بقلم: الورّاق الجزائري
اللغة حين تعصي
ليس محمد الصغير
أولاد أحمد شاعرًا يكتفي بأن يقول موقفه من العالم، بل هو شاعر يعيد ترتيب العالم
داخل اللغة. فالقصيدة لديه ليست زينةً تُضاف إلى الواقع، ولا تعليقًا وجدانيًا على
أحداثه، وإنما هي فعل مقاومة يزعزع المعاني المستقرة، ويفضح ما تخفيه الكلمات حين
تستولي عليها السلطة أو العادة أو الخطابات الدينية والسياسية المغلقة. ومن هنا
تنبع خصوصية تجربته: إنه يكتب القصيدة كما لو أنه يختبر باللغة حدود الحرية،
ويسائل بها الوطن، والموت، والحب، والهوية، والله، والشعر نفسه.
تتحرك نصوص أولاد
أحمد في منطقة يتداخل فيها الشخصي بالعام، واليومي بالأسطوري، والساخر بالمأساوي.
وقد يبدو خطابه، للوهلة الأولى، مباشرًا بسبب حضوره السياسي ووضوح انحيازه إلى
الحرية، غير أن التمعن في بنية قصائده يكشف أن هذه المباشرة ليست سوى سطح أول تخفي
تحته شبكة واسعة من المفارقات والإحالات والانزياحات. فالقول السياسي لا يدخل
قصيدته في صورته الخطابية الجاهزة، بل يُفكَّك ويُعاد بناؤه داخل إيقاع ساخر وصور
صادمة وتركيب لغوي شديد الوعي بذاته.
الشاعر بوصفه ذاتًا متمرّدة
تتمحور تجربة أولاد
أحمد حول ذات شعرية لا تقبل أن تُختزل في تعريف نهائي. إنها ذات تونسية وعربية
وإنسانية، عاشقة وساخرة، قوية وهشّة، محتفية بالحياة ومطاردة بفكرة الموت. ولذلك
تكثر في شعره ضمائر المتكلم وصيغ الإقرار والاعتراف: "أرى أنني"، "أحب"،
"أجلّ"، "أطلّ"، "ألحّ"، "أصرّ"، "أقرّ".
وليست هذه الكثافة النحوية مجرد تكرار للذات، بل إعلان مستمر عن حق الفرد في أن
يكون مصدرًا للقول والمعنى.
في قصيدة "أحب
ثلاثة"، يُنشئ الشاعر بناءه على سلسلة من الأفعال المضارعة التي تبدأ بهمزة
المتكلم: أحب، أجلّ، أطلّ، أقلّ، ألحّ، أعدّ، أصرّ، أقرّ. وبهذه البنية يصبح الحرف
الأول علامة صوتية على حضور الأنا وصلابتها. غير أن هذه الأنا ليست منغلقة أو
متعالية؛ فهي تحمل الآخرين، وتطعم الباكين حولها، وتعتبر المخاطَب "نسخة
أصلية" منها. إنها ذات تبحث عن نفسها في اشتباكها مع الجماعة، لا في الانفصال
عنها.
ويظهر هذا التوتر
بوضوح أكبر في "تونسي أو لا أكون"، حيث تتحول الهوية من انتماء موروث
إلى اختيار وجودي:
تونسيٌّ مرّةً
واحدةً
تونسيٌّ دُفعةً واحدةً... أو لا أكونْ
لا يستحضر الشاعر
العبارة الشكسبيرية ليقلدها، وإنما يعيد توطينها داخل التجربة التونسية. فأن يكون
تونسيًا لا يعني عنده حمل اسم جغرافي أو قانوني، بل اتخاذ موقف كامل لا يقبل
التجزئة. وتأكيد "مرة واحدة" و"دفعة واحدة" يرفض الهوية
المترددة أو الانتهازية؛ فالانتماء الحقيقي، وفق هذه الرؤية، لحظة حاسمة يُختبر
فيها الإنسان أمام الخوف والسلطة والتاريخ.
اللغة بين الفصاحة واليومي
من أبرز خصائص لغة
أولاد أحمد قدرتها على الجمع بين السجل الفصيح الموروث والتعبير اليومي الحديث.
فهو يستدعي القرآن والشعر العربي القديم والأسطورة والموروث الديني، ثم يجاورها
بالمصعد الكهربائي، والصحفي، والقهوة، وتذاكر السفر، والانتخابات، وحبال الغسيل.
وبذلك لا تبقى الفصحى عنده لغة عالية منفصلة عن الحياة، بل تنزل إلى الشارع
والمقهى والسجن وغرفة المرض.
في قصيدة "واحدًا
ووحيدًا" تجتمع مفردات الشهادة والموت والقصيدة مع صورة قطّ داخل مصعد
كهربائي. هذه المجاورة تجرّد الموت من فخامته البلاغية وتعيده إلى تفاصيل الحياة
الصغيرة. فالذات التي يمكن أن "تموت شهيدًا" ليست بطلاً أسطوريًا يقف
خارج الزمن، بل إنسانًا يعود من حديث صحفي إلى بيته، ويستمع إلى قطّ يعده بلقاء
الغد، ثم يشك في أن يكون الغد "يومًا أكيدًا". هنا تُبنى المأساة من
خلال العادي، ويكتسب اليومي عمقًا وجوديًا غير متوقع. وتبلغ هذه المزاوجة بين الجليل واليومي درجة
عالية من السخرية في قصيدة "إلهي"، حين يقول:
لقد تمّ بيع
التذاكر للآخرةْ
ولم أجد المالَ، والوقتَ، والعذرَ
كي أقتني تذكرةْ
يحوّل الشاعر تصور
النجاة الأخروية إلى عملية بيع وشراء، فيفضح ضمنًا استثمار المقدس وتحويله إلى
امتياز تحتكره مؤسسات أو جماعات بعينها. إن صورة "تذاكر الآخرة" بسيطة
وقريبة من اللغة اليومية، لكنها تحمل نقدًا مركبًا للمتاجرة بالخلاص، وللخطابات
التي تتصرف في مصائر البشر كأنها تملك مفاتيح الغيب.
النحو بوصفه مادةً شعرية
لا يتعامل أولاد
أحمد مع النحو باعتباره نظامًا لضبط العبارة فقط، بل يحوّله إلى موضوع للقصيدة
وأداة لصناعة المفارقة. ففي "اعتذار إلى ليلى" يبحث المتكلم "في
النحو عن سبب" يبرر به التناقض بين أمرين: ألا تأتي الحبيبة، وأن يعتقد أنها
أتت ولم تجده. إن البحث في النحو بحثٌ عن حيلة عاطفية، وعن قاعدة لغوية تنقذ الذات
من الشعور بالخذلان.
ويظهر الوعي باللغة
أكثر وضوحًا في "أحب ثلاثة"، حيث يضع الشاعر "مضارع الأفعال في
النحو القويم" إلى جوار الحياة وابنتها. وليس اختيار المضارع اعتباطيًا؛
فالمضارع هو زمن الاستمرار والتجدد وعدم الاكتمال، أي الزمن الأكثر ملاءمة لشاعر
يريد أن تظل الحياة مفتوحة على الاحتمال. أما قوله: "ألحّ على الفواصل والنقاط /
لأنني لا حرف لي / غير الفواصل والنقاط"، فيحوّل علامات الترقيم إلى صورة
للوجود الهامشي. فالفاصلة والنقطة ليستا حروفًا كاملة، لكنهما تتحكمان في الوقف
والاستمرار، وفي انتهاء المعنى أو انفتاحه. وكأن الشاعر، الذي قد يُراد له أن يكون
هامشًا في خطاب السلطة، يعلن أن الهامش نفسه قادر على تنظيم الكلام وتغيير دلالته.
وفي "ترانيم
الأطلس" يتخذ التأمل اللغوي بُعدًا فلسفيًا حين تظهر "حروف تكاد تقول
لقائلها: من أنا؟". لقد انفصلت اللغة هنا عن مالكها المفترض وأصبحت كائنًا
يسائل قائله. وهذا يعبّر عن مفهوم حديث للشعر: الشاعر لا يفرض على اللغة معنى
جاهزًا، بل يدخل معها في مغامرة قد تقوده إلى ما لم يقصده سلفًا.
المفارقة والسخرية السوداء
السخرية من أهم
ركائز شعرية أولاد أحمد، لكنها ليست أداة للتخفيف أو الإضحاك وحده، بل صيغة للكشف
والمقاومة. إنه يضع العبارة الرسمية أو الشائعة في سياق يقلب معناها، حتى تنكشف
المسافة بين الخطاب والواقع. وتقوم قصيدة "جنوب الماء" على
العبارة المتكررة: "تدور أمور هذي البلاد". وهي عبارة توحي في الاستعمال
المألوف بأن شؤون البلاد تسير، إلا أن الشاعر يكررها في سياقات الفقر والانتظار
والسجن والخواء. وفي النهاية ينسفها بقوله إن البلاد "لا تدور"، وإن من
يراها تدور قد ساوى، بفعل الوهم، بين الخذروف والبلاد. هكذا تصبح الحركة المزعومة
دورانًا عبثيًا حول الذات، كحركة لعبة لا تتقدم إلى مكان.
وتتميز السخرية هنا
بأنها تُبنى تدريجيًا. يبدأ النص بصور الكؤوس والشراب والهواء والسمر، ثم تتسرب
إليه إشارات العجز السياسي والقمع والحبس والحاجة إلى وسادة وكسوة للحداد. وكلما
تكررت اللازمة، ازدادت مرارتها، حتى تتحول من قول مطمئن إلى شهادة ساخرة على
الجمود.
وفي "إلهي"
تتخذ السخرية شكل المناجاة. يحتفظ الشاعر بالنداء الديني، لكنه يملؤه بأسئلة
السياسة والفساد والانتخابات والرقابة والبيع والشراء. وعندما يقول: "ذهبنا
جميعًا إلى الانتخاب / ولم ينتخب أحدٌ من نجح"، فإنه يصوغ مفارقة مكثفة تكشف
اغتراب النتيجة عن الإرادة الشعبية. الجملة واضحة، لكن قوتها الشعرية تأتي من
بنائها المنطقي المستحيل: فالفائز لم يختره أحد، ومع ذلك أُعلن نجاحه.
استدعاء المقدّس وإعادة فتحه على السؤال
تكثر في شعر أولاد
أحمد الإشارات القرآنية والدينية: الناقة، والطير الأبابيل، وقصة ملكة سبأ، وسورة
الشعراء، والأنبياء، والمغفرة، والقرى التي يفسدها الملوك. غير أن الشاعر لا
يستعمل هذه العناصر للزخرفة الثقافية، ولا يكرر معناها الوعظي، بل يعيد توجيهها
نحو الحاضر. وحين يقول: "لقد عقروا ناقتي"،
فإنه يستعير قصة الناقة ليضع الذات الشاعرة في موقع الضحية التي انتهكها قومها.
وتصبح العبارة في آن واحد شخصية وسياسية؛ فالناقة قد تكون القصيدة، أو الحرية، أو
الجسد، أو الوطن الذي تعرض للعقر. وتلك سمة أساسية في صوره: إنها لا تستقر على
مقابل واحد، بل تتسع لأكثر من قراءة.
كذلك فإن مخاطبة
الله في القصيدة لا تقوم على يقين ساكن، بل على قرب مشوب بالاحتجاج. يقول الشاعر: "إلهي،
حبيبي، ويا سندي"، ثم يسأله أن يحرر نفسه من صورته التي سجنها فيها الأنبياء
والخلفاء والأمراء والرؤساء والوزراء. والمقصود هنا ليس محاكمة المقدس في ذاته
بقدر ما هو تحريره من احتكار المؤسسات التي تتحدث باسمه. لذلك يبدو الإله في
القصيدة قريبًا من الشاعر، بينما يظهر بعيدًا عن الذين جعلوه أداة لتثبيت نفوذهم.
هذه الجرأة تمنح
لغة أولاد أحمد طابعها الإشكالي. فهو لا يقف خارج التراث ليهاجمه، وإنما يدخل إلى
نصوصه ورموزه ويعيد تشغيلها من الداخل. وبذلك يغدو التناص حوارًا وصراعًا، لا مجرد
استشهاد.
إيقاع التكرار والتقطيع
يعتمد أولاد أحمد
على التكرار بوصفه وسيلة إيقاعية ودلالية. تتكرر عبارات مثل "لو أستطيع"،
و"تونسي مرة واحدة"، و"تدور أمور هذي البلاد"، و"أرى
أنني صرت شيئًا"، و"إلهي". وفي كل مرة لا يعود القول مطابقًا
تمامًا لما سبقه؛ إذ يكتسب معنى جديدًا من السياق.
في "لو أستطيع"
يمنح تكرار العبارة القصيدة حركة رغبة دائمة لا تتحقق. فالذات تنهض وتهبط وتذهب
وتعود، لكن الوصول إلى الحبيبة يظل مشروطًا بالاستطاعة. والأجمل أن الشاعر يقول: "لو
أستطيع / وصلت قبلي إليها"، فيخرق المنطق الزمني، ويحوّل شدة الشوق إلى سباق
بين الذات وذاتها. إنه يريد أن يسبق جسده ورغبته وزمنه، ثم يسير في الحب حتى يعود "منه
إليها"، وكأن الحب طريق يبدأ من المحبوبة وينتهي بها.
أما التقطيع
البصري، وكثرة النقاط والحذف، وتوزيع الكلمات المفردة على الأسطر، فتجعل الصفحة
جزءًا من إنتاج المعنى. ففي "أرى أنني" تتوالى الأشياء متفرقة: "بلاطٌ
/ زجاجٌ / محابسُ مكسورةٌ". يعكس هذا التشظي البصري تحطم الذات وتحولها إلى
موجودات مبعثرة. كما أن الأسئلة القصيرة: "وداعًا لماذا؟ / وأهلًا بماذا؟"
تعبّر عن سقوط الحدود بين البداية والنهاية، وعن بلوغ الوعي حالة من العدم لا يجد
فيها ما يودعه أو يستقبله.
الصورة الشعرية: من التجريد إلى المحسوس
تتمثل قوة الصورة
لدى أولاد أحمد في تحويل المعاني المجردة إلى أشياء محسوسة، وتحويل الأشياء بدورها
إلى أسئلة فكرية. فالوقت عنده "أبيض قانٍ"، والموت يبني له الشاعر عشين،
والقلق حروف ضلت الطريق وتعوي، والبلد زجاج هشمه الأحياء بالموتى، والنجوم تنبت
كالفاكهة في أغصان السماء. ولا تقوم هذه الصور على التشبيه التزييني،
بل على خلق علاقات غير مألوفة بين الموجودات. فحين يقول في "قلق": "وحروفٌ
ضلّت الدرب إلى الحاضر / تعوي"، يجمع بين الحروف والكائن التائه أو الجريح. فاللغة
نفسها لم تعد قادرة على الوصول إلى الحاضر؛ إنها عالقة في أزمنة وخطابات سابقة،
ولا تملك إلا العواء. وبذلك تصبح أزمة الشاعر أزمة لغة وتاريخ معًا.
وفي "أرى أنني"
يعلن المتكلم تحوله إلى "شيء"، ثم يعدد سلسلة من الأشياء والرموز:
الحجر، الكراسي، المنافض، البلاط، الزجاج، العصا، ناقة القرشي، قلق المتنبي، بغلة
الأصفهاني، كلب كافكا. تجمع هذه القائمة بين اليومي والتراثي والعالمي، وتصور
الذات كأنها أرشيف كامل من الحيوات والنصوص. غير أن هذا الامتلاء لا ينقذها من
العدم؛ فهي "ميتة وحية"، ولا فرق بينها وبين الحجر. هكذا تبلغ المفارقة
ذروتها: كثرة المرجعيات لا تمنح الذات استقرارًا، بل تعمق شعورها بالتشظي.
تعدد المرجعيات واتساع الأفق
يكشف "ترانيم
الأطلس" خصوصًا عن ثقافة شعرية واسعة تتجاور فيها شخصيات مثل أوفيد وجان دارك
ونيتشه والفرزدق مع الرعاة والقبائل والكتاتيب والأولياء والصبايا والغيوم
والسلاحف. ولا يجري هذا التجاور وفق ترتيب تاريخي أو جغرافي، وإنما وفق منطق
المخيلة. والأطلس في هذه القصيدة ليس مكانًا طبيعيًا
فقط، بل فضاء تتقاطع فيه الذاكرة المغاربية مع الثقافة المتوسطية والعربية
والإنسانية. إن الشاعر يرفض أن تكون هويته الثقافية أحادية؛ فهو ابن المكان
المحلي، لكنه ينظر من خلاله إلى العالم. لذلك يمكن أن تظهر الحمائم على جيد جان
دارك، ويجلس الشاعر في مقاهي الفرنجة مع كاتب أرمني، ثم يعود إلى الفرزدق والقبائل
والحروز وأتربة الصالحين.
هذه القدرة على جمع
المتباعد تمنح لغته ثراءً خاصًا، لكنها لا تحول القصيدة إلى معرض للأسماء. فكل
مرجع يشارك في بناء سؤال النص عن الشعر والهوية والحرب والحب والموت.
الحب بوصفه مقاومةً للفناء
على الرغم من شهرة
أولاد أحمد بوصفه شاعرًا للموقف السياسي، فإن الحب عنصر مركزي في تجربته. غير أن
الحب لديه ليس عالمًا منفصلًا عن التاريخ، بل قوة تعيد للذات قدرتها على الحياة.
في "لو أستطيع" تتحدد حركة العالم باتجاه الحبيبة: النهوض منها، والهبوط
إليها، والذهاب في الطريق نحوها، والعودة من الحب إليها. إنها مركز الجاذبية الذي
تنتظم حوله أفعال الذات.
وفي "اعتذار
إلى ليلى" يمتزج الحب بالفكاهة والارتباك اللغوي. فالمتكلم يخترع غيابًا
مزدوجًا: الحبيبة لم تأت، لكنه يزعم أنها جاءت ولم تجده. ويبدو الاعتذار موجّهًا
إليها وإلى الذات معًا؛ لأن الخيال يحاول حماية المحب من حقيقة الانتظار. القهوة
والفم والنحو كلها تدخل في تركيب حميمي يجعل اليومي مادةً للغزل.
أما في "ترانيم
الأطلس"، فتظهر النساء بوصفهن شريكات في الحروف والمجاز، وتتهيأ الحبيبات لإعداد
"بيت القصيدة للشعر". المرأة هنا ليست موضوعًا خارجيًا للوصف فقط، بل
شريكة في ولادة النص وشرط من شروطه الجمالية.
جدلية الموت والكتابة
يحضر الموت في شعر
أولاد أحمد بوصفه أفقًا دائمًا، لكنه لا يلغي الرغبة في الحياة. بل إن الكتابة
نفسها تبدو فعلًا لمساومة الموت وتأجيل سلطته. في "واحدًا ووحيدًا" يكتب
الشاعر القصيدة بعد حديثه عن احتمال الموت شهيدًا، وكأن القصيدة تصحيح للعبارة
الصحفية وتحرير لها من يقينها البطولي. يقول: "ها هي الكلمات
/ والوقت أبيض قانٍ / نشيد للموت عشين". فالكتابة لا تهزم الموت نهائيًا،
لكنها تمنحه شكلًا يمكن النظر إليه. وحتى عندما يطلب من الطب والرب ألا يتركاه مع
الذئب، فإنه يطلب في الوقت نفسه أن يُترك لوحدته. هذه الازدواجية بين طلب النجاة
والرغبة في العزلة تختصر وضع الشاعر: إنه محتاج إلى العالم ومتمرد عليه في آن.
وفي "أرى أنني"
يصبح الموت تجربة لغوية ووجودية داخلية؛ فالذات تعلن موتها وحياتها في الجملة
نفسها. لا يعود الموت حادثة تقع في النهاية، بل حالة من التشيؤ وفقدان المعنى تبدأ
قبل توقف الجسد. ومن هنا تكتسب مقاومة التشيؤ، عبر اللغة والسخرية والتسمية، قيمة
أخلاقية.
وطنية نقدية لا مديحية
الوطن عند أولاد
أحمد ليس موضوعًا للمديح المجرد. إنه محبوب ومساءل ومرفوض في صورته المشوهة. يقول
في "جنوب الماء": "لسنا الذين نخاف / من حب هذي البلاد"،
فيجعل حب الوطن فعل شجاعة، لا طاعة عمياء. فالحب الحقيقي لا يعني الصمت عن الخراب،
بل القدرة على تسميته.
وفي "تونسي أو
لا أكون" ترتبط تونس بالشك والرفض والشهادة والكتابة. يقول: "وزرعت الشك
في أرض اليقين"، فيجعل الشك قيمة تأسيسية. فاليقين الذي يرفضه هو يقين السلطة
والعقائد الجامدة، أما الشك فهو بداية السؤال والحرية. لذلك لا تناقض بين شدة
انتمائه الوطني وقسوة نقده للبلاد؛ إذ إن النقد نفسه ثمرة الانتماء. وهذه الوطنية النقدية تميز شعره من الخطاب
الحماسي التقليدي. إنه لا يصنع وطنًا مثاليًا في اللغة، بل يكشف الوطن الواقعي ثم
يحلم بإمكان آخر له. والقصيدة هي المسافة المتوترة بين الواقع والإمكان.
خلاصة: قصيدة الحرية وحرية القصيدة
تنبع خصوصية اللغة
الشعرية عند محمد الصغير أولاد أحمد من اجتماع خصائص قد تبدو متعارضة: الفصاحة
واليومية، السخرية والرثاء، الغنائية والسياسة، التراث والحداثة، الإيمان بالسؤال
والتمرد على الأجوبة الجاهزة. لغته واضحة من غير أن تكون بسيطة الدلالة، ومباشرة
من غير أن تتخلى عن المجاز، وثقافية من غير أن تفقد اتصالها بتفاصيل العيش. وقد جعل الشاعر من النحو
وعلامات الترقيم والتكرار والتقطيع البصري عناصر فاعلة في إنتاج المعنى. كما حوّل
النصوص الدينية والتراثية إلى فضاء للمساءلة، واستعمل المفارقة لكشف فساد السياسة
وزيف الخطابات التي تحتكر الحقيقة. أما الأنا المتكلمة في شعره فليست ذاتًا نرجسية
مغلقة، بل ساحة تتقاطع فيها جراح الفرد وأزمات الوطن وأسئلة الإنسان.
إن أهم ما يميز شعر
أولاد أحمد أنه لا يفصل حرية القول عن حرية بناء القول. فهو لا يطالب بالحرية داخل
مضمون القصيدة فحسب، بل يمارسها في تركيب العبارة، وفي خلط مستويات اللغة، وفي كسر
الوقار المصطنع، وفي إعادة توزيع المقدس واليومي على نحو جديد. لذلك يمكن وصف
قصيدته بأنها لغة تعصي: تعصي البلاغة المطمئنة، والهوية المكتملة، والسياسة
الكاذبة، واليقين الذي يمنع السؤال.
لقد أراد أولاد
أحمد للكلمات أن تكون أكثر من شاهد على عصرها؛ أرادها أن تصبح قوةً مضادة للنسيان
والترويض. ومن هنا تبقى قصيدته مشدودة إلى مفارقة عميقة: إنها وليدة ألم شخصي
ووطني، لكنها لا تستسلم للمرثية؛ تقترب من الموت، لكنها تنحاز إلى الحياة؛ تعترف
بالهزيمة، لكنها تجعل من الاعتراف نفسه ضربًا من الانتصار. وفي ذلك تتجلى فرادة
صوته: شاعرٌ لم يستخدم اللغة ليصف حريته، بل جعل من اللغة نفسها ممارسةً دائمة
للحرية.
لقراءة أشعار محمد الصغير أولاد أحمد على موقع الديوان انقر هنا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق