اقرأ مع الوراق الجزائري

آخر المقالات
جاري تحميل المقالات...

مقالات

المزيد من المقالات ▼
جارٍ تحميل المقالات...

شبح الأوبرا: هل كان هناك شبح حقيقي تحت أوبرا باريس؟

مشهد توضيحي لقصر غارنييه فوق أقبية مغمورة بالماء تستلهم أسطورة شبح الأوبرا
صورة توضيحية أصلية تستلهم العالم السفلي الحقيقي لقصر غارنييه والأسطورة الأدبية التي نشأت حوله.

تحت المسرح كان الماء حقيقيًا، أما الرجل الذي يسكن الظلام فحكاية أكثر تعقيدًا

هل كان هناك فعلًا رجل مشوه يعيش في سراديب أوبرا باريس، يختبئ خلف الجدران، ويتحكم في الأبواب والممرات، ويراقب المغنيات من مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه؟ وهل كان "شبح الأوبرا" الذي جعله غاستون ليرو بطل روايته الشهيرة مجرد شخصية خيالية، أم أن وراءه شخصًا حقيقيًا طمر التاريخ اسمه واحتفظ الأدب بظله؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكن المشكلة أن كل عنصر تقريبًا في الحكاية يقف على الحد الفاصل بين الواقع والأسطورة. قصر غارنييه موجود بالطبع. طبقاته السفلية وممراته حقيقية. الماء الموجود تحت المبنى حقيقي أيضًا. ووقعت في الأوبرا حادثة مميتة مرتبطة بالثريا قبل كتابة الرواية بسنوات. بل إن ليرو نفسه افتتح كتابه بإعلان جازم أن شبح الأوبرا "كان موجودًا".

الجواب المختصر: لا توجد أدلة تاريخية موثوقة تثبت وجود رجل اسمه إريك عاش سرًا تحت أوبرا باريس وأصبح مصدر شخصية الشبح كما نعرفها في الرواية. لكن ليرو بنى حكايته فوق عناصر واقعية كثيرة: خزان المياه تحت قصر غارنييه، متاهة الأقبية والممرات، حادثة وقعت للثريا سنة 1896، والأساطير التي أحاطت بالمبنى. الحقيقة ليست وجود الشبح، بل وجود المسرح المثالي الذي يمكن أن يولد فيه شبح.


ليرو يبدأ الرواية كما لو أنه يكتب تحقيقًا لا قصة خيالية

أكثر ما يجعل البحث عن "الشبح الحقيقي" مغريًا أن غاستون ليرو لم يساعد القارئ على الفصل بين الخبر والرواية. فعل العكس تمامًا.

تبدأ رواية Le Fantôme de l'Opéra، التي ظهرت أولًا على حلقات في صحيفة Le Gaulois بين سبتمبر 1909 ويناير 1910، ثم صدرت كتابًا سنة 1910، بمقدمة يتحدث فيها الكاتب بلسان الباحث الذي يزعم أنه راجع الأرشيف وتحدث إلى شهود وفحص الأدلة. ومن الجملة الأولى تقريبًا يعلن أن شبح الأوبرا كان موجودًا، ليس باعتباره خيالًا صنعه الراقصون والعاملون، بل كائنًا من لحم ودم اتخذ مظهر الشبح.

هذه الجملة هي أصل جزء كبير من الالتباس الذي استمر أكثر من قرن.

لو كتب ليرو ببساطة: "كان الناس في الأوبرا يتحدثون عن شبح"، لقرأنا الرواية باعتبارها قصة قوطية تدور في مسرح حقيقي. لكنه يقدم نفسه منذ البداية بوصفه شخصًا أعاد فتح ملف قديم. يتحدث عن وثائق، وشهود، واختفاءات، وجثة عُثر عليها، وأحداث يريد أن يقنعنا بأنها أسيء تفسيرها.

إنه يستعير لغة الصحافة والتحقيق كي يمنح الخيال سلطة الوثيقة.

وهذا الاختيار ليس تفصيلًا شكليًا. ليرو عرف عالم الصحافة قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بالروايات البوليسية والمغامرات. لذلك يفهم جيدًا قوة العبارة التي تقول للقارئ إن ما سيأتي ليس اختراعًا كاملًا، وإنما إعادة تركيب لقضية نسيها الناس.

بهذه الحيلة تصبح القراءة نفسها جزءًا من اللغز. نحن لا نسأل فقط: ماذا حدث لكريستين وإريك؟ بل نبدأ من دون أن نشعر بالسؤال الذي أراده الكاتب: ماذا لو كان شيء من هذا قد حدث فعلًا؟

الماء تحت أوبرا باريس ليس اختراعًا

أقوى جزء واقعي في الأسطورة يوجد تحت المبنى نفسه.

عندما بدأ تشييد دار الأوبرا الجديدة التي صممها شارل غارنييه في ستينيات القرن التاسع عشر، واجه البناؤون مشكلة صعبة في المياه الجوفية. تشير المعلومات التاريخية التي تنشرها أوبرا باريس إلى أن غارنييه استخدم في ربيع سنة 1862 مضخات بخارية عملت ليلًا ونهارًا مدة طويلة لتجفيف الموقع. لم يكن بناء الأساسات في هذه الأرض مهمة عادية.

والحل الهندسي الذي ارتبط لاحقًا بالأسطورة كان إنشاء خزانات ومنشآت تحت الأرض للتعامل مع الماء وضغطه.

إذن هناك ماء حقيقي تحت قصر غارنييه.

لكن هذا لا يعني أن تحت الأوبرا بحيرة رومانسية بالمعنى الذي كرسته الرواية ثم المسرح والسينما: سطح أسود هادئ، وقارب يعبره الشبح حاملًا كريستين إلى بيت منعزل تحت الأرض. ما يوجد في الواقع أقرب إلى خزان هندسي كبير داخل بنية المبنى، لا إلى بحيرة طبيعية مجهولة اكتشفها ليرو.

هذه المسافة الصغيرة بين "خزان مياه حقيقي" و"بحيرة سرية تحت دار الأوبرا" تكشف طريقة الرواية كلها.

ليرو لا يحتاج إلى اختراع باريس أخرى. يكفي أن يأخذ حقيقة لا يعرفها معظم الجمهور، ثم يدفعها بضع خطوات نحو الظلام.

الخزان يصبح بحيرة. الأقبية تصبح متاهة. الممرات الفنية التي يحتاجها المسرح تتحول إلى منافذ تسمح لرجل بأن يظهر ويختفي. والمسافة بين ما يراه المتفرج على الخشبة وبين الآلات والحبال والغرف الموجودة خلفها تصبح مساحة يمكن أن يعيش فيها شخص خارج المجتمع كله.

حادثة الثريا: عندما أعطى الواقع الرواية مشهدًا جاهزًا

هناك واقعة أخرى لا تحتاج إلى شبح كي تكون مخيفة.

في 20 مايو 1896، قبل ظهور رواية ليرو بنحو ثلاثة عشر عامًا، وقع حادث داخل قصر غارنييه ارتبط بالثريا الضخمة في القاعة. لم تسقط الثريا كلها بالطريقة التي ستترسخ لاحقًا في المخيلة الشعبية، وإنما سقط جزء من منظومة الأثقال المرتبطة بها واخترق منطقة من القاعة، وأدى الحادث إلى وفاة أحد الحاضرين وإصابة آخرين.

الرواية تأخذ هذه الذاكرة المسرحية وتحولها إلى شيء آخر. ما كان في الواقع حادثًا يصبح داخل عالم الشبح فعلًا من أفعال الإرادة والانتقام.

وهنا تظهر إحدى الحيل الأساسية في صناعة الأسطورة: الحادث الحقيقي يمنح الخيال صدقية لا يستطيع الاختراع الخالص أن يمنحها له.

القارئ الذي يعرف أن كارثة مرتبطة بالثريا وقعت فعلًا يبدأ تلقائيًا في إعادة النظر في بقية التفاصيل. إذا كانت الثريا حقيقية، والخزان حقيقيًا، والأقبية موجودة، فلماذا لا يكون الرجل نفسه حقيقيًا؟

لكن هذا الاستنتاج هو تحديدًا ما لا تسمح لنا الأدلة بالقفز إليه.

وجود عناصر واقعية في الرواية لا يجعل الحكاية كلها واقعة تاريخية، بالطريقة نفسها التي لا تجعل الخلفية التاريخية وراء دراكولا وصلته بفلاد المخوزق الكونت دراكولا شخصية تاريخية يمكن العثور على ملف رسمي لها. الأدب يستطيع أن يثبت قدمًا في الواقع ثم يبني بالقدم الأخرى عالمًا لا وجود له خارجه.

فهل كان إريك شخصًا حقيقيًا؟

هنا نصل إلى الجزء الذي أصبحت فيه الروايات المتداولة على الإنترنت أكثر ثقة مما تسمح به المصادر.

هناك قصص تربط الشبح بعازف بيانو مشوه أو رجل أصيب بحريق وعاش في الأقبية بعد فقدان حبيبته. إحدى الصيغ المتداولة تطلق عليه اسم "إرنست"، وتعيد حكايته إلى حريق وقع في القرن التاسع عشر. وتظهر أصداء لهذه الأسطورة حتى في مواد مرتبطة بأوبرا باريس نفسها.

لكن الطريقة التي تروى بها القصة مهمة. فهي تقدم عادة بصيغة الحكاية أو الاحتمال، وليس بوصفها ملفًا أرشيفيًا يثبت أن رجلًا بهذا الوصف عاش تحت قصر غارنييه وأصبح المصدر المباشر لشخصية إريك.

لا نملك سلسلة توثيق من النوع الذي نحتاجه لإثبات ذلك: اسمًا موثقًا، وسجلًا معاصرًا، وشهادة يمكن التحقق منها، وعلاقة واضحة بليرو تثبت أنه عرف قصته ثم بنى عليها بطله.

ولهذا يصبح من الخطأ أن نقول إن "شبح الأوبرا الحقيقي كان رجلًا اسمه إرنست" وكأن القضية حسمت.

الأدق أن نقول إن أسطورة قصر غارنييه أنتجت، قبل الرواية وبعدها، قصصًا حاول الناس من خلالها منح الشبح اسمًا وسيرة. بعض هذه القصص قد يستند إلى حوادث حقيقية متناثرة، لكن ذلك شيء، وإثبات وجود النموذج التاريخي لإريك شيء آخر.

وهذه المشكلة مألوفة في تاريخ الشخصيات الأدبية الشهيرة. بعد نجاح شخصية ما، يبدأ البحث عن الشخص الذي "كان" تلك الشخصية في الواقع، وكأن الخيال لا يستطيع بناء إنسان إلا بنسخه عن إنسان آخر.

لكن شخصية روائية قد تولد من مكان حقيقي، وحادثة حقيقية، ومهنة حقيقية، وحكايات متفرقة، ومخاوف اجتماعية، وخيال الكاتب معًا. لا ضرورة لأن يوجد شخص واحد نستطيع الإشارة إليه ونقول: هذا هو الأصل.

إريك ليس شبحًا بالمعنى التقليدي أصلًا

المفارقة الأهم أن قراءة الرواية نفسها تضعف فكرة البحث عن "روح" حقيقية كانت تطوف في الأوبرا.

إريك في عالم ليرو ليس ميتًا عاد من القبر. إنه رجل.

الرعب يأتي من أن الناس لا يستطيعون رؤيته وفهم الطرق التي يتحرك بها. يعرف المبنى أكثر منهم، ويستخدم صوته ومهاراته وحيله وممراته بحيث يبدو حضوره فوق طبيعي. إنه يصنع الشبح الذي يعتقد الآخرون أنه موجود.

هذا فارق جوهري.

فلو كان إريك روحًا بالفعل لانتمت الرواية إلى قصة أشباح أكثر وضوحًا. لكن ليرو يجعل الرعب أكثر إزعاجًا حين يمنحه جسدًا بشريًا. خلف الصوت الذي يأتي من مكان مجهول، والرسائل التي تصل إلى المديرين، والخوف من المقصورة رقم خمسة، يوجد في النهاية إنسان عاش خارج المجتمع.

والوجه المشوه في الرواية ليس مجرد وسيلة لتخويف القارئ. إنه جزء من مأساة الشخصية. إريك يريد الحب والاعتراف، لكنه عاش طويلًا وهو يرى في نظرات الآخرين حكمًا مسبقًا عليه. وهكذا يصعب اختزاله إلى وحش، مثلما يصعب اختزال مخلوق ماري شيلي إلى صورة الوحش السينمائي الشائعة، وهي مسألة تتقاطع مع سؤال من هو الوحش الحقيقي في فرانكنشتاين؟

لكن التعاطف معه لا يمحو ما يفعله. وهذه نقطة مهمة لأن بعض الاقتباسات اللاحقة جعلت قصة الحب في المقدمة أكثر مما تفعل رواية ليرو نفسها. إريك شخصية قادرة على الإبداع والموسيقى والعاطفة، لكنه في الوقت نفسه يراقب ويهدد ويحتجز ويقتل. المأساة لا تحول العنف إلى براءة.

لماذا كانت دار الأوبرا مكانًا مثاليًا لولادة شبح؟

ربما يكون السؤال الأكثر إثارة بعد التحقق من الوقائع هو: لماذا صدق الناس الحكاية بهذه السهولة؟

قصر غارنييه نفسه يقدم جزءًا من الإجابة.

المتفرج يرى واجهات مذهبة، سلالم رخامية، قاعة مضاءة، أزياء وموسيقى وأجسادًا تتحرك وفق نظام دقيق. لكن المسرح لا يعمل بما يراه الجمهور وحده. خلف الستارة عالم آخر من الآلات والممرات والحبال والغرف والعمال والمخازن والمداخل التي لا يعرفها الجالس في المقعد.

الأوبرا مؤسسة مبنية على الوهم.

الصوت الذي يبدو صادرًا من عالم آخر يحتاج إلى إنسان يتنفس خلف الستارة. القصر الذي يتحول على الخشبة في ثوان يحتاج إلى آلات وأيد تعمل في الظلام. الموت في العرض تمثيل، والليل مصنوع بالإضاءة، والغابة قد تكون قماشًا مرسومًا.

لذلك حين يضع ليرو شبحه في هذا المكان، فإنه لا يضيف الخداع إلى فضاء بريء. إنه يدخل شخصية بارعة في الخداع إلى مبنى وظيفته الفنية أصلًا أن يصنع أوهامًا مقنعة.

وحين يبدأ إريك باستخدام الصوت من دون أن يظهر جسده، يصبح امتدادًا مظلمًا لفن الأوبرا نفسه: حضورًا يصل إلى الآخرين قبل أن يعرفوا مصدره.

حتى الأقنعة ليست غريبة عن المسرح. ولهذا يبدو إريك وكأنه لا يسكن أسفل المبنى فقط، بل يسكن الجانب الآخر من فكرته: كل ما ينبغي أن يبقى مخفيًا لكي يستمر العرض الجميل في الأعلى.

الطابق السفلي بوصفه الوجه الآخر للقاعة المذهبة

يمكن قراءة المكان في الرواية باعتباره أكثر من خلفية لحكاية رعب.

في الأعلى عالم العرض الاجتماعي. ملابس فاخرة، مقصورات، أسماء، ألقاب، جمهور يريد أن يرى وأن يُرى. وفي الأسفل رجل لا يريد أن يراه أحد، أو يريد أن يُرى بالطريقة التي يختارها هو.

هذا التقابل بين الأعلى والأسفل يمنح الخزان والممرات وظيفة أدبية تتجاوز السؤال التاريخي.

قصر غارنييه الحقيقي احتاج إلى العالم السفلي كي يقف المبنى فوقه. والرواية تحتاج إلى إريك كي تكشف ما يحاول عالمها اللامع ألا ينظر إليه.

الجمال في الأعلى لا يلغي التشوه في الأسفل. الموسيقى لا تلغي العنف. الحب لا يمحو التملك. والعبقرية لا تمنح صاحبها حق السيطرة على إنسان آخر.

بهذا المعنى، يستطيع ليرو أن يستخدم أبنية الأوبرا نفسها ليبني شخصيته. إريك موجود في المساحة التي لا يراها الجمهور، تمامًا كما أن جوانبه الإنسانية لا يراها الذين يكتفون بوجهه.

لكن الرواية لا تطلب منا فقط أن نشفق عليه. إنها تجعلنا نعيش التوتر بين رغبة الإنسان في أن يكون محبوبًا وبين تحوله، حين يرفض حرية الآخر، إلى مصدر خوف.

كيف تحولت التفاصيل الحقيقية إلى "دليل" على قصة لم تقع؟

أسطورة شبح الأوبرا مثال ممتاز على الطريقة التي تتراكم بها الحقيقة والخيال حتى يصبح الفصل بينهما صعبًا.

نبدأ بحقيقة أولى: توجد منشآت مائية تحت أوبرا باريس.

ثم حقيقة ثانية: القصر يحتوي على شبكة واسعة ومعقدة من المساحات التي لا يراها الجمهور.

ثم حقيقة ثالثة: وقع حادث مميت مرتبط بالثريا سنة 1896.

ثم يأتي غاستون ليرو ويستخدم هذه العناصر في رواية تقدم نفسها في مقدمتها كما لو أنها نتيجة تحقيق.

بعد ذلك تصبح الرواية مشهورة، ثم تأتي الأفلام والمسرحيات والمسرح الموسيقي، ويصبح القناع والثريا والبحيرة صورًا يعرفها ملايين الأشخاص، بمن فيهم كثيرون لم يقرأوا النص الأصلي.

عند هذه المرحلة يحدث شيء طريف: يبدأ نجاح الخيال نفسه في العمل بوصفه دليلًا على أن وراءه حقيقة.

إذا كانت القصة معروفة إلى هذا الحد، فلا بد أن شيئًا قد حدث.

لكن شهرة الحكاية ليست وثيقة تاريخية.

وقد رأينا آلية مشابهة في شخصيات كثيرة داخل عنقود "أسرار الأدب": ما إن يكتشف القارئ عنصرًا واقعيًا خلف النص حتى يصبح من السهل أن يمد الواقعي إلى مساحة أكبر مما تسمح به الأدلة.

العمل الأدبي الجيد يستفيد أحيانًا من هذه المنطقة الملتبسة. إنه لا يقول لنا إن التاريخ كذب، لكنه يجعلنا نشعر للحظة بأن العالم الموثق ربما ترك بابًا لم يغلقه جيدًا.

ماذا كان ليرو يفعل حين أصر على أن الشبح موجود؟

ليس من الضروري أن نتهم الكاتب بمحاولة خداع قارئ ساذج. الأفضل أن ننظر إلى الطريقة التي يبني بها الرواية.

إعلان أن الشبح كان موجودًا يغير العقد بين الراوي والقارئ.

بدل أن يقول: "سأحكي لكم قصة مخيفة"، يقول عمليًا: "سأبين لكم أن القصة التي ظننتم أنها خرافة يمكن تفسيرها بوصفها واقعة".

وهذا يقرب الرواية من التحقيق البوليسي، وهو مجال برع فيه ليرو أيضًا. اللغز لا يقوم على وجود أمر خارق ينبغي الإيمان به، بل على وجود ظواهر تبدو خارقة لأن المعلومات ناقصة.

الأبواب المغلقة، الأصوات، الاختفاء، معرفة إريك الدقيقة بالمكان، كلها تؤدي وظيفة شبيهة بوظيفة لغز الغرفة المغلقة: يبدو المستحيل مستحيلًا فقط إلى أن نعرف البنية التي سمحت بحدوثه.

لكن ليرو لا يزيل الغموض كله بعد الكشف.

فحتى عندما يصبح الشبح رجلًا، يبقى شيء شبحي في الشخصية. ليس لأن إريك خارق للطبيعة، وإنما لأنه عاش خارج العالم المرئي فترة طويلة حتى صار حضوره أقرب إلى الإشاعة منه إلى الحياة الاجتماعية العادية.

هنا تتحول كلمة "شبح" من وصف لكائن ميت إلى وصف لإنسان محذوف من حياة الآخرين.

إذن: هل كان هناك شبح حقيقي تحت أوبرا باريس؟

إذا كان المقصود رجلًا اسمه إريك عاش حياة الشخصية التي وصفها غاستون ليرو، وخطف مغنية تدعى كريستين دائيه وسكن بيتًا خلف بحيرة سرية تحت الأوبرا، فليس لدينا دليل تاريخي موثوق يسمح بتقديم ذلك بوصفه حقيقة.

وإذا كان المقصود أن ليرو بنى حكايته من فراغ، فالجواب أيضًا لا.

تحت قصر غارنييه يوجد بالفعل عالم لا يراه الجمهور، وفي أساسه ماء حقيقي فرض نفسه على المهندسين منذ مرحلة البناء. وفي تاريخ القصر وقعت حادثة حقيقية ارتبطت بالثريا. وحول المسارح الكبيرة نشأت، مثل أي فضاءات مغلقة مليئة بالممرات والقصص والعاملين، إشاعات وحكايات تناقلها الناس.

ما فعله ليرو كان أكثر إثارة من العثور على "شبح حقيقي".

أخذ هندسة حقيقية، وحادثة حقيقية، وسمعة قابلة للأسطرة، ثم صنع منها رجلًا يستطيع القارئ أن يشك لحظة في أنه كان موجودًا.

وبعد أكثر من قرن، ما زلنا نطرح السؤال نفسه الذي زرعه في مقدمة كتابه.

قد لا يكون إريك قد عاش تحت أوبرا باريس، لكن الرواية نجحت في شيء ربما كان أصعب: جعلتنا ننظر إلى خزان ماء هندسي وممر مظلم وثريا معلقة، ثم نشعر أن التاريخ لم يخبرنا بكل شيء.

برأيك، لو لم يبدأ غاستون ليرو روايته بالتأكيد أن الشبح كان شخصًا حقيقيًا، هل كانت أسطورة شبح الأوبرا ستبدو لنا مقنعة إلى هذا الحد اليوم؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق