حافلة الاغتراب العربي حين يصبح الطريق وطنًا مؤقتًا
بقلم: الورّاق الجزائري
قصيدة قصيرة تتسع لعالم كامل
لا تحتاج قصيدة "لا شيء يعجبني" إلى مشهد أسطوري واسع أو بناء ملحمي طويل كي تضع قارئها أمام مأزق الإنسان العربي المعاصر. يكفي محمود درويش أن يجمع عددًا من المسافرين في حافلة، وأن يترك بينهم جملة واحدة تنتقل من فم إلى آخر، حتى يتحول الطريق العابر إلى صورة مكثفة لعالم فقد أبناؤه ثقتهم في المكان والغاية معًا. فالمسافرون يتحركون، لكن حركتهم لا تمنحهم يقينًا بالوصول؛ ولكل منهم سبب مختلف للضيق، غير أن أسبابهم تلتقي في شعور واحد: الواقع القائم لا يقدم ما يستحق الرضا أو الاطمئنان.
جاءت القصيدة في المرحلة المتأخرة من تجربة درويش، وظهرت في ديوان "لا تعتذر عما فعلت"، حيث أصبح الصوت الشعري أقل ميلًا إلى الإعلان المباشر، وأكثر اهتمامًا بالمفارقة والسؤال والحوار الداخلي. ولم تعد القضية الفلسطينية تظهر دائمًا في صورة مواجهة واضحة بين ذات وطنية وخصم معروف؛ فقد اتسعت لتشمل ارتباك الهوية، وتعب الذاكرة، وخيبة الفرد من المؤسسات التي يفترض أن تمنحه معنى. ومن هنا تبدو القصيدة فلسطينية في جذورها، عربية في مجالها، وإنسانية في قدرتها على مخاطبة كل من أحس أنه يتحرك كثيرًا من غير أن يغادر موضعه الحقيقي.
العنوان نفسه شديد البساطة، حتى إنه يشبه عبارة يومية يمكن أن يقولها شخص ضجر من طعام أو خبر أو برنامج إذاعي. لكن النفي المطلق في كلمة "لا شيء" يرفع الضيق من مستوى الاعتراض الجزئي إلى أزمة شاملة. إن المتكلم لا يحدد أمرًا واحدًا خيّب أمله، بل يسحب رضاه من العالم المحيط كله. ومع ذلك لا يقدم درويش هذه العبارة بوصفها حكمة نهائية؛ إذ سيختبرها عبر أصوات متعددة، ويكشف أن التشابه اللفظي بينها يخفي آلامًا متباينة وأسئلة لم تُحسم.
الحافلة مسرحًا للاغتراب الجماعي
يبني درويش القصيدة على موقف درامي واضح: ركاب في حافلة، وسائق يراقب الطريق، ومحطة يُفترض أن تكون نهاية الرحلة. لا يصف الشاعر هيئة الحافلة ولا لون مقاعدها ولا أسماء القرى التي تمر بها؛ لأن التفاصيل الواقعية المطلوبة قليلة، ولأن المكان يؤدي وظيفة تتجاوز النقل. الحافلة مجتمع مصغر يضم أفرادًا لا تربطهم معرفة سابقة، لكنهم محكومون مؤقتًا بالطريق نفسه وبالسقف نفسه وبقرار سائق لا يشاركهم شكواهم إلا بالقدر الذي يسمح باستمرار الرحلة.
لهذا الاختيار دلالة عميقة. فالقطار، مثلًا، يتحرك على سكة محددة، والطائرة تقفز فوق الأرض، أما الحافلة فتظل ملتصقة بالطريق، تمر بالقرب من البيوت والتلال والحواجز، وتتوقف وتتابع وفق ظروف يمكن أن تتغير. إنها وسيلة الناس العاديين، وفيها تتجاور مصائر لا يجمع بينها سوى الاتجاه المؤقت. لذلك يستطيع درويش أن يجعلها صورة لشعوب تتحرك داخل التاريخ، من دون أن تكون شريكة فعلية في اختيار المسار أو تعيين المحطة.
ويبدأ الحوار بمسافر لا يعجبه الراديو ولا صحف الصباح ولا القلاع على التلال. تجمع هذه العناصر بين الإعلام واليومي والتاريخي: الراديو ينقل خطاب الحاضر، والصحف تعيد ترتيبه كل صباح، والقلاع تحتفظ بصورة القوة القديمة. ومع ذلك لا يجد المسافر في أي منها ما يخفف غربته. فالخبر لا يغير الواقع، والصباح لا يعد ببداية حقيقية، ومجد الماضي المرتفع على التلال يبدو منفصلًا عن عجز الحاضر. وحين يقول: "أريد أن أبكي"، تنتقل القصيدة فجأة من نقد الأشياء العامة إلى حاجة إنسانية أولية، كأن تراكم الخطاب والتاريخ لم يترك للفرد سوى دمعة يبحث لها عن مكان.
يرد السائق بأن ينتظر المسافر الوصول إلى المحطة، ثم يبكي وحده ما استطاع. يبدو الرد عمليًا، وربما قاسيًا، لكنه يكشف نظامًا كاملًا لتأجيل المشاعر. على الراكب أن يضبط ألمه حتى لا يعطل السير، وعليه بعد ذلك أن يمارسه في عزلة. ليست الحافلة مكانًا للاعتراف المتبادل، بل فضاء يجتمع فيه الغرباء من غير أن تتكون بينهم جماعة قادرة على المواساة. وهكذا يصبح الحزن شأنًا فرديًا، على الرغم من أن أسبابه موزعة على الجميع.
أصوات متعددة وجرح واحد
لا يحتكر الشاعر الكلام، بل يوزعه على شخصيات محددة: مسافر، وسيدة، وجامعي، وجندي، ثم السائق، قبل أن يظهر صوت "الأنا" في النهاية. وهذا التوزيع ليس مجرد تنويع مسرحي؛ إنه يمنع القصيدة من اختزال الاغتراب في سيرة فرد واحد. فكل شخصية تدخل النص بوظيفتها أو موقعها الاجتماعي، ثم تكشف أن هذا الموقع لم يعد كافيًا لتعريفها أو حمايتها. المسافر لا يعرف ماذا ينتظره، والأم لا تستطيع الاحتفاظ بابنها، والجامعي لا يجد الهوية في معرفته، والجندي لا يملك حتى اليقين بمن يحاصر ومن يحاصره.
تقول السيدة إنها دلّت ابنها على قبرها، فأعجبه ونام ولم يودعها. تتحرك الصورة في منطقة بين الواقع والكابوس؛ فالأم حية بما يكفي لتدل ابنها، لكنها ترى قبرها حاضرًا كأنه عنوان معلوم. أما الابن فيتقبل القبر وينام، فينقلب المألوف: بدل أن يحمي الابن أمه أو يفزع من موتها، يطمئن إلى موضع غيابها. وقد يُقرأ نومه بوصفه موتًا أو استسلامًا أو إنهاكًا شديدًا، لكن قوة الصورة تأتي من امتناعها عن الحسم. لقد أصبح الفقد مألوفًا إلى درجة أن القبر لا يوقظ الدهشة.
هذه السيدة ليست رمزًا جامدًا للأم الفلسطينية وحدها، وإن كان تاريخ الفقد الفلسطيني حاضرًا بقوة خلف كلامها. إنها أيضًا أم عربية تعرف أن أبناء جيل كامل كبروا قرب المقابر والحروب وصور الغائبين. ويزيد غياب الوداع من مرارة المشهد؛ فالوداع اعتراف بقيمة العلاقة وبأن الفراق حدث استثنائي، أما حين يصبح الموت متكررًا ومبكرًا، فقد يفقد الإنسان حتى طقوس الحزن التي تساعده على احتماله.
ثم يتكلم الجامعي الذي درس علم الآثار من غير أن يجد الهوية في الحجارة، ويسأل إن كان هو نفسه حقًا. هنا يقترب درويش من واحدة من أكثر قضايا الثقافة العربية حساسية: العلاقة بين الماضي والهوية. فالآثار قد تثبت تعاقب الحضارات، وتمنح الجماعات حججًا تاريخية في صراعها على المكان، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنح الفرد جوابًا حيًا عن ذاته. وإذا تحولت الهوية إلى بحث لا ينتهي عن شاهد حجري، فقد يشعر الإنسان بأن وجوده الراهن ناقص مهما كان الماضي عظيمًا.
لا يسخر النص من علم الآثار ولا ينفي قيمة الذاكرة التاريخية. إنه يعترض على تكليف الحجارة بما لا تطيق: أن تعوض الحاضر، وأن تحل أزمة الانتماء، وأن تجيب عن سؤال شخصي بصيغة قاطعة. فالجامعي يمتلك المعرفة، لكنه لا يمتلك اليقين؛ وقد زادت دراسته أسئلته بدل أن تغلقها. وبذلك يختلف عن صورة المثقف الذي يتقدم نحو الناس بالأجوبة الجاهزة. معرفته هنا تجعله أكثر وعيًا بالفراغ بين ما تثبته الآثار وما يعيشه الإنسان.
أما الجندي فيقول إنه يحاصر دائمًا شبحًا يحاصره. وتكثف هذه العبارة منطق العنف كله في صورة دائرية: من يفرض الحصار يصبح بدوره أسيرًا لما يحاصره، والعدو الذي يتصوره ثابتًا يتحول إلى شبح يطارده. لا تمنح القوة صاحبها طمأنينة، لأن استمرارها يحتاج إلى خوف دائم، ولا يستطيع الجندي أن يخرج من موقعه ليرى نفسه خارج معادلة المراقبة والتهديد. وهكذا تلغي الدائرة الفارق النفسي بين الحارس والمحروس، وإن لم تلغِ بطبيعة الحال الفارق الأخلاقي والمادي بين من يملك سلطة الحصار ومن يقع عليه. وتستحق هذه النقطة شيئًا من الحذر. فالقصيدة لا تساوي ببساطة بين جميع الآلام، ولا تعفي الجندي من مسؤوليته، لكنها ترى أن آلة العنف تشوه أطرافها بطرائق مختلفة. إن المحاصَر يخسر حريته وأمنه، فيما يخسر المحاصِر قدرته على رؤية الآخر خارج صورة الشبح، ثم يعيش تحت سطوة الصورة التي صنعها. هذه المفارقة تمنح النص بعدًا إنسانيًا من غير أن تفرغه من واقعه السياسي.
من الاغتراب الفلسطيني إلى المأزق العربي
يمكن قراءة القصيدة في سياق التجربة الفلسطينية: الحافلة طريق طويل بين أماكن منقوصة السيادة، والقبر قريب من الأم، والهوية موضع نزاع، والحصار حاضر حتى في وعي الجندي. غير أن درويش يتجنب أسماء المدن والحدود والأطراف السياسية، فلا يغلق الدلالة على واقعة واحدة. لقد صاغ مشهدًا يسمح للخبرة الفلسطينية بأن تكشف وضعًا عربيًا أوسع، حيث يشعر الفرد في بلدان كثيرة أن المجال العام لا يمثله، وأن التاريخ يُستدعى لتعويض الحاضر، وأن الرحلة مستمرة من غير اتفاق على وجهتها.
الاغتراب هنا لا يعني الغربة الجغرافية فقط. قد يكون الإنسان في مدينته وبين أبناء لغته، ومع ذلك يشعر أن صوته لا يغير شيئًا، وأن المؤسسات التي تحمل أسماءه لا تعبر عنه، وأن الأخبار اليومية تكرر الواقع بدل أن تفسره. ولهذا يبدأ المسافر بالضيق من الراديو والصحف، لا من الطريق وحده. إنه يسمع العالم ويتلقى صوره، لكنه لا يجد نفسه فيه. وهذه واحدة من علامات الاغتراب الحديثة: وفرة الكلام مع ندرة المعنى، واتساع الاتصال مع ضعف المشاركة.
ويظهر الاغتراب كذلك في انقطاع العلاقة بين الفرد ودوره. فالأمومة لا تحمي السيدة من الفقد، والجامعة لا تمنح صاحبها هوية مستقرة، والسلاح لا يمنح الجندي سيطرة حقيقية، والسائق لا يعرف رغبات ركابه بل يطلب منهم الاستعداد للنزول. تبدو الوظائف الاجتماعية قائمة من الخارج، لكنها عاجزة عن إنتاج المعنى الذي وعدت به. لذلك لا تأتي الشكوى من العاطلين عن الحياة فحسب، بل من أشخاص يؤدون أدوارهم، ثم يكتشفون أن الدور لا يملأ الفراغ.
على أن عبارة "الإنسان العربي" قد تتحول بسهولة إلى تعميم فضفاض إذا قُرئت القصيدة بوصفها تقريرًا اجتماعيًا. ليس العرب كتلة واحدة، ولا تتشابه تجاربهم أو أسباب ضيقهم، والنص نفسه يرفض هذا الاختزال حين يمنح كل راكب حكايته الخاصة. ما يجمع الشخصيات ليس هوية متجانسة، بل تقاطع أشكال من الخيبة داخل فضاء تاريخي وسياسي متقارب. ومن هنا تكون القصيدة أصدق حين نقرأها بوصفها تشخيصًا لاحتمال واسع في التجربة العربية، لا حكمًا نهائيًا على جميع العرب.
إنها ترصد إنسانًا تتنازعه ذاكرة ثقيلة وحاضر لا يرضيه ومستقبل مؤجل إلى محطة غامضة. يعيش بين الاعتزاز بتاريخ ممثل بالقلاع والحجارة، وبين الشك في قدرة هذا التاريخ على مساعدته الآن. ويسمع لغة جماعية عن الوطن والهوية والنصر، لكنه يعود في داخله إلى سؤال شديد الفردية: هل أنا حقًا أنا؟ بهذا الانتقال من العام إلى الشخصي يكشف درويش أن الأزمات الكبرى لا تبقى خارج النفس؛ إنها تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته.
بلاغة الحوار وإيقاع التكرار
تبدو لغة القصيدة قريبة من الكلام اليومي، وتكاد تخلو من الزخرفة التقليدية. الشخصيات تقول ما بها مباشرة، والسائق يجيب بلهجة عملية، ولا يتدخل راوٍ طويل الوصف لتفسير المواقف. غير أن هذه البساطة مصنوعة بدقة؛ فكل صوت يقدم معلومة قصيرة تفتح خلفها مساحة واسعة من التأويل. القبر والحجارة والشبح والمحطة كلمات مألوفة، لكنها تنتقل في السياق من معناها المباشر إلى علامات على الموت والذاكرة والخوف والنهاية.
ويؤدي تكرار "لا شيء يعجبني" وظيفة تشبه اللازمة الموسيقية، لكنه لا يعيد المعنى نفسه في كل مرة. في البداية تبدو العبارة ضجرًا عامًا، ثم تصبح عند السيدة اعتراضًا على عالم يسبق فيه القبر الحياة، وعند الجامعي شكًا معرفيًا، وعند الجندي مأزقًا داخل دائرة العنف. وحين تنتقل الجملة إلى صوت الشاعر في الخاتمة، تكون قد حملت معها طبقات الأصوات السابقة. التكرار، إذن، لا يوقف القصيدة، بل يراكم الدلالة ويجعل العبارة المشتركة وعاءً لاختلاف التجارب.
كما يقوم البناء على اقتصاد واضح في التعريف. لا أسماء للشخصيات، بل صفات تحدد مواقعها: السيدة، الجامعي، الجندي، السائق. يحرمهم غياب الأسماء من فرديتهم الكاملة، لكنه يجعلهم في الوقت نفسه قابلين لتمثيل عدد كبير من الناس. وهم لا يتحاورون فعلًا؛ فكل واحد يضيف شهادته بعد أن يسمع اللازمة، من غير أن يناقش شهادة الآخر أو يواسيه. يشبه الكلام اعترافات متجاورة داخل مكان ضيق، ولذلك تتولد المفارقة بين قرب الأجساد وبعد النفوس.
أما الشرطات والفواصل وتتابع أفعال القول، فتمنح النص حركة مسرحية سريعة. ينتقل القارئ من صوت إلى صوت كما لو كان يدير رأسه بين المقاعد، ويؤدي هذا التتابع إلى كسر الغنائية الفردية التي عُرف بها كثير من شعر الاعتراف. ومع ذلك لا تختفي الموسيقى؛ فهي تنشأ من عودة اللازمة، ومن التوازن بين الجمل، ومن مقابلات مثل الحصار المتبادل والوصول والرغبة في تجاوز الوصول. إن درويش لا يتخلى عن الإيقاع حين يقترب من النثر، بل ينقله من الوزن الظاهر إلى حركة الحوار وتردد العبارة.
وتحضر السخرية السوداء من غير أن تتحول القصيدة إلى نكتة سياسية. أن يدل إنسان ابنه على قبره، أو يبحث دارس الآثار عن هويته بين الحجارة، أو يحاصر جندي شبحًا يحاصره، صور تجمع الألم والمفارقة في لحظة واحدة. وهذه السخرية لا تخفف المأساة، بل تمنعها من الوقوع في الرثاء المباشر. فالواقع نفسه تجاوز المعقول، ولم تعد اللغة التقريرية كافية لتمثيله.
المحطة الأخيرة والرغبة في ما بعدها
حين يعلن السائق أن الحافلة أوشكت على محطتها الأخيرة ويطلب من الركاب الاستعداد للنزول، يبدو للوهلة الأولى أن الرحلة وجدت خاتمتها. غير أن الركاب يصرخون: "نريد ما بعد المحطة". وهذه الجملة هي أول فعل جماعي حقيقي في القصيدة؛ فقد تحدث كل منهم سابقًا منفردًا، أما الآن فتلتقي أصواتهم في رفض النهاية المقررة. لا يعرفون ما الذي يوجد بعد المحطة، لكنهم يعرفون أن التوقف عندها لا يلبي توقهم. ويمكن أن ترمز المحطة إلى حدود سياسية أو تسوية ناقصة أو نهاية تاريخية تعلنها سلطة ما، كما يمكن أن ترمز إلى الموت نفسه. وفي الحالتين تظهر الرغبة في تجاوز ما قُدم بوصفه قدرًا نهائيًا. إن الركاب الذين لم يعجبهم شيء لا يطلبون العودة، بل يطلبون المزيد من الطريق. وهنا تكشف القصيدة تناقضًا إنسانيًا دقيقًا: السخط على الرحلة لا يلغي التعلق بالاحتمال، وربما كان رفض الواقع وجهًا آخر لرغبة لم تمت في واقع أفضل.
ويختلف موقف الأنا في السطر الأخير عن موقف الجماعة. فهو يقر بأنه مثلهم لا يعجبه شيء، لكنه يطلب النزول لأنه تعب من السفر. لا يعلن أنه وجد المكان المناسب، ولا يقول إن المحطة حققت غايته؛ إنه يختار التوقف تحت ضغط الإنهاك. وقد يوحي هذا الاختيار برغبة في الانفصال عن الدور الجماعي الذي طالما حمله درويش، أو بحاجة الشاعر إلى مساحة شخصية خارج الهتاف المشترك، أو بتأمل في الموت بوصفه نهاية لتعب طويل. ولا يلزم أن نستقر على معنى واحد، لأن قوة الخاتمة تأتي من إبقائها الاحتمالات مفتوحة.
ثمة فرق جوهري بين عدم الإعجاب والتعب. الأول حكم على العالم، أما الثاني فاعتراف بحدود الذات. وحين يقول الشاعر إنه تعب، يتخلى عن موقع المتكلم الذي يملك تفسيرًا شاملًا، ويظهر إنسانًا محدود الطاقة. لا يوبخ الركاب على رغبتهم في الاستمرار، ولا يطلب منهم النزول معه؛ لكل منهم علاقته بالطريق. وبهذه النبرة الهادئة تنجو الخاتمة من البطولة الزائفة، إذ لا تحول المثابرة إلى واجب مطلق، ولا تحول الانسحاب إلى حكمة عامة.
وربما يكمن أكثر ما يؤلم في النهاية في كلمة "هنا". فالشاعر يطلب أن يُنزله السائق في موضع غير موصوف، قبل المحطة أو عند نقطة لا تحمل اسمًا. لقد صار التوقف أهم من المكان، كما صار التعب أقوى من سؤال الوجهة. وهذا شكل بالغ القسوة من الاغتراب: ألا يختار الإنسان وطنًا أو بيتًا أو نهاية واضحة، بل يختار فقط أن يتوقف عن الحركة.
بين التشاؤم والرغبة المستترة في التغيير
يسهل أن تُقرأ القصيدة بوصفها إعلانًا للعدمية، فعبارتها المركزية تنفي الإعجاب عن كل شيء، وشخصياتها محاطة بالقبر والشك والحصار والتعب. لكن هذا الفهم يغفل أن الاعتراض نفسه يفترض معيارًا آخر للواقع. من لا ينتظر شيئًا حقًا قد يصمت، أما هؤلاء فيتكلمون ويقارنون ويرفضون المحطة ويطلبون ما بعدها. إنهم لا يملكون صورة مكتملة للبديل، لكنهم لم يفقدوا الإحساس بأن الممكن أكبر من المعروض عليهم.
حتى الرغبة في البكاء ليست علامة استسلام خالص. فالبكاء استجابة حية لعالم يريد من أفراده أن يؤجلوا مشاعرهم وأن يمارسوها منفردين. وحين تنتشر الجملة بين الركاب، يتحول ما بدا ضيقًا خاصًا إلى معرفة مشتركة، وإن ظلت الجماعة عاجزة عن بناء حوار كامل. لقد اكتشف كل واحد أن الآخر يحمل اعتراضًا، وهذه الخطوة الصغيرة لا تصنع خلاصًا، لكنها تكسر وهم العزلة التامة.
مع ذلك لا ينبغي تحميل النهاية تفاؤلًا لا تحتمله. فالركاب يطلبون متابعة السفر من غير خطة، والشاعر ينزل من غير مكان معلوم. لا تقدم القصيدة مشروعًا سياسيًا ولا وصفة نفسية، بل تضعنا أمام لحظة انكشاف: الطريق الذي اعتدنا السير فيه لم يعد مقنعًا، والمحطة التي قيل إنها النهاية ليست كافية، والطاقة البشرية نفسها معرضة للنفاد. لذلك يقيم النص في المسافة الصعبة بين اليأس والأمل، حيث يبقى الاعتراض حيًا بينما تظل القدرة على تحويله إلى فعل موضع سؤال.
قيمة القصيدة وحدودها النقدية
تنجح "لا شيء يعجبني" لأنها تضغط خبرات واسعة في مشهد يمكن رؤيته وسماعه. لا تتحدث عن الاغتراب بوصفه مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل تجعله أصواتًا في حافلة: أمًا تعرف قبرها، وجامعيًا تشككه المعرفة، وجنديًا يحاصر خوفه، وشاعرًا أنهكه السفر. وبدل أن تشرح العلاقة بين الفرد والجماعة، تجعل العبارة الواحدة تدور بين أفراد مختلفين، فتظهر وحدتهم وانفصالهم في آن. ومن عناصر قوتها أيضًا امتناعها عن منح الشاعر سلطة أعلى من بقية الشخصيات. فهو لا يصل متأخرًا ليحل ألغازهم، ولا يحول آلامهم إلى مادة لخطبة. يقول إنه مثلهم، ثم يختلف عنهم في قراره. هذه المساواة بين صوت الشاعر وأصوات الركاب تلائم مرحلة ناضجة من تجربة درويش، صار فيها أكثر حذرًا من صورة الشاعر النبي الذي يعرف الطريق نيابة عن الجماعة.
لكن شدة التكثيف تترك بعض الشخصيات قريبة من النماذج الرمزية. فالسيدة تكاد تختصر في الأمومة والفقد، والجامعي في أزمة الهوية، والجندي في مفارقة الحصار. هذا ليس عيبًا حاسمًا، لأن طبيعة القصيدة القصيرة ومشهدها المسرحي تقتضيان الاقتصاد، إلا أنه يفسر لماذا تبدو الشخصيات أقرب إلى أصوات فكرية منها إلى ذوات مكتملة الملامح. وقد يرى قارئ أن البنية المحكمة توجه التأويل بقوة نحو الدلالات المقصودة، فيما يجد آخر أن الفراغات التي تركتها الصور كافية لتعدد القراءة.
كذلك صنعت شهرة اللازمة خطرًا على القصيدة نفسها؛ فقد انفصلت عبارة "لا شيء يعجبني" عن سياقها، واستُخدمت أحيانًا للتعبير عن مزاج عابر أو نفور شامل. غير أن النص لا يمجد التبرم، بل يفكك مصادره ويختبر نتائجه. فالشخصيات لا ترفض العالم لأنها مترفة أو عاجزة عن رؤية الجمال، وإنما لأن كل واحدة اصطدمت بخلل يمس صميم وجودها: الموت، والهوية، والعنف، وغياب الغاية. ولهذا ما تزال القصيدة قادرة على مخاطبة قارئ اليوم. فالحافلة لم تتوقف؛ الأخبار أكثر تدفقًا، والبحث عن الهوية أشد توترًا، والحروب تصنع أمهات جديدات يعرفن طريق المقابر، وكثيرون يشعرون أن القرارات التي تحدد محطاتهم تُتخذ بعيدًا عنهم. ومع ذلك لا تقدم القصيدة نفسها نبوءة فوق الزمن، بل مرآة مرنة يرى فيها كل جيل صورته بقدر ما يختبر من انقطاع بين الحركة والمعنى.
في النهاية، ليست "لا شيء يعجبني" قصيدة عن كراهية العالم، بل عن فقدان الصلة بعالم لا يمنح الإنسان موضعًا مطمئنًا داخله. إنها ترسم اغترابًا تتقاطع فيه السياسة بالذاكرة، والمعرفة بالخوف، والجماعة بوحدة الفرد. وحين يطلب الركاب ما بعد المحطة بينما يطلب الشاعر النزول، لا تحسم القصيدة أي الطريقين أصوب؛ إنها تتركنا أمام السؤال الذي يمنحها حياتها: هل نواصل البحث عن أفق لم نره، أم نعترف بأن طول الرحلة قد استنفد قدرتنا على السفر؟
لا شيء يعجبني
"لا شيءَ يُعْجبُني"
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح، ولا القلاعُ على التلال.
أُريد أن أبكي/
يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ،
وابْكِ وحدك ما استطعتَ/
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا
شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري،
فأعْجَبَهُ ونامَ، ولم يُوَدِّعْني/
يقول الجامعيُّ: ولا أَنا، لا شيءَ
يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن
أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا
حقاً أَنا؟/
ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا
شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً
يُحاصِرُني/
يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا
للنزول.../
فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،
فانطلق!
أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا
مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق