعتقاد أن كل نص بلا وزن قصيدة نثر. معظم الكلام الذي نكتبه كل يوم بلا وزن، ولا أحد يسميه قصيدة. قصيدة النثر مطالبة بأن تبني ضرورتها الفنية من داخل اللغة لأنها لا تستند إلى الوزن العروضي بوصفه إطارًا جاهزًا.
والرابع الحكم من طول السطر. برامج النشر والهواتف تستطيع تغيير مكان انكسار السطر تلقائيًا، ولذلك لا يمكن أن يكون شكل الصفحة وحده أساس التصنيف.
أما الخطأ الخامس فهو تحويل الفرق بين الأجناس إلى مسابقة. لا الشعر أعلى من النثر لأنه موزون، ولا النثر أكثر حرية أو حداثة لأنه غير موزون. الرواية العظيمة لا تحتاج إلى أن تصبح قصيدة كي تكتسب قيمتها، والقصيدة العظيمة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى سرد لكي تثبت أنها معاصرة.
اختبار صغير: ماذا ترى في هذه النصوص؟
لنفترض أنك قرأت ثلاثة نصوص قصيرة.
النص الأول:
هذا نثر من حيث البنية. لكنه يحتوي مفارقة دلالية: الاقتراب المكاني من المدينة يقابله اقتراب نفسي من البيت البعيد.
النص الثاني:
كأننا كلما سرنا رجعنا
هذا مثال توضيحي مصنوع في هيئة شعر موزون مقفى تقريبًا، والمهم فيه أن البنية تطلب منك أن تسمع انتظامًا صوتيًا لا مجرد معنى الصورة.
النص الثالث:
أضع مدينتي في الحقيبة،
وحين أصل
أكتشف أن الحقيبة
كانت هي المنفى.
لا يوجد هنا ما يكفي للحكم بالوزن من الشكل وحده. فإذا ثبت غياب الوزن الخليلي، فنحن أمام نص نثري يحاول بناء شعرية بالتكثيف والتحول الدلالي. هل نسميه قصيدة نثر ناجحة؟ عند هذه النقطة يبدأ الحكم النقدي، ولا تعود بطاقة التصنيف وحدها كافية.
بهذه الطريقة يصبح القارئ أقل اعتمادًا على المظهر وأكثر انتباهًا إلى ما يحدث داخل اللغة.
الفارق الحقيقي ليس بين النظام والفوضى
قد توحي بعض المقارنات بأن الشعر نظام صارم والنثر حرية مطلقة. وهذا غير دقيق. الشعر العمودي يمتلك نظامًا وزنيًا ظاهرًا، لكنه يتيح داخل هذا النظام احتمالات واسعة للصورة والتركيب والمعنى. والنثر لا يمتلك بحرًا يلزم الكاتب، لكنه يحتاج إلى أنظمة أخرى: بناء الجملة، وتوزيع المعلومات، وإيقاع الفقرة، وترتيب المشاهد، ومنطق الحكاية أو الحجة.
حتى قصيدة النثر، التي تبدو أشد الأشكال تحررًا من القواعد الخارجية، لا تستطيع أن تعيش فنيًا بالفوضى وحدها. حين يسقط الوزن تصبح مسؤولية الكاتب أكبر في خلق العلاقات التي تمسك النص من الداخل.
لهذا يمكن فهم الصورة التي تتصدر هذه المقالة على نحو أفضل: ليست التروس رمزًا للشعر واللوحة التجريدية رمزًا للنثر، وليست إحداهما نظامًا والأخرى فوضى. إنهما طريقتان مختلفتان لبناء شكل. وكل بناء فني، مهما بدا حرًا، يحتاج إلى علاقات داخلية تمنحه ضرورته.
حين نعرف الفرق نقرأ بصورة أفضل
معرفة الفرق بين الشعر والنثر ليست تمرينًا في وضع النصوص داخل صناديق. فائدتها الحقيقية أنها تجعلنا نعرف أين ننظر.
حين نقرأ بيتًا موزونًا نصغي إلى الطريقة التي يعمل بها الوزن مع المعنى، لا إلى المعنى منفردًا. وحين نقرأ شعر التفعيلة نراقب تغير طول السطر والوقفة من غير أن ننسى النظام الإيقاعي الذي يحكمه. وحين نقرأ نثرًا أدبيًا ننتبه إلى إيقاع الجملة وبناء الفقرة والصورة والسرد من غير أن نطالبه ببحر وقافية. وحين نقرأ قصيدة نثر نسأل كيف صنعت شعريتها بعد أن تخلت عن الوزن الخليلي.
ومن هنا لا يعود السؤال الأهم: أيهما أفضل، الشعر أم النثر؟ فالأدب لم يحفظ المتنبي لأنه اختار الوزن وحده، ولم يحفظ كبار الروائيين لأنهم اختاروا النثر وحده. الشكل يحدد إمكانات الكاتب، لكنه لا يكتب العمل نيابة عنه.
الأجدى أن نقرأ كل نص من داخل القانون الذي اختاره لنفسه، ثم نسأله إن كان قد أحسن استخدامه. فالوزن ليس شهادة جودة، والحرية ليست شهادة جودة، والصورة ليست شهادة جودة. القيمة تنشأ حين تصبح عناصر النص مترابطة بحيث يبدو أن تغيير كلمة أو إيقاع أو ترتيب قد يغير التجربة كلها.
والسؤال الذي يمكن أن تجرب به ما تعلمته هو: إذا حُذفت طريقة توزيع الأسطر من نص أمامك، فما العناصر الأخرى التي ستعتمد عليها لتقرر إن كنت تقرأ شعرًا موزونًا، أم نثرًا، أم نصًا يقف في المنطقة بينهما؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق