حين لا يعود الطاغية شخصًا: كيف اكتشف الأدب أن السلطة تستطيع أن تسكن ضحاياها؟
لماذا يعود الطغيان في الأدب العربي مرة بعد مرة، مع أن أسماء الحكام والعصور والبلدان تتغير؟ وهل وظيفة الأدب أن يفضح الطاغية فحسب، أم أن مهمته الأصعب تبدأ عندما يسأل كيف استطاع الطغيان أن يعمل أصلًا، وكيف يتحول الخوف إلى عادة، والرقابة إلى صوت داخلي، والحماية إلى وصاية، والطاعة إلى طريقة في التفكير؟
هذا هو السؤال الذي يجعل الحديث عن الاستبداد في الأدب أوسع كثيرًا من البحث عن قصيدة هجاء أو رواية عن سجين سياسي. فلو كان الطغيان مجرد رجل قاسٍ يجلس على كرسي مرتفع، لكان كافيًا أن يسقط الرجل حتى تنتهي القصة. لكن الأدب العربي الحديث، في كثير من نماذجه المهمة، اكتشف شيئًا أكثر إزعاجًا: يمكن للطاغية أن يغيب عن الصفحة بينما تبقى آثاره في الجدران، والملفات، والطوابير، والخوف، واللغة، والعلاقة بين المحب ومحبوبه، بل وفي الثائر نفسه.
الجواب المختصر هو أن صورة الطغيان في الأدب العربي انتقلت تدريجيًا من شخص الحاكم إلى منظومة السلطة. لذلك لم يعد السؤال الأدبي الأعمق: من هو المستبد؟ بل: كيف يصبح الاستبداد ممكنًا؟ الرواية والشعر لا يكتفيان عندئذ بوصف السجن أو الشرطي أو الحاكم، وإنما يلاحقان اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بمراقبة نفسه، أو تبرير القمع، أو ممارسة الوصاية على غيره باسم الخير. وفي هذه النقطة يصبح الأدب أكثر خطورة من المنشور السياسي؛ لأنه لا يكتفي بإدانة السلطة، بل يفتش عن بذورها داخل المجتمع والفرد.
قبل أن يصبح الطاغية شخصية روائية
العلاقة بين الأدب والسلطة أقدم من الرواية العربية الحديثة نفسها. كان الشاعر في أزمنة طويلة قريبًا من مجالس الأمراء والخلفاء، وكانت القصيدة قادرة على المديح والهجاء وبناء السمعة وهدمها. ولم تكن هذه العلاقة بسيطة؛ فالقرب من السلطة يفتح باب العطاء والحضور، لكنه يضع الكلمة أيضًا أمام سؤال الحرية: ماذا يستطيع الكاتب أن يقول حين يكون صاحب القوة هو المستمع الأول؟
ومن هنا ظهرت في التراث العربي طرائق غير مباشرة للكلام عن الحكم والعدل والخوف. الحكاية على ألسنة الحيوان، والمثل، والخبر التاريخي، والنادرة، والنصيحة الموجهة إلى السلطان؛ كلها أتاحت مساحة يمكن للكلام السياسي والأخلاقي أن يمر عبرها دون أن يتحول دائمًا إلى مواجهة مباشرة. ليست كل حكاية عن الأسد والثعلب استعارة عن الملك والرعية، لكن التراث عرف جيدًا قيمة القناع حين تصبح الحقيقة المباشرة مكلفة.
وهذه النقطة مهمة لأن الأدب لا يقاوم السلطة بطريقة واحدة. أحيانًا يصرخ. أحيانًا يسخر. أحيانًا يختبئ خلف حيوان أو مدينة قديمة. وأحيانًا ينقل الحكاية إلى عصر بعيد لكي يتكلم عن الحاضر من غير أن يسميه. لذلك فإن السؤال عن الطغيان في الأدب ليس بحثًا عن كلمة "طاغية" داخل النص، بل بحث عن شكل القوة: من يراقب من؟ من يستطيع الكلام؟ من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يدفع ثمن الاعتراض؟
الطاغية يختفي... وتبقى العيون
تقدم رواية جمال الغيطاني «الزيني بركات» مثالًا بالغ الدلالة على هذا التحول. فالرواية تستدعي القاهرة في زمن المماليك، لكنها لا تتعامل مع التاريخ بوصفه متحفًا مغلقًا. المدينة مليئة بالعيون والأخبار والتقارير والوشايات، والسلطة لا تحتاج إلى الوقوف في كل شارع لأنها صنعت شبكة ترى الناس بالنيابة عنها.
قوة هذا البناء أن القارئ لا يواجه شريرًا بسيطًا يمكن عزله عن المجتمع. السلطة موزعة. المخبر جزء منها، والخائف جزء منها، والوثيقة جزء منها، والإشاعة جزء منها، والمتلقي الذي لا يعرف من يثق به يعيش داخل هندستها حتى لو لم ير الحاكم.
بهذا المعنى يصبح التجسس أكثر من تقنية أمنية داخل الحكاية. إنه يغير طبيعة الإنسان نفسه. الشخص الذي يتوقع أن تكون كلماته مسموعة لا يتكلم كما يتكلم الإنسان الحر. يبدأ بالحذف قبل أن يصل الرقيب، ويعيد صياغة أفكاره، وينظر إلى الصديق باحتمال أن يكون عينًا أخرى. وهنا تحقق السلطة واحدًا من أكثر انتصاراتها اكتمالًا: لا تحتاج إلى إسكات كل جملة لأنها تجعل الناس يشاركون في إسكات أنفسهم.
ولهذا لا تكمن رعب «الزيني بركات» في مقدار العنف وحده، بل في انهيار الحدود بين المجال الخاص والمجال العام. حين يصبح الباب غير كافٍ لحماية البيت، والصداقة غير كافية لصناعة الثقة، لا يعود القمع حادثة تقع من الخارج، بل يتحول إلى مناخ.
الطغيان في هذه الصورة ليس قبضة فقط؛ إنه معرفة. يريد أن يعرف من تكلم، ومن صمت، ومن التقى بمن، وما الذي قيل، وما الذي ربما كان المتكلم ينوي قوله. والسيطرة على المعلومات تصبح عندئذ صورة من صور السيطرة على البشر.
من المدينة المراقبة إلى الجسد المسجون
إذا كانت «الزيني بركات» تكشف السلطة وهي تتحول إلى عيون، فإن «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف تدفع القارئ إلى منطقة أشد مباشرة: الجسد الواقع تحت سلطة السجن.
صدرت الرواية في سبعينيات القرن العشرين، وصارت من الأعمال المركزية في الحديث عن السجن السياسي في الرواية العربية. غير أن أهميتها لا تأتي من وصف التعذيب وحده. يمكن للتقرير الحقوقي أن يوثق التعذيب بدقة أشد، لكن الرواية تسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث للإنسان حين تريد مؤسسة ما ألا تعاقب جسده فقط، بل أن تجبره على إعادة تعريف نفسه؟
في السجن يصبح الاعتراف أكثر من معلومة. إنه محاولة لإجبار السجين على قبول اللغة التي تفرضها السلطة عليه. والمطلوب ليس أن يتألم الجسد فحسب، بل أن تنكسر العلاقة التي تربط الشخص بصورته عن نفسه وبالآخرين وبما كان يؤمن به.
لهذا كان أدب السجون العربي أحد أكثر الأماكن وضوحًا لفهم التسلط. فالزنزانة تختصر البنية إلى أقصى حد: طرف يملك الباب والوقت والضوء والطعام والحركة، وطرف آخر يُراد له أن يكتشف أن أبسط حقوقه أصبحت امتيازًا يمنحه الآخر أو يمنعه.
لكن المفارقة أن الأدب يستطيع أن يقلب العلاقة بعد وقوعها. السجان يملك الزنزانة لحظة الحدث، أما الكاتب فيملك إعادة بناء التجربة بعد ذلك. وما أراد القمع أن يجعله صمتًا يمكن أن يعود نصًا يقرأه آلاف الأشخاص. لهذا تكتسب الذاكرة في أدب السجون وظيفة أخلاقية: الكتابة لا تلغي ما وقع، لكنها تمنع السلطة من امتلاك الرواية الوحيدة عنه.
مظفر النواب: حين يرفض الشعر أن يخفض صوته
في الشعر تتغير الأدوات. الرواية قادرة على بناء مؤسسة كاملة من الغرف والمخبرين والملفات، أما القصيدة فقد تختصر المواجهة في صوت واحد يرفض أن يتكلم بالهمس.
وتجربة مظفر النواب تكاد تجعل العلاقة بين الكلمة والسلطة جزءًا من سيرة الشاعر نفسها. ارتبط اسمه بالشعر السياسي الحاد، وبالاعتقال والمنفى والتنقل بين بلدان عديدة. ولم تكن القصيدة عنده مساحة محايدة يتأمل منها الواقع؛ كانت تدخل في النزاع نفسه.
غير أن قوة تجربة النواب لا تختصر في أنه "شتم الحكام"، وهي صيغة شائعة تظلم شعره حتى وهي تحاول الاحتفاء بجرأته. الأهم أن لغته كسرت المسافة التقليدية بين المنبر السياسي والقصيدة. الغضب صار إيقاعًا، والاتهام صار بناءً صوتيًا، والجمهور لم يعد قارئًا صامتًا فحسب، بل طرفًا يسمع القصيدة في الأمسية والتسجيل ويتناقلها.
وهنا تتبدل طبيعة السلطة المضادة. الدولة تمتلك المنبر الرسمي والصحيفة والمؤسسة، لكن القصيدة تمتلك ذاكرة البشر. تستطيع الرقابة أن تمنع كتابًا من متجر، لكن القصيدة الشفوية أو التسجيل المتداول يجدان أحيانًا طرقًا أخرى للعبور.
مع ذلك، لا ينبغي أن نحول الشاعر إلى نقيض أسطوري كامل للطاغية. الأدب الذي ينحاز إلى النقد المستقل لا يكتفي بأن يسأل إن كان الصوت جريئًا، بل يسأل أيضًا: ماذا يفعل الغضب باللغة؟ هل يفتح مجالًا للتفكير أم يغلقه؟ هل يفضح الإهانة أم يعيد إنتاجها في اتجاه آخر؟
هذا السؤال ضروري لأن مقاومة السلطة لا تمنح النص حصانة من النقد. ويمكن للقصيدة السياسية أن تكون شديدة الصدق في غضبها وشديدة القسوة في أدواتها في الوقت نفسه. قراءة الأدب تبدأ حين نتوقف عن مطالبة النص بأن يكون منشورًا حزبيًا ونسمح له بأن يكون أكثر تناقضًا.
نزار قباني: حين يدخل العنف العام إلى البيت
مع نزار قباني نجد مسارًا مختلفًا. فالشاعر المعروف طويلًا بشعر الحب والجسد والمرأة تحولت السياسة في مراحل لاحقة من تجربته إلى عنصر لا يمكن فصله عن رؤيته للعالم. وفي قصيدة «بلقيس» ينهار أصلًا الحد المريح بين الخاص والعام.
قُتلت بلقيس الراوي، زوجة نزار قباني، في تفجير السفارة العراقية في بيروت سنة 1981. ومن رحم الفقد الشخصي جاءت قصيدة لا تكتفي بالرثاء، وإنما تنقل الحزن إلى مساءلة أوسع للعنف العربي والواقع السياسي الذي أحاط بالمأساة.
وهذا ما يجعل قراءة «بلقيس» ذات صلة مباشرة بموضوع الطغيان، وإن لم تكن القصيدة بحثًا نظريًا في الاستبداد. فالسلطة هنا لا تظهر بوصفها جهازًا إداريًا مجردًا؛ إنها تدخل البيت عبر الموت. يتحول التاريخ العام إلى فجوة في الأسرة، وتصبح السياسة شيئًا يمكن أن يقتل الإنسان الذي كان بالنسبة إلى الشاعر جزءًا من حياته اليومية.
في هذه المنطقة يكتسب الأدب قوة لا تملكها الأرقام. الرقم يقول كم شخصًا مات. القصيدة تسأل ماذا يعني أن يكون أحدهم هو الشخص الذي كنت تنتظره في البيت.
لكن «بلقيس» تكشف أيضًا مشكلة متكررة في الكتابة السياسية: حين يكون الألم هائلًا، يبحث الإنسان عن مسؤولية بحجم الألم. وقد تتسع الإدانة في القصيدة حتى تصبح الأمة كلها تقريبًا واقفة في قفص الاتهام. هنا ينبغي أن نفصل بين الوثيقة والتحليل الأدبي. القصيدة ليست تحقيقًا قضائيًا في التفجير، ولا ينبغي أن نقرأ انفعالها بوصفه إثباتًا تاريخيًا لهوية الفاعلين. قيمتها في مكان آخر: إنها توثق الطريقة التي يتحول بها الفقد الخاص إلى غضب على عالم سياسي كامل.
أخطر الطغيان: أن يتعلم المقهور لغة الجلاد
إذا توقفنا عند السجن والمخبر والحاكم، فقد نخرج بصورة مريحة: الطغيان موجود هناك، عند شخص آخر. لكن بعض النصوص تصبح أكثر إزعاجًا حين تسحب هذه المسافة من القارئ.
في قراءة موقع «الوراق الجزائري» لقصيدة «الحقل والأرانب» لعلي طه النوباني تظهر مفارقة لافتة: المتكلم يحتج على عالم مختل، لكنه يبدأ تدريجيًا في استخدام منطق يشبه منطق السلطة التي يرفضها. يقرر باسم الكائن الأضعف، ويعاقبه بدعوى الخوف عليه، ويمنع القمح والرقص والغناء، ويقدم لكل فعل تبريرًا.
هذه الزاوية تنقل مفهوم التسلط من السياسة المباشرة إلى الأخلاق اليومية. ماذا يحدث عندما يقول إنسان لآخر: أنا أعرف مصلحتك أكثر منك؟ ماذا يحدث عندما يصبح الحب مبررًا لسلب الاختيار، أو الخوف حجة للمصادرة، أو الحماية اسمًا لطيفًا للوصاية؟
هنا يصبح الطغيان علاقة، لا منصبًا.
الأب يمكن أن يمارس شكلًا من التسلط داخل الأسرة وهو مقتنع بأنه يحمي أبناءه. المعلم قد يطالب بالصمت باسم التربية. العاشق قد يحاول امتلاك حياة من يحب باسم الخوف عليه. المثقف قد يطالب بحرية صوته ثم يرفض حرية من يخالفه. والثائر نفسه قد يبدأ مطالِبًا بكسر القيود ثم ينتهي إلى الاعتقاد بأن الناس يجب أن يطيعوه لأنه يعرف الطريق الصحيح.
الأدب لا يقول إن هذه العلاقات مساوية في الحجم للدولة أو السجن أو التعذيب. المساواة بينها ستكون تبسيطًا. لكنه يكشف البنية المشتركة: مصادرة إرادة الآخر بحجة امتلاك حقيقة أعلى منه.
ولهذا يمكن أن تكون مادة أخرى مرتبطة بتجربة علي طه النوباني مفيدة داخل هذا العنقود، لأن قراءة السلطة لا تحتاج دائمًا إلى شخصية حاكم معلنة؛ قد تظهر في اللغة نفسها وفي صورة الإنسان الذي يعتقد أنه يستطيع أن يقرر مصير الآخرين نيابة عنهم.
لماذا يحب الطغيان اللغة الكبيرة؟
ثمة علاقة خفية بين الاستبداد واللغة. السلطة المطلقة لا تكتفي بالأوامر؛ تحتاج غالبًا إلى قصة تبرر هذه الأوامر. لا تقول إنها تمنعك لأنها تخاف منك، بل لأنها تحمي المجتمع. لا تقول إنها تريد الطاعة، بل الاستقرار. لا تقول إن الإنسان بلا صوت، بل إنه جزء من جماعة تتحدث السلطة باسمها.
وهنا يدخل الكاتب إلى المنطقة التي تتقاطع فيها السياسة بالبلاغة. فالكلمات ليست زينة توضع فوق القوة بعد اكتمالها. أحيانًا تكون اللغة جزءًا من آلية القوة نفسها.
ويصبح الفرق بين الكاتب والدعاية في طريقة التعامل مع التعقيد. الخطاب السلطوي يحب الجمل المكتملة: نحن الخير، هم الشر؛ نحن الوطن، المعارض خائن؛ نحن نعرف، والآخر جاهل. أما الأدب الجيد فيفسد هذه الراحة. يمنح الضحية تناقضاتها، ويمنح الخائف منطقه، ويكشف أن الشخص قد يكون مظلومًا في مكان ومتسلطًا في مكان آخر.
لهذا يصعب على الاستبداد أن يحب الأدب الحر حتى حين لا يكون النص سياسيًا بصورة مباشرة. الرواية تعلم القارئ أن يرى العالم من أكثر من عين، والطغيان يحتاج غالبًا إلى عين واحدة. الأدب يعترف بأن الحقيقة قد تكون موزعة بين أصوات متعددة، بينما الخطاب المتسلط يريد مركزًا واحدًا يمنح الكلمات معناها النهائي.
هل الرقابة هي أخطر ما يفعله الطغيان بالأدب؟
الجواب السهل هو نعم: يمنع كتابًا، يسجن كاتبًا، يصادر ديوانًا، أو يدفع شاعرًا إلى المنفى. وهذه وقائع شديدة الخطورة. لكن الأثر الأعمق قد يبدأ قبل وصول الرقيب.
حين يتعلم الكاتب بالتجربة أن بعض الموضوعات ستغلق الأبواب، يمكن للرقيب أن ينتقل إلى داخل رأسه. لا يحتاج أحد إلى حذف الجملة إذا لم تُكتب أصلًا. وتلك هي الرقابة الذاتية في صورتها الأشد فاعلية: ألا يعود الكاتب قادرًا على تحديد المسافة بين ما اختار عدم قوله وما خاف من قوله.
الأمر نفسه يحدث للقارئ. المجتمع الخائف لا يقرأ بالطريقة نفسها التي يقرأ بها مجتمع يشعر أن الاختلاف حق طبيعي. قد يبحث القارئ في القصيدة عن "المقصود الحقيقي" لأن الثقافة علمته أن المعنى الأخطر يختبئ دائمًا خلف القناع. وقد تصبح الاستعارة وسيلة جمالية ووسيلة نجاة في آن واحد.
لكن من الخطأ تفسير كل رمز في الأدب العربي بوصفه حيلة للهرب من الرقابة. ليست كل مدينة وطنًا مقنعًا، ولا كل ملك حاكمًا معاصرًا، ولا كل سجن رمزًا للدولة. النصوص أكبر من مفاتيحها السياسية، والقراءة التي تحول كل الأدب إلى شفرة سرية لا تقل فقرًا عن القراءة التي تتجاهل السياسة كليًا.
هل الأدب يهزم الطاغية؟
الأدب لا يسقط نظامًا بمجرد كتابة قصيدة، ولا يفتح باب زنزانة لأن رواية وصفتها. المبالغة في قدرة الكلمة نوع آخر من الأسطورة.
لكن الأدب يستطيع أن يفعل شيئًا أقل صخبًا وأطول عمرًا: يستطيع أن يمنع السلطة من احتكار وصف ما حدث.
يمكن للسلطة أن تسمي السجين مجرمًا، وتأتي الرواية لتعيد إليه اسمه وصوته وخوفه وذاكرته. يمكن للبيان الرسمي أن يختصر قتيلًا في رقم، وتأتي القصيدة فتستعيد وجهه. يمكن للمخبر أن يحول الإنسان إلى ملف، ويأتي السرد ليعيد الملف إنسانًا.
لهذا لا تكون المعركة بين الكاتب والطاغية على القوة المادية نفسها. أحدهما يستطيع إغلاق الباب، والآخر يستطيع أن يترك شهادة عما حدث خلف الباب.
وقد ينتصر القمع في اللحظة ويخسر الذاكرة لاحقًا. ليس لأن الأدب يملك عدالة سحرية، بل لأن النص يستطيع أن يبقى بعد زوال الظرف الذي حاول منعه. وربما لهذا السبب تبدو بعض الكتب السياسية القديمة أقل أهمية من الروايات والقصائد التي كتبت في الزمن نفسه؛ فقد انتهى البرنامج السياسي، بينما بقي الإنسان الذي صوره الأدب قابلًا للفهم.
من الطاغية إلى الطغيان
يمكن الآن العودة إلى السؤال الأول بصيغة أدق. لماذا يعود الطغيان في الأدب العربي؟
لأن الأدب لم يكن يلاحق اسمًا واحدًا.
الحاكم يتغير. السجن يتغير. الشعار يتغير. لكن الأسئلة التي تنتجها القوة تتكرر: ماذا يفعل الخوف بالإنسان؟ كيف يبرر القامع نفسه؟ لماذا يطيع الناس؟ متى يصبح الصمت وسيلة للبقاء؟ هل يستطيع المظلوم، إذا امتلك القوة، أن يتجنب تكرار ما عاناه؟ وأين ينتهي الحرص على الجماعة ويبدأ سلب الفرد حقه في الاختيار؟
في «الزيني بركات» تصبح السلطة شبكة من العيون. وفي «شرق المتوسط» تصبح باب زنزانة وجسدًا يُراد كسره. وعند مظفر النواب تصبح خصمًا يُواجَه بصوت مرتفع لا يريد المصالحة. وفي «بلقيس» يصل العنف العام إلى أكثر الأماكن خصوصية. وفي «الحقل والأرانب» يظهر السؤال الأصعب: ماذا لو تسلل منطق السلطة إلى الإنسان الذي يظن نفسه في مواجهتها؟
هذه المراحل لا تشكل خطًا تاريخيًا صارمًا، ولا تعني أن الأدب القديم تحدث عن الحاكم والأدب الحديث تحدث عن المنظومة فقط. الصور تتداخل. لكن انتقال مركز الاهتمام من "الطاغية" إلى "آليات الطغيان" هو ما منح كثيرًا من الأدب العربي السياسي الحديث عمقه.
فالطاغية الفرد يمكن للقارئ أن يكرهه بسهولة. أما النظام الذي يجعل الضحية تمارس بعض منطقه، فهو أكثر إرباكًا؛ لأنه يمنعنا من مغادرة النص ونحن مطمئنون إلى أننا نقف دائمًا في الجانب الصحيح.
المشكلة ليست في العرش وحده
الصورة التي تتصدر هذه المقالة تضع كتابًا وريشة في مواجهة عرش، وهي صورة مناسبة لبداية التفكير، لكنها تصبح ناقصة بعد انتهاء القراءة.
المشكلة ليست في العرش وحده.
قد يُرفع العرش ويبقى ظله على الصفحة. قد يختفي السجان وتبقى طريقته في الكلام. قد يرحل الحاكم وتظل المؤسسات والعادات والخوف. وقد ينجو الإنسان من القمع لكنه يحمل جزءًا من منطقه إلى علاقاته مع الآخرين.
هنا يقدم الأدب ما لا تستطيع الصورة السياسية السريعة أن تقدمه. فهو لا يكتفي بالسؤال عن صاحب السلطة، بل يراقب أثرها بعد أن تغادر الغرفة.
ولهذا فإن أكثر النصوص الأدبية إزعاجًا ليست بالضرورة تلك التي تصرخ في وجه الطاغية بأعلى صوت، وإنما تلك التي تجعل القارئ يكتشف أن المسافة بين الحرية والتسلط يمكن أن تمر داخل الجملة الواحدة، وأن الإنسان يستطيع أن يطالب بحريته وهو يصادر حرية شخص آخر، وأن الحب نفسه قد يتحول إلى وصاية إذا فقد احترامه لإرادة المحبوب.
ربما تكون هذه هي الإجابة الأعمق: الأدب العربي لا يعود إلى الطغيان لأن الطغاة شخصيات درامية جذابة فحسب، بل لأن السلطة تكشف سؤالًا دائمًا عن الإنسان. ماذا يفعل حين يخاف؟ ماذا يفعل حين يمتلك القوة؟ وكيف يستطيع أن يقاوم الظلم دون أن يتعلم لغته؟
والسؤال الذي يبقى للقارئ: أيهما أخطر في رأيك—الطاغية الذي نراه ونعرفه، أم صوته حين يستقر داخل الإنسان ويبدأ بالكلام باسمه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق