اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

تحليل قصيدة الشهيد وذبالة المريد لعلي طه النوباني: بين نور الشهادة وقلق المريد

صورة رمزية لقصيدة الشهيد وذبالة المريد لعلي طه النوباني

لا يدخل علي طه النوباني إلى قصيدته "الشّهيد، وَذُبالَةُ المُريد" من باب اليقين السهل؛ فالكلمة الأولى في النص هي "وجلاً"، ثم يظهر المخاطَب في صورة مسافة تطفو على الأغلال. ومن هذا التوتر تبدأ قصيدة طويلة تجمع المرثية بالتأمل في معنى السير بعد الفقد: من هو الذي غاب؟ ومن الذي ظلّ يحمل نوره؟ وهل يكفي تمجيد الشهيد، أم أن الامتحان الحقيقي يقع على عاتق من بقي حيًا؟

نُشرت القصيدة في "الدستور الثقافي" في 13 كانون الأول 2024، وتتيح نسختها التي قدمها الشاعر قراءة امتدادها الكامل في ثمانية وستين بيتًا. غير أن طولها ليس مجرد سعة في الرثاء؛ فالصوت يتحول خلاله من مخاطبة "أنت" إلى اعتراف "أنا"، ثم إلى "نحن" والجماعة والأطفال، قبل أن يعود إلى الطريق في النهاية. هذا التبدل هو أحد مفاتيحها: الشهادة هنا لا تقف عند مصير فرد، بل تثير سؤال الذاكرة والمسؤولية.

عنوان يجمع الوهج والهشاشة

يضع العنوان "الشهيد" إلى جانب "ذبالة المريد". والذبالة خيط الفتيلة الذي يستبقي النار في المصباح، وقد يبدو صغيرًا أمام صورة الشهيد بما فيها من رفعة وامتلاء. أما المريد فهو طالب الطريق؛ لا يملك اكتمال من يطمئن إلى غايته، بل يتعلمها في سيره. وعلى هذا النحو لا يختزل العنوان العلاقة في بطل وتابع حيث يمكن أن يُقرأ الشهيد بوصفه أثرًا مضيئًا، والمريد بوصفه ذاتًا معرضة للخبو تحاول أن تحفظ ذلك الأثر. هذه قراءة يساندها ورود الذبالة في مطلع النص، ثم ظهور المريد قرب ختامه، من غير أن تقفل القصيدة الرمز على معنى واحد.

وَذُبالَةٌ في العَتمِ تَحسَبُ أَنَّها / قَبَسٌ مِن التَّعْجيلِ والإِمهالِ

في قول الشاعر إن الذبالة "تَحسب" أنها قبس، مسافة خفيفة بين ما تراه الذات في نفسها وما تملكه فعلًا. والاقتران غير المتوقع بين "التعجيل والإمهال" يجعل الإضاءة مترددة: تشتعل، لكنها لا تلغي العتمة دفعة واحدة. هذا التردد أنسب لحال المريد من صورة نار منتصرة على نحو مطلق؛ فالسائر يحتاج إلى شعلة تكفيه للخطوة التالية، حتى حين لا يرى نهاية الدرب.


من المخاطبة إلى الحكاية الشخصية

يبدأ النص باعتراف مرتبك لا ببيان بطولي؛ فالمتكلم يعرف مخاطَبه "وجلاً"، ويشبّهه بمسافة فوق الأغلال؛ أي إن المعرفة نفسها مشدودة بين الرغبة في الاقتراب وقوة المنع. سرعان ما تتتابع صور المرافئ والترحال والمحراب والنداء المكتوم. ولا تتكون منها سيرة شخص يمكن تحديد اسمه وملامحه؛ إنها ترسم حضوره الروحي في عين من يتذكره. حتى المحراب لا يعزله عن العالم: يزرع النجوم، فيما ترتفع الصلاة في وجه الإهمال.

وَحُضورُهُ رَغمَ الجِراحِ مُهَلِّلاً / فَجرٌ تَفَجَّرَ في الرَّمادِ البالي

قيمة هذه الصورة أنها لا تمحو الجراح لتعلن الفجر. الفجر يخرج من "الرماد البالي"، أي من بقايا حريق لا ينكره النص. وتستمر هذه الطريقة حين يرى المتكلم مخاطَبه قائمًا كالطود، وقد أصابته السهام في ظهره. والمبالغة في العلو مألوفة في شعر الرثاء، لكن اقترانها بالإصابة والغدر يمنعها، في بعض المواضع، من التحول إلى تمثال بعيد عن الألم.

عند البيت "ولكم رأيتك والخطوب تضمني" تنقلب زاوية النظر. كان الكلام يصف المخاطَب، فإذا بالمتكلم يعرض حاجته إليه، ثم شكّه في أنه ربما كان غافلًا عن قصته. وتبلغ الحيرة ذروتها حين يظن أنه "واحد في الحال"؛ فليس واضحًا أن الوحدة هنا زالت تمامًا؛ ولهذا تبدو هذه النقلة أصدق من خطاب يتقدم بثقة متصلة. إن المرثية تنفتح على جرح صاحبها أيضًا.

وَظَننتُ أَنَّكَ غافِلٌ عَن قِصَّتي / وَظَنَنتُ أَني واحِدٌ في الحالِ

يتوالى بعد ذلك وصف المظالم والرحيل والدرب الذي "يعرفني" ولا يتبين الأعباء في أحمالي. الطريق يعرف القدم ولا يفهم ثقلها، وهي مفارقة تكشف الفرق بين اجتياز المسافة واحتمالها. وبين "سكينة وجِدال" يمضي الصوت في وضع لا تسعفه فيه الإجابة الواحدة: يرتاح إلى صورة الراحل أحيانًا، ويخاصم ما خلّفه الغياب أحيانًا أخرى.

الضوء حين يلامس التراب

تنتشر في القصيدة مفردات الضوء: القبس، الفجر، النجم، الأنوار، المشعل، النجيمة، والوردة التي تضيء. لكن هذه المفردات لا تظهر في فضاء صافٍ. تقابلها العتمة والرماد والأوحال والأسمال والخرقة. وينجح التصوير خصوصًا عندما يجمع الطرفين في مشهد واحد بدل أن يفصل الخير عن الشر في قائمتين جاهزتين.

الزَّهْرُ يُشرِقُ في المَدى مُتَأَلِّها / وَجُذورُهُ تَحبو عَلى الأَوحالِ

والزهر هنا لا يملك جذورًا في حديقة مثالية؛ فجذوره تحبو على الأوحال. إنها صورة لكائن يطلب العلو من مادة تثقله، ولذلك تلائم المريد كما تلائم الذاكرة المتصلة بالشهيد. وفي موضع آخر يجمع الصوت "الأنوار في الأسمال". وهكذا فإنه ثمة ميل واضح إلى استخراج القيمة من المهمل والممزق، لا إلى انتظار عالم نقي يمنحها له. حتى "نجيمة" صغيرة يمكن أن تفتح أفقًا بعد رحيلها؛ تصغيرها يزيد أثر المفارقة بين ضآلة الحجم واتساع الإشعاع. ولا تخلو بعض الصور من غموض يطالب القارئ بجهد زائد، مثل "الضد يغرف أوبتي من غفلتي" أو "ومض السواد على البياض بخرقة". قد يرى قارئ في هذا التكثيف طاقة للإيحاء، وقد يجد آخر أن العلاقة بين الألفاظ لا تستقر بما يكفي. والأدق أن نلحظ تفاوت الصورة في القصيدة؛ فحين تتصل بتجربة حسية كالشوك والجذور والرماد، يشتد أثرها؛ وحين تتزاحم التجريدات، يتراجع وضوحها قليلًا. ولا ينقض ذلك مشروع النص، لكنه يوضح أين يبلغ أعلى توهجه.

الجماعة والأطفال ومعنى البقاء

يتسع صوت "أنا" إلى "نا" في "سِرنا وساروا"، ثم يحضر الشيخ والطفل والأشبال والأطفال. وبهذا الاتساع يتجاوز الفقد فردًا واحدًا، من دون أن يصبح كل شيء رمزًا مجردًا. فصورة الشيخ النازف والطفل الراكض توزع أثر الخطر على عمرين متباعدين، وتترك للقارئ أن يشعر بما لا تقوله الشعارات. الأطفال، على وجه الخصوص، ليسوا زينة للمشهد؛ يصل إليهم الطريق، ويرتبط بهم سؤال ما الذي سيبقى من الحكاية.

الشَّيخُ يَنزِفُ في فَضاءٍ جارِحٍ / وَالطِّفْلُ يَركُضُ في المَدار العالي

وفي القسم اللاحق، لا يكتفي الشاعر بإعلان الخلود. يبكي على طريقهم، ثم يراهم وقد سكنوا الأطلال، وتكاد ملامحهم تصير رسومًا على حجارة تمّحي. هنا تواجه القصيدة مشكلة الذاكرة نفسها: كيف تُصان أسماء الراحلين من التآكل والتكرار حتى لا تتحول إلى علامات لا تُرى؟ ومن هذه الزاوية يتخذ البيت "من يغسل الأيام من أوزارها" بعدًا أخلاقيًا، فهو يسأل عن مسؤولية الزمن والناس حين يعجز النزال وحده عن إنصاف ما حدث.

الحضور الديني ظاهر في المحراب والصلاة والوحي والخلود، لكن النص لا يقدم عقيدة مفصلة أو تقريرًا عن واقعة بعينها. كما تتجاور فيه صورة الفارس والسيف مع صورة الطفل والوردة. ولهذا يصعب حصره في مناسبة سياسية محددة من دون قرينة خارجية. وهكذا فإنّ القصيدة تتيح قراءة وطنية أو إنسانية، وربما صوفية في معنى المريد والطريق، إلا أن أي قراءة منها ينبغي أن تظل على صلة بما تقوله الأبيات فعلًا.



إيقاع الطريق وما يتركه التكرار

تنتظم الأبيات في بناء شطري وقافية لامية مكسورة يطلقها الشاعر على طول القصيدة: الأغلال، الأشكال، الترحال، الأحمال، الأجيال، ويمنح هذا الامتداد صوتًا مناسبًا للإنشاد والرثاء، كما يشد مقاطع متباعدة إلى نبرة واحدة. لكنه يضع اللغة أيضًا أمام تحدي إيجاد خاتمة طبيعية لكل بيت؛ ومن هنا تبدو بعض القوافي أشد التحامًا بالصورة من غيرها. وقد يَصح أن نرى في ذلك أثرًا من آثار المدى الطويل للقصيدة، لا حكمًا على أبياتها جميعًا.

يتكرر الطريق بأسماء مختلفة: مسافة، مرافئ، مسالك، درب، مفاوز، أميال، باب، رحلة. وهو ليس خلفية جغرافية، بل شكل للتجربة. يبدأ محاصرًا بالأغلال، ثم يتشعب ويختبر صاحبه، قبل أن يصير مجالًا للاختيار. ويعود بيت قريب من "قد تشتري وهمًا بمالك مرة" في موضعين؛ في الأول يقابله "الخلاص"، وفي الأخير يحل "الطريق" محل الخلاص. هذا التعديل الصغير بالغ الدلالة: لا تعطي النهاية مفتاح نجاة جاهزًا، وإنما ترد القيمة إلى مواصلة السير وما يتطلبه من حكمة.

قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةً / أَمّا الخَلاصُ فَحِكمَةٌ وَمَعالي

قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةً / أَمّا الطَّريقُ فَحِكْمَةٌ ومعالي

قد يبدو تكرار الصيغة إلحاحًا زائدًا عند القراءة الأولى، ولا سيما بعد هذا العدد من الصور. لكنه يكتسب وظيفة بنائية إذا انتبهنا إلى تحول الكلمة المركزية من غاية تُطلب إلى مسار يُعاش. على أن هذا المكسب لا يلغي تفاوت الإيقاع الدلالي في الوسط، حيث تتلاحق الصور أحيانًا أسرع من قدرة القارئ على وصلها بخيط واحد.

من الشهيد إلى المريد

في الخاتمة يعود العنوان من وراء ستار. يظهر "المريد" مقيدًا، وتطل الوردة الحمراء قرب الدماء، ثم ينفتح باب في عين المخاطَب يدعوه إلى الرحيل "مخفف الأثقال". ويمكن أن يُفهم الرحيل بوصفه عبور الشهيد إلى الخلود، لكن النص يحمّل الباقين أيضًا واجب حمل الأثر من غير ادعاء امتلاك التجربة. فالمريد لا يصير شهيدًا بمجرد المحبة، ولا تكفيه بلاغة المديح؛ إنه مطالب بأن يرى الطريق ويختار كيف يسلكه.

بابٌ تَخاطَرَ في عُيونِكَ فَارتَحِلْ / صَوبَ الخُلودِ مُخَفَّفَ الأَثقالِ

في قصيدة "الشهيد وذبالة المريد" لعلي طه النوباني، أجمل ما يبقى بعد القراءة ليس جوابًا نهائيًا عن هوية الشهيد، بل توترًا منتجًا بين الضوء الذي ورّثه واليد التي تحاول صونه. تتفاوت الأبيات في صفاء صورها، وتضيق بعض المواضع بتراكم المجاز، غير أن الحركة من الفقد الفردي إلى همّ الذاكرة الجماعية، ومن طلب الخلاص إلى قبول الطريق، تمنح النص عمقه. تنتهي القصيدة حيث بدأ السؤال، لكن الذبالة لم تنطفئ.

الشّهيد، وَذُبالَةُ المُريد

شعر: علي طه النوباني

وَجِلاً عَرَفْتُكَ أَوَّلَ الأَحوالِكَمَسافَةٍ تَطفو عَلى الأَغْلالِ
ما بَينَ أوَّلِها وآخِرِ نُقْطَةٍجَدَلُ الفُصولِ وَقَسوَةُ الأَشكالِ
وَذُبالَةٌ في العَتمِ تَحسَبُ أَنَّهاقَبَسٌ مِن التَّعْجيلِ والإِمهالِ
وَمَرافئٌ جُبِلَتْ بِحَيْرَةِ قادِمٍيَأبى الخُضوعَ لِسَطوَةِ الأَنذالِ
يُهدي الفَضاءَ إِقامَةً مَجهولَةًوَتَراهُ مَفطورًا على التَّرحالِ
مِحرابُهُ الشَّفّافُ يَزرَعُ أَنجُمًاوَصَلاتُهُ تَسمو على الإِهمالِ
وَنِداؤهُ المَكتومُ سِفرٌ لامعٌمُتَزَيِّن بالحُلْمِ والآمالِ
غَدُهُ تَمَزَّقَ في الرِّداءِ تَشَوُّقًاوَرِداؤهُ عَبَقُ الزَّمانِ الخالي
وَحُضورُهُ رَغمَ الجِراحِ مُهَلِّلاًفَجرٌ تَفَجَّرَ في الرَّمادِ البالي
مَلَّ السِّهامَ تُصيبهُ في ظَهرِهِفَأَحاطَها بِمَوَدَّةٍ وَجَلالِ
هُوَ قائِمٌ كالطَّود يُؤنِسُهُ النَّدىيُؤوِي السَّكينةَ في وَغى الأَدغالِ
يَتَضَوَّعُ الفُرسانُ مِن أَردانِهِكَقَصائِدٍ تَسمو عَلى الأَزجالِ
لِلغارِسينَ عَلى المَفاوزِ صَوتَهمْفي مَوطِنِ الأَلغازِ والإيغالِ
والزارِعينَ عَلى الشَّعائِرِ حَقَّهُمْفي عالَم التَّخْنيثِ والأَرذالِ
والنّاشِرينَ عَلى المَفارِقِ بَأسَهُمْفي ضَيعَةِ الآباءِ والأَنجالِ
يُحيي المَواتَ إذا تَفَرَّقَ شَأنُهمْوَيُعَطِّرُ الأَقوالَ بالأَفعالِ
وَيَظَلُّ كالنَّجمِ المُشِعِّ إِذا مَضىوَيُحيطُ بالآمالِ والأَوجالِ
وَلَكَمْ رَأَيتُكَ والخُطوبُ تَضُمُّنيوَرَجَوْتُ أَن تَنتابَني بِخَيالِ
وَظَننتُ أَنَّكَ غافِلٌ عَن قِصَّتيوَظَنَنتُ أَني واحِدٌ في الحالِ
يَغتالُني شَبَحُ المَظالِمِ مَرَّةًوَأَبُورُ بَينَ مَسالِكٍ وَرِمالِ
وَأَحِنُّ، والطَّيفُ البَعيدُ مُخاتِلٌيَمضي وَأَمضي في المَدى القَتّالِ
فَدَمَجْتُ في شَوكِ الرَّحيلِ حكايَتيوَمَضَيتُ بين سَكينَةٍ وَجِدالِ
وَتَبَلَّلتْ بالنَّقصِ كُلُّ طَريقَةٍإلا طَريقُك أزهَرَتْ بِكَمالِ
ما بالُ هذا الدَّربِ يَعْرِفُني وَلايَتَبَيَّنُ الأَعباءَ في أَحمالي
فَيَمورُ في وَجهِ الحَوادِثِ صارِخًاوَيَزوغُ عَن أَشلائِنا بِتَعالي
الضِدُّ يَغْرفُ أَوبَتي مِنْ غَفلتيوَيُؤَوِّلُ المَعروفَ بالتَّسآلِ
وَيَمُدُّني بالصَّمتِ حِينَ أَعافُهُوَيَهُدُّني بالقَولِ حينَ أبالي
وَيُضيءُ في الظُّلُماتِ مِثلَ نُجَيْمَةٍرَحَلَتْ فَأَورَقَ أفقُها المُتَوالي
صُوَرٌ تَلوحُ وَتَختَفي حَلَقاتُهامِثلَ الوُجوهِ تَزَيَّنَتْ بِالخالِ
لا أَهْلُها ظَلّوا ولا كَلِماتُهُمْوَصَفَتْ بَشاعَةَ صُورَةِ المُختالِ
وَمَضَ السَّوادُ عَلى البَياضِ بِخِرْقَةٍفَمَضى التَقِيُّ بِسَكْرَةِ المُحتالِ
الزَّهْرُ يُشرِقُ في المَدى مُتَأَلِّهاوَجُذورُهُ تَحبو عَلى الأَوحالِ
الشَّوكُ أصْفَرُ والبَيادِرُ نَفْحَةٌوالوَجْدُ يُحْرِقُ جَذوَةَ القَوّالِ
نَضَبَتْ شُؤونُكَ في المَراحِلِ تَصطَليوَتَضِيعُ في الأَنسابِ والأَنسالِ
لا حَرفَ يَرسُم ما بدا مِن شَأنِهِلا صَوتَ يَعْزِفُ رَغْبَةَ المَيّالِ
سِرنا وساروا والنَّدى مُتَضائِلٌوَمَفاوِزٌ نَفَرتْ عَلى الأَوصالِ
نَجمٌ يُسابِقُ بَينَ أَفلاكِ الدُّجىوَكُوَيكِبٌ يَغفو عَلى الأَذيالِ
وَدِيارُنا كانَت لَنا فَتَجَهَّمَتْوَدِيارُهُمْ تَجري عَلى الأَنفالِ
قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةًأَمّا الخَلاصُ فَحِكمَةٌ وَمَعالي
كانَ الطَّريقُ مُشَرِّقًا وَمُغَرِّبًاوَرِمالُهُ شُعَبٌ بِلا مِنوالِ
الشَّيخُ يَنزِفُ في فَضاءٍ جارِحٍوَالطِّفْلُ يَركُضُ في المَدار العالي
وَلَقَدْ تَضَرَّجَ بِالدُّموعِ كِلاهُمافَرَأَى السُّيوفَ بِلَهْفَةِ الخَيّالِ
اليَومَ يَقطَعُها كَأَوَّلِ مَرَّةٍوَيَعودُ مُقْتَدِرًا عَلى الأَهوالِ
وَيُزيلُ عَن جَمرِ الغَضا ما قد مَضىوَيُجَمِّع الأَنوارَ في الأسْمالِ
سَأَبيعُ للأَشواكِ كُلَّ دَقيقَةٍوَأَبيعُها زَوّادَتي وَرِحالي
وَأَذوبُ في شَجَنِ الحَبيبِ تَرنّمًاكَيما أغنِّي جَوهَرَ الأَفعالِ
فالسِّرُّ تَهْمِسُهُ الغَضارَةُ في الضُّحىوَتُذيبُهُ في مِشْعَلِ الآجالِ
أَيَضيعُ صَوتُكَ والسُّيوفُ طَليقَةٌوَسَماؤُها في عالَمِ الإقبالِ
والوَحيُ يَنشُرُ آيةً مِلءَ المَدىلله والتاريخِ والأَجيالِ
لَمّا اطمأَنَّ القَلبُ أشرَقَ راحِلاًواللَّيثُ أَسلَمَ ساحةَ الأَشبالِ
والدَّربُ طَوَّقَ وَجهنا بِمَدارِهِوالتَفَّ حَولَ مَدارجِ الأَطفالِ
فَطَفِقتُ أَسكُبُ أَدمُعي بِطَريقِهمْلكِنَّهُمْ سَكَنوا عَلى الأطْلالِ
حَدَقاتُهُمْ شَخَصَتْ وَأَحدَبَ صَوتُهُمْفي طَيفِ دَهرٍ عابِثٍ بَطّالِ
مِثلَ الرُّسومِ عَلى الحِجارةِ تَمَّحيوَتَضيعُ في الأسماءِ والأَحوالِ
مَنْ يَغسِلُ الأَيّامَ مِن أوزارِهاإنْ أَخفَقَتْ في صَولَةٍ وَنِزالِ
وَيَقولُ شَيخُكَ والفَضاءُ غَمامَةٌلا تَكتَرِثْ مِنْ ضَجَّةٍ وَسِجالِ
ما كُلُّ نازِلَةٍ تُصيبُكَ يا فَتىتَجتازُها أو تَنتَهي بِوِصالِ
فَاحزِمْ أَمانيكَ العَريضَةَ واتَّئِدْوانصِبْ يَمينَكَ رايَةً لِقِتالِ
هذا الطَّريقُ مُزَيَّنٌ بِقُدومِناذاكَ الطَّريقُ مَعارِجُ الأَبطالِ
الرّوحُ في شُعَبِ المَسالكِ دَوْحَةٌتَأبى البَقاءَ مَطيَّةً لِضَلالِ
سَأَبيعُ للأَهوالِ كُلَّ مراكبيوَأقَطِّعُ الأَميالَ بالأَميالِ
وَأَصونُ لَيلَكَتي الفَريدَةَ كُلَّماهَبَّتْ عَليها حَمْلَةٌ بِهُزالِ
يَروي المُريدُ بِقَيدِه نَفَضَ الهَوافَأَبانَ عَنْ تَعويذَةِ الإِذهالِ
وَتَرنَّحَ الماضون في فَيضِ الرُّؤىلِيكَركِرَ الأَطفالُ بالأَمثالِ
فَالوردةُ الحَمراءُ يَعرِفُها النَّدىمِثلَ الدِّماءِ تُضيءُ بالإِجفالِ
بابٌ تَخاطَرَ في عُيونِكَ فَارتَحِلْصَوبَ الخُلودِ مُخَفَّفَ الأَثقالِ
وَليَبْقَ مَنْ خانوكَ في ظُلُماتِهمنَظَرُ الزَّواحِفِ يَلتَقي بِنِعالِ
قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةًأَمّا الطَّريقُ فَحِكْمَةٌ ومعالي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق