أربعة رجال خرجوا من التاريخ، لكنهم لم يعيشوا الرواية التي نعرفها
هل كان دارتانيان وأثوس وبورتوس وأراميس أشخاصًا حقيقيين؟
الجواب القصير هو: نعم، وراء هذه الأسماء رجال عاشوا في فرنسا في القرن السابع عشر وارتبط بعضهم فعلًا بفرسان الملك. لكن هذا الجواب يصبح مضللًا إذا فهمنا منه أن ألكسندر دوما أخذ أربعة أصدقاء حقيقيين وسجل مغامراتهم كما حدثت. لم يقع الأمر بهذه الصورة. دارتانيان التاريخي موجود، وكذلك توجد أصول تاريخية قوية لأسماء أثوس وبورتوس وأراميس، غير أن الصداقة التي تجمعهم، وشخصياتهم كما نعرفها، وأعمارهم، وعلاقاتهم، وكثيرًا من مغامراتهم هي بناء روائي صنعه الأدب من شظايا التاريخ.
إذن فالحقيقة الأدق: دارتانيان لم يكن اختراعًا كاملًا، والفرسان الثلاثة لم تأت أسماؤهم من فراغ، لكن "الأربعة الذين لا يفترقون" هم في الأساس خلق أدبي. وبين الرجال الحقيقيين ورواية ألكسندر دوما تقف حلقة وسيطة شديدة الأهمية: كتاب نُشر بعد وفاة دارتانيان بعقود تحت عنوان "مذكرات السيد دارتانيان"، ولم يكتبه دارتانيان نفسه.
وهذه الحلقة الوسيطة هي التي تجعل قصة "الفرسان الثلاثة" أكثر إثارة من سؤال بسيط عن كون الشخصيات حقيقية أو خيالية. فنحن أمام سلسلة من التحولات: إنسان حقيقي يصبح بطلًا لمذكرات مشكوك في صدقها، ثم يتحول ذلك البطل مرة أخرى إلى شخصية روائية، ثم تبتلع الشخصية الروائية الرجل الحقيقي حتى يكاد التاريخ نفسه يبدو تقليدًا للأدب.
قبل ألكسندر دوما كان هناك دارتانيان آخر
الشخص الذي يقف في أول هذه السلسلة هو شارل دي باتز دي كاستلمور، المعروف باسم دارتانيان. كان ضابطًا فرنسيًا حقيقيًا خدم في فرسان الملك ووصل إلى موقع عسكري مهم في عهد لويس الرابع عشر، وقُتل خلال حصار ماستريخت سنة 1673.
هذه الحقيقة وحدها تبدو كافية لصنع بطل روائي: رجل من غاسكونيا يصعد في الجيش، يعيش وسط البلاط والحروب والمؤامرات، وينتهي به الأمر مقتولًا في ميدان القتال. لكن المشكلة تبدأ عندما نحاول الانتقال من هذه الخطوط العامة إلى التفاصيل التي نعرفها من الرواية.
الرواية تبدأ سنة 1625 تقريبًا، وتدفع بدارتانيان الشاب إلى باريس حيث يلتقي أثوس وبورتوس وأراميس. أما دارتانيان التاريخي فلم يعش شبابه العسكري بالطريقة التي رتب بها دوما الأحداث. خدمته الأساسية تنتمي إلى مرحلة لاحقة، ولا يمكن مطابقة مساره سنة بسنة مع مغامرات البطل الروائي.
هنا يظهر الفرق بين استعمال شخصية تاريخية وكتابة سيرة تاريخية. دوما لم يكن يحاول أن يثبت أين كان دارتانيان الحقيقي صباح يوم محدد، بل كان يبحث عن شخصية تستطيع الحركة بحرية داخل فرنسا لويس الثالث عشر والكاردينال ريشيليو والحرس الملكي وصراعات البلاط.
ولهذا أخذ اسمًا له أساس تاريخي ومنحه شبابًا جديدًا.
دارتانيان في الرواية ليس مجرد جندي، بل طاقة متحركة. يصل إلى باريس وهو يملك طموحًا أكبر من موارده، وسيفًا أسرع أحيانًا من حكمته، واستعدادًا دائمًا للدخول في مشكلة قبل أن يعرف حجمها. إنه يحتاج إلى أن يكون شابًا لأن الرواية تحتاج إلى عين جديدة تدخل عالمًا قديمًا. القارئ يدخل معه إلى باريس، وإلى مقر السيد دي تريفيل، وإلى عالم الفرسان، ثم يتعلم معه قواعد الولاء والمبارزة والخطر.
الرجل التاريخي منح دوما الاسم والإطار. أما الشاب الذي نطارده بين الشوارع والقصور والطرق فهو ابن الرواية.
المصدر الذي غيّر كل شيء: مذكرات لم يكتبها صاحبها
بعد نحو ثلاثة عقود من موت دارتانيان ظهر كتاب يحمل عنوانًا يوحي بأنه مذكراته الشخصية. مؤلفه الحقيقي كان غاتيان دو كورتيلز دو ساندرار، وهو كاتب عرف الكتابة عن الشخصيات السياسية والعسكرية ومزج في أعماله بين الأخبار التاريخية والحكاية والاختلاق.
صدرت "مذكرات السيد دارتانيان" في مطلع القرن الثامن عشر، وقدمت نفسها بصوت قريب من السيرة الذاتية، لكن التعامل معها بوصفها شهادة كتبها دارتانيان نفسه خطأ واضح. إنها أقرب إلى ما نسميه اليوم سيرة روائية أو مذكرات أدبية متخيلة تستعمل شخصية حقيقية وتبني حولها شبكة من الأخبار والطرائف والمغامرات.
ومن هذا الكتاب جاءت إلى دوما مادة حاسمة.
في صفحات كورتيلز تظهر أسماء دارتانيان وأثوس وبورتوس وأراميس. وهنا يمكن أن نفهم لماذا يبدو عالم الرواية أحيانًا كأنه يملك جذورًا أعمق من الخيال الخالص. دوما لم يفتح كتابًا تاريخيًا جافًا ثم ينتزع منه أسماء متفرقة. لقد قرأ نصًا كان قد بدأ أصلًا عملية تحويل التاريخ إلى أدب.
بمعنى آخر، لم ينتقل دارتانيان من التاريخ مباشرة إلى رواية "الفرسان الثلاثة". مر أولًا عبر مرآة أخرى.
وهذا التفصيل يغير السؤال كله. عندما نسأل: "هل كان دارتانيان حقيقيًا؟" لا يكفي أن نعثر على سجل ضابط اسمه دارتانيان ونغلق الملف. يجب أن نرى الطبقات الثلاث منفصلة: دارتانيان الذي عاش، ودارتانيان الذي صنعه كورتيلز، ودارتانيان الذي أعاد دوما خلقه.
الثاني ليس الأول، والثالث ليس الثاني.
وماذا عن أثوس وبورتوس وأراميس؟
الأمر يصبح أكثر طرافة مع الرجال الثلاثة الذين أعطوا الرواية عنوانها.
تربط البحوث التاريخية اسم أثوس بأرمان دو سييّغ داثوس دوتوفيل، وهو فارس ملكي من منطقة بيارن عاش في القرن السابع عشر. وتشير المعلومات المعروفة عنه إلى أنه مات في باريس سنة 1643 في ظروف توحي بمواجهة عنيفة أو مبارزة.
لكن هذا الرجل ليس الكونت الغامض الذي صنعه دوما.
أثوس الروائي رجل يبدو أكبر من مغامرات المبارزة التي يشارك فيها. يحمل وراء صمته تاريخًا شخصيًا مثقلًا، ويملك مسافة أرستقراطية من المال والضجيج والطموح اليومي. دوما أخذ اسمًا من التاريخ ومنحه نسبًا وجرحًا عاطفيًا وماضيًا وزوجة سرية ودورًا أبويًا تجاه دارتانيان. هذه العناصر هي التي تجعل أثوس شخصية يمكن تذكرها حتى بعد أن تختلط على القارئ تفاصيل المطاردات.
أما بورتوس، فغالبًا ما يُربط بإسحاق دو بورتو أو بورتاو، وهو اسم يعود أيضًا إلى بيئة الفرسان والغاسكونيين والبيارنيين التي استقى منها كورتيلز ودوما مادتهما. غير أن التفاصيل التاريخية هنا أقل إحكامًا من الأسطورة التي صنعتها الرواية.
بورتوس الذي نعرفه ليس ملفًا عسكريًا. إنه جسد وصوت ورغبة في الظهور. يحب المظهر الجيد والطعام والمال والمكانة، ويستطيع أن يكون مضحكًا من دون أن يفقد شجاعته. لو كان دوما قد اكتفى بإعادة اسم رجل حقيقي لما حصلنا على هذه الشخصية. الأدب لا يحفظ الاسم فقط، بل يعطيه إيقاعًا في الكلام وطريقة في دخول الغرفة ونوعًا خاصًا من الغرور.
أما أراميس فيرتبط تاريخيًا بهنري دآراميتز، الذي خدم فارسًا ثم عاش حياة تختلف كثيرًا عن المسار الذي صنعه له دوما. أراميس الروائي ممزق باستمرار بين السيف والكنيسة والطموح، وكأن كل هوية يختارها ليست سوى مرحلة نحو هوية أخرى. وفي الأجزاء اللاحقة من ثلاثية دوما يصبح هذا التوتر أكثر وضوحًا.
الرجل التاريخي، بحسب ما بقي من أخباره، لم يعش تلك السيرة الروائية المدهشة. تزوج وأنجب وعاد إلى حياته في بيارن. لكن دوما لم يكن يبحث عن نسخة مطابقة له. كان الاسم كافيًا لكي يبدأ الاختراع.
وهنا تظهر مفارقة جميلة: الشخصيات الأقل شهرة تاريخيًا أصبحت أكثر وضوحًا في خيالنا من الرجال الذين حملوا أسماءها فعلًا.
هل كان الأربعة أصدقاء حقًا؟
هذه هي النقطة التي تتغير عندها الإجابة من "كان لهم أصل حقيقي" إلى "الرواية صنعت المجموعة".
لا توجد وثيقة تثبت أن دارتانيان وأثوس وبورتوس وأراميس التاريخيين عاشوا تلك الأخوة الرباعية التي تشكل قلب الرواية. بل إن التواريخ المعروفة تجعل الصورة التي رسمها دوما مستحيلة إذا قرئت حرفيًا.
أثوس التاريخي كان قد مات سنة 1643. بورتوس وأراميس ينتميان إلى مسارات زمنية لا تنسجم مع أعمارهم وأدوارهم في الرواية إذا حاولنا وضع الأربعة جنبًا إلى جنب سنة 1625 كما يفعل دوما.
وهذه ليست هفوة صغيرة وقع فيها الكاتب لأنه لم يعرف التاريخ جيدًا.
إنها جزء من طريقته في الكتابة.
الرواية التاريخية عند دوما لا تتعامل مع التاريخ بوصفه قفصًا يمنع الشخصيات من الحركة. تستخدم أسماء ووقائع وصراعات حقيقية، ثم تعيد ترتيبها بحيث يصبح الماضي قابلًا للسرد. أحيانًا يقرب الكاتب شخصين لم يلتقيا بهذه الصورة، وأحيانًا يغير العمر، وأحيانًا يحول خبرًا قصيرًا إلى مغامرة تمتد عشرات الصفحات.
وفي مقالة الكونت دي مونت كريستو: هل استند ألكسندر دوما إلى قصة حقيقية عن الانتقام؟ تظهر الآلية نفسها من زاوية أخرى: العثور على مادة واقعية أو شبه واقعية لا يعني أن الرواية أصبحت تقريرًا عنها. الفارق الحقيقي يبدأ فيما يفعله الكاتب بالمادة بعد أن يجدها.
دوما لا ينسخ الرجال، بل يوزع صفات الإنسان بينهم
إذا نظرنا إلى الفرسان الأربعة بوصفهم نسخًا من رجال تاريخيين سنظل منشغلين بالسؤال الأقل أهمية: ما الذي حدث فعلًا؟ أما إذا نظرنا إليهم بوصفهم بناءً روائيًا، يظهر سؤال أكثر فائدة: لماذا احتاج دوما إلى أربعة أبطال مختلفين؟
دارتانيان هو الحركة والطموح والاندفاع.
أثوس هو الذاكرة والجرح والكبرياء.
بورتوس هو الجسد والبهجة والرغبة في الاعتراف الاجتماعي.
أراميس هو التردد والطموح والهوية التي لا تستقر.
هذه ليست معادلات مغلقة، ولا يمكن اختزال كل شخصية في كلمة واحدة، لكنها توضح كيف عمل دوما على التفريق بينهم. كان من السهل أن يصبح ثلاثة الفرسان مجرد رفاق متشابهين يحملون السيوف نفسها ويؤدون الوظيفة نفسها. لكن نجاح المجموعة يأتي من أن كل واحد منهم يغير معنى المشهد الذي يدخل إليه.
إذا حضر بورتوس دخلت إلى المغامرة طاقة جسدية وكوميديا اجتماعية. إذا حضر أثوس شعرنا بأن للمغامرة ظلًا قديمًا. وإذا ظهر أراميس أصبح من الممكن أن نشك في أن وراء الكلام خطة أخرى. ودارتانيان يتحرك بينهم جميعًا، يتعلم منهم ويتنافس معهم ثم يصبح تدريجيًا الشخص القادر على جمع هذه الطبائع المختلفة.
هنا صنع الأدب شيئًا لا تستطيع الوثيقة التاريخية أن تصنعه. الوثيقة تستطيع أن تقول إن رجلًا التحق بوحدة عسكرية في سنة معينة. أما الرواية فتستطيع أن تجعل دخوله من الباب حدثًا نعرف منه شخصيته قبل أن تنتهي الصفحة.
هذه المسافة بين النموذج الحقيقي والشخصية الأدبية تظهر كذلك في قصة شيرلوك هولمز والرجل الحقيقي الذي ألهم طريقة ملاحظته. وجود جوزف بِل لا يجعل شيرلوك هولمز شخصًا حقيقيًا، تمامًا كما أن وجود شارل دارتانيان لا يجعل مغامرات دوما سيرة عسكرية مخفية.
لماذا تبدو الرواية تاريخية إلى هذه الدرجة إذن؟
لأن دوما يضع شخصياته الخيالية والمعدلة داخل شبكة كثيفة من الأسماء الحقيقية.
لويس الثالث عشر شخصية تاريخية. آن النمساوية حقيقية. الكاردينال ريشيليو حقيقي. دوق باكنغهام حقيقي. الصراع بين سلطة الملك والكاردينال، والتوتر بين فرنسا وإنجلترا، وحصار لاروشيل، والحرس والفرسان، كلها تنتمي بدرجات مختلفة إلى التاريخ الفرنسي في القرن السابع عشر.
لكن وجود هذه الأسماء لا يعني أن الرواية تقدم لنا المحاضر السرية للقصر.
ريشيليو مثلًا يتحول روائيًا إلى مركز جاذبية يحتاجه السرد. التاريخ السياسي للكاردينال أكثر تعقيدًا بكثير من وظيفة الخصم الذي يواجه الأبطال. دوما لا يلغي ذكاءه ولا قوته، لكنه يرتب الصراع بحيث يستطيع القارئ أن يتابع الأشخاص عبر قرارات سياسية كبرى من غير أن يقرأ كتابًا في تاريخ الدولة الفرنسية.
وهذا من أسرار الرواية التاريخية الشعبية في القرن التاسع عشر: التاريخ يعطي الكاتب حجمًا، والكاتب يعطي التاريخ سرعة.
القارئ يعرف أن ملكًا وكاردينالًا ودوقًا ودولة كاملة تقف خلف الأحداث، لكنه يعيشها من خلال رسالة يجب أن تصل، أو حصان يجب تبديله، أو مبارزة في شارع، أو رحلة لا تحتمل التأخير.
السياسة تتحول إلى حركة.
والتاريخ يتحول إلى تجربة شخصية.
هناك مؤلف آخر يقف قرب دوما
ارتبط اسم "الفرسان الثلاثة" بألكسندر دوما، وهذا الارتباط صحيح أدبيًا وتاريخيًا، لكن من المهم ألا تختفي شخصية أوغست ماكيه من قصة التأليف.
عمل ماكيه مع دوما في عدد من المشاريع الروائية الكبرى، وتثبت الوثائق أن مساهمته في "الفرسان الثلاثة" لم تكن هامشية. تحتفظ مجموعة متحف كارنافاليه في باريس بنسخة من طبعة 1844 أهداها دوما إلى ماكيه بإشارة لاتينية تفيد، في معناها، بأنه كان صاحب نصيب كبير في العمل.
لا يعني هذا أن علينا قلب اسم المؤلف على الغلاف أو الدخول في معركة متأخرة حول من "كتب فعلًا" الرواية. أسلوب العمل بين دوما وماكيه كان أكثر تعقيدًا: البحث وإعداد البناء الأولي وتطوير المادة كان يمكن أن يكون مشتركًا، في حين كانت صياغة دوما السردية وإعادة الكتابة والحوار والإيقاع عنصرًا حاسمًا في الشكل الذي وصلت به الروايات إلى القراء.
لكن ذكر ماكيه هنا مفيد لسبب آخر. إنه يذكرنا بأن "الفرسان الثلاثة" ليست نتيجة رجل جلس أمام التاريخ فجاءه الإلهام في لحظة واحدة. وراء الرواية قراءة وبحث ومصادر وإعادة تركيب وعمل سريع يناسب نظام النشر المتسلسل في الصحافة.
الرواية التي كانت مطالبة بأن تجعل القارئ يعود غدًا
نشرت "الفرسان الثلاثة" أول مرة على حلقات في صحيفة "Le Siècle" سنة 1844، من مارس إلى يوليو، ثم صدرت في مجلدات في العام نفسه.
هذه الطريقة في النشر ليست معلومة هامشية.
عندما يعرف الكاتب أن القارئ لن يحصل على الرواية دفعة واحدة، تتغير هندسة السرد. يجب أن توجد حركة مستمرة، ومخاطر، وتحولات، ووصول متأخر، ورسائل، وشخصيات تختفي ثم تعود، وأسرار تنفتح تدريجيًا. ليس المطلوب فقط أن يستمتع القارئ بالصفحة التي أمامه، بل أن يشعر بأن ترك الحكاية الآن خسارة.
لهذا لا تبدو "الفرسان الثلاثة" مثل سجل تاريخي حتى حين تمتلئ بالأحداث التاريخية. التاريخ يميل إلى شرح ما وقع بعد أن يقع. أما الرواية المسلسلة فتريد أن تجعل القارئ يسأل ماذا سيقع بعد قليل.
ومن هنا يمكن فهم الحرية التي أخذها دوما مع الزمن والشخصيات. الدقة التاريخية كانت قيمة، لكنها لم تكن القيمة الوحيدة. كان عليه أيضًا أن يجعل الشخصيات تتقاطع في اللحظة المناسبة وأن يبني بينها روابط يستطيع القارئ تذكرها أسبوعًا بعد أسبوع.
من الرجل الحقيقي إلى الأسطورة التي طغت عليه
ثمة مصير غريب ينتظر بعض الشخصيات التاريخية التي تدخل الأدب: تأتي الرواية لإنقاذها من النسيان، ثم تمحو ملامحها الأصلية.
هذا بالضبط ما حدث لدارتانيان.
لولا دوما لظل شارل دي باتز دي كاستلمور اسمًا يعرفه مؤرخو الجيش الفرنسي ودارسو القرن السابع عشر. لكن الرواية أعطته شهرة عالمية لم تكن الوثائق العسكرية قادرة على منحها.
الثمن أن الإنسان الحقيقي صار أقل شهرة من صورته المتخيلة.
حين نقول "دارتانيان"، قلما نفكر أولًا في ضابط خدم لويس الرابع عشر ومات في ماستريخت. نرى شابًا غاسكونيًا يمتطي حصانًا، يصل إلى باريس، يتشاجر بسرعة، ويجد نفسه فجأة بين ثلاثة رجال سيصبحون أصدقاءه.
الأدب لم يحفظه كما كان.
حفظه كما لم يكن.
ولا يحدث هذا لدارتانيان وحده. في مقالة روبنسون كروزو والرجل الذي ألهم دانيال ديفو نجد المسافة نفسها بين حادثة واقعية وشخصية تجاوزت أصلها. وما يبقى في الذاكرة الثقافية غالبًا ليس الإنسان الذي بدأت منه الحكاية، بل الصورة التي استطاع الكاتب أن يمنحها استقلالًا عن مصدرها.
إذن، أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الرواية؟
لا توجد نقطة واحدة نستطيع أن نرسم عندها خطًا واضحًا ونقول: إلى اليمين تاريخ، وإلى اليسار خيال.
الأصح أن نتخيل طبقات.
في الطبقة الأولى يوجد رجال حقيقيون: دارتانيان وأسماء مرتبطة بأثوس وبورتوس وأراميس، إلى جانب شخصيات سياسية معروفة في فرنسا القرن السابع عشر.
في الطبقة الثانية توجد "مذكرات دارتانيان" التي كتبها كورتيلز دو ساندرار. هنا بدأ التاريخ يفقد صلابته ويتحول إلى سرد. بعض الأسماء والوقائع لها أصل، لكن النص ليس شهادة موثوقة كتبها دارتانيان بنفسه.
ثم تأتي الطبقة الثالثة، رواية ألكسندر دوما وأوغست ماكيه، فتأخذ المادة السابقة وتعيد توزيع الزمن والصداقات والأدوار والدوافع.
وأخيرًا توجد طبقة رابعة صنعتها الثقافة الشعبية بعد الرواية: المسرح والسينما والتلفزيون والرسوم المتحركة والاختصارات والترجمات. كل جيل يعيد رسم القبعات والسيوف والوجوه، حتى أصبح من الممكن أن يعرف طفل شكل "الفارس" قبل أن يعرف شيئًا عن فرنسا القرن السابع عشر.
لهذا فإن عبارة "قصة حقيقية" لا تساعد كثيرًا هنا.
"الفرسان الثلاثة" ليست قصة حقيقية نقلها دوما، وليست أيضًا خيالًا ظهر من فراغ. إنها مثال واضح على الطريقة التي يعمل بها الأدب حين يلتقي بالتاريخ: يأخذ أسماء حقيقية، ووثائق غير موثوقة تمامًا، ووقائع ثابتة، وشائعات قديمة، وحاجة سردية حديثة، ثم يصهرها في عالم يصبح أكثر إقناعًا في الذاكرة من الواقع الذي انطلق منه.
لماذا بقي الأربعة معًا في ذاكرتنا؟
لو كان نجاح الرواية متوقفًا على معرفة أن دارتانيان كان ضابطًا حقيقيًا، لانتهى فضول القراء بعد اكتشاف الوثيقة.
لكننا لا نعود إلى الفرسان الثلاثة من أجل التحقق من سجلات التجنيد.
ما جعل المجموعة تعيش هو شيء آخر: فكرة أن الصداقة تستطيع أن تصنع عائلة خارج روابط الدم، وأن أربعة أشخاص مختلفين يمكن أن يجدوا بينهم ولاءً أقوى من المصالح المتغيرة التي تحيط بهم.
هم يعيشون في عالم لا يكاد أحد فيه يتصرف بدافع واحد. البلاط مليء بالحسابات. السياسة تقوم على الأسرار. الحب نفسه يمكن أن يتحول إلى خطر سياسي. الناس يخفون أسماءهم ونواياهم وماضيهم.
وسط هذا العالم، يمنح دوما الأبطال شيئًا يبدو نادرًا: إمكانية الثقة.
ليست ثقة كاملة ولا سهلة. يتشاجرون، يخفون أشياء، يتصرف كل واحد أحيانًا وفق مزاجه ومصالحه. لكن القارئ يشعر أن بينهم عقدًا غير مكتوب أقوى من الوظيفة العسكرية التي جمعتهم.
وهذا ربما هو أكبر اختراع قام به دوما حين استخدم الرجال الحقيقيين.
لم يخترع دارتانيان من الصفر.
لكنه اخترع "نحن" التي تحيط بدارتانيان.
والفارق بين الأمرين هو الفارق بين التاريخ والرواية.
الجواب الأخير: كانوا حقيقيين، لكن ليس بالطريقة التي نتذكرهم بها
نعم، كان هناك دارتانيان حقيقي اسمه شارل دي باتز دي كاستلمور دارتانيان، خدم في فرسان الملك ومات جنديًا في القرن السابع عشر. ونعم، يمكن تتبع أسماء أثوس وبورتوس وأراميس إلى رجال حقيقيين ارتبطوا بعالم الفرسان والغاسكونيين والبيارنيين.
لكن لا دليل على وجود الرباعي بالشكل الذي صنعته الرواية، ولا على أنهم عاشوا تلك الصداقة وتلك المغامرات، كما أن تواريخ حياتهم الحقيقية لا تتطابق مع الزمن الروائي الذي جمعهم فيه دوما.
بينهم وبيننا كتاب آخر، هو "مذكرات دارتانيان" لكورتيلز دو ساندرار، وبين تلك المذكرات وبين الصورة التي نحفظها تدخل ألكسندر دوما ومعه أوغست ماكيه ليعيد كل شيء إلى الحياة وفق قوانين الرواية لا قوانين الأرشيف.
ولذلك قد يكون السؤال الأجمل بعد معرفة الحقيقة ليس: هل كان الفرسان الثلاثة حقيقيين؟ بل: متى تصبح الشخصية التي يصنعها الأدب أكثر حياة في ذاكرة البشر من الإنسان الذي منحها اسمه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق