اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼

الشاعرة اللبنانية حنان فرفور: شعرية الحبّ والمقاومة

 رسم مائي ملوّن للشاعرة حنان فرفور، تظهر فيه مبتسمةً بنظارة شمسية كبيرة وشعر منسدل، وسط تدرجات زاهية من البنفسجي والوردي والأزرق والأصفر، وتحيط بالصورة ثلاث فُرَش رسم على خلفية بيضاء.

بقلم: الوراق الجزائري

حين تُغنّي الجراح منفردة

لا تدخل حنان فرفور إلى الحرب من أبوابها المألوفة؛ فلا تصف ميادينها وصفًا خارجيًا، ولا تستعيد أخبارها بلغة المؤرخ أو المراسل، بل تلتقط أثرها في الجسد والذاكرة والحبّ والأمومة والطفولة. الحرب في قصائدها ليست حادثة تقع بعيدًا عن الذات، وإنما قوة تقتحم أدقّ تفاصيلها، فتغيّر معنى القبلة والثوب والمرآة والأغنية، وتجعل الحب نفسه فعلًا من أفعال النجاة والمقاومة. ومن هنا تبدو قصائدها أشبه بمقاطع من سيرة وجدانية واحدة: ذاتٌ أنثوية تحاول أن تحيا وتحبّ وتغنّي، فيما يتكاثر الرماد من حولها.

 

"سولو على إيقاع الحرب": صوت منفرد في مواجهة المقابر

يكشف عنوان القصيدة الأولى، "سولو على إيقاع الحرب" مثلا، عن المفارقة المركزية في تجربة فرفور الشعرية. فكلمة "سولو" تحيل إلى الأداء المنفرد، بينما توحي الحرب بإيقاع جماعي صاخب يبتلع الأصوات الفردية. إن الشاعرة تسعى إلى استعادة صوت الإنسان من داخل الضجيج، ولذلك تفتتح القصيدة بتحدٍّ صريح للموت: "نجوتُ مرارًا كي أغيظ المقابرا"، فالنجاة هنا ليست خلاصًا جسديًا فحسب، بل موقف احتجاج. إنها إغاظة للمقابر التي تنتظر حصتها من الأجساد، وإعلان بأن البقاء نفسه يمكن أن يكون صورة من صور المقاومة. وتقدّم القصيدة ذاتًا ممزقة بين الرصاصة والأم:

كحائرةٍ بين اثنتين: رصاصةٍ
وأمي التي أقنعتُها لن أغادرا

هذه المقابلة تختصر مأساة الإنسان في الحرب؛ فالاختيار ليس بين الأمان والخطر، وإنما بين موت محتمل ووجع أمّ تخشى الفقد. غير أن الذات لا تستسلم لهذا الحصار، بل تخترع سببًا بسيطًا وعميقًا للحياة: فتى سيهدي فتاة في الخراب أساور. وفي هذا المشهد تعيد الشاعرة الاعتبار إلى التفاصيل الحميمة التي تحاول الحرب محوها. فالأساور، بما تحمله من دلالة الزينة والفرح والأنوثة، تظهر وسط الخراب علامةً على استمرار الحياة. وتتكرر في القصيدة عملية تحويل الألم إلى جمال:

وإن يبقَ في جسمي مكانٌ لطعنةٍ
سيكبر فيه الأقحوان مغامرًا

الصورة لا تنكر الطعنة، وإنما تعيد تشكيل معناها؛ فالجسد المجروح يتحول إلى تربة، والجرح إلى مكان محتمل لنمو الأقحوان. غير أن هذا الجمال ليس زينة لغوية هادئة، بل جمال "مغامر" ينبت في بيئة معادية للحياة. ومن ثمّ يصبح الخيال الشعري قوة مضادة لخيال الحرب: إذا كانت الحرب تزرع الشظايا في الأجساد، فإن القصيدة تزرع الزهور في مواضع الطعنات.


ولا تفصل فرفور بين قضيتها العامة وهويتها الأنثوية. فالمرأة في القصيدة عاشقة وغيورة ومتمردة، وليست رمزًا ساكنًا للوطن أو ضحية صامتة. إنها تواجه سلطة المجتمع كما تواجه سلطة الحرب، وتردّ على مَن عيّرنها بالتنانير بقولها: "لبستُ لعشاقي عذابًا مغايرا"، وبهذه الجرأة يتحول الجسد الأنثوي من موضوع للمراقبة والإدانة إلى مصدر للقول والاختيار. كما أن الحوار المتخيَّل مع الشمس يوسّع مساحة التمرد، ولا سيما في السؤال: "متى نِدٌّ لندٍّ تشاورا؟" إنها ذات ترفض الوصاية، حتى حين تأتيها في صورة الشمس. ولذلك تتداخل في القصيدة مقاومة الاحتلال أو الحرب مع مقاومة القهر الاجتماعي؛ فالحرية لا تتجزأ، والمرأة التي تريد النجاة من الرصاص لا تقبل أن تُحاصر في رؤيتها لجسدها وحبها وصوتها.

وعندما تنتقل القصيدة إلى حزن النساء، يبلغ التصوير مستوى بالغ الحساسية: "يغمسُ في بُنِّ الصباح حناجرا"، وهنا تتداخل هنا مرارة القهوة مع مرارة الغناء، وتتحول الحناجر إلى شيء يُغمس في الصباح كما تُغمس قطعة خبز في شراب أسود. إنها صورة تجمع اليومي بالمأساوي، وتجعل الحزن طقسًا صباحيًا متكررًا، لا حادثة عابرة. لكن القصيدة لا تبقى في المجال العاطفي وحده؛ إذ تبلغ ذروة خطابها السياسي والأخلاقي في قولها:

نؤجّر أرحام البلاد لقاتلٍ
وندعو إلهًا: هل ستنجب ثائرا؟

تكشف الصورة تناقضًا جمعيًا فادحًا: فالبلاد تمنح مواردها ومستقبلها لمن يقتلها، ثم تنتظر الخلاص على هيئة بطل. وبهذا تنتقل الشاعرة من رثاء الضحية إلى مساءلة المجتمع، فلا تجعل الحرب قدرًا غامضًا، بل تلمّح إلى البنى التي تعيد إنتاجها.

 

الحبّ بوصفه امتحانًا للهوية

في قصيدة "كأني أساوم قلبي لئلا" تتغير درجة الصوت، لكن الحرب لا تختفي؛ إنها تتسلل إلى معجم الحب نفسه. فالمحبوب لا يُرى من خلال الصور الغزلية التقليدية وحدها، بل يظهر:

جميلا كندبةِ حربٍ
طويلا كحزنٍ

إن تشبيه الجمال بندبة الحرب قلبٌ للمقياس الجمالي المألوف. فالندبة أثر تشوّه وألم، لكنها أيضًا شهادة على النجاة. وهكذا لا تحب الذات محبوبًا مكتملًا منزّهًا عن الجراح، بل تحب فيه ما يشهد على الألم والصمود. ويتضح البعد الرمزي والديني في تكرار اسم "حسين". فالاسم يستدعي ذاكرة الشهادة وكربلاء، ويحوّل الحب من علاقة شخصية إلى انتماء أخلاقي يقوم على التضحية والوفاء للمحاصر والطريد. لذلك تسأل الشاعرة:

وكيف يصير الطريدُ بلادًا
وكيف يقول المحاصرُ مهلا؟

تقوم الصورة على تبادل المواقع بين الإنسان والمكان: فالطريد الذي فقد البلاد يصبح هو نفسه بلادًا، والمحبوب المحاصر يتحول إلى وطن معنوي. هنا يبلغ الحب أقصى درجاته؛ إذ لا يعود شعورًا مريحًا، بل اختيارًا لمصير قد يقود إلى الموت:

أحبك أدري أموت، ولست
أقايض حبّك.. موتًا أقلا!

ويمثل هذا الختام صيغة من صيغ الوفاء المطلق؛ فالشاعرة لا تساوم على الحب لتظفر بموت أخف، لأن الحب عندها ليس منفعة بل موقف وجودي.

 

الذات بوصفها فخًّا وملجأً

في "كأني ولا فخ عندي سوايا" تلتفت الشاعرة من الخارج إلى داخلها، فتكتشف أن الذات نفسها قد تصبح فخًا. ويأتي البناء التفعيلي أو الحرّ مناسبًا لحالة القلق والتشظي؛ فالأسطر تتفاوت طولًا، والأسئلة تتوالى، والجمل تنقطع كأن النفس يضيق تحت وطأة الخوف. وتقدم الشاعرة اعترافًا لافتًا: "أنا خطأ شائع في المرايا"، حيث تختزل هذه العبارة اغتراب الذات عن صورتها. فالمرآة، التي يُفترض أن تمنح الإنسان معرفة بنفسه، تكرر الخطأ بدل أن تكشف الحقيقة. ويتعزز هذا الاغتراب حين تقول:

أؤجّل صوتي
كما أجّلتني لأمسي البلاد

ثمة علاقة عميقة بين تأجيل الصوت وتأجيل الوطن لأبنائه. فالبلاد لا تمنح الذات حاضرها، بل تدفعها باستمرار إلى زمن مؤجل؛ ولذلك تمشي الذات إلى الخلف، ويتبعها ركام الحروب. الماضي هنا لا يمضي، بل يتحرك مع الإنسان كظل ثقيل.

وتتميز القصيدة بتحويل أعضاء الجسد إلى مخابئ للخوف والأمل:

وهل قدرٌ أن
أخبّئ تحت لساني اليمام؟

اليمام رمز السلام، لكنه لم يعد قادرًا على التحليق؛ صار مخبأً تحت اللسان، أي إن السلام تحوّل إلى كلام محظور أو رغبة مكبوتة. وعلى هذا النحو تصبح الذات في آن واحد سجنًا لما تخشاه وملجأً لما تحاول إنقاذه.

 

الشعر بين العجز والخلاص

تتجلى علاقة فرفور بالشعر بوضوح في "ثم ابتكرتك سور أغنيتي" و"بما في القلب من ورد جريح". ففي القصيدة الأولى يظهر الابتكار بوصفه فعل خلق؛ فالمخاطَبة لا تُكتشف جاهزة، وإنما تصنعها الذات "سورًا" لأغنيتها. والسور يحتمل دلالتين متعارضتين: الحماية والحصار. فالأغنية تحتاج إلى ما يحميها، لكنها قد تُحتجز داخل ما يحميها أيضًا. أما قولها:

لو خيّروني الكون يا ملكي
لاخترتُ ما في النعل قد جُمعا

فيعبّر عن تواضع العاشق أمام المحبوب، لكنه يستمد قوته كذلك من المبالغة الصوفية التي تجعل الأثر الضئيل أرفع من الكون كله. وتفيد العبارة من الذاكرة الدينية والوجدانية، حيث يتحول أثر المحبوب إلى موضوع للتقديس. وفي "بما في القلب من ورد جريح" تعود الصورة النباتية المتصلة بالجرح. غير أن الشاعرة لا تقدّم الشعر بوصفه خلاصًا كاملًا، بل تصفه بجرأة بأنه "كسيح: "وما وجدتُ سوى الشعر الكسيح". وهذه النظرة شديدة الأهمية في تجربتها؛ فهي تكتب لأنها لا تمتلك وسيلة أخرى، لكنها تدرك في الوقت نفسه محدودية الكتابة أمام حجم الفاجعة. الشعر لا يوقف الحرب، ولا يعيد الموتى، ولا يشفي الجسد، إلا أنه يظل الشاهد الذي يمنع الألم من أن يمر بلا لغة.

وفي قولها:

"فتنسبني إلى أهلي جروحي"

تصل الشاعرة إلى تصور خاص للهوية؛ فالانتماء لا تثبته الجينات ولا الأسماء، بل الجراح. إنها ابنة المكان لأنها تحمل آثاره، وابنة الجماعة لأنها تتألم بألمها. وبذلك يتحول الجرح من علامة فردية إلى وثيقة نسب.

 

سمات التجربة وحدودها الفنية

تعتمد حنان فرفور على كثافة الصورة والمفارقة: الأقحوان ينبت في موضع الطعنة، والطريد يصير بلادًا، واليمام يختبئ تحت اللسان، والجراح تثبت النسب. وهي صور تكشف قدرة على الجمع بين المتباعدات وصياغة الألم في تراكيب طازجة، كما تمنح الأشياء اليومية—القهوة، الأساور، التنورة، المرآة، النعل—طاقة رمزية تتجاوز وجودها العادي.

كذلك تتميز لغتها بالمزاوجة بين المعجم الديني والمعجم الحسي؛ فالمسيح والحسين والمئذنة والتلاوة تظهر إلى جوار الشفاه والندوب والقبل والثياب. ولا يبدو هذا التداخل مفتعلًا في أفضل مواضعه، لأنه يصدر عن رؤية تعتبر الجسد والروح ساحتين متصلتين للألم والحب.

أما موسيقيًا، فتتنقل الشاعرة بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة أو النص ذي الإيقاع الحر. وفي النصوص الموزونة تمنح القافية المتكررة القول نبرة خطابية قوية، تلائم التحدي والرثاء، لكنها قد تدفع الشاعرة أحيانًا إلى تزاحم الصور أو إلى تركيب لغوي شديد الالتواء رغبة في الحفاظ على الوزن والقافية. وفي بعض المقاطع تتلاحق الاستعارات بسرعة لا تتيح لكل صورة أن تنضج في وعي القارئ، فيغدو الإدهاش غايةً تنافس المعنى بدل أن تخدمه. كما أن الإفراط في علامات التعجب والمبالغات الوجدانية قد يرفع النبرة أكثر مما يحتمل بعض المشاهد الحميمة.

ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تلغي خصوصية الصوت، بل تكشف منطقة يمكن أن تزداد فيها التجربة نضجًا: مزيد من الاقتصاد في الصور، وثقة أكبر بالصمت وبقوة العبارة البسيطة، وانتقاء اللحظة التي تحتاج إلى الانفجار البلاغي من تلك التي يكفيها الهمس.

 

خاتمة

شعر حنان فرفور كتابةٌ ضد المحو؛ محو الإنسان بالحرب، ومحو المرأة بالوصاية، ومحو الحب بالخوف، ومحو الذاكرة بتكرار الجنائز. إنها لا تقدّم ذاتها بطلة لا تنكسر، بل امرأةً تعرف الخوف والغيرة والشك والعجز، ثم تحوّل هشاشتها إلى طريقة أخرى للمقاومة. ولهذا لا تنفصل جرأة خطابها الأنثوي عن احتجاجها السياسي، ولا ينفصل غزلها عن رثائها، ولا يظهر الجمال فيها إلا وهو يحمل ندبة.

إن "السولو" الذي تؤديه الشاعرة ليس صوتًا منعزلًا بقدر ما هو محاولة لإعطاء النبرة الفردية مكانها وسط هدير الحرب. ومن بين الركام والقبور والأجساد المطعونة، تظل القصيدة قادرة على إنبات أقحوانها المغامر. قد يكون الشعر "كسيحًا" أمام آلة الموت، كما تقول الشاعرة، لكنه يملك رغم عجزه فضيلة جوهرية: أن يسمّي الجرح، وأن يحفظ للضحايا أصواتهم، وأن يثبت أن تحت الضلوع جواهر لم تستطع الحرب كسرها.


اقرأ قصائد حنان فرفور على موقع الديوان انقر هنا

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق